من داخل صحيفة الـ«نيويورك تايمز»

شعار ضخم معلق على الحائط الأمامي يذكرك بأول أعدادها عام 1856

من داخل صحيفة الـ«نيويورك تايمز»
TT

من داخل صحيفة الـ«نيويورك تايمز»

من داخل صحيفة الـ«نيويورك تايمز»

في قلب العاصمة الأميركية واشنطن، وعلى بعد أميال قليلة من البيت الأبيض، يقع مبنى مكتب جريدة الـ«نيويورك تايمز». المدخل القديم الذي يشبه مداخل الفنادق الكلاسيكية الأوروبية لا يعكس ما يحدث في الداخل. الأجواء الباردة في الخارج تصبح أكثر سخونة بمجرد أن تدخل إلى المكتب وتشاهد عشرات الكتاب والمراسلين الباحثين عن التقارير والمقالات التي ستشعل مزاج واشنطن في اليوم التالي.
شعار ضخم للصحيفة معلق على الحائط الأمامي يذكرك بعمر هذه الصحيفة التي نشرت أول أعدادها في عام 1856. العديد من قصاصات السبق و«الخبطات» الصحافية لصقها الصحافيون الفخورون بإنجازاتهم. المراسلون يلقون التحية بسرعة وهم يضغطون هواتفهم المحمولة على آذانهم في مكالمات يراودك شعور بأنها طويلة ومضنية بحثا عن معلومة جديدة. محررون آخرون يكتبون على أجهزة الكومبيوتر لكنهم يفعلونها واقفين هذه المرة. استجابة سريعة لعلامة الاستغراب على وجهي، تضع الصحافية إليزابيث بوميلر، نائبة رئيس المكتب، نصف ابتسامة على شفتيها، وتشرح لماذا توضع هذه الكومبيوترات في هذه الأمكنة المرتفعة بالقول «هذه مخصصة لكتابة الأخبار العاجلة». قهقهة خافتة تنفلت منها وتضيف ممازحة «نجعلهم يقفون هنا حتى ينتهوا بسرعة من الكتابة ويعودوا للجلوس». يسمع الصحافي الذي كان يكتب واقفا هذا التعليق الساخر ويكتفي بهز رأسه بالموافقة التي تعني العكس. هناك عدد من الكراسي الفارغة التي تركها الصحافيون والمراسلون بحثا عن الأخبار لدى البيت الأبيض والـ«سي آي إيه» والبنتاغون أو الكونغرس وعدد آخر من أهم الوزارات والمؤسسات التي تشكل جسد المؤسسة السياسية الأميركية.
نمر بجانب استوديو التصوير التلفزيوني. في هذا المكان تقوم المحطات الفضائية باستضافة صحافيي وكتّاب الجريدة. بنبرة منزعجة من طلبات المحطات الفضائية يعلق الصحافي بيتر بيكر، المختص بتغطية شؤون البيت الأبيض، قائلا «لم يعد من المجدي الذهاب للمحطات الفضائية وإضاعة الوقت في الطريق، من هنا يمكن التسجيل على الهواء للتعليق على الأخبار التي ننشرها في الصحيفة». ويضيف متهكما «لكنهم لا يعطوننا أي مال مقابل هذا الظهور. هم يتحدثون عن القصص المنشورة في الصحيفة، ونحن بدورنا نروج لها». تقطع حديثه بوميلر بسرعة «لا، هم يعطون المال فقط إذا سألت عن ذلك وإلا فسوف سيصمتون». ترتسم علامات الدهشة على وجهه ويطلق نصف صرخة «حقا! حقا». تفرقع ضحكات في المكان، وبعد أن يهدأ إيقاعها قليلا يكمل «لماذا لم أسأل إذن؟!».. ليصعد إيقاع الضحكات من جديد. يضم المكتب ركنا مخصصا للكتب والمراجع التي يحتاجها العاملون. ولكن يبدو أنه لا أحد يستعين بالكتب المتراصة بسبب تسارع وتيرة العمل وسهولة البحث في مواقع الإنترنت. تؤكد بوميلر هذه المعلومة وتضيف أنهم سيقومون قريبا بإزالتها وخلق مساحة أوسع للعمل، وتضيف «توجد مكتبات إلكترونية الآن. لم يعد أحد يأتي إلى هنا».
في الطابق السفلي يوجد المكتب الواسع لنائبة الرئيس. لا تمكث هناك إلا قليلا، وإنما تفضل البقاء في الأعلى والعمل مع بقية الصحافيين في التحضير والتخطيط للمواضيع المقرر نشرها في اليوم التالي. في الطريق إلى غرفة الاجتماعات الواسعة تومئ بيدها إلى مكتبها الذي تضيئه بقية أشعة الشمس المتثاقلة التي اخترقت الغيوم الشتائية الكثيفة، وتقول «إذا جلست هناك مع أحد الصحافيين، ففي الغالب أننا نتشاجر حول مشكلة ما. هذا هو مكتب الأزمات». قبل لحظات فقط كنت تشعر بأنها أكثر الشخصيات لطفا التي تقابلها في حياتك، لكنها كشفت بسرعة عن وجه الشخصية القيادية الباردة التي لا تعرف العواطف.
في غرفة الاجتماعات تقف بوميلر ذات الطلة «الميركلية» على رأس الطاولة وتعيد من جديد رسم الابتسامة الودودة، ولكن من الصعب تجاهل الرائحة الحادة للقادة الأذكياء التي تنبعث منها. عملت بوميلر بعد تخرجها في جامعة كولومبيا في مجال الصحافة لجريدة الـ«واشنطن بوست» في طوكيو، ومن ثم نيودلهي. ومن ثم انتقلت للعمل في الـ«نيويورك تايمز» في واشنطن. بدأت عملها في الصحيفة في العاشر من سبتمبر (أيلول) من عام 2001. في صباح اليوم التالي اخترقت الطائرات المدنية برجي التجارة العالمي، وضربت إحداها مبنى وزارة الدفاع، البنتاغون. شاركت بعدها في تغطية موسعة ومتواصلة للأحداث التي أعقبتها اعتُبرت من أميز التغطيات التي قامت بها وسائل الإعلام. قامت بعدها بمتابعة عمل مستشارة الأمن القومي للرئيس بوش حينذاك كوندوليزا رايس، وخصصت وقتها لكتابة سيرة ذاتية عنها. بعد العمل لسنوات كمراسلة داخل الولايات المتحدة وخارجها تقول إنها تشتاق للخروج من جديد من المبنى والعمل في الخارج، لكنها تضيف «لكني أستمتع بعملي الحالي الذي يشبه عمل المدرب في الفرق الرياضية. من الرائع أن تقوم بصناعة مواد صحافية ومشاركة الزملاء في الأفكار والمشاريع التي يريدون إنجازها».
تتحدث بعد ذلك الصحافية الملحاحة، والتي دخلت في نقاش ساخن في إحدى المرات مع السيناتور الجمهوري جون ماكين، بتفصيل أكثر عن عمل المكتب اليومي الذي يعد الأبرز بعد المقر الرئيس في نيويورك، حيث يعمل فيه ما يقارب الخمسين صحافيا، في مختلف المجالات «كنا في السابق نبدأ العمل باجتماع التحرير عند الساعة الثانية عشرة، ولكن مع تسارع وتيرة الأخبار والأحداث بشكل غير مسبوق أصبحنا نجتمع الساعة التاسعة صباحا للحديث بشكل عام عن أبرز القضايا التي ننوي تغطيتها يوم الغد أو الأيام القادمة. ومن ثم هناك اجتماع آخر الساعة الثانية عشرة نتحدث فيه عن المواضيع التي وردت في الساعات الثلاث الماضية. في العادة تتغير خططنا لأن عملنا ليس فقط مرتبطا في واشنطن فقط ولكن في العالم كله. ما يقوله الرئيس الأفغاني كرزاي عن الوجود الأميركي العسكري لا يخص فقط مراسل الـ«نيويورك تايمز» في كابل، بل علينا أن نقوم بتغطية ردود الفعل داخل البيت الأبيض أو البنتاغون. هذا مثال واحد وينطبق على أحداث كبيرة». تلتقط نسخة ورقية من الجريدة ملقاة على الطاولة، ومن ثم تواصل حديثها «في العادة هناك ثلاثة أو أربعة مواضيع في الصفحة من إنتاج مكتب واشنطن. اليوم لا يوجد إلا موضوع واحد، ولكن غدا ستكون هناك أكثر من مادة تحريرية. نحن نوجد بالقرب من البيت الأبيض وأهم الوزارات والمؤسسات. علينا الكثير لنفعله كل يوم».
تمسك بورقة بيضاء مليئة بالخربشات غير المفهومة. هذه الخربشات، كما تشرح، كلمات مختصرة وشفرات خاصة للعاملين في المكتب، عن أبرز المواضيع التي ستنفرد فيها الجريدة. تعتذر عن عدم تمريرها للحاضرين لأنها تحوي «أسرار الجريدة» كما تقول، ولكن من هذه «الأكواد» الأشبه بالطلاسم تتشكل خلاصة المواد التي ستكون مدار حديث الملايين حول العالم والتي جعلت الـ«نيويورك تايمز» تفوز بأكثر من 112 جائزة «بوليتزر». «ما هو آخر موعد محدد لإرسال الأخبار قبل الطبع؟»، عن هذا السؤال تجيب «نحن ككل الصحافيين في صراع غير منته مع الوقت. إذا أتت الساعة السادسة والنصف يتعالى صراخ الزملاء في المكتب الرئيس طلبا للأخبار التي وعدناهم بها. يتصاعد التوتر والضغط العصبي، لكنه ينتهي في الساعة السابعة مساء حيث يجب أن ننهي ما في أيدينا ونبعث به لهم بأسرع وقت. في الغد تبدأ دورة أخرى من التوتر والجدل، لكنه ممتع لأن هناك شيئا جديدا كل مرة. أنا شخصيا لا أغادر إلا نحو الساعة الثامنة والنصف أو التاسعة بعد أن أكون قد أعددت الخطوط العريضة لما بعد الغد». لكن هناك من يبقى في المكتب حتى أوقات متأخرة في الليل وهم الصحافيون المختصون بنشر الأخبار العاجلة على موقع الجريدة الإلكتروني. تعلق «عملنا بمعنى ما لا ينتهي، خصوصا مع تصاعد التنافس بين مواقع الصحف. في العادة هناك أخبار عاجلة كل ليلة، وندخل في جدل كل ليلة حول هل هي جديرة بالنشر في الموقع أم لا».
الـ«نيويورك تايمز» تعد من أكثر الصحف توزيعا داخل الولايات المتحدة حيث توزع يوميا ما يقارب المليون نسخة. موقعها الإلكتروني يعد من بين الأشهر عالميا بحيث يستقطب أكثر من ثلاثين مليون زائر شهريا. بنجاحها على المستويين الورقي والإلكتروني، يبدو أن الجريدة غير معنية بالصراع الذي تعيشه العديد من الصحف والذي دفع بعضها للتخلي تماما عن النسخة الورقية. تشرح بوميلر هذه المسألة بالقول «نحن نهتم بالنسخة الورقية مع وجود كم كبير من المشتركين والقراء الذي يفضلون الورق. نحترم هؤلاء المتابعين المحبين للنسخة الورقية. نظرة المحررين للصفحة الأولى الورقية لم تتغير. نشر أخبارهم وتقاريرهم في الصفحة الأولى علامة على النجاح والتفرد. ولكن بالطبع موقع الجريدة الإلكتروني يستقطب ملايين القراء كل شهر وهو أيضا يحظى بمزيد من المتصفحين حول العالم».
قبل أن تكمل إجابتها يدخل بتمهل إلى غرفة الاجتماعات الصحافي بيتر بيكر المراسل المسؤول عن تغطية البيت الأبيض وإدارة الرئيس باراك أوباما. بيتر عمل في صحيفة الـ«واشنطن بوست» في السابق، وغطى إدارة الرئيس بيل كلينتون، وشارك بالكشف عن فضيحة مونيكا لوينسكي التي كادت تطيح بالرئيس. كما قام بتغطية أخبار إدارة الرئيس جورج بوش، ونشر كتابا يوصف بالأكثر موضوعية عن عهد الرئيس بوش بعنوان «أيام النار: بوش وتشيني في البيت الأبيض». تدعوه بوميلر للحديث وتقوله عنه إنه «الصحافي الوحيد الذي نجتمع لمحاولة إضافة أو تعديل كلمة على مواضيعه الصحافية، لكننا نفشل كل مرة. بعد أن نصاب باليأس نقوم فقط بإضافة فاصلة حتى نشعر بأننا قمنا بشيء ما». يرد بيكر هذه الدعابة الممزوجة بالإطراء بخط نصف ابتسامة ساخرة على شفتيه ويبدأ بعدها بالحديث عن تجربته في تغطية البيت الأبيض لسنوات طويلة. يقول بيكر «الحقيقة أن تغطية شؤون البيت الأبيض أصبحت أصعب مع الوقت. مع كل رئيس جديد يكون الوضع أكثر تعقيدا. يعتقد الناس أن تغطية البيت الأبيض هي المؤتمرات الصحافية التي يعقدها الرئيس وتبثها التلفزيونات. صحيح أن مثل هذا الاستعراض يعشقه مراسلو المحطات الإخبارية، لكنه غير ذي أهمية بالنسبة لنا. نحن نبحث عن أخبار ومعلومات من الداخل لا ترغب الإدارة في الإفصاح عنها. ليس لدي تفسير محدد لماذا أصبحت تغطية شؤون الرئاسة أكثر صعوبة، ولكن ربما لأن مدينة واشنطن كعاصمة سياسية تغيرت في العقد الأخير وأصبحت أكثر صعوبة وتعقيدا».
يبدو بيتر بيكر منزعجا من التعامل مع إدارة الرئيس باراك أوباما التي يصفها بالمتكتمة والراغبة دائما في أن ينشر المراسلون ما تريد هي وليس ما يريدونه هم، ويضيف «إذا كان لديهم مشروع لإصلاح التعليم أو سن نظام جديد للصحة، فكل ما يريدونه من الصحافة هو أن تركز فقط على هذا الموضوع وليس على قضايا أخرى لا يفضلونها. منذ سنوات لم ألتق مع الرئيس. المعلومات الخاصة التي أحصل عليها من أعضاء في الإدارة يطلب مني أن تظهر دون الإشارة إلى مصدر المعلومة. ولكن ليس من الجيد أن تكثر الاعتماد على مصادر مجهولة في التقرير الصحافي. القراء لا يفضلون هذا النوع من المواضيع ولا يميلون إلى تصديقها. عندما نعترض على التكتم الذي ليس له مبرر في كثير من الأحيان يكون رد الإدارة هو نفسه: هذا ما نريده! كيف يمكن أن ترد على جواب من هذا النوع؟».
عندما تريد الإدارة أن تمرر معلومات خاصة للصحافيين تقوم بجمع العشرات منهم ونقلها لهم. يسخر بيكر الذي تمرس في العمل الصحافي ليس فقط في واشنطن ولكن أيضا في موسكو حيث غطى بدايات صعود الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وأفغانستان بعد الحرب الأميركية عام 2001 من هذه الممارسة، ويضيف بنبرة ساخرة «فكرتي عن الأخبار الخاصة والسرية تتمثل في (الحنجرة العميقة) التي كانت المصدر الرئيس لفضيحة ووترغيت التي أطاحت بالرئيس نيكسون. ولكن جمع عشرات الصحافيين بمكان واحد وتزويدهم بمعلومات عامة ليس عملا صحافيا». هذا التكتم والسرية لا يخصان فقط أخبار الرئيس، بل وحتى السيدة الأولى ميشيل أوباما التي يجد الصحافيون صعوبة كبيرة في التواصل معها أو الالتقاء بها. تعقد بوميلر حاجبيها وتعلق «الطلبات التي تدخل مكتبها لا تخرج بعد ذلك».
أكثر من يستطيع وصف هذا التكتم المتزايد هو كبير المراسلين الصحافي ديفيد سينغر الذي نشر العديد من الكتب والتغطيات الصحافية اللافتة، كانت أبرزها تغطيته للمسببات الحقيقية خلف انفجار المركبة الفضائية تشالنغر بعد لحظات من إقلاعها، وفاز بسببها بجائزة بوليتزر للصحافة. يقول سينغر الذي تعامل مع العديد من الإدارات «إن الفترة الرئاسية الأولى للرئيس تكون الأصعب على الصحافيين. الفريق المنتصر في الانتخابات يشعر بأنه حقق معجزة بالفوز والذهاب إلى البيت الأبيض، لذا لا يريد أي شيء من الصحافة ولا يرغب في التواصل معها. لكن هذا الغرور والتعالي يتلاشى تدريجيا مع عجز الإدارة عن تحقيق المشاريع التي وعدت بها. الفترة الرئاسية الثانية هي الأفضل لأن القادمين الجدد للإدارة يرغبون في الكشف عن عيوب الراحلين ويسعون لأن يدشنوا بداية جديدة لا تحملهم أخطاء من سبقهم. من هنا يكون التعاون أسهل».
لكن سينغر لا يشتغل كثيرا الآن على البيت الأبيض، بل تركيزه منصب على قضية أخرى يعدها أكثر أهمية من أخبار الرئيس والسيدة الأولى والكونغرس، وهي قضية الحرب الإلكترونية التي نشر عنها العديد من التغطيات في الصحافية، وخصص كتابا كاملا عنها. يقول سينغر إن ما فعله إدوارد سنودن وقبله جوليان أسانج لفت انتباه الناس أكثر للحرب المعلوماتية الإلكترونية لكنها قائمة منذ مدة. ويضيف «يفكر الناس في الحرب عبر إلقاء القنابل من حاملات الطائرات وإطلاق الصواريخ، لكن الحرب الإلكترونية يمكن أن تسبب العديد من الأضرار الجسيمة. ليس فقط أن تقوم بسرقة معلومات من دولة معادية، بل يمكن أن تبعث بنظامها وتعطلها وتشل قدراتها عبر فيروسات شديدة التدمير».
تركز الـ«نيويورك تايمز» أكثر على هذه القضايا التي لا تحظى بانتباه وسائل الإعلام الأخرى لكنها تجذب عددا متزايدا من القراء الباحثين عن معلومات وتحليلات معمقة حولها. من أبرز هذه القضايا قضية البيئة والطاقة. هذا ما تخصصت فيه الصحافية الشابة كارول دافنبورت التي بدأت عملها في الـ«نيويورك تايمز» قبل عدة أشهر، لكنها نشرت ثلاث قصص مهمة على الصفحة الأولى، الأمر الذي تعتبره رئيستها بوميلر «أمرا لا مثيل له ولم يحدث من قبل»، لكنها تستدرك «مع أن عبارة - لا مثيل له - ممنوعة من الاستخدام في الصحيفة فإن هذه هي الحقيقة». دافنبورت التي تتحدث بحماس وحب عن عملها وأفكارها عملت في أماكن عدة قبل انضمامها للصحيفة. من أبرز هذه الأماكن الصحيفة الإلكترونية الشهيرة «بلتكو». تقدم نصيحتها للصحافيين الشباب الراغبين في العمل في الصحف الكبرى بأن يقوموا بـ«إرسال أفضل مواضيعهم عبر البريد أو (تويتر) إلى المسؤولين عن هذه الصحف بغرض لفت انتباههم. هذا ما فعلته مع الـ(نيويورك تايمز) التي أرسلت لها مواضيعي التي اعتقدت أنها مميزة. قمت بمراسلة أحد المسؤولين في الصحيفة الذي أبدى إعجابه بما أكتبه لكنه لم يقدم لي أي عرض. بعد مدة وجدت أن الـ(نيويورك تايمز) تقوم بنشر مواد صحافية عن الطاقة والبيئة وعلاقتها بالاقتصاد هي تقريبا نفس أفكار مواضيعي التي نشرتها سابقا. راسلت هذا المسؤول وكتبت له: أُفضل أن أكتب مواضيعي بـ(التايمز) بنفسي !». نجحت هذه الرسالة الشريرة الذكية في ضمها للصحيفة الأكثر شهرة في الولايات المتحدة.
وعن عملها تقول كارول إن قضايا الطاقة والبيئة والاحتباس الحراري ذات أهمية كبيرة على مستوى الاقتصاد ومستقبل العالم، وتعمل لأن تجعل منها محط اهتمام القراء. لكنها أيضا تعاني من مشكلة شح المعلومات التي تقدمها الحكومة والبيت الأبيض، لكن لديها طريقتها الخاصة للحصول عليها، وذلك عبر «الموظفين الراحلين من البيت الأبيض أو الحكومة أو الشخصيات من الخارج التي تعقد اجتماعات مع أعضاء من الإدارة. هذه الشخصيات أقل تحفظا للإدلاء بمعلومات. دائما العمل من الخارج إلى الداخل مفيد للصحافي إذا سُدت الطرق بوجهه».
هناك العديد من الأسئلة المتبقية، لكن الساعة الآن الثانية ظهرا. الاتصالات العاجلة من المقر الرئيس ستبدأ بعد قليل بالانهيال على المكتب طلبا للمواضيع الجديدة. قلق الصحافيين المعروف من تفويت الوقت وخسارة المنافسة مع الآخرين يلتمع في أعين بوميلر وزملائها. بمجرد أن انتهى الحوار هرع الجميع لمكاتبهم الصغيرة. عندما خرجت كان الجو أكثر برودة قبل دخولي أو هكذا تخيلت.



الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
TT

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

هذا التباين الشديد يفرض تحدياً على المتلقي، فبينما يتابع بلهفة إبراز المواهب الغنائية يوم الأربعاء على برنامج «ذا فويس»، يجد نفسه منغمساً في أجواء روحانية خاشعة الجمعة والسبت مع برنامج «دولة التلاوة» المختص بترتيل القرآن الكريم.

أما الأحد، فيتحول المزاج إلى طاقة وحيوية مع رقصة الدبكة الصاخبة في برنامج «يلا ندبك». وباقي أيام الأسبوع، تأتي الأخبار لتلقي بظلالها على كل ذلك، لتملأ الشاشات بتقارير عن الحروب، والموت، والتطورات السياسية المؤلمة في المنطقة.

هذا التناوب الحاد بين الترفيه والروحانية والمأساة يخلق تجربة مشاهدة فريدة ومتقلبة، يتأرجح فيها المشاهد بين الانغماس في المحتوى المرح والروحاني والهروب من واقع الصراعات.

جذب الجمهور

لا تتوقف تأثيرات هذه البرامج عند حدود الشاشات التقليدية، بل تمتد لتغزو منصات التواصل الاجتماعي، لتُغذيها بكم هائل من المشاهدات والتفاعلات التي تعزز انتشارها وتأثيرها.

كل برنامج ينجح في جذب انتباه الجمهور بطريقته الخاصة: «ذا فويس» يشعل روح المنافسة الغنائية ويدفع إلى تفاعلات واسعة النطاق، بينما «دولة التلاوة» يجذب شرائح واسعة من محبي الروحانية وتلاوة القرآن الكريم.

في المقابل، يمثل «يلا ندبك» منصة لإحياء التراث والطاقة الشبابية. يشارك الجمهور بفاعلية عبر التصويت، التعليقات، مشاركة المقاطع، إنشاء الهاشتاغات، ما يعزز ليس فقط انتشار البرامج بل يزيد أيضاً من قيمة المشاهدات والمتابعين للقنوات والمنصات التي تبثها.

دولة التلاوة

في مصر، يقدم برنامج «دولة التلاوة» نافذة للروحانية المطلوبة في خضم واقع متغير مليء بالتحديات. آلاف المتسابقين من مختلف المحافظات المصرية يدخلون في منافسات قوية في ترتيل وتجويد القرآن الكريم، لتصل الحلقات النهائية إلى اختيار أفضل 32 قارئاً، وهم في تنافس على المرتبة الأولى.

صورة جماعية من برنامج «دولة التلاوة» (فيسبوك)

تُبث هذه الحلقات على قنوات رئيسية، كما تُعرض على منصات رقمية، ما يضمن وصولها لجمهور واسع داخل مصر وخارجها. يظهر التفاعل الكبير على منصات التواصل الاجتماعي بوضوح، حيث تصل الجوائز الإجمالية للفائزين إلى 3.5 مليون جنيه مصري (75 ألف دولار تقريباً).

وتشمل الجوائز أيضاً تسجيل المصحف الشريف بأصوات الفائزين وإمامة صلاة التراويح في شهر رمضان، ما يضيف بعداً معنوياً كبيراً للبرنامج. تضفي لجنة التحكيم التي تضم نخبة من كبار العلماء والقراء، مصداقية روحانية فريدة للبرنامج، وتجذب عشاق التلاوة والفن على حد سواء.

«ذا فويس»

أما من الأردن، فيطل برنامج «ذا فويس» كمنصة بارزة لاكتشاف المواهب الغنائية الصاعدة. تعتمد صيغة البرنامج على تقييم الصوت فقط في مرحلة «العروض العمياء» الأولى، ثم تتصاعد المنافسة لتشمل العروض المباشرة والعروض الحية.

«ذا فويس 6» والمدرّبون ناصيف زيتون وأحمد سعد ورحمة رياض (إنستغرام)

الموسم الحالي، وهو السادس لعامي 2025 - 2026، يضم لجنة تحكيم مكونة من نجوم الغناء ناصيف زيتون ورحمة رياض وأحمد سعد. يشارك الجمهور بفاعلية في تحديد الفائز من خلال التصويت، ما يعكس الشغف الجماهيري بالمواهب الفنية ويعيد إحياء برامج المواهب الكبرى بعد سنوات من الانقطاع، ليخلق بذلك حالة من الترقب والحماس بين المشاهدين.

«يلا ندبك»

وفي لبنان، يقدم برنامج «يلا ندبك» تجربة مختلفة تماماً، حيث يركز على فرق الدبكة اللبنانية التقليدية التي تتنافس لتقديم أفضل أداء. يتكون الموسم من ست حلقات تُظهر التراث الفولكلوري اللبناني والطاقة الشبابية المفعمة بالحيوية.

«يلا ندبك» على شاشة «إم تي في» اللبنانية (إنستغرام)

يحتفي البرنامج بالهوية اللبنانية الغنية بالثقافة والفن. التفاعل الجماهيري معه كبير وملحوظ، حيث تتصدر هاشتاغات البرنامج منصات التواصل الاجتماعي، ما يعكس اهتمام الجمهور العميق بالتراث والمرح في آن واحد.

دمار ومآسٍ

على الرغم من هذا القدر من الترفيه والروحانية، لا يمكن تجاهل الواقع القاسي والمؤلم الذي يعيشه العالم العربي. نشرات الأخبار والبرامج السياسية تظل على مدار الساعة تتابع الحروب والمجاعات التي تضرب مناطق مثل غزة، السودان، اليمن، لبنان، سوريا، وغيرها. وتُقدم تحديثات شبه لحظية، وتحليلات معمقة، وتقارير ميدانية تظهر الدمار والمعاناة الإنسانية.

مرآة عربية

ينتقل المشاهد بسرعة من فرحة الأغاني والتلاوات والرقصات التراثية إلى صدمة الأخبار الثقيلة، ما يعكس الفجوة بين المحتوى المبهج المتنوع والواقع المأساوي الحقيقي.

هذا التنوع في المحتوى الإعلامي ليس مجرد ترفيه أو سباق على المشاهدات، بل هو مرآة لمجتمع عربي يبحث عن توازنه الخاص بين النقد اللاذع والاحتفال، بين الخشوع الديني والمرح العفوي.

وفي خضم أزيز أخبار الحروب التي لا تتوقف، تبقى الشاشات مساحة واسعة يحاول من خلالها كل فرد أن يجد جزءاً من ذاته، سواء في صوت جميل يلامس الروح، أو في دقة إيقاع تراثي يربطه بأصوله، أو في أداء غنائي آسر للقلوب.


«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
TT

«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")

في خطوة وُصفت بأنها «ضخّ دماء جديدة» في عروق المشهد الإعلامي الفرنسي، وفي حين تعاني الصحافة المكتوبة من انحسار لافت، شهدت العاصمة باريس في 18 ديسمبر (كانون الأول) 2025، إطلاق النسخة الفرنسية من مجلة «تايم» الأميركية العريقة.

هذا الحدث يأتي بترخيص من المؤسسة الأم في نيويورك، ويمثل سابقة تاريخية، كونه يجعل من فرنسا الدولة الوحيدة خارج الولايات المتحدة التي تحظى بنسخة محلية مستقلة، تحمل الهوية البصرية والتحريرية لهذه العلامة التي يمتد تاريخها لأكثر من قرن.

جسر بين باريس ونيويورك

شركة «360 بيزنس ميديا» بقيادة الإعلامي دومينيك بوسو، المدير العام لمجلة «فوربس» المالية (الفرع الفرنسي) أشرفت على إطلاق العدد الأول من النسخة الفرنسية لمجلة «تايم»... «تايم فرنسا». وجاء محتوى هذا العدد، المكوّن من 200 صفحة، ليؤكد الهوية «الهجينة» للمجلة، إذ تضّمن 15 قسماً بين التحقيقات المحلية والتقارير الدولية. ولقد تصدّرت غلاف العدد الأول نجمة السينما الأميركية العالمية أنجلينا جولي، في حوار حصري وشامل، تناولت فيه مسارها الإنساني وأدوارها السينمائية الأخيرة، كما تميّز العدد بملفات تحليلية حول الذكاء الاصطناعي بمقابلة مع الفرنسي آرثر مينش، أحد رواد هذا المجال في أوروبا، وفيدجي سيمو، نائبة مدير شركة «أوبن آي». ضّم العدد أيضاً تقارير ميدانية من قلب حوض «الدونباس» الأوكراني، إضافة إلى حوارات مع شخصيات فرنسية بارزة، مثل عالم الرياضيات سيدريك فيلاني، والممثل بيير نيني. أما الفارق بين النسختين الفرنسية والإنجليزية فإنه يكمن في المحتوى، حيث تعتمد «تايم فرنسا» بنسبة 60 في المائة إلى 70 في المائة على محتوى فرنسي بحت، مع الحفاظ على «الثوابت» في الصرامة المهنية والتحقق المزدوج من صحة المعلومات (فاكت تشيكينغ). وبينما تتوحّد النسختان في اختيار «شخصية العام»، تركّز النسخة الفرنسية أكثر على القضايا الأوروبية والمحلية بتحليل أعمق، بعيداً عن مجرد الترجمة الحرفية.

جيسيكا سيبلي، الرئيسة التنفيذية لـ«تايم» الأميركية، شدّدت في تصريح صحافي على أن إطلاق النسخة الفرنسية يعكس «الالتزام بالوصول إلى جماهير جديدة وتقديم صحافة موثوقة برؤية عالمية».

ومن جانبه، صرّح دومينيك بوسو، المدير العام لـ«تايم فرنسا» بأن «الصحافة الفرنسية قد تبدو مأزومة بعض الشيء... لكن (تايم فرنسا) ستقدم نفَساً جديداً» بفضل مصداقية المجلة وتقاليدها الصارمة في تدقيق المعلومات.

وأما إليزابيث لازارو، رئيسة التحرير الفرنكو أميركية، فقد وصفت المجلة الجديدة في افتتاحيتها بأنها «كائن فضائي هجين» يقع في المنطقة الوسطى بين مجلات الأخبار ومجلات الصور، لتكون «جسراً يربط أوروبا بالعالم».

عنوان «تايم فرنسا»... بالفرنسية (مجلة «تايم»)

نموذج اقتصادي ثلاثي الأبعاد...

من جهة أخرى، في إطار نموذجها الاقتصادي، تراهن مجلة «تايم فرنسا» حقاً على مقاربة هجينة تجمع بين الصحافة الورقية، والحضور الرقمي المتنامي، إلى جانب أنشطة موازية تقوم على الفعاليات والرعاية.

ففي الشّق الورقي، تصدر المجلة 4 مرات في السنة في صيغة فصلية، مع طباعة تقارب 100 ألف نسخة لكل عدد، لا تُوزَّع في السوق الفرنسية فقط، بل تمتد إلى عدد من الدول الفرنكوفونية المجاورة، مثل بلجيكا ولوكسمبورغ وسويسرا وموناكو، في مسعى واضح إلى ترسيخ حضور إقليمي يتجاوز الحدود الوطنية. ولعل أسلوب التوزيع نفسه يعكس رهاناً على تعزيز القيمة الرمزية للعلامة، واستهداف جمهور نوعي. إذ يُباع نحو نصف النسخ (50 ألفاً) في أكشاك الصحف، في حين يُوجَّه النصف الآخر (50 ألفاً) إلى الفنادق الفاخرة وصالات كبار الشخصيات في المطارات، ما سيسمح للمجلة بالوصول إلى شريحة من القرّاء ذوي القدرة الشرائية المرتفعة، ويمنحها موقعاً مميزاً في سوق إعلانية شديدة التنافس.

وبالتوازي مع ذلك، تولي «تايم فرنسا» أهمية خاصة للحضور الرقمي، من خلال إطلاق موقع إلكتروني يعدّ ركيزة أساسية للنمو المستقبلي، سواء عبر الإعلانات الرقمية أو عبر توسيع قاعدة القرّاء والزوار، تمهيداً لاعتماد صيغ الاشتراك الرقمي.

أما الركيزة الثالثة في هذا النموذج الاقتصادي، فتتمثل في الفعاليات والرعاية والإصدارات الخاصة، وهي مقاربة سبق لمجموعة «بيزنس ميديا 360» المشرفة على «تايم فرنسا» أن اعتمدتها في عناوين إعلامية أخرى. وهي تعتمد على تنظيم مؤتمرات ولقاءات ونقاشات حصرية، تحمل توقيع «تايم»، وتؤدي دوراً مزدوجاً يتمثل في توليد عائدات مالية إضافية من جهة، وتعزيز حضور العلامة ومكانتها في المشهد الإعلامي والثقافي الفرنسي من جهة أخرى.

دومينيك بوسو (آ ف ب)

استقبال وسائل الإعلام

استقبلت الأوساط الإعلامية الفرنسية خبر إطلاق «تايم فرنسا» بترحيب غلب عليه التفاؤل. وكانت صحيفة «لوفيغارو» من أبرز المهلّلين لهذا المشروع، إذ أفردت مساحة واسعة للكلام عن «النجاح الريادي» للمجلة العريقة في سوق الصحافة المكتوبة، على الرغم من الوضعية المتأزمة. ولم تكتفِ الصحيفة بنقل الخبر، بل رسمت صورة تفيض بالثناء لدومينيك بوسو، العقل المدبّر وراء المشروع، واصفة إياه بـ«لوكي لوك الصحافة»، كونه الرجل الذي أطلق «فوربس فرنسا» ثم «أونيريك» والآن «تايم فرنسا». وجاء في مقتطفات من تقاريرها ما يلي: «مجلة (تايم) هي تجسيد للعصر الذهبي للصحافة الأميركية، حيث كانت تتدفق الأموال.. إن إطلاق النسخة الفرنسية في هذه السوق الصعبة يعدّ نجاحاً استثنائياً في ريادة الأعمال».

أما صحيفة «لوموند» فقد اعتمدت في تغطيتها بشكل كبير على برقيات وكالة الأنباء الفرنسية (أ.ف.ب)، التي صاغت أخبار الإطلاق بنبرة غلب عليها الانبهار بـ«التميز التحريري». ونقلت الصحيفة تأكيدات حول «الصحافة الموثوقة» و«الرؤية العالمية»، مركّزة على أن وصول «تايم» إلى فرنسا هو اعتراف بأهمية القارئ الفرنكوفوني المتميز. وورد في تقرير «لوموند»، نقلاً عن وكالة الأنباء: «إنه لشرف كبير وصول عنوان أيقوني كهذا إلى فرنسا، ليكون بمثابة همزة وصل بين الامتياز الأميركي والجمهور الفرنسي المثقف».

ومن جهتها، قدّمت صحيفة «ليزيكو» الاقتصادية الحدث على أنه «الخبر السار» الذي انتظرته النخبة الفرنكوفونية طويلاً. وشدّدت الصحيفة على أن «تايم فرنسا» تضع «التميز التحريري الأميركي في خدمة جمهور فرنسي منفتح على العالم». أما «ليبراسيون»، فبالرغم من مواكبتها للخبر، مالت في بعض زواياها إلى طرح تساؤلات حول «النموذج الاقتصادي» القائم على الترخيص أو (Licensing) ومدى قدرة المحتوى الفرنسي الأصلي (المقدّر بـ70 في المائة) على الحفاظ على استقلاليته وتفرده أمام هيمنة الخط التحريري الأميركي.

في خط موازٍ، أشارت بعض المنصّات الإخبارية المتخصصة، مثل «أري سور إيماج»، إلى أن إطلاق «تايم فرنسا» حظي بـ«مباركة» مبالغ فيها من كبريات الصحف، دون قراءة نقدية لمدى استدامة هذا النموذج الاقتصادي في سوق مشبعة، أو التساؤل عن مدى استقلالية هذا المشروع الجديد، ومدى مساهمته في تعزيز الصحافة النقدية والمسؤولة بدلاً من الانخراط في منطق الضجيج أو الترويج التجاري.


مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

ازدادت المخاوف أخيراً بشأن دقة المعلومات التي تظهر للمُستخدمين عبر ميزة ملخصات الذكاء الاصطناعي التي توفرها «غوغل»، وذلك بعد رصد أمثلة لمعلومات صحية وُصفت بأنها «زائفة». وبينما أكدت «غوغل» أن «الملخصات تأتي بمعلوماتها من مصادر معروفة»، شدد خبراء على أن «المرحلة الحالية تستدعي ضبطاً أكبر للمعايير»، وطالبوا بـ«ضبط» الملخّصات عبر تقوية آليات التحقق قبل عرضها.

كان تحقيق أجرته صحيفة «الغارديان» البريطانية مطلع يناير (كانون الثاني) الجاري، قد رصد معلومات صحية تتعلق بمرض السرطان، وصفها بأنها «مضللة». وعلى الأثر رد متحدث باسم «غوغل» قائلاً إن «العديد من الأمثلة الصحية التي جرت مشاركتها معهم كانت لقطات شاشة غير مكتملة. لكن من خلال ما استطاعوا تقييمه، تبين أنها مرتبطة بمصادر معروفة وذات سمعة طيبة».

الدكتور فادي عمروش، الباحث المتخصص في التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي التوليدي، ربط أزمة «المعلومات الزائفة» على ملخصات «غوغل» بـ«سهولة اختراق معايير الدقة الخاصة بالمنصة». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أنه «وفق ما تنشره (غوغل) رسمياً، فإنها تعتمد على المعايير ذاتها التي تستخدمها في ترتيب نتائج البحث التقليدية، كما تطبّق أنظمة لرصد وتجنّب المحتوى المضلّل، لكن على الرغم من قوة هذه المعايير نظرياً، فإنّها تبقى عرضة للتلاعب، تماماً كما يحدث في مجال تحسين محركات البحث، إذ يمكن لناشرين التلاعب بالترتيب وجعل محتوى منخفض الجودة يتصدر النتائج بخداع الخوارزمية لأغراض تسويقية أو لجذب الزيارات، مما يعني أن الملخصات التوليدية قد تتأثر هي الأخرى بهذا».

عمروش أشار إلى «أهمية إلزام الملخصات بإظهار مصادر واضحة وقابلة للتتبع»، وقال إنها «خطوة جوهرية لتعزيز الدقة وتقليل فرص التضليل»، لكنه عدّ ما تقوم به «غوغل» حالياً غير كافٍ «وهو وضع إشارة رابط في نهاية النتيجة لا ينتبه له الكثيرون ولا ينقرون عليه، لذلك لا يكفي أن يُذكر المصدر بطريقة شكلية أو ضمنية، بل يجب أن يكون واضحاً، ومباشراً، وقادراً على دفع المستخدم للنقر والتحقق». وطالب بأن «يُصمم النظام بطريقة تُشجع على التحرّي، من خلال عرض الجهة الناشرة، وتاريخ التحديث، وحتى تقييم موثوقية الموقع، إذ ليس من المنطقي تبرير عرض معلومة خاطئة لمجرد أن مصدراً ما قد كتبها».

للعلم، كانت «غوغل» قد أطلقت خدمة الملخصات المولَّدة بالذكاء الاصطناعي في مايو (أيار) 2024، وكان الهدف «تقديم إجابات سريعة ومباشرة للمستخدم، عبر توليد معلومات مستخلصة من مصادر ويب متعددة وموثوقة»، حسب الوثائق الرسمية الصادرة عن المنصة.

على هذا علق عمروش قائلاً إن «(غوغل) تبحث عن إجابة مدعومة بمحتوى منشور على الإنترنت، لا مجرد نصّ مولّد من دون أساس معرفي واضح»، وأردف: «هنا تكمن أزمة السقوط في فخ المعلومات الزائفة، لأن الإشكالية الكبرى التي يغفل عنها كثيرون، هي أن المحتوى المنشور على الإنترنت ليس بالضرورة دقيقاً أو موثوقاً، إذ تطغى عليه الشعبوية والتضليل ويهدف لحصد الزيارات من المستخدمين». وتابع: «فضلاً عن أساليب التسويق واتباع طرق تحسين محركات البحث (SEO) لكي يكون في المرتبة الأولى، والتي قد تؤدي إلى تصدُّر معلومات غير صحيحة لمجرد تكرارها».

من جهته، قال محمد الكبيسي، خبير الإعلام الرقمي المقيم في فنلندا، لـ«الشرق الأوسط»، إن «ضمانات الدقة والشفافية تبدأ بضمان الاعتراف الدقيق بالمحتوى الأصلي». وأضاف: «بشكل عام، القلق من ظهور محتوى مضلل داخل الملخصات، طبيعي ومبرَّر، لأنه قد يدفع المستخدم إلى تصديق إجابة جاهزة من دون تدقيق». واستطرد أن «المطلوب ليس رفض التقنية، بل تشديد الضمانات، عبر تقوية آليات التحقق قبل عرض الملخصات، والاعتماد على مصادر طبية وعلمية معروفة، ومراجعة المحتوى الذي يُستند إليه دورياً، مع إظهار تنبيه واضح يدعو المستخدم إلى الرجوع إلى مختص عند المعلومات الحساسة حتى تكون النتائج أدق وأكثر موثوقية».

الكبيسي أبدى اعتقاده أن «ثمة دوراً موازياً ينبغي أن تضطلع به المؤسسات الإخبارية الكبرى للمساهمة في ضبط منظومة المعلومات الموثوقة والحد من المحتوى الزائف». وذكر أنه «من المهم أن تعمل هذه المؤسسات على تطوير استراتيجيات رقمية فعالة تتناسب مع التطوّر السريع في العالم الرقمي وآلياته، والتأكد من أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تُبرز المصادر بوضوح».