من داخل صحيفة الـ«نيويورك تايمز»

شعار ضخم معلق على الحائط الأمامي يذكرك بأول أعدادها عام 1856

من داخل صحيفة الـ«نيويورك تايمز»
TT

من داخل صحيفة الـ«نيويورك تايمز»

من داخل صحيفة الـ«نيويورك تايمز»

في قلب العاصمة الأميركية واشنطن، وعلى بعد أميال قليلة من البيت الأبيض، يقع مبنى مكتب جريدة الـ«نيويورك تايمز». المدخل القديم الذي يشبه مداخل الفنادق الكلاسيكية الأوروبية لا يعكس ما يحدث في الداخل. الأجواء الباردة في الخارج تصبح أكثر سخونة بمجرد أن تدخل إلى المكتب وتشاهد عشرات الكتاب والمراسلين الباحثين عن التقارير والمقالات التي ستشعل مزاج واشنطن في اليوم التالي.
شعار ضخم للصحيفة معلق على الحائط الأمامي يذكرك بعمر هذه الصحيفة التي نشرت أول أعدادها في عام 1856. العديد من قصاصات السبق و«الخبطات» الصحافية لصقها الصحافيون الفخورون بإنجازاتهم. المراسلون يلقون التحية بسرعة وهم يضغطون هواتفهم المحمولة على آذانهم في مكالمات يراودك شعور بأنها طويلة ومضنية بحثا عن معلومة جديدة. محررون آخرون يكتبون على أجهزة الكومبيوتر لكنهم يفعلونها واقفين هذه المرة. استجابة سريعة لعلامة الاستغراب على وجهي، تضع الصحافية إليزابيث بوميلر، نائبة رئيس المكتب، نصف ابتسامة على شفتيها، وتشرح لماذا توضع هذه الكومبيوترات في هذه الأمكنة المرتفعة بالقول «هذه مخصصة لكتابة الأخبار العاجلة». قهقهة خافتة تنفلت منها وتضيف ممازحة «نجعلهم يقفون هنا حتى ينتهوا بسرعة من الكتابة ويعودوا للجلوس». يسمع الصحافي الذي كان يكتب واقفا هذا التعليق الساخر ويكتفي بهز رأسه بالموافقة التي تعني العكس. هناك عدد من الكراسي الفارغة التي تركها الصحافيون والمراسلون بحثا عن الأخبار لدى البيت الأبيض والـ«سي آي إيه» والبنتاغون أو الكونغرس وعدد آخر من أهم الوزارات والمؤسسات التي تشكل جسد المؤسسة السياسية الأميركية.
نمر بجانب استوديو التصوير التلفزيوني. في هذا المكان تقوم المحطات الفضائية باستضافة صحافيي وكتّاب الجريدة. بنبرة منزعجة من طلبات المحطات الفضائية يعلق الصحافي بيتر بيكر، المختص بتغطية شؤون البيت الأبيض، قائلا «لم يعد من المجدي الذهاب للمحطات الفضائية وإضاعة الوقت في الطريق، من هنا يمكن التسجيل على الهواء للتعليق على الأخبار التي ننشرها في الصحيفة». ويضيف متهكما «لكنهم لا يعطوننا أي مال مقابل هذا الظهور. هم يتحدثون عن القصص المنشورة في الصحيفة، ونحن بدورنا نروج لها». تقطع حديثه بوميلر بسرعة «لا، هم يعطون المال فقط إذا سألت عن ذلك وإلا فسوف سيصمتون». ترتسم علامات الدهشة على وجهه ويطلق نصف صرخة «حقا! حقا». تفرقع ضحكات في المكان، وبعد أن يهدأ إيقاعها قليلا يكمل «لماذا لم أسأل إذن؟!».. ليصعد إيقاع الضحكات من جديد. يضم المكتب ركنا مخصصا للكتب والمراجع التي يحتاجها العاملون. ولكن يبدو أنه لا أحد يستعين بالكتب المتراصة بسبب تسارع وتيرة العمل وسهولة البحث في مواقع الإنترنت. تؤكد بوميلر هذه المعلومة وتضيف أنهم سيقومون قريبا بإزالتها وخلق مساحة أوسع للعمل، وتضيف «توجد مكتبات إلكترونية الآن. لم يعد أحد يأتي إلى هنا».
في الطابق السفلي يوجد المكتب الواسع لنائبة الرئيس. لا تمكث هناك إلا قليلا، وإنما تفضل البقاء في الأعلى والعمل مع بقية الصحافيين في التحضير والتخطيط للمواضيع المقرر نشرها في اليوم التالي. في الطريق إلى غرفة الاجتماعات الواسعة تومئ بيدها إلى مكتبها الذي تضيئه بقية أشعة الشمس المتثاقلة التي اخترقت الغيوم الشتائية الكثيفة، وتقول «إذا جلست هناك مع أحد الصحافيين، ففي الغالب أننا نتشاجر حول مشكلة ما. هذا هو مكتب الأزمات». قبل لحظات فقط كنت تشعر بأنها أكثر الشخصيات لطفا التي تقابلها في حياتك، لكنها كشفت بسرعة عن وجه الشخصية القيادية الباردة التي لا تعرف العواطف.
في غرفة الاجتماعات تقف بوميلر ذات الطلة «الميركلية» على رأس الطاولة وتعيد من جديد رسم الابتسامة الودودة، ولكن من الصعب تجاهل الرائحة الحادة للقادة الأذكياء التي تنبعث منها. عملت بوميلر بعد تخرجها في جامعة كولومبيا في مجال الصحافة لجريدة الـ«واشنطن بوست» في طوكيو، ومن ثم نيودلهي. ومن ثم انتقلت للعمل في الـ«نيويورك تايمز» في واشنطن. بدأت عملها في الصحيفة في العاشر من سبتمبر (أيلول) من عام 2001. في صباح اليوم التالي اخترقت الطائرات المدنية برجي التجارة العالمي، وضربت إحداها مبنى وزارة الدفاع، البنتاغون. شاركت بعدها في تغطية موسعة ومتواصلة للأحداث التي أعقبتها اعتُبرت من أميز التغطيات التي قامت بها وسائل الإعلام. قامت بعدها بمتابعة عمل مستشارة الأمن القومي للرئيس بوش حينذاك كوندوليزا رايس، وخصصت وقتها لكتابة سيرة ذاتية عنها. بعد العمل لسنوات كمراسلة داخل الولايات المتحدة وخارجها تقول إنها تشتاق للخروج من جديد من المبنى والعمل في الخارج، لكنها تضيف «لكني أستمتع بعملي الحالي الذي يشبه عمل المدرب في الفرق الرياضية. من الرائع أن تقوم بصناعة مواد صحافية ومشاركة الزملاء في الأفكار والمشاريع التي يريدون إنجازها».
تتحدث بعد ذلك الصحافية الملحاحة، والتي دخلت في نقاش ساخن في إحدى المرات مع السيناتور الجمهوري جون ماكين، بتفصيل أكثر عن عمل المكتب اليومي الذي يعد الأبرز بعد المقر الرئيس في نيويورك، حيث يعمل فيه ما يقارب الخمسين صحافيا، في مختلف المجالات «كنا في السابق نبدأ العمل باجتماع التحرير عند الساعة الثانية عشرة، ولكن مع تسارع وتيرة الأخبار والأحداث بشكل غير مسبوق أصبحنا نجتمع الساعة التاسعة صباحا للحديث بشكل عام عن أبرز القضايا التي ننوي تغطيتها يوم الغد أو الأيام القادمة. ومن ثم هناك اجتماع آخر الساعة الثانية عشرة نتحدث فيه عن المواضيع التي وردت في الساعات الثلاث الماضية. في العادة تتغير خططنا لأن عملنا ليس فقط مرتبطا في واشنطن فقط ولكن في العالم كله. ما يقوله الرئيس الأفغاني كرزاي عن الوجود الأميركي العسكري لا يخص فقط مراسل الـ«نيويورك تايمز» في كابل، بل علينا أن نقوم بتغطية ردود الفعل داخل البيت الأبيض أو البنتاغون. هذا مثال واحد وينطبق على أحداث كبيرة». تلتقط نسخة ورقية من الجريدة ملقاة على الطاولة، ومن ثم تواصل حديثها «في العادة هناك ثلاثة أو أربعة مواضيع في الصفحة من إنتاج مكتب واشنطن. اليوم لا يوجد إلا موضوع واحد، ولكن غدا ستكون هناك أكثر من مادة تحريرية. نحن نوجد بالقرب من البيت الأبيض وأهم الوزارات والمؤسسات. علينا الكثير لنفعله كل يوم».
تمسك بورقة بيضاء مليئة بالخربشات غير المفهومة. هذه الخربشات، كما تشرح، كلمات مختصرة وشفرات خاصة للعاملين في المكتب، عن أبرز المواضيع التي ستنفرد فيها الجريدة. تعتذر عن عدم تمريرها للحاضرين لأنها تحوي «أسرار الجريدة» كما تقول، ولكن من هذه «الأكواد» الأشبه بالطلاسم تتشكل خلاصة المواد التي ستكون مدار حديث الملايين حول العالم والتي جعلت الـ«نيويورك تايمز» تفوز بأكثر من 112 جائزة «بوليتزر». «ما هو آخر موعد محدد لإرسال الأخبار قبل الطبع؟»، عن هذا السؤال تجيب «نحن ككل الصحافيين في صراع غير منته مع الوقت. إذا أتت الساعة السادسة والنصف يتعالى صراخ الزملاء في المكتب الرئيس طلبا للأخبار التي وعدناهم بها. يتصاعد التوتر والضغط العصبي، لكنه ينتهي في الساعة السابعة مساء حيث يجب أن ننهي ما في أيدينا ونبعث به لهم بأسرع وقت. في الغد تبدأ دورة أخرى من التوتر والجدل، لكنه ممتع لأن هناك شيئا جديدا كل مرة. أنا شخصيا لا أغادر إلا نحو الساعة الثامنة والنصف أو التاسعة بعد أن أكون قد أعددت الخطوط العريضة لما بعد الغد». لكن هناك من يبقى في المكتب حتى أوقات متأخرة في الليل وهم الصحافيون المختصون بنشر الأخبار العاجلة على موقع الجريدة الإلكتروني. تعلق «عملنا بمعنى ما لا ينتهي، خصوصا مع تصاعد التنافس بين مواقع الصحف. في العادة هناك أخبار عاجلة كل ليلة، وندخل في جدل كل ليلة حول هل هي جديرة بالنشر في الموقع أم لا».
الـ«نيويورك تايمز» تعد من أكثر الصحف توزيعا داخل الولايات المتحدة حيث توزع يوميا ما يقارب المليون نسخة. موقعها الإلكتروني يعد من بين الأشهر عالميا بحيث يستقطب أكثر من ثلاثين مليون زائر شهريا. بنجاحها على المستويين الورقي والإلكتروني، يبدو أن الجريدة غير معنية بالصراع الذي تعيشه العديد من الصحف والذي دفع بعضها للتخلي تماما عن النسخة الورقية. تشرح بوميلر هذه المسألة بالقول «نحن نهتم بالنسخة الورقية مع وجود كم كبير من المشتركين والقراء الذي يفضلون الورق. نحترم هؤلاء المتابعين المحبين للنسخة الورقية. نظرة المحررين للصفحة الأولى الورقية لم تتغير. نشر أخبارهم وتقاريرهم في الصفحة الأولى علامة على النجاح والتفرد. ولكن بالطبع موقع الجريدة الإلكتروني يستقطب ملايين القراء كل شهر وهو أيضا يحظى بمزيد من المتصفحين حول العالم».
قبل أن تكمل إجابتها يدخل بتمهل إلى غرفة الاجتماعات الصحافي بيتر بيكر المراسل المسؤول عن تغطية البيت الأبيض وإدارة الرئيس باراك أوباما. بيتر عمل في صحيفة الـ«واشنطن بوست» في السابق، وغطى إدارة الرئيس بيل كلينتون، وشارك بالكشف عن فضيحة مونيكا لوينسكي التي كادت تطيح بالرئيس. كما قام بتغطية أخبار إدارة الرئيس جورج بوش، ونشر كتابا يوصف بالأكثر موضوعية عن عهد الرئيس بوش بعنوان «أيام النار: بوش وتشيني في البيت الأبيض». تدعوه بوميلر للحديث وتقوله عنه إنه «الصحافي الوحيد الذي نجتمع لمحاولة إضافة أو تعديل كلمة على مواضيعه الصحافية، لكننا نفشل كل مرة. بعد أن نصاب باليأس نقوم فقط بإضافة فاصلة حتى نشعر بأننا قمنا بشيء ما». يرد بيكر هذه الدعابة الممزوجة بالإطراء بخط نصف ابتسامة ساخرة على شفتيه ويبدأ بعدها بالحديث عن تجربته في تغطية البيت الأبيض لسنوات طويلة. يقول بيكر «الحقيقة أن تغطية شؤون البيت الأبيض أصبحت أصعب مع الوقت. مع كل رئيس جديد يكون الوضع أكثر تعقيدا. يعتقد الناس أن تغطية البيت الأبيض هي المؤتمرات الصحافية التي يعقدها الرئيس وتبثها التلفزيونات. صحيح أن مثل هذا الاستعراض يعشقه مراسلو المحطات الإخبارية، لكنه غير ذي أهمية بالنسبة لنا. نحن نبحث عن أخبار ومعلومات من الداخل لا ترغب الإدارة في الإفصاح عنها. ليس لدي تفسير محدد لماذا أصبحت تغطية شؤون الرئاسة أكثر صعوبة، ولكن ربما لأن مدينة واشنطن كعاصمة سياسية تغيرت في العقد الأخير وأصبحت أكثر صعوبة وتعقيدا».
يبدو بيتر بيكر منزعجا من التعامل مع إدارة الرئيس باراك أوباما التي يصفها بالمتكتمة والراغبة دائما في أن ينشر المراسلون ما تريد هي وليس ما يريدونه هم، ويضيف «إذا كان لديهم مشروع لإصلاح التعليم أو سن نظام جديد للصحة، فكل ما يريدونه من الصحافة هو أن تركز فقط على هذا الموضوع وليس على قضايا أخرى لا يفضلونها. منذ سنوات لم ألتق مع الرئيس. المعلومات الخاصة التي أحصل عليها من أعضاء في الإدارة يطلب مني أن تظهر دون الإشارة إلى مصدر المعلومة. ولكن ليس من الجيد أن تكثر الاعتماد على مصادر مجهولة في التقرير الصحافي. القراء لا يفضلون هذا النوع من المواضيع ولا يميلون إلى تصديقها. عندما نعترض على التكتم الذي ليس له مبرر في كثير من الأحيان يكون رد الإدارة هو نفسه: هذا ما نريده! كيف يمكن أن ترد على جواب من هذا النوع؟».
عندما تريد الإدارة أن تمرر معلومات خاصة للصحافيين تقوم بجمع العشرات منهم ونقلها لهم. يسخر بيكر الذي تمرس في العمل الصحافي ليس فقط في واشنطن ولكن أيضا في موسكو حيث غطى بدايات صعود الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وأفغانستان بعد الحرب الأميركية عام 2001 من هذه الممارسة، ويضيف بنبرة ساخرة «فكرتي عن الأخبار الخاصة والسرية تتمثل في (الحنجرة العميقة) التي كانت المصدر الرئيس لفضيحة ووترغيت التي أطاحت بالرئيس نيكسون. ولكن جمع عشرات الصحافيين بمكان واحد وتزويدهم بمعلومات عامة ليس عملا صحافيا». هذا التكتم والسرية لا يخصان فقط أخبار الرئيس، بل وحتى السيدة الأولى ميشيل أوباما التي يجد الصحافيون صعوبة كبيرة في التواصل معها أو الالتقاء بها. تعقد بوميلر حاجبيها وتعلق «الطلبات التي تدخل مكتبها لا تخرج بعد ذلك».
أكثر من يستطيع وصف هذا التكتم المتزايد هو كبير المراسلين الصحافي ديفيد سينغر الذي نشر العديد من الكتب والتغطيات الصحافية اللافتة، كانت أبرزها تغطيته للمسببات الحقيقية خلف انفجار المركبة الفضائية تشالنغر بعد لحظات من إقلاعها، وفاز بسببها بجائزة بوليتزر للصحافة. يقول سينغر الذي تعامل مع العديد من الإدارات «إن الفترة الرئاسية الأولى للرئيس تكون الأصعب على الصحافيين. الفريق المنتصر في الانتخابات يشعر بأنه حقق معجزة بالفوز والذهاب إلى البيت الأبيض، لذا لا يريد أي شيء من الصحافة ولا يرغب في التواصل معها. لكن هذا الغرور والتعالي يتلاشى تدريجيا مع عجز الإدارة عن تحقيق المشاريع التي وعدت بها. الفترة الرئاسية الثانية هي الأفضل لأن القادمين الجدد للإدارة يرغبون في الكشف عن عيوب الراحلين ويسعون لأن يدشنوا بداية جديدة لا تحملهم أخطاء من سبقهم. من هنا يكون التعاون أسهل».
لكن سينغر لا يشتغل كثيرا الآن على البيت الأبيض، بل تركيزه منصب على قضية أخرى يعدها أكثر أهمية من أخبار الرئيس والسيدة الأولى والكونغرس، وهي قضية الحرب الإلكترونية التي نشر عنها العديد من التغطيات في الصحافية، وخصص كتابا كاملا عنها. يقول سينغر إن ما فعله إدوارد سنودن وقبله جوليان أسانج لفت انتباه الناس أكثر للحرب المعلوماتية الإلكترونية لكنها قائمة منذ مدة. ويضيف «يفكر الناس في الحرب عبر إلقاء القنابل من حاملات الطائرات وإطلاق الصواريخ، لكن الحرب الإلكترونية يمكن أن تسبب العديد من الأضرار الجسيمة. ليس فقط أن تقوم بسرقة معلومات من دولة معادية، بل يمكن أن تبعث بنظامها وتعطلها وتشل قدراتها عبر فيروسات شديدة التدمير».
تركز الـ«نيويورك تايمز» أكثر على هذه القضايا التي لا تحظى بانتباه وسائل الإعلام الأخرى لكنها تجذب عددا متزايدا من القراء الباحثين عن معلومات وتحليلات معمقة حولها. من أبرز هذه القضايا قضية البيئة والطاقة. هذا ما تخصصت فيه الصحافية الشابة كارول دافنبورت التي بدأت عملها في الـ«نيويورك تايمز» قبل عدة أشهر، لكنها نشرت ثلاث قصص مهمة على الصفحة الأولى، الأمر الذي تعتبره رئيستها بوميلر «أمرا لا مثيل له ولم يحدث من قبل»، لكنها تستدرك «مع أن عبارة - لا مثيل له - ممنوعة من الاستخدام في الصحيفة فإن هذه هي الحقيقة». دافنبورت التي تتحدث بحماس وحب عن عملها وأفكارها عملت في أماكن عدة قبل انضمامها للصحيفة. من أبرز هذه الأماكن الصحيفة الإلكترونية الشهيرة «بلتكو». تقدم نصيحتها للصحافيين الشباب الراغبين في العمل في الصحف الكبرى بأن يقوموا بـ«إرسال أفضل مواضيعهم عبر البريد أو (تويتر) إلى المسؤولين عن هذه الصحف بغرض لفت انتباههم. هذا ما فعلته مع الـ(نيويورك تايمز) التي أرسلت لها مواضيعي التي اعتقدت أنها مميزة. قمت بمراسلة أحد المسؤولين في الصحيفة الذي أبدى إعجابه بما أكتبه لكنه لم يقدم لي أي عرض. بعد مدة وجدت أن الـ(نيويورك تايمز) تقوم بنشر مواد صحافية عن الطاقة والبيئة وعلاقتها بالاقتصاد هي تقريبا نفس أفكار مواضيعي التي نشرتها سابقا. راسلت هذا المسؤول وكتبت له: أُفضل أن أكتب مواضيعي بـ(التايمز) بنفسي !». نجحت هذه الرسالة الشريرة الذكية في ضمها للصحيفة الأكثر شهرة في الولايات المتحدة.
وعن عملها تقول كارول إن قضايا الطاقة والبيئة والاحتباس الحراري ذات أهمية كبيرة على مستوى الاقتصاد ومستقبل العالم، وتعمل لأن تجعل منها محط اهتمام القراء. لكنها أيضا تعاني من مشكلة شح المعلومات التي تقدمها الحكومة والبيت الأبيض، لكن لديها طريقتها الخاصة للحصول عليها، وذلك عبر «الموظفين الراحلين من البيت الأبيض أو الحكومة أو الشخصيات من الخارج التي تعقد اجتماعات مع أعضاء من الإدارة. هذه الشخصيات أقل تحفظا للإدلاء بمعلومات. دائما العمل من الخارج إلى الداخل مفيد للصحافي إذا سُدت الطرق بوجهه».
هناك العديد من الأسئلة المتبقية، لكن الساعة الآن الثانية ظهرا. الاتصالات العاجلة من المقر الرئيس ستبدأ بعد قليل بالانهيال على المكتب طلبا للمواضيع الجديدة. قلق الصحافيين المعروف من تفويت الوقت وخسارة المنافسة مع الآخرين يلتمع في أعين بوميلر وزملائها. بمجرد أن انتهى الحوار هرع الجميع لمكاتبهم الصغيرة. عندما خرجت كان الجو أكثر برودة قبل دخولي أو هكذا تخيلت.



«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.


الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».