إعلان بلفور الحلقة 1-3: «إعلان بلفور» وليس «وعده».. مشروع طبخه طهاة صهاينة

مستفيدين من قناعات ومصالح بريطانية

لقطة من «المؤتمر الصهيوني السادس» المنعقد في بازل عام 1903
لقطة من «المؤتمر الصهيوني السادس» المنعقد في بازل عام 1903
TT

إعلان بلفور الحلقة 1-3: «إعلان بلفور» وليس «وعده».. مشروع طبخه طهاة صهاينة

لقطة من «المؤتمر الصهيوني السادس» المنعقد في بازل عام 1903
لقطة من «المؤتمر الصهيوني السادس» المنعقد في بازل عام 1903

تبدأ «الشرق الأوسط» اليوم نشر سلسلة من ثلاث حلقات حول «إعلان بلفور»، بمناسبة ذكرى 100 عام عليه. وتقدم الحلقات الثلاث معلومات مثيرة عن خلفيات الإعلان الذي أسهم إسهامًا مباشرة في رسم سياسات العالم العربي المعاصرة. ولكن، بداية، لا بد من التوضيح بأن ترجمة كلمة DECLARATION الإنجليزية بالعربية هي «إشهار» أو «إعلان» وليست «وعدًا». وبين الوعد والإعلان مسافة شاسعة لا ينبغي الاستهانة بها، ومن ثم، فإهمالها أو ضياعها يفقد عالم اليقين التوثيقي أهم ركائزه، وعلينا التعرف على أصول المفردات ومعاني ترجمتها قبل حشرها ومن ثم تكرارها، لأن المعنى الصحيح هو وحده يورث القدرة على التأثير. والواقع أنه ينظر إلى الترجمة عندنا على أنها جزء من الحراك المعرفي، وإن كانت تعيش في مأزق ثقافي يترتب عليه تأصيل الخطأ، وهو ما يطلق عليه (الترجمة الخفية) Covert Translation التي لا تذكر الأصل فتكون قريبة إلى «ترجمة زائفة» Pseudo – translation وهي تعتمد على الاشتقاقات والمقاربات، فتغدو بعيدة عن المعنى المطلوب أصلاً، كما تتضح تلك الظاهرة أيضًا وبشكل واسع عند نقل الأسماء الأجنبية التي تضيع بين حروف تعطي نطقًا شاذًا يصعب فهمه لدى أصحابها يقود حتمًا إلى اغتراب ثقافي وقطيعة تؤدي نتيجتها إلى ضياع المعنى. في مثل هذا الموقف يبرز بكل قوة المثل الإيطالي «المترجمون خونة» Traduttore Traditore، والمقصود بـ«الخيانة» هنا خيانة التعبير.
عادة ما يكون اندلاع الحروب نذير شؤم حينما تحسم مصائر شعوب الدول المدحورة، بفرض شروط وأحكام وسياسات تطبق عليها قسرًا، مخلِّفة تغيّرات جوهرية تترك نتائجها آثارًا عميقة تنقش في الوعي السياسي والاجتماعي فتغيّر مجريات التاريخ لأمد طويل. ولا أكثر مما خلّفته الحرب العالمية الأولى منذ اندلاعها في منتصف ليل 4 أغسطس (آب) 1914 - بتوقيت العاصمة الألمانية برلين - حين وطأت جحافل الجيوش الألمانية أراضي بلجيكا المحايدة ثم هاجمت فرنسا، في عملية خُطط لها قبل عقد من الزمن وتحديدًا عام 1906، ويومها أطلق عليها «خطة شليفتن» نسبة لاسم الجنرال الذي رسمها. حصل كل ذلك نتيجة طلقتين من مسدس إرهابي صربي لم يبلغ التاسعة عشر من عمره حين اغتال الأرشيدوق فرانز فرديناند ولي عهد إمبراطورية النمسا والمجر صبيحة 28 يونيو (حزيران) 1914 في مدينة سراييفو، معلنة اشتعال النار في كل أوروبا. ولم تتوقف ألسنة اللهب عند حدودها بل امتدت فبلغت بلاد العرب التي لم تخبُ نيران حروبها إلى يومنا هذا، فباتت «بلقان القرن الـ21». وعلى حد قول برنار باجوليه، مدير الاستخبارات الفرنسية: «الشرق الأوسط الذي نعرفه انتهى إلى غير رجعة».
غدا التركيز في بداية الحرب على بلجيكا في محنتها. وبقدر ما كان الرأي العام في بريطانيا قليل الاكتراث طوال أكثر من شهر بما كان يحدث في البلقان، فدنوّ الحرب من أرضه في دولة ضمنت حيادها واستقلالها اتفاقية لندن عام 1839، جعلت من هربرت آسكويث، رئيس وزراء بريطانيا (1908 حتى 1916) وزعيم حزب الأحرار، بطلاً قوميًا خلال أيام بعدما كان مستقبله السياسي مهددًا بالانهيار. فخطاب آسكويث في مجلس العموم يوم 16 أغسطس 1914 - حول دخول بريطانيا الحرب صدًا لغزو ألمانيا بلجيكا وتمزيق معاهدة حمايتها - جاء قويًا لا يمكن لأحد الرد عليه إلا بالتأييد، مما جعل رئيس تحرير جريدة «التايمز» العريقة يكتب في أحد مقالاته بعد ثلاثة أسابيع، مبيّنًا ردود الفعل بتأييده في جميع الأوساط، إلى الاقتراح «بنشر تلك الكلمات وتعليقها في كل مدينة وقرية في جميع الجزر البريطانية».
هكذا كانت أجواء الحرب مسيطرة على أفئدة الرأي العام، وهو مما دفع زعماء الحركة الصهيونية الوليدة من اليهود - مدعومة من أصحاب القرار والنفوذ البريطانيين – إلى استغلالها لتقديم برامجهم وطموحاتهم وتحقيقها على أرض الواقع «حينما تصمت المدافع، تطير الطيور بأرزاقها».
* بدايات التحشيد الصهيوني
ولقد كان المشهد ملائمًا حين انهمرت المطالبات والمراسلات، مما حدا بهربرت صمويل، أحد الوزراء البريطانيين اليهود وأول وزير منهم 1906 - 1915، بإعداد تقرير بعنوان «عن مستقبل فلسطين» يركّز فيه على التعرف على الصهيونية والفوائد الاستراتيجية التي ستجنيها بريطانيا عند انتصارها في الحرب واندحار الدولة العثمانية، وما يتبع انسحابها من الأقطار التي تحت هيمنتها بأن تجعل بريطانيا، فلسطين، تحت حمايتها، وأن تشجع المهاجرين اليهود على الاستقرار فيها حتى يشكلوا نسبة عالية من السكان، لضمان بقائها تحت هيمنة التاج البريطاني. وللعلم، بلف تعداد اليهود مع النازحين من روسيا وشرق أوروبا في فلسطين بداية القرن العشرين بحدود 55 ألف نسمة - وقد تكون في هذا الرقم مبالغة - بينما كان عدد السكان العرب أكثر من 660 ألف نسمة. وهذه الأرقام صرّح بها العضو المشارك في المؤتمر الصهيوني الثاني ليو موتزكين عام 1898 (راجع «كتاب إسرائيل وتاريخها» لمارتن غيلبرت - دبل دي - نيويورك 1998). كما قدّر جيمس آرثر بلفور، صاحب الإعلان الشهير، عدد السكان العرب فيها بـ700 ألف نسمة كما جاء في مذكرة له. وللتوضيح لم تكن هناك إحصائيات دقيقة إبان الحكم العثماني، ولكن كتاب «سكان فلسطين» لمؤلفه جاستن ماكارثي يذكر أن نسبة اليهود آنذاك بحدود 3 في المائة. وكانت تلك الأقلية تتوزّع بأعداد بسيطة في المدن فقط، ولا سيما القدس وطبرية وصفد. ومنهم بقايا هجرات «العالية الأولى» 1882 - 1903، التي عاد فهاجر منها نحو 70 في المائة إلى أميركا. ويذكر ديفيد بن غوريون في يومياته: «إن نصف المهاجرين ألقى نظرة واحدة على الوضع، ثم غادر إلى أوروبا بالسفينة نفسها»، حيث لم تكن فلسطين أرض اللبن والعسل حينذاك!
وحسب يوسف حايم بيرنر في كتابه بالعبرية «ماييم لا باييم» (أي بين الماء والماء)، فإن «العائلة اليهودية المهاجرة تترك من أفرادها كبار السن والعجزة ومن لا قيمة لهم منهم (شمندريك) في فلسطين، وترحل إلى أميركا. كما حدا بأثرياء اليهود إغراء المهاجرين بالبقاء في فلسطين عبر تأسيس بنك لتمويل توطين المهاجرين تحت اسم «صندوق الاستيطان اليهودي»، من خلال توصية «المؤتمر الصهيوني الخامس» 1899. كذلك أسس في أواخر 1901 صندوق آخر باسم «الصندوق اليهودي الوطني» (كيرن كيمت).
أيضًا، كان اليهود قبيل الهجرة الأولى يملكون نحو 10 آلاف دونم (أي ما يعادل 0.003 في المائة) من أرض فلسطين مقابل 26.3 مليون دونم يملكها العرب مسيحيين ومسلمين. ولكن في نهايتها ارتفعت ملكية اليهود إلى 400 ألف دونم (1.6 في المائة)، وبلغ تعدادهم 55 ألف نسمة. وكانت غالبية الأراضي مسجلة بأسماء منظمات ومؤسسات أجنبية تتمتع برعاية قناصل الدول الأوروبية الكبرى.
* حزب الأحرار البريطاني
رافق التقرير الآنف الذكر الذي قدّمه الوزير هربرت صمويل - وعلى منواله حملة إعلامية بدأتها جريدة «مانشستر غارديان» الليبرالية («الغارديان» حاليًا) المملوكة والمدارة من قبل تشارلز برستويك (سي بي) سكوت، الصحافي المشهور المقرّب من حزب الأحرار (الليبرالي) وزعيمه ديفيد لويد جورج، ذي الميول الصهيونية، الذي تولى رئاسة الوزراء في نهاية عام 1916، واستمرت وزارته حتى عام 1922. وأسهمت علاقة سكوت بلويد جورج في فتح أبواب أصحاب القرار والتواصل مع زعماء الحركة الصهيونية مثل الدكتور حاييم وايزمن، الذي أصبح بعدها من المقرّبين من لويد جورج، ومن ثم جاءت علاقته الراسخة مع بلفور الذي تسلم وزارة الخارجية، كما سيأتي ذلك لاحقًا.
وكانت «الغارديان» تستكتب وتستقطب أقلامًا صحافية مؤثّرة من اليهود ومؤيديهم من الصهاينة مثل هربرت بوثام الذي كان يكتب مقالات تهيئ الرأي العام لمؤازرة المشروع الصهيوني باستيطان فلسطين. ومنها «مذكرة حول السياسة البريطانية» أثارت الانتباه والجدل عام 1915، بالإضافة إلى افتتاحيات الجريدة التي كان يكتبها الصحافي والكاتب اليهودي هاري ساخر، وهو من جملة من أسهموا بوضع مسوّدة صياغة «إعلان بلفور» قبل تقديمها في يوليو (تموز) 1917.
وكان ساخر هذا همزة الوصل بين سكوت ووايزمن، وكذلك مع مجموعة ما أطلق عليها «مدرسة يهود مانشستر الصهيونية» ذات التأثير القوي. وكان محرّك المجموعة الديناميكي حاييم وايزمن بمعيّة ليون سايمون وسايمون ماركس وإسرائيل سيف وناحوم سوكولوف وآحاد حاعام، على الرغم من قلة أعداد مؤيدي الحركة الصهيونية من اليهود، الذين ما كانوا يتعدون 10 آلاف عضو من مجموع الجالية اليهودية المقيمة في بريطانيا البالغ عددها 300 ألف نسمة. وتوزّع هؤلاء في المدن الكبرى، مثل لندن التي تؤوي معظمها، بالإضافة إلى مانشستر وليفربول وليدز وبرمنغهام. ومنهم من الجيل الأول للمهاجرين الروس الذي فروا منها نتيجة موجات العنف التي أطلق عليها اليهود الأوروبيون (الأشكيناز) اسم «بوغروم» (أي مجازر ما بعد اغتيال قيصر روسيا الإسكندر الثاني عام 1881).
ما لا يُنكر تاريخيًا أن التأثير اليهودي الأقوى جاء من العوائل الثرية التي كان يطلق عليها «أبناء العمومة» التي تمتعت بوجود مالي وصناعي لا يستهان به جعلها مقبولة للطبقة الأرستقراطية البريطانية وتتزاوج معها أحيانًا، ومنها روتشيلد ومونتيفيوري وصامويل مونتيغيو وموكاتا وكوهين وغولدسميث وساسون وغيرهم.
كذلك كان للصحافة والصحافيين اليهود، وخصوصًا الصهيونيين منهم، واضح الأثر في جميع ما يكتب وما ينشر. ولا يمكن أن يجهل دور أقدم جريدة يهودية في العالم ولسان حال الطائفة في أنحاء الإمبراطورية البريطانية منذ صدورها في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1841 وهي «الجويش كرونيكل» JEWISH CHRONICLE الأسبوعية، وخصوصًا بعدما تولى تحريرها ليوبولد غرينبرغ من عام 1907 حتى وفاته عام 1931. إذ أفاض عليها غرينبرغ الصبغة الصهيونية لقربه من المفكر الصهيوني الأبرز ثيودور هرتزل وممثله في بريطانيا. كذلك كان غرينبرغ على علاقة وطيدة بالساسة البريطانيين، ومنهم جوزيف تشمبرلين، وزير المستعمرات عام 1902، الذي قدم لهرتزل عرضَي العريش ثم أوغندا وطنًا لليهود.
وعلى الرغم من أن توزيع الجريدة كان بحدود 50 ألف نسخة، فإن اختراقها بلغ 250 ألف قارئ، مما حدا بالحكومة البريطانية أن تؤجل الكشف لإعلان بلفور والرسالة الموجهة إلى اللورد روتشيلد بتاريخ 2 نوفمبر 1917، الذي صادف موعد صدورها الأسبوعي، حتى 9 نوفمبر، معطية لها الأولوية والسبق الصحافي، حينما بشّرت اليهود في العالم بافتتاحية عنوانها «انتصار اليهود المؤزّر».
* الأسباب الحقيقية لـ«الإعلان»
لا أحد يعرف الأسباب الحقيقية التي أدت إلى «إعلان بلفور»، إذ أُهرقت بحار من الحبر وعلت جبال من الورق لكتابة نظريات واجتهادات ضاعت كما تغور سيول المزن في الصحارى الظمأى. ولكن بعد فترة خمود الحرب العالمية الأولى، ظهرت دوافع الإعلان على حقيقتها، وهو أنه جزء من مشروع خداع استراتيجي استيطاني هو ما كان يعتقده كل من عرب فلسطين وبعض سكانها القدماء من اليهود (يشوف) YISHUV. وهذا ما أيده أيضًا رئيس دولة إسرائيل إسحاق نافون (1978 – 1983) في مذكراته «كل الطريق» - وأصله من يهود إسبانيا الذين هربوا إلى إسطنبول بعد اندحار العرب، ومنها إلى القدس قبل مدة طويلة - إذ يقول في معرض كلامه عن العلاقة بين العرب واليهود: «إن أباه كان صديقًا حميمًا لجاره العربي المسلم (الحاج علي)، وكانا معًا يلعنان الاحتلال ثم الانتداب متمثلاً بعدوهما المشترك.. بريطانيا».
بات ما دبّره البريطانيون يعطي أجوبة ذلك اللغز، فالمخطّطات عادة ما تليها المؤامرات حتى تصبح أمرًا واقعًا، ولو أن اختلاق الأساطير هي الحالة الغالبة على العنصر البشري من الاستشهاد بالحقائق ودقتها. وحقًا، لم تتمكن الإدارة المدنية لبريطانيا المفروضة عام 1920 ولا جيشها إقناع أهل البلاد الأصليين بتقبّلها، رغم الوعود والإغراءات ثم الضغوط والانصياع للأمر الواقع.
فهل كانت تلك المحاولات جزءًا من تقليل الضغط السياسي والاجتماعي والديموغرافي لهجرة اليهود الكبرى من روسيا وبولندا 1881 - 1905 بعد زيادة حملات الإبادة والتهجير بأعداد غير مسبوقة، واختيار البعض بريطانيا بتشجيع من الحركة الصهيونية؟ هذا الأمر أدّى إلى ازدياد مشاعر اللاسامية في بلد صغير الرقعة الجغرافية وآثارها على التركيبة السكانية من طبقات فقيرة مسحوقة لا تربطها ببريطانيا أي وشائج على الإطلاق دينًا ولغةً وانتماءً، حتى وصل إلى حد لا يمكن السكوت عنه، وهو ما دعا إلى تشكيل جهة حكومية للنظر في الأمر عام 1902 أطلق عليها «اللجنة الملكية للحد من الهجرة الأجنبية»، وإن كان المقصود منها هي الهجرة اليهودية.
المسيرة انطلقت بدراسة ونقاشات مستفيضة في البرلمان، وعلى الرغم من تدخل المتنفذين من اليهود، خصوصا الناشطين في الحركة الصهيونية الجديدة وعلى رأسهم زعيمها ومؤسسها هرتزل، الذي زار لندن ثانية مرتين في صيف وخريف عام 1902 بعدما كان قدم للمرة الأولى عام 1896 من أجل الدعوة إلى المؤتمر الصهيوني الأول بسويسرا. ولقد التقى هرتزل مع «اللجنة» ووزير المستعمرات جوزيف تشمبرلين الذي عرض عليه مشروع توطين اليهود في العريش بسيناء (كانت مصر آنذاك تحت الحماية البريطانية) كما عرضت إحدى مستعمرات بريطانيا في شرق أفريقيا (أوغندا) لاستيعاب مليون مهاجر يهودي وجعلها وطنًا قوميًا لليهود تحت الحماية البريطانية. وتقبّل هرتزل الفكرة وعرضها على «المؤتمر الصهيوني السادس» في مدينة بازل السويسرية (23 أغسطس «آب» عام 1903) ففازت بقبوله بأصوات بلغ عددها 295، أما المعارضون فكان عدد أصواتهم 178 والممتنعون 99 صوتًا، وكان معظم المعارضين من الصهاينة الروس المصّرين على النص التوراتي «إذا نسيتك يا أورشليم، شلت يميني». ويومها أجابهم هرتزل بأنه سيكون «مثل موسى الذي قاد شعبه إلى هدفهم عبر انعطاف مؤقت (NACHTASYL)»، لكن المشروع مات مع موت صاحبه في 3 يوليو 1904.
* نكسة «قانون الأجانب»
وكي لا نعود إلى الاشتباك القديم، فإن السرد يختبئ وراء تلك الفترة التي امتدت مدة قاربت ثلاث سنوات حين صدر قانون تحديد الهجرة، ثم تسفير من لم تنطبق عليهم شروط قبول الاستيطان الذي لاقى رفض واستهجان مؤيدي الحركة الصهيونية. وأطلق عليه «قانون الأجانب»ALIENS ACT يوليو 1905. وما يستحق الذكر أنه خلال تلك المدة التي استغرقها قانون المنع، قال بلفور (رئيس الوزراء في حينها)، في خطاب مسهب له في مجلس العموم بتاريخ 10 يوليو (تموز) 1905، قبل الموافقة على صدور القانون، معبرًا عن الاستياء لما وصلت إليه الأمور: «إنها مصيبة لا يظاهرها شك قد وقعت على البلاد نتيجة موجة أعداد كبيرة من المهاجرين اليهود». هذه الألفاظ النارية التحريضية أطلقها أكبر مسؤول سياسي في البلاد ورئيس وزرائها قبل أن ينقلب رأسًا على عقب بعد عقد ونيف، ويمنح مَن منعهم من الاستقرار في بلاده حق الاستيلاء على بلاد غيره. ولكن المصالح اليهودية البريطانية آنذاك لم تغفل عن مخاطر ما تمخّضت عنه تلك الأحداث، فأصدرت مجموعة من كبار المتنفذين فيها عبر «كتاب اليهود السنوي» عام 1905، مذكّرة موقعة من 25 شخصية بارزة من ضمنها ليوبولد روتشيلد وكلود مونتفيوري وفيليب ماغنوس وروبرت كوهين وأوزموند دافيغدور - غولدسميث، تقول فيها: «إننا نأسف لما يحدث من تراكم المخاطر التي يثيرها بعض المثقفين اليهود (الصهيونيين) التي تشجع على الاعتقاد بما يلي:
(أ) التفرد والانعزال عن بقية المواطنين البريطانيين.
(ب) تحطيم الأسس السابقة المؤدية إلى الانصهار في المجتمع مثلما وضعه على سبيل المثال اللورد ماكولي في خطابه بمجلس العموم عام 1883، والذي أكد فيه رفع الحيف عن حقوق اليهود.
(ج) رفع سقف التأجيج والكراهية بين طبقات المجتمع وأطيافه ومضارها خاصة بالنسبة إلى الطبقة العاملة المهاجرة من اليهود، مما يؤثر على مقاييس الوطنية لليهود الإنجليز.
ثم زاد على هذا التصريح الحاخام الأكبر للطائفة اليهودية هيرمان آدلر الذي أيد ما سبق بقوله: «منذ تحطيم الهيكل وانتشار اليهود في العالم، فإنهم (اليهود) لا يشكلون أمة بل نحن طائفة دينية» (المرجع – «الجويش كرونيكل»، 23 أبريل «نيسان» 1909).
ولإعطاء فكرة عن ازدياد أعداد اليهود في بريطانيا نتيجة هجرتهم إليها، فإن الأرقام تقول إن عددهم عام 1880 كان بين 30 و40 ألف نسمة، وهم اليهود المستقرون فيها، والمتأقلمون مع سكانها، حتى يصعب التفريق بينهم لإقامتهم الطويلة ولعدة أجيال. وقبل أفول القرن الـ19 ابتدأت الهجرة اليهودية بأعداد كبيرة فاقت 100 ألف نسمة، وما إن حل القرن الـ20 وبحسب تحديد إحصاء عام 1901 حتى أصبح عددهم 300 ألف نسمة معظمهم من يهود روسيا وشرق أوروبا ووسطها، من أصل مجموع سكان بريطانيا البالغ نحو 40 مليون نسمة.
* تشرشل ووايزمن.. والآسيتون
* يذكر لويد جورج في مذكراته «ذاكرة الحرب» أن «إعلان بلفور كان مكافأة د. وايزمن على جهوده لاختراع ساعدنا على الانتصار في الحرب، وترك بصمة دائمة على خريطة العالم».
وتكرر ذكر هذه الرواية مرات كثيرة، وقبلها البعض بأنها سبب يمكن الارتكاز عليه، لكنها حقًا من بنات أفكار لويد جورج، لأن وايزمن نفسه قال: «كان بودي أن تكون الأمور بتلك السهولة، لكنني لن أنسى الصعوبات التي زاملت مسار الإعداد من كدٍ وعملٍ شاق، والخيبة أحيانا. فالتاريخ لا يُكتب بفرك مصابيح علاء الدين» (راجع مذكرات وايزمن «التجربة والخطأ»). ولكن مما لا شك فيه أن اكتشاف وايزمن الكيماوي ساعد الحركة الصهيونية على فتح أبواب مكاتب أصحاب القرار والمجتمع البريطاني المحافظ والمصرّ على التقاليد على الرغم من صعوبتها. إذ كان وايزمن في نظرة ذلك المجتمع مجرّد مهاجر يهودي أجنبي، وإن كانت بعض العوائل اليهودية المتنفذة تنظر إليه بالمعيار نفسه.
إلا أن هذا الحال تغير فجأة عندما جاء اختراع ليمنح وايزمن فرصة العمر، ويدفعه بقوة إلى دائرة الضوء وصنع القرار في عام 1915، الذي كان من أقسى أعوام الحرب التي عاشتها بريطانيا في مجهودها الحربي، سواء كان ذلك على الجبهة الغربية (في إيبر ونوشاتيل)، أو جبهات الشرق الأوسط، وتحديدًا نكسة حصار الكوت (في العراق) وفشل حملة الدردنيل (في تركيا).
هكذا كانت الصورة قاتمة عندما قابل وينستون تشرشل، وزير البحرية حينذاك، وايزمن يوم 15 أبريل من ذلك العام. وجاء ذلك الاجتماع بعد نجاح تجارب وايزمن في إنتاج سائل الآسيتون المستخدم في صناعة المتفجرات بواسطة تخمير فضلات تصنيع الخمور، بدلاً من الطريقة الطويلة والمكلفة لتقطير الأخشاب. ويومذاك بادره تشرشل بضرورة إنتاج 30 ألف طن منه، وأمر بتهيئة كل ما يحتاجه للإسراع بتوريده. لقد كان الآسيتون العنصر الأهم لقلب موازين القوى وكانت الصناعة العسكرية بأمس الحاجة له، لإنتاج قنابل متطوّرة عديمة الضوء والدخان. وبدأ العمل بالفعل في يوليو 1915، وبحلول يناير (كانون الثاني) 1916 أمكن توفير المادة المطلوبة. وعلى الأثر، انتدب وايزمن للعمل في وزارة الحرب البريطانية في لندن، تاركًا عمله الأكاديمي بجامعة مانشستر.
وهكذا فاز وايزمن بحظوة كبيرة وكثرت علاقاته، وأصبح مستشارًا متخصصًا ذا نفوذ مكّنه من اجتياز جميع المعوقات، فكتب إلى زوجة اللورد جيمس روتشيلد الذي غدا من أقطاب الحركة الصهيونية البريطانية حينها عن اختراعه يقول: «سيفيد قضيتنا في فلسطين، وأرجو أن يساعد الحظ النجمة اليهودية» (راجع: مراسلات وايزمن 18 يوليو 1915).
*باحث كويتي



حين فتح حافظ الأسد بوابة لبنان أمام طهران

حافظ الأسد سهل لخامنئي إحكام السيطرة على لبنان عبر «حزب الله» (أ.ف.ب)
حافظ الأسد سهل لخامنئي إحكام السيطرة على لبنان عبر «حزب الله» (أ.ف.ب)
TT

حين فتح حافظ الأسد بوابة لبنان أمام طهران

حافظ الأسد سهل لخامنئي إحكام السيطرة على لبنان عبر «حزب الله» (أ.ف.ب)
حافظ الأسد سهل لخامنئي إحكام السيطرة على لبنان عبر «حزب الله» (أ.ف.ب)

بعد أسبوع من إعلان انتصار الثورة الإيرانية في 11 فبراير (شباط) 1979 ستطل من طهران صورتان تساعدان على فهم العواصف اللاحقة وصولاً إلى «طوفان السنوار» والبصمات الإيرانية عليه.

في الصورة الأولى يجلس على البساط رجلان لا يمكن كتابة قصة المنطقة من دون التوقف طويلاً عند قصتيهما. الأول مفجر الثورة الإيرانية آية الله الخميني، والثاني مفجر الثورة الفلسطينية الحديثة ياسر عرفات. وبين الواقفين قرب عرفات يمكن مشاهدة رجل الدين اللبناني السيد هاني فحص ورجل الدين الإيراني صادق خلخالي وأحمد الخميني نجل المرشد.

وبين من وقفوا قرب الخميني الجالس يمكن التعرف على محمود عباس (أبو مازن) رئيس السلطة الفلسطينية حالياً وهاني الحسن عضو اللجنة المركزية في حركة «فتح» وأول سفير فلسطيني لدى طهران الخمينية.

عرفات مع الخميني في بواكير الثورة ويبدو محمود عباس إلى جانب المرشد الإيراني

في الصورة الثانية يبدو عرفات وهو يلقي كلمة بعد رفع علم فلسطين على المبنى الذي كان يستضيف السفارة الإسرائيلية في طهران.

كان للصورتين وقع كبير في تلك الأيام. منذ إقامته الطويلة في النجف أدرك الخميني أن فلسطين هي الكلمة السحرية التي تسمح بالتسلل إلى ضمائر العرب والمسلمين. وقد يكون اعتقد أن الموقف من القضية الفلسطينية سيشكل جواز مرور للثورة الشيعية إلى البحر السني الواسع. كان من الطبيعي أن تحتفي طهران بالزائر الذي يحظى بشرعية كاملة بعدما تحول رمزاً لإيقاظ ثورة الحق الفلسطيني. وكان من الطبيعي أن يحتفي عرفات بانتقال دولة بأهمية إيران وحجمها وقدراتها من معسكر التأييد لإسرائيل والتعاون معها إلى معسكر الدعم الكامل للثورة الفلسطينية.

وكعادته لم يبخل عرفات بالثناء على مضيفه وبلاده. لكن التجربة أظهرت أن ثناء عرفات لا يدفعه أبداً إلى تسليم أوراقه. كان صاحب خبرة في التعامل مع الأقوياء الذين حاولوا الاتكاء على القضية الفلسطينية لترسيخ أنظمتهم أو لدفع أدوارهم إلى خارج خرائط بلدانهم.

لم تكن الجاذبية الفلسطينية ورقة عرفات الوحيدة. كان يقيم على حدود إسرائيل عبر جنوب لبنان الذي تحول حدوداً فلسطينية - إسرائيلية قبل أن يتحول لاحقاً إلى حدود إيرانية - إسرائيلية. وعلى رغم وقوع لبنان آنذاك في قبضة حافظ الأسد وجيشه وكراهيته لعرفات، كان الأخير يمسك بقرار الحرب والسلم في جنوب لبنان وهو قرار سينتقل لاحقاً إلى يد حسن نصر الله الأمين العام الراحل لـ«حزب الله».

صورة غير مؤرخة لنصر الله في شبابه (مكتب المرشد الإيراني)

باكراً أدرك عرفات حجم الحساسيات الكامنة في العلاقة مع إيران. ثورة شيعية في عالم سني. ثم إن الحديث عن «تصدير الثورة» يثير مخاوف دول قريبة وبعيدة. وحين اندلعت الحرب العراقية - الإيرانية حاول عرفات لعب دور الوسيط وأعاد ترتيب أوراقه وحساباته التي كانت تترك مجالاً واسعاً لعلاقات جيدة مع الدول العربية في الخليج التي لم تبخل عليه بالدعم.

في قراءة أحداث عام 1979 وصوره عنصر لا يجوز تناسيه. ففي تلك السنة كانت مصر تستكمل إجراءات خروجها من الشق العسكري من النزاع العربي - الإسرائيلي وهو ما سيترجم عملياً بتوقيع الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن اتفاق كامب ديفيد برعاية الرئيس الأميركي جيمي كارتر. وكان التوقيع عملية استكمال للزلزال الذي أحدثه السادات في 1977 حين اختار الذهاب «إلى عقر دار العدو» الإسرائيلي عارضاً السلام. أحدث خروج مصر وما تبعه حالة من الفراغ في المنطقة، ما سهّل لثورة الخميني التقدم في الإقليم.

تلقت إيران بدءاً من عام 1990 ثلاث هدايا غير مقصودة. الأولى من صدام حسين حين غزت قواته الكويت وانشغل العالم بـ«الخطر العراقي». والثانية حين أمر أسامة بن لادن بتنفيذ هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في نيويورك وواشنطن وانشغل العالم بإرهاب «القاعدة». والثالثة حين اقتلع الجيش الأميركي في 2003 نظام «البعث» العراقي ما أتاح للجمر الإيراني فرصة التدفق إلى داخل العراق والإقامة في مؤسساته وتركيبته.

وغاب عن بال كثيرين أن إيران كانت تلقت في الثمانينات هديتين بارزتين من الرئيس السوري حافظ الأسد. الهدية الأولى كانت حين وافق الأسد بعد الغزو الإسرائيلي لبيروت في 1982 على السماح لمئات العناصر من «الحرس الثوري» الإيراني بالدخول إلى البقاع اللبناني لتدريب مجموعات إسلامية شيعية لبنانية كانت تتطلع إلى تنظيم جسم مقاوم للاحتلال الإسرائيلي. ومن هذه المجموعات سيولد لاحقاً «حزب الله».

وفي منتصف الثمانينات قدم الأسد لإيران هدية ثمينة حين قرر إخضاع «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» (جمول) التي قادها الحزب الشيوعي اللبناني لمصلحة «المقاومة الاسلامية» بقيادة «حزب الله».

وكان منسق «جمول» إلياس عطالله روى لـ«الشرق الأوسط» قصة لقاء عاصف تبعته سلسلة اغتيالات استهدفت قياديين شيوعيين. قال عطالله إن مسؤول المخابرات السورية في لبنان اللواء غازي كنعان استدعاه والأمين العام للحزب الشيوعي جورج حاوي إلى لقاء عاجل في فندق في البقاع.

كان كنعان يتحدث باسم «السيد الرئيس»، وقال صراحة إن على «جمول» أن تنسق عملياتها مسبقاً مع المخابرات السورية. طالبها بأكثر من ذلك، وتحديداً بالتنسيق مع «حزب الله» حتى بالاندماج معه. لم يوافق الزائران على الطلب، فقد كان التوتر في ذروته بين الحزب الشيوعي و«حزب الله». سارع كنعان إلى إنهاء الاجتماع بعبارة تهديد هي «ستدفعون ثمناً غالياً». ردّ بحملة اغتيالات لم يخف توقيعه عليها بغض النظر عن أسماء منفذيها. وشارك ذات يوم في التعازي بأحد الذين اغتيلوا وقال لجماعة الحزب: «هل هكذا أفضل؟».

نجحت سوريا في توجيه ضربة قاصمة إلى نشاط «المقاومة اليسارية» فتفردت «المقاومة الإسلامية» بالمواجهة مع إسرائيل. وحصد «حزب الله» النتائج حين أرغمت القوات الإسرائيلية على الانسحاب في عام 2000 من جنوب لبنان تحت الرصاص ومن دون أن يقدم لبنان أي تنازلات. وهكذا صارت إيران موجودة على خط التماس مع إسرائيل عبر جنوب لبنان. وبعد اقتلاع نظام صدام فتحت الطريق بين طهران وبيروت عبر بغداد ودمشق، فولد ما سماه البعض «محور المقاومة» وسماه آخرون «الهلال الشيعي».

في بداية ثمانينات القرن الماضي ساد الاعتقاد أن حرب صدام حسين حاصرت جمر الثورة الخمينية داخل الخريطة الإيرانية. فجأة وفي يونيو (حزيران) 1982 ستفتح نافذة لن تتردد إيران في استغلالها. غزت القوات الإسرائيلية لبنان وحاصرت بيروت وأرغمت قوات منظمة التحرير الفلسطينية على مغادرة لبنان. كان مشهد العاصمة اللبنانية تودع ياسر عرفات قبل صعوده مع شارة النصر إلى سفينة أقلته إلى المنفى الجديد إيذاناً بنهاية مرحلة كاملة.

في ظل الاجتياح الإسرائيلي، اتفق جورج حاوي وإلياس عطاالله ومحسن إبراهيم الأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي وحفنة من رفاقهم على إطلاق «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» ضد الاحتلال الإسرائيلي. وأرغمت عمليات الجبهة الجيش الإسرائيلي على الانسحاب سريعاً من بيروت. وفي الوقت نفسه تداعت 3 مجموعات إسلامية شيعية متعاطفة مع الثورة الإيرانية إلى حوار بحثاً عن إطار موحد لإطلاق مقاومة إسلامية ضد الاحتلال الإسرائيلي. انتهى الحوار إلى ما عرف بـ«وثيقة التسعة» التي حملت إلى طهران ونالت مباركة الخميني الذي أمر «الحرس الثوري» بدعم وحدة هذه المجموعات التي ستذوب لاحقاً في «حزب الله». وقد روى نعيم قاسم الأمين العام الحالي للحزب قصة التأسيس في كتابه «حزب الله: المنهج، التجربة، المستقبل». ويشير قاسم إلى أعمدة التوجه الجديد وهي «الإسلام كمنهج ومقاومة إسرائيل كأولوية والولي الفقيه كمرجعية».

كان حافظ الأسد يتحدث أمام زواره عن أهمية التغيير الإيراني كتعويض عن خسارة مصر. لكن بعض العارفين يشيرون إلى حسابات أخرى لديه بينها عداؤه لصدام حسين واعتقاده أن قلق الدول الخليجية من إيران الجديدة سيجعله حاجة دائمة لهذه الدول مع ما يمكن أن يعنيه الدور من فوائد. ويضيف هؤلاء أن سماح الأسد بتنامي حضور «حزب الله» اللبناني يصب في سياق الحسابات نفسها.

حسن نصر الله متوسطاً علي خامنئي وقاسم سليماني (مكتب المرشد الإيراني)

ولد «حزب الله» اللبناني تحت عباءة الولي الفقيه وعلى خط التماس مع إسرائيل وانتقل إلى خط التماس مع أميركا حين اقتحم انتحاري في 1983 مقر رجال المارينز في بيروت بشاحنة مفخخة وأرسل قافلة من الجثث إلى بلاد رونالد ريغان. لعبت سوريا دوراً بارزاً في استثناء «حزب الله» من قرار تسليم أسلحة الميليشيات بعد اتفاق الطائف. لم تبخل طهران بدعم الحزب، ما مكنه من بناء قوة متنامية ساعدته في التحول إلى اللاعب الأول على الساحة الشيعية في لبنان. ورعت عملياً مع دمشق ولادة «البيت الشيعي» اللبناني الذي يضم الحزب مع حركة «أمل» التي تولى رئيسها نبيه بري ومنذ عام 1992 رئاسة البرلمان. طوى الطرفان الصفحة القديمة بينهما وتحول بري إلى حاجة شبه دائمة للحزب تجنبه العزلة لكن من دون أن يتمكن من تعديل البرنامج العميق للحزب.

كان العقد الأول من القرن الحالي حافلاً بالمشاهد التي تتخطى آثارها مسرحها المباشر. في التاسع من أبريل (نيسان) 2003 اقتلعت مدرعة أميركية تمثال صدام حسين من ساحة الفردوس في بغداد. الرجل الذي كان العراقيون يشعرون بالرهبة لمجرد المرور قرب تماثيله لم تسمح له الآلة العسكرية الأميركية بخوض المنازلة التي كان يشتهيها. جيشه الذي قاتل إيران على مدى 8 سنوات تبخر سريعاً أمام الجيش الأميركي.

جنود بريطانيون يسيّرون دورية في البصرة 7 أبريل (نيسان) 2003 (أ.ف.ب)

كان صدام على مقربة من ساحة الفردوس حين تجرأ الجندي الأميركي على تمثاله. اختار السيد الرئيس طريق المقاومة مسيئاً تقدير حجم القوة الأميركية وحجم المعارضة العراقية لنظامه.

مشهد آخر سيطل من العراق. في 13 ديسمبر (كانون الأول) 2003 سيسقط صدام في يد الأميركيين. أخرجه الجنود من حفرة صغيرة في مزرعة بمنطقة الدور قرب تكريت. وستحتل صورة عسكري أميركي ينقب في فمه شاشات العالم. لم يقاوم. ولم تصدق الروايات أنه يحتفظ دائماً لنفسه برصاصة أخيرة ليطلقها على رأسه تفادياً لذل الاعتقال.

نجح صدام حسين المصاب بهاجس موقعه في التاريخ في رسم صورة لنفسه فيه. أنكر شرعية المحكمة وراح يذكر بأنه الرئيس الشرعي للعراق وأن الاحتلال هو من جاء بالمحكمة. وسمعت من القاضي رؤوف رشيد عبد الرحمن الذي ترأس الهيئة التي أصدرت حكم الإعدام بحقه أنه «كان صعباً ولم يطلب شيئاً لنفسه».

حافظ صدام على رباطة جأشه حين التف الحبل حول عنقه. ارتكبت السطات العراقية الجديدة خطأ فادحاً حين اختارت 30 ديسمبر (كانون الأول) 2006 موعداً لإعدام صدام وهو صادف اليوم الأول من أيام عيد الأضحى. خطأ كبير أعقب الإعدام فقد أخذ المنفذون جثة صدام وطرحوها أمام منزل رئيس الوزراء نوري المالكي في «المنطقة الخضراء» وألقى المالكي نظرة على الجثة وعاتب صاحبها كما أكد في حوار أجريته معه.

ساهمت مشاهد الاعتقال والمحاكمة والإعدام، إضافة إلى عوامل أخرى في إشعال خط التماس السني - الشيعي داخل العراق وتركت أصداء خارجه.

أيقظت ملابسات إعدام صدام حسين الحساسيات المذهبية في العراق ولبنان (أ.ف.ب)

وعلى رغم ارتكابات الرجل نظر قسم من العراقيين إلى الإعدام وكأنه عملية ثأر تنفيذاً لرغبة أميركا وإيران والمعارضة العراقية الموالية لها.

سيتولى قاسم سليماني مهمة زعزعة استقرار الوجود العسكري الأميركي، بمساعدة من بشار الأسد وحسن نصر الله. مشهد آخر سيطل هذه المرة من بيروت وسيترك آثاره على لبنان وتوازناته وعلى الدور السوري ومناخات المحور الذي بات يمتد من طهران إلى بيروت بعد المرور في بغداد ودمشق.

في 14 فبراير (شباط) 2005 كنت في زيارة لمسؤول سوري في دمشق. بعد اللقاء وجدت سيلاً من الرسائل على هاتفي. انفجار هائل في العاصمة اللبنانية أدى إلى تطاير جسد الرئيس رفيق الحريري. كان للأمر وقع الزلزال وتدفقت الحشود إلى الشارع مطالبة بانسحاب الجيش السوري المنتشر في لبنان منذ 1976. في آخر ذلك الشهر دخلت مكتب بشار الأسد ورحت أكرر سؤالي عن علاقة الأجهزة السورية بالحادث وكان يرد بصورة قاطعة أنه لا علاقة لسوريا من قريب أو بعيد. قلت له: لماذا تجزم، فقد تكون أجهزة استخبارات اخترقت الأمن السوري؟ فرد: لا علاقة لنا على الإطلاق. في طريق العودة إلى بيروت رحت أقلب أجوبته. هل يستخدم لهجة جازمة لأنه يعرف الطرف المنفذ؟

شكل اغتيال رفيق الحريري محطة أساسية في إدخال لبنان إلى القفص الإيراني (أ.ف.ب)

تاهت لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الحريري طويلاً بين التدخلات والتضليل و«شهود الزور». افتقرت أسئلة محققيها إلى الاحتراف الكامل وقد لمست ذلك حين استمعت إليّ بسبب حوارات أجريتها مع الأسد والحريري والمدير العام للأمن العام اللبناني اللواء جميل السيد. لكن المحكمة انتهت إلى اتهام أعضاء في «حزب الله» اللبناني. وهنا تزايدت الأسئلة. هل قتل الحريري على خط التماس السني - الشيعي؟ هل قتل على خط التوتر الإقليمي؟ هل اعتبر عقبة أمام ما يعد من دور للبنان في الصراع الواسع؟ هل عوقب لأنه حاول إعادة لبنان دولة عادية بدلاً من البقاء منصة صواريخ في الحرب ضد إسرائيل؟

غيّر زلزال اغتيال الحريري المشهد في لبنان وسوريا معاً. تجرع بشار الأسد سم سحب قواته من لبنان الذي أقام طويلاً في قبضة والده. نجح الأسد الأب في تطويع معظم الطبقة السياسية اللبنانية وأرسى قواعد الزمن السوري. صارت الحكومات تولد حاملة بصمات مسؤول المخابرات السورية المقيم في عنجر وصار المجلس النيابي يستدعى ويوافق. دفع الزمن السوري العماد ميشال عون إلى المنفى ودفع الدكتور سمير جعجع إلى السجن. بقي الرجل الثالث واسمه رفيق الحريري الذي ارتضى العمل تحت المظلة السورية لكنه لم يغادر حلمه بلملمة شيء من حضور الدولة اللبنانية. أقلق ثقل الحريري الداخلي والعربي والدولي الحلقة الفئوية المحيطة بالأسد وأقلق لاحقاً «حزب الله».

أفسح التعاون السوري مع طهران الطريق أمام «حزب الله» للتفرد بالمقاومة في لبنان (مكتب المرشد الإيراني)

خسرت سوريا شرفتها اللبنانية التي كانت وسيلة لتعزيز دورها وإثراء ضباطها. سيقيم نظام الأسد الثاني من الآن فصاعداً داخل حدوده مع القبضة الحديدية والفشل الاقتصادي. سيقيم بين التوتر المذهبي في العراق والانقسام الحاد في لبنان بين حركة استقلالية اسمها «14 آذار» وحركة مضادة اسمها «8 آذار» يقودها «حزب الله».

خرجت سوريا من لبنان وأحدقت بـ«حزب الله» حالة تشبه العزلة عن المكونات الأخرى. ثمة من يعتقد أن هذا المشهد السوري واللبناني كان من أبرز الأسباب التي أدت إلى حرب يوليو (تموز) 2006 في لبنان والتي رافقها الجنرال قاسم سليماني من مسرحها اللبناني. بعد الحرب سألت بشار الأسد عن دور سوريا فأكد على أهمية العمق السوري للمقاومة اللبنانية. ولم يتردد في القول إن جنوداً سوريين بثياب مدنية كانوا يتولون نقل الصواريخ إلى «حزب الله» وأحياناً إلى جنوب لبنان نفسه.

انتهت الحرب بصدور القرار 1701 لمجلس الأمن، الذي دعا إلى انتشار الجيش اللبناني في منطقة الحدود اللبنانية - الإسرائيلية إلى جانب قوات «اليونيفيل». أدخلت الحرب شيئاً من التعديل على المشهد الذي قام بعد اغتيال الحريري وعثر «حزب الله» على مبرر إضافي للاحتفاظ بسلاحه.

أخطأ عدد غير قليل من السياسيين اللبنانيين في فهم ظاهرة «حزب الله» وترسانته. اعتبروا أن انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان يشكل سبباً كافياً لتخلي الحزب عن سلاحه أسوة بما فعلت الميليشيات اللبنانية بعد اتفاق الطائف.

لم يتوقفوا عند البعد الإقليمي لهذا السلاح وعلاقته بالمشروع الإيراني الكبير لتغيير المنطقة. في الأسبوع الأول من مايو (أيار) 2008 تجرأت حكومة الرئيس الرئيس فؤاد السنيورة واعتبرت شبكة اتصالات الحزب الهاتفية غير شرعية. وسرعان ما جاء الرد. استخدم الحزب سلاحه في الداخل وسيطر عملياً على بيروت وكأنه يبعث برسالة مفادها أن هذه الترسانة وجدت لتبقى. تسببت ممارسات الحزب في إحداث جرح عميق في علاقة الحزب وطائفته بالمكونات اللبنانية الأخرى.

حين اندلعت الشرارة الأولى لـ«الربيع العربي» في تونس في 17 ديسمبر (كانون الأول) 2010 لم يشعر بشار الأسد بالقلق. كان يعتقد أن «الوضع في سوريا مختلف وكذلك علاقة السلطة بالناس». أغلب الظن أن طمأنينته كانت نتاج شعوره أن أجهزة الأمن المتعددة والمفرطة القسوة لن تسمح لأحد برفع سبابته احتجاجاً. في 15 مارس (آذار) 2011، تصرفت أجهزة الأسد مع أطفال درعا انطلاقاً من قاموس القسوة المعتمد. انتشرت الاحتجاجات وتحولت ثورة عارمة. لم يحاول الأسد جدياً فتح نافذة للتسوية. واستحكمت عقدة الأقلية بسلوك جنرالاته. اعتبرت الاحتجاجات مؤامرة خارجية وبلغ عنف السلطة حد استخدام البراميل المتفجرة والغازات السامة.

حين اقتربت المعارضة من قصر الأسد الثاني سارع رجلان إلى إنقاذ نظامه. اسم الأول قاسم سليماني واسم الثاني حسن نصر الله. لم تكن إيران في وارد التسامح مع محاولة انتزاع الحلقة السورية من «محور المقاومة». نجح سليماني في إقناع الرئيس فلاديمير بوتين بإشراك سلاحه الجوي في عملية إنقاذ الأسد، وأرسل «حزب الله» في 2013 قواته إلى سوريا التي راحت تعج بالميليشيات التي يحركها سليماني.

حسن نصر الله متوسطاً علي خامنئي وقاسم سليماني (مكتب المرشد الإيراني)

نجحت عملية إنقاذ نظام الأسد ولكنها كانت باهظة التكاليف. تركت العملية جروحاً عميقة في العلاقات الشيعية - السنية، يمكن اليوم ملاحظتها من تعليقات السوريين على وسائل التواصل الاجتماعي.

في باريس التي لجأ إليها بعد انشقاقه عن نظام بشار، سيقول عبد الحليم خدام (نائب الرئيس السوري) إن حافظ الأسد لم يتوقع بالتأكيد أن يصل النفوذ الإيراني في لبنان إلى هذا الحد وأن يحتاج نجله إلى عملية إنقاذ على يد ميليشيات إيرانية الهوى بينها «حزب الله». راجت في تلك الأيام عبارة أن الحزب تحول قوة إقليمية لا تتسع لها المعادلة اللبنانية. وتذكرت ما سمعته من الرئيس اليمني علي عبد الله صالح قبل انقضاء العقد الأول من القرن. فخلال حوار معه وبأسلوبه المعروف سألني: «لماذا يأخذ (حزب الله) شباناً من الحوثيين إلى دمشق ويمررهم إلى لبنان من دون علامات على جوازاتهم ويتولى تدريبهم في معسكرات في البقاع؟».

حين أطلق «حزب الله» حرب إسناد «طوفان السنوار» وحديثاً حرب إسناد إيران، تذكر كثيرون أن لبنان يعيش منذ الثمانينات على الهدير الإيراني. وفي العقد الثاني من القرن الحالي راح يتردد في أروقة الممانعة حديث «الضربة الكبرى» التي يعتقد كثيرون أن يحيي السنوار حلم بتسديدها مع مطر من الصواريخ والمسيرات من خرائط عدة.


ثلاث هدايا ثمينة لطهران من صدام وبن لادن وبوش الابن

الخميني ينزل من طائرة تابعة لـ«إير فرانس» أقلّته إلى طهران في الأول من فبراير (شباط) 1979 بعد 15 عاماً في المنفى (غيتي)
الخميني ينزل من طائرة تابعة لـ«إير فرانس» أقلّته إلى طهران في الأول من فبراير (شباط) 1979 بعد 15 عاماً في المنفى (غيتي)
TT

ثلاث هدايا ثمينة لطهران من صدام وبن لادن وبوش الابن

الخميني ينزل من طائرة تابعة لـ«إير فرانس» أقلّته إلى طهران في الأول من فبراير (شباط) 1979 بعد 15 عاماً في المنفى (غيتي)
الخميني ينزل من طائرة تابعة لـ«إير فرانس» أقلّته إلى طهران في الأول من فبراير (شباط) 1979 بعد 15 عاماً في المنفى (غيتي)

معظم أهل الشرق الأوسط ولدوا بعد ذلك التاريخ. يغيب عن بالهم أنه ترك بصماته المكلفة على بلدانهم واستقرارهم وأيامهم. أنجب عواصف وحروباً وزعامات تجاوزت أحلامها وأخطارها حدود الخرائط التي أطلت منها. وثمة من يعتقد بوجود رابط حقيقي بين ذلك التاريخ وما يشهده مضيق هرمز حالياً بعد الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران وترسانتها.

إننا نتحدث عن عام 1979 الذي يصعب العثور بعده على عام ينافسه في أهميته أو خطورته. في ذلك العام نزلت طائرة الخميني في طهران آتية من باريس. لم يتأخر مفاعل الثورة الإيرانية في إرسال إشعاعاته خصوصاً بعد تكريس مبدأ «ولاية الفقيه».

وفيه أيضاً سقط قصر الرئاسة العراقي في يد الرجل القوي صدام حسين ودفع الرئيس أحمد حسن البكر إلى التقاعد تحت أوجاع الشيخوخة، وربما الندم.

وفي العام نفسه وقّع الرئيس المصري أنور السادات اتفاق كامب ديفيد مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن في واشنطن برعاية الرئيس جيمي كارتر.

وستختلط تلك التطورات بحدث دولي كبير. ارتكب القيصر الروسي ليونيد بريجنيف خطيئة غزو أفغانستان. وقع في الفخ ومن صفوف المقاتلين هناك سيخرج أسامة بن لادن الذي سيفتتح لاحقاً القرن الجديد بـ«غزوتي نيويورك وواشنطن» ممهداً الطريق من دون أن يقصد لاقتلاع نظام صدام حسين.

في 16 يناير (كانون الثاني) 1979 كان المشهد معبراً. على دوي الاحتجاجات والتظاهرات غادر الشاه محمد رضا بهلوي بلاده وتركها في عهدة حكومة شهبور بختيار. حاول المحيطون به تقديم المغادرة في صورة «إجازة» لكنها كانت في الواقع بطاقة سفر بلا عودة بعدما تخلى الحليف الأميركي عن حليفه.

الخميني مع قادة في المعارضة الإيرانية في مقر إقامته في بونتشارتران (غرب باريس) عام 1978(أ.ف.ب)

لن يتأخر المشهد - المنعطف في الحدوث. ففي اليوم الأول من فبراير (شباط) هبطت في مطار مهرباد طائرة آتية من باريس تحمل زائراً غير عادي هو آية الله روح الله الخميني بعد أربعة عشر عاماً في المنفى. كان الاستقبال الحاشد صريحاً في رسالته. سقط نظام الشاه وانتصرت الثورة.

راقب أصحاب القرار في المنطقة والعالم المشهد وكان أكثرهم قلقاً «السيد النائب» في عراق «البعث» واسمه صدام حسين. ستتسارع التطورات في طهران مع إعلان «الجمهورية الإسلامية» وتكريس مبدأ ولاية الفقيه وتضمين الدستور نصاً يؤكد «تصدير الثورة» بحجة «نصرة المستضعفين».

صدام يرفض اغتيال الخميني

كان يمكن لكل ذلك ألا يحدث أو أن يحدث بطريقة أخرى. خلال إقامته في النجف كان الخميني صعباً ويحاول دائماً التفلت من الضوابط التي تفرضها شروط الاستضافة. في 6 مارس (آذار) 1975 وقع محمد رضا بهلوي وصدام حسين اتفاق الجزائر برعاية الرئيس هواري بومدين. وكان مقرراً بعد التوقيع أن يمتنع كل طرف عن دعم معارضي الطرف الآخر.

راجعت الأجهزة العراقية الخميني لكنه كان يتنصل عملياً من التعهد بالامتناع عن أي نشاط ضد نظام الشاه. ذات يوم اقترحت الأجهزة على صدام ترتيب عملية اغتيال للخميني واتهام أجهزة الشاه بالوقوف وراءها. وكانت المفاجأة أن صدام استغرب العرض قائلاً: «ألا يعرف أصحاب هذا الاقتراح أن العراق لا يغدر بضيوفه». هكذا بقي الخميني حياً.

قنبلة في وسادة المرشد

تغيرت الأشياء بعد اندلاع الحرب العراقية - الإيرانية، وتحوّل اغتيال الخميني هاجساً يلازم مدير المخابرات العراقية برزان التكريتي. ولم يكن الوصول إلى الخميني سهلاً لكن إيران لم تكن في 1981 أحكمت بناء مؤسساتها الأمنية. أقامت المخابرات العراقية علاقات مع «الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني» و«مجاهدي خلق» ونسقت عملية تفجير كبرى لمجلس الشورى الإيراني قتلت عشرات القياديين وتبعها استهداف علي خامنئي بعبوة وضعت في آلة تسجيل وأدت إلى إصابته في يده.

ألح برزان على استهداف الخميني وتمكنت الأجهزة من الوصول إلى رجل دين مقرب منه وزرعت عبوة صغيرة في وسادة الوبر التي تخصه لكن العبوة انفجرت وهو بعيد عنها. وقد سمعتُ هذه الرواية من سالم الجميلي مدير شعبة أميركا في جهاز المخابرات العراقي في عهد صدام.

لعبت المصادفات دورها في رحلة الخميني. لم يكن أمامه غير الانصياع لرغبة الدولة العراقية بمغادرتها. في باريس وبعد انشقاقه عن نظام بشار الأسد، قال النائب السابق للرئيس السوري عبد الحليم خدام إن مقربين من الخميني حاولوا استمزاجه حول إمكان مجيء الخميني إلى سوريا. وأوضح خدام أن الرئيس حافظ الأسد لم يكن في وارد قبول زائر من هذا النوع يمكن أن تتسبب إقامته ليس فقط في أزمة بين العراق وسوريا بل ربما في حرب بينهما.

لهذا أسديت إلى المقربين نصيحة باستكشاف إمكان قبول الجزائر باستضافة الخميني. لم يتحمس الرجل المعني للفكرة معتبراً أن الجزائر بعيدة وأن القيود قد تكون شديدة. ويقول خدام إنه فوجئ بقبول فرنسا باستضافة الخميني وتوفير منبر دولي له. خلال إقامته في «نوفل لو شاتو» توافد كثيرون لزيارته.

حاولت السطات العراقية اختبار نوايا الرجل الذي أثبت قدرته على تحريك الشارع الإيراني عبر التسجيلات التي كان أنصاره يوزعونها سراً. كان علي باوه المسؤول في المخابرات العراقية عن العلاقة مع الخميني خلال إقامته في العراق وكان يقدم له التسهيلات. من هنا ولدت فكرة إرسال علي باوه إلى باريس.

ويقول رجال المخابرات في عهد صدام إن باوه اصطحب معه شخصاً آخر يرتدي ساعة قادرة على تسجيل المحادثة. استقبل الخميني الزائرين من دون أن يظهر أي مرونة. سأله الزائر عن برنامجه للمرحلة المقبلة فرد بعبارة تشبه القنبلة. قال إنه بعد إسقاط الشاه سيكون الهدف التالي «إسقاط نظام البعث الكافر».

هاجس صدام «ولاية الفقيه»

حين أطل الخميني من طهران محاطاً بحشود غير مسبوقة أدرك السيد النائب أن العاصفة لن تتأخر في الهبوب على العراق. قال أحد الذين عملوا في قصر الرئاسة العراقي إن المسألة التي استوقفت صدام طويلاً وأقلقته هي مسألة «ولاية الفقيه» التي بلورها الخميني.

صدام حسين يتفقد جنوداً في شمال العراق خلال الحرب مع إيران عام 1980 (غيتي)

اعتبر صدام أن «ولاية الفقيه» تعني أن من حق شخص غير عراقي أن يطالب العراقي الشيعي بالولاء له. ورأى في ذلك اختراقاً يهدد وحدة العراق. احتفظ صدام في مكتبه بكراس صغير عن الولي الفقيه وصلاحياته كما يفهمها الخميني. في سبتمبر (أيلول) 1980 استقبل وزير الدولة للشؤون الخارجية حامد الجبوري ودار الحديث عن إيران وأعطاه الكراس.

شعر صدام أن الحرب آتية وأن الخميني يريد فتح الطريق للتوغل في العالم العربي عبر إسقاط الجدار العراقي. اعتبر أنه إذا اختار الانتظار سيضطر إلى مقاتلة النظام الإيراني الجديد في شوارع بغداد إن لم يبادر إلى قتاله على الحدود بين البلدين وعبرها. وهناك من يعتقد أن الشعور باقتراب الحرب زاد قناعة صدام بأن العراق يحتاج في قصر الرئاسة إلى صانع القرار الكبير، وأن إحالة الرئيس أحمد حسن البكر إلى «التقاعد» صارت ضرورية.

بعد عودة «البعث» إلى السلطة في 1968 اختار صدام موقع «الرجل الثاني» للإفادة من شرعية البكر في الجيش والحزب وبانتظار استكمال إعادة صياغة المؤسسات العسكرية والمدنية تحت زعامة القائد الجديد. في 16 يوليو (تموز) 1979 سقط البكر كثمرة ناضجة بعدما كان تحول منذ سنوات أسيراً برتبة رئيس للجمهورية. بدأ عهد صدام.

ويروي الجبوري أن إشكالاً حصل بينه وبين صدام في 1974 فقصد قصر الرئاسة واستقبله البكر. قال للرئيس إنه جاء لتقديم استقالته وسأتركه يروي: نهض البكر وأشار إلى كرسيه قائلاً: «أبول على كرسي رئاسة الجمهورية التي لا تحفظ حتى كرامة الرئيس». عاد البكر إلى كرسيه وظهرت الدموع في عينيه، وقال: «الاستقالة شيلها من ذهنك. ليس باستطاعتي قبول استقالتك. من يقبل استقالتي أنا؟ نحن أسرى ولا نملك حق الاستقالة».

«سنكسر رؤوس الإيرانيين»

اتخذ صدام حسين قرار الحرب على إيران قبل توليه الرئاسة. كان صلاح عمر العلي إلى جانب صدام حين حاصر القياديون «البعثيون» قصر الرئيس عبد الرحمن عارف في 1968، وأرغموه على المغادرة. دخل مجلس قيادة الثورة والقيادة القطرية لحزب «البعث» وتولى مسؤوليات وزارية.

في سبتمبر 1979 شارك صدام الرئيس في قمة عدم الانحياز التي عقدت في العاصمة الكوبية. استقبل الرئيس العراقي وزير خارجية إيران الخمينية إبراهيم يزدي. كان الحديث بناء وإيجابياً على رغم الإشكالات المتكررة على حدود البلدين.

أسرى حرب إيرانيون ينتظرون دورهم للحصول على الطعام في معسكر اعتقال بالرمادي خلال الحرب العراقية - الإيرانية عام 1987 (غيتي)

يقول صلاح العلي إن رغبة راودته في تعميق المناخ الإيجابي فتحدث إلى صدام الذي خرج بعد الاجتماع إلى الحديقة. شدد العلي على أهمية الحلول السلمية للخلافات وضرورة التركيز على التنمية. استمع صدام بانتباه ثم رد قائلاً: «يا صلاح انتبه هذه الفرصة قد لا تتاح إلا مرة كل مائة سنة. الفرصة متاحة اليوم. سنكسر رؤوس الإيرانيين وسنعيد كل شبر احتلوه وسنعيد شط العرب». وأضاف بلهجة حازمة: «هذا الكلام عن حل سلمي وحل إنساني وتصفية المشاكل مع إيران لا أريده أن يتكرر على لسانك إطلاقاً. حضر نفسك في الأمم المتحدة. اسمع ما أقوله لك. سأكسر رؤوس الإيرانيين وأرجع كل شبر من المحمرة إلى شط العرب». وبعد عام من لقاء هافانا سيطلق صدام حربه على إيران.

شعر صدام حسين بالقلق من «ولاية الفقيه» والصدى الذي يمكن أن تتركه لدى الشيعة العراقيين. لاحظ أن ثورة الخميني وضعت أميركا في موقع العدو. وأن الاتحاد السوفياتي يقلق من امتداد الرياح الإيرانية إلى بعض جمهورياته الإسلامية. وأن دول الخليج العربي مستهدفة هي الأخرى من قبل الثورة الخمينية. رأى في الحرب على إيران مهمة قومية لا بد من أن تحظى بتعاطف عربي ودولي، وأن العراق وحده يستطيع كسر الموجة التي تهدد المنطقة واستقرارها.

رجل آخر شعر بأن ثورة الخميني ستهز المنطقة وخرائطها هو الملك حسين. اعتقد صدام أن تفكك الجيش الإيراني سيوفر له فرصة النصر السريع، خصوصاً وأن إيران كانت تعيش مرحلة مخاض واضطراب. أساء تقدير رد فعل الإيراني العادي على دخول الجيش العراقي الأراضي الإيرانية وامتزاج المشاعر القومية بالدينية.

في بدايات الحرب دعت وزارة الإعلام العراقية مؤسسات صحافية لمواكبة ما يجري. أوفدتني «النهار» اللبنانية. كان لا بد من التوجه إلى عمان ومنها براً إلى بغداد. نظمت وزارة الإعلام رحلة إلى البصرة. وخلال وجودنا هناك أغارت الطائرات الإيرانية على أطرافها. سمح لنا المنظمون بالدخول إلى الأراضي الإيرانية التي اجتاحها الجيش العراقي. وفي بلدة مهران الحدودية شاهدت جنديين عراقيين يقتادان رجلاً إيرانياً إلى «مكان آمن»، كما قالوا، بعدما بدت على وجهه أمارات الرعب. سألت نفسي في تلك اللحظة عما سيحدث للعراق حين يتيسر لإيران أن تثأر. وقد أتيحت لها الفرصة لاحقاً.

لم تتحقق أحلام صدام من الحرب التي شنها على إيران. فلا النظام سقط ولا البلاد تفككت. رسخ الخميني بلا رحمة نظام «الولي الفقيه» من دون أي شريك من كوكتيل القوى التي ساهمت في إسقاط نظام الشاه. كان أفضل ما حصل عليه صدام هو اتفاق لوقف النار. ابتهج لأنه عاش حتى سمع الخميني يتحدث عن تجرع السم. لكن حين بلغه نبأ وفاته أمر بعدم إبداء الابتهاج لأن «الشماتة ليست من عاداتنا».

وزير الدفاع ورئيس الأركان آخر من يعلم

في السنوات اللاحقة تلقت إيران سلسلة هدايا. أحياناً يكاد الصحافي لا يصدق ما يسمع. كان الفريق أول ركن نزار الخزرجي رئيساً لأركان الجيش العراقي وسأتركه يروي قليلاً عن الغزو العراقي للكويت في صيف 1990. قال: «كنت نائماً في منزلي ليلة الأحداث. اتصل بي في الصباح الباكر سكرتير عام القيادة العامة الفريق علاء الجنابي وطلب أن أذهب إلى القيادة العامة وحين دخلت مكتبه قال: أكملنا احتلال الكويت. سألته كيف؟ فرد: الحرس الجمهوري والقوة الجوية وطيران الجيش أنهوا احتلال الكويت. بعد ربع ساعة وصل وزير الدفاع عبد الجبار شنشل وتم إبلاغه بالطريقة نفسها. تصور أن الجيش يدفع في مغامرة من هذا النوع من دون علم وزير الدفاع ورئيس الأركان».

بعد ثلاثة أو أربعة أيام استدعى صدام كلاً من شنشل والخزرجي، وقال إنه لم يبلغهما كي تكون العملية مفاجئة ثم «إنني حررت الكويت بالقطعات التابعة لي مباشرة وليس قطعاتكم».

بئر نفطية أحرقتها القوات العراقية أثناء انسحابها من الكويت في فبراير (شباط) 1991 (غيتي)

اعتبر الخزرجي خطوة صدام سلوكاً متهوراً قاده إليه غرور الاعتقاد أنه خرج منتصراً من حربه مع إيران. جيش كبير يشعر بالانتصار وبلاد مثقلة بالديون وقائد يخطئ في قراءة موازين القوى. توهم صدام أن الغرب لن يعارض أن يكون قسم كبير من نفط المنطقة في يد رئيس قادر على صناعة الاستقرار وضمان تدفق النفط. ويقول الخزرجي إن صدام الذي كان معجباً بصلاح الدين وستالين قد يكون توهم أن أميركا ربما تقبل به شريكاً في شؤون المنطقة.

كانت الهدية كبيرة لورثة الخميني. انشغل العالم ومعه دول المنطقة بـ«الخطر العراقي» وتراجع اهتمامه بـ«الخطر الإيراني». أخرجت «عاصفة الصحراء» صدام من الكويت فأقام جريحاً ومحاصراً في حين كانت إيران تلتقط أنفاسها وتستعد لاستئناف مشروعها الكبير في الإقليم.

هدية أسامة بن لادن وجورج بوش

في 1979 بدأت قصص كثيرة وتشابكت. اجتاح «الجيش الأحمر» أفغانستان بذريعة إنقاذ النظام الموالي له. كانت المرة الأولى التي يخرج فيها الاتحاد السوفياتي جيشه في تدخل خارج مجال الكتلة الاشتراكية. دقت أجراس الإنذار في العواصم الغربية الكبرى. اتخذت أميركا قراراً صارماً بتدفيع الاتحاد السوفياتي ثمن ما فعل. توافد «المجاهدون» إلى أفغانستان من أنحاء مختلفة في العالم العربي والإسلامي. وستوظف أميركا التي شجعت «المجاهدين» وسلحت بعضهم مشاعر الغضب الإسلامي لاستهداف بلاد ستالين. وكان بين من توافدوا إلى أفغانستان شاب اسمه أسامة بن لادن ابن عائلة ثرية سعودية. وعلى أرض أفغانستان سيولد تنظيم «القاعدة».

في 11 سبتمبر (أيلول) 2001 سيهتز العالم. نقل بن لادن حربه إلى الأرض الأميركية نفسها عبر «غزوتي واشنطن ونيويورك». استخدمت الطائرات المدنية في تدمير برجي مركز التجارة العالمي وسقط آلاف القتلى والجرحى. مشهد أخطر بكثير من «طوفان يحيى السنوار» وعواقبه أشد.

الرئيس الأميركي جورج بوش الابن ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد يتفقدان الأضرار في مبنى البنتاغون غداة هجمات 11 سبتمبر 2001 (غيتي)

أصيبت أميركا في صميم رموز هيبتها ونجاحها. وانتظر العالم رد الإمبراطورية الجريحة. هندس الرئيس جورج بوش الابن وبنصائح المؤسسة العسكرية والأمنية وتشجيع «المحافظين الجدد» رداً بدأ بإسقاط نظام «طالبان» في أفغانستان ثم انتقل ليشمل غزو العراق وإسقاط نظام صدام حسين.

رأى جنرالات «الحرس الثوري» أنفسهم أمام مشهد يصعب تصديقه. النظام الأفغاني المعادي لإيران أسقط على يد الأميركيين، والأمر نفسه بالنسبة لنظام صدام الذي كانت إيران فشلت في إسقاطه. ولم تتردد إيران في تسهيل إسقاط النظامين أو عدم عرقلة عملية الإسقاط على الأقل.

ابتهج النظام الإيراني بتساقط الأعداء من حوله لكنه رأى قوات «الشيطان الأكبر» ترابط على حدوده من جهتين. هنا ستبدأ مرحلة جديدة في العلاقات الإيرانية - الأميركية. سيرعى ضباط من «فيلق القدس»، في مقدمهم قاسم سليماني، مهمة تقويض الوجود العسكري الأميركي خصوصاً في العراق ومن دون الانزلاق إلى صدام مباشر مع أميركا.

ومن دون أن يقصد قدم أسامة بن لادن لإيران هدية ثمينة. انشغل العالم بعد «غزوتي واشنطن ونيويورك» بخطر «القاعدة»، ثم اتجهت أنظاره إلى خطر صدام الذي قامت آلة الاعلام الغربية بتضخيمه والمبالغة في خطورته على المنطقة والعالم. وساهم بن لادن أيضاً ومن دون أن يقصد في تبرير إسقاط نظام صدام.

وجهت إدارة بوش الابن إلى نظام صدام حسين اتهامات كثيرة لتبرير عمل عسكري حاسم ضده. اتهمته بالاستمرار في اقتناء أسلحة دمار شامل وعرقلة عمل المفتشين الدوليين. اتهمته أيضاً بأنه لم يطَلّق الحلم النووي، ويبدو أن حسين كامل صهر صدام أوحى خلال فترة انشقاقه أن النظام لم يتغير في هذين الملفين. لكن أخطر ما حدث هو محاولة إيجاد علاقة بين النظام العراقي السابق و«القاعدة»، تحديداً بين صدام حسين وأسامة بن لادن.

لم يقم أي تعاون بين نظام صدام و«القاعدة»، لكن الرئيس العراقي ارتكب خطأ استطلاع إمكان التعاون. خلال وجود أسامة بن لادن في الخرطوم وبوساطة من الزعيم الإسلامي السوداني الدكتور حسن الترابي استقبل أسامة بن لادن مسؤولاً في المخابرات العراقية هو فاروق حجازي. كان النقاش طويلاً وصعباً. وبعد عودته نصح حجازي، صدام، بطي الصفحة وتوقفت الاتصالات. وقد سمعت هذه الرواية من سالم الجميلي مدير قسم أميركا في المخابرات العراقية آنذاك، وهو كان وراء أول محاولة اتصال مع بن لادن عبر وسيط سوري لكنها لم تنجح.

زيارة الأسد القلق

حدث آخر ترك بصماته على المرحلة اللاحقة. قبل أيام من الغزو الأميركي للعراق هبطت في طهران طائرة الرئيس السوري بشار الأسد. كان القلق من الحرب المقتربة العنوان الوحيد لمحادثاته مع الرئيس محمد خاتمي ولقائه المرشد علي خامنئي. اتفق الجانبان على أن أي استقرار للقوات الأميركية في العراق قد يشجعها على نقل التجربة إلى سوريا أو إيران. وهكذا اتفق على المسارعة إلى استنزاف الوجود الأميركي عبر «المقاومة». وشارك في بعض تلك اللقاءات الضابط الإيراني قاسم سليماني. واستناداً إلى ذلك الاتفاق راحت سوريا تسهل مرور «المجاهدين» والمقاومين إلى العراق، وراح سليماني يبني ببراعة شبكات المقاومة.

بشار الأسد مستقبلاً قاسم سليماني

راهنت إيران على الجغرافيا وربحت. وافقت على دخول حلفائها العراقيين مجلس الحكم والحكومات المتعاقبة خصوصاً بعد انتقال الصلاحيات إلى منصب رئيس الوزراء الذي بات بحكم العرف شيعياً. في ديسمبر (كانون الأول) 2011 انسحب آخر جندي أميركي من العراق، وتحولت إيران شريكاً لا بد منه في الشأن العراقي. ستحمل الحكومات العراقية بصمات سليماني وستحمل بصمات إسماعيل قاآني من بعده.

البغدادي والفتوى و«الحشد»

حدث آخر سيرسخ البصمات الإيرانية على المصير العراقي. في يوليو (تموز) 2014 أطل أبو بكر البغدادي زعيم «داعش» من الموصل التي كانت قد شهدت قبل أسابيع انهيار وحدات الجيش العراقي فيها. التقط قاسم سليماني الفرصة. أرسل فوراً شحنتي سلاح، واحدة إلى بغداد والأخرى إلى أربيل. أعلنت المرجعية العراقية ممثلة بآية الله السيستاني «الجهاد الكفائي»، ونجحت إيران في تحويله لاحقاً مبرراً لولادة «الحشد الشعبي» ثم تحويله مؤسسة شرعية تابعة لرئيس الوزراء بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة.

سليماني خلال إشرافه على عمليات في الموصل

وهكذا اكتمل تسرب إيران إلى البرلمان والحكومة والجيش و«الحشد». وقبل أسابيع أقدمت تنظيمات «ولائية» تقيم على أطراف «الحشد» على إطلاق صواريخها ومسيراتها في اتجاه الدول العربية في الخليج بذريعة تعرض إيران لهجوم أميركي - إسرائيلي. وبدا واضحاً أن إيران التي خسرت الجسر السوري بعد سقوط نظام بشار الأسد ازدادت تمسكاً بالجار العراقي وبلبنان «حزب الله» الذي يضمن لها وجوداً على حدود إسرائيل وإطلالة على المتوسط. غيرت إيران ملامح العراق. وغيرت ملامح لبنان. وغيرت المشهدين الفلسطيني واليمني أيضاً.


أميركا واللقاحات: هل ينتصر مجتمع الشك على دولة العلم؟

عاملان من الصليب الأحمر بلباس عازل يحملان نعش طفل توفى جراء إصابته بـ«إيبولا» في الكونغو الديموقراطية في 24 مايو الحالي (رويترز)
عاملان من الصليب الأحمر بلباس عازل يحملان نعش طفل توفى جراء إصابته بـ«إيبولا» في الكونغو الديموقراطية في 24 مايو الحالي (رويترز)
TT

أميركا واللقاحات: هل ينتصر مجتمع الشك على دولة العلم؟

عاملان من الصليب الأحمر بلباس عازل يحملان نعش طفل توفى جراء إصابته بـ«إيبولا» في الكونغو الديموقراطية في 24 مايو الحالي (رويترز)
عاملان من الصليب الأحمر بلباس عازل يحملان نعش طفل توفى جراء إصابته بـ«إيبولا» في الكونغو الديموقراطية في 24 مايو الحالي (رويترز)

في بلد يملك بعضاً من أضخم المختبرات الطبية في العالم، وأقوى شركات الدواء، وأكبر منظومات البحث والتطوير، يبدو التردد الأميركي المتصاعد حيال اللقاحات مفارقة صادمة. فالولايات المتحدة التي قادت سباقات إنتاج اللقاحات، ودفعت أحياناً نحو تسريع ترخيص علاجات وأدوية قبل دول غربية أخرى أكثر تحفظاً، تجد نفسها اليوم أمام عودة أمراض تشبه أمراض البلدان النامية، ويُفترض أنها صارت من ذاكرة الطب الوقائي في البلدان المتطورة. عودة الحصبة إلى الانتشار الواسع، وتجدد المخاوف من «إيبولا» وفيروسات أخرى مثل «هانتا»، لا تعكس أزمة وبائية فحسب، بل تكشف أيضاً أزمة ثقة بين العلم والمجتمع، وبين الدولة والمواطن، وبين السياسة والمؤسسات الصحية.

طفلان أميركيان ينظران عبر الزجاج إلى والدهما المصاب بـ«إيبولا» في غرفة الحجر الصحي في أحد مستشفيات برلين في 21 مايو الحالي (رويترز)

تزداد المفارقة حدّة اليوم في عهد إدارة الرئيس دونالد ترمب، إذ يتزامن القلق من موجات وبائية جديدة مع اتهامات للإدارة بأنها أضعفت أدوات الوقاية داخل الولايات المتحدة وخارجها. وهو ما تجلَّى بالفعل منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض، عبر تقليص المساعدات الصحية الخارجية، وتفكيك أجزاء من بنية الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (يو إس إيد)، والانسحاب من منظمة الصحة العالمية، وتخفيض أدوار مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها.

وفي الداخل، جاء تسليم وزارة الصحة والخدمات الإنسانية إلى روبرت إف. كينيدي جونيور، المعروف بتاريخ طويل من التشكيك في اللقاحات، ليحوّل النقاش الصحي إلى مواجهة سياسية وثقافية مفتوحة. وهذه ليست مجرد مسألة طبية، بل هي اختبار لمعنى الحرية الفردية حين يصبح قرار شخص واحد بعدم تلقي اللقاح خطراً على طفل رضيع، أو مريض سرطان، أو مجتمع بأكمله.

موكب يرافق سيارة إسعاف نقلت مسعفاً أميركياً أصيب بـ«إيبولا» في جمهورية الكونغو الديمقراطية وتم نقله إلى برلين لإسعافه (رويترز)

عودة «الحصبة»: إنذار مبكر

يجمع الأطباء وعلماء الأمراض على أن «الحصبة» لا تحتاج إلى كثير من الثغرات كي تعود. فهي من أكثر الأمراض المعدية انتشاراً، ويكفي تراجع محدود في معدلات التلقيح كي تتحول حالة وافدة إلى بؤرة محلية.

ووفق بيانات مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، سجَّلت الولايات المتحدة حتى 14 مايو (أيار) 2026 ما مجموعه 1893 إصابة مؤكدة بالحصبة في 40 ولاية أو نطاقاً صحياً، مع 27 تفشياً جديداً خلال العام، وارتباط 93 في المائة من الحالات بتفشيات قائمة. كما سجلت البلاد في عام 2025 ما مجموعه 2288 إصابة مؤكدة و48 تفشياً، مقارنة بـ285 إصابة فقط في عام 2024. هذه الأرقام لا تعني مجرد زيادة إحصائية، بل تشير إلى أن «درع المناعة الجماعية» بات مثقوباً في مناطق متعددة.

تزداد خطورة المؤشر لأن الولايات المتحدة كانت أعلنت القضاء على الانتقال المحلي المستمر للحصبة منذ عام 2000. لكن القضاء لا يعني اختفاء الفيروس من العالم، بل يعني أن النظام الصحي قادر على منع تحوله إلى سلسلة انتقال داخلية. وعندما تتراجع معدلات التطعيم، تسقط هذه القدرة.

ويشير مجلس العلاقات الخارجية إلى أن دولاً عدة فقدت أو باتت مهددة بفقدان وضع القضاء على الحصبة، بينها كندا ودول أوروبية وآسيوية، وأن الولايات المتحدة والمكسيك تواجهان خطر مراجعة وضعهما من منظمة الصحة للبلدان الأميركية.

طبيبة تشير إلى لقاحات ضد الحصبة بعد انتشار الوباء في لوبوك تكساس الأميركية في 5 مارس 2025 (رويترز)

وهنا المعيار العلمي واضح: يحتاج المجتمع إلى تلقيح نحو 95 في المائة من أفراده ضد الحصبة لتحقيق المناعة الجماعية. واللقاح نفسه ليس موضع شك علمي جدي؛ فمراكز مكافحة الأمراض تقول إن جرعة واحدة من لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية فعالة بنسبة 93 في المائة ضد الحصبة، وترتفع الفعالية إلى 97 في المائة بعد جرعتين. لكن المشكلة لا تكمن في توفر المعرفة، بل في تآكل الثقة بها.

بلد العلم... ومجتمع الشك

الانقسام الأميركي حول اللقاحات ليس جديداً، لكنه اتخذ بعد وباء «كوفيد - 19» طابعاً أكثر حزبية، مع تآكل الثقة في الإرشادات المتغيرة وتحول المعرفة الطبية إلى مادة في حرب ثقافية. في مراحل سابقة، كانت معارضة اللقاحات توجد داخل مجموعات دينية محافظة، أو تيارات «الطب الطبيعي»، أو أوساط ليبرالية قلقة من شركات الأدوية. لكن الوباء أعاد توزيع الخريطة: صارت الكمامة واللقاح والإغلاق وإلزامية التطعيم إشارات هوية سياسية، لا مجرد أدوات للصحة عامة فقط.

في استطلاع أجرته «بوليتيكو» عبر مؤسسة «بابليك فيرست» وشمل 3851 بالغاً، برزت شريحة واسعة من الأميركيين تشكك في سلامة اللقاحات، وتؤيد تقليل عدد الجرعات، وتميل إلى اعتبار حق الفرد في تقرير ما يدخل جسده أهم من منع انتشار المرض. كما أشار الاستطلاع إلى أن قرابة نصف البالغين يرون أن علم اللقاحات لا يزال موضع نقاش، أو أن فرض اللقاحات يسبب ضرراً.

أميركية تحمل لافتة كتب عليها «أمهات ماها»: «فلنجعل أميركا صحية من جديد» خلال تجمع في واشنطن العاصمة في 22 أبريل 2025 (رويترز)

هذا المزاج لا ينفصل عن صعود حركة «لنجعل أميركا صحية مجدداً» المرتبطة سياسياً بكينيدي جونيور. فالحركة تمزج بين نقد شركات الدواء، والقلق من الأغذية المصنعة، والشك في المبيدات، ومعارضة جزء من سياسات اللقاحات. هذه التركيبة تمنحها جاذبية مزدوجة: فهي تخاطب ناخبين محافظين يرفضون تدخل الدولة، وناخبين غير محافظين يرتابون من نفوذ الشركات. لكن الخطر يظهر حين يتحول نقد مشروع للمصالح الدوائية إلى إنكار للأدلة العلمية الأساسية.

كينيدي يقحم السياسة في جدول التطعيم

تعيين كينيدي على رأس وزارة الصحة لم يكن تفصيلاً إدارياً. فالرجل بنى جزءاً كبيراً من حضوره العام على التشكيك في سلامة اللقاحات، رغم أن الادعاءات الأكثر شهرة عن علاقة اللقاحات بالتوحد دُحضت علمياً مراراً. ومع دخوله الوزارة، انتقل الخطاب من هامش القناعات السياسية إلى مركز القرار الصحي.

تقول «رويترز» إن مجموعات مرتبطة بحركة كينيدي دفعت باتجاه مشروعات قوانين مناهضة لإلزامية اللقاحات في ولايات عدة، لكن هذه المشروعات مُنيت بهزائم واسعة بعدما حشدت منظمات طبية وصحية، بينها الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال، ضدها. اللافت أن هذه الهزائم حصلت حتى في ولايات جمهورية، ما يشير إلى أن القاعدة المحافظة ليست كتلة واحدة معادية للقاحات، وأن كثيراً من الناخبين يميزون بين الاعتراض على البيروقراطية وبين تفكيك متطلبات التطعيم المدرسي.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الصحة المثير للجدل روبرت كينيدي متحدثاً عن أثر عقار تايلنول على الحوامل والتسبب في توحّد الأطفال وهو ما دحضته الأبحاث العلمية (رويترز)

ومع ذلك، لا يمكن التقليل من الأثر السياسي للتشكيك الرسمي. فحين يسمع المواطن رسائل متناقضة من الدولة نفسها، يضعف الامتثال الطوعي. وحين يصبح وزير الصحة نفسه رمزاً لتيار يشكك في اللقاحات، فإن كل تفشٍّ جديد يتحول إلى معركة تأويل: هل السبب هو الهجرة والسفر العالمي؟ أم تراجع الثقة؟ أم خفض التمويل؟ أم الإعلام؟ في الواقع، كل هذه العوامل قد تتداخل، لكن القيادة الصحية مسؤولة عن تقليل الالتباس لا زيادته.

بين حرية الجسد وواجب الدولة

السؤال القانوني في قلب النقاش الأميركي هو: إلى أي حد تستطيع الدولة إلزام الفرد بإجراء طبي لحماية الآخرين؟ التاريخ الدستوري الأميركي يجيب من حيث المبدأ منذ قضية «جاكوبسون ضد ماساشوستس» عام 1905، حين أيَّدت المحكمة العليا سلطة الولاية في فرض التطعيم ضد الجدري باعتباره ممارسة مشروعة لـ«سلطة الشرطة» لحماية الصحة العامة. وتعود القضية إلى رفض القسّ السويدي هننغ جاكوبسون الامتثال لقانون في ولاية ماساشوستس يفرض التطعيم ضد الجدري أو دفع غرامة صغيرة. فطعن في القانون باسم الحرية الفردية، لكن المحكمة العليا رأت أن حق الفرد يتراجع عندما يهدد رفضه الصحة العامة. ورغم أن الحكم لم يقل إن الدولة تستطيع أن تفعل ما تشاء بجسد المواطن، لكنه أكد أن الحرية الفردية ليست مطلقة عندما يترتب على ممارستها خطر مباشر على المجتمع.

وزير الصحة الأميركي روبرت كينيدي متحدثاً في مؤتمر «ماها»: «فلنجعل أميركا صحية من جديد» في واشنطن العاصمة يوم 12 نوفمبر 2025 (رويترز)

منذ ذلك الوقت، قامت سياسات التطعيم المدرسي في الولايات المتحدة على منطق مشابه: لا تجبر الدولة عادة كل شخص بالقوة الجسدية على أخذ اللقاح، لكنها تربط الالتحاق بالمدارس العامة أو بعض الوظائف أو الأماكن الحساسة بمتطلبات صحية من بينها أن يكون المرء قد حصل على اللقاحات التي تُعد أساسية. وفي المقابل، أبقت الولايات على استثناءات طبية، وأحياناً دينية أو فلسفية. غير أن اتساع هذه الاستثناءات يحولها من ضمانة حقوقية إلى ثغرة وبائية. فالقانون لا يحمي الفرد من الدولة فقط، بل يحمي الضعفاء أيضاً من قرارات الآخرين.

هنا يكمن التوتر الأميركي العميق. فثقافة الحرية الفردية تجعل كثيرين يرون اللقاح قراراً شخصياً خالصاً، لكن الأمراض المعدية لا تعترف بهذا الفصل. رفض اللقاح ليس كرفض علاج لا يؤثر إلا في صاحبه؛ إنه قرار قد يفتح طريق العدوى أمام مجتمع كامل. لذلك، تصبح مسؤولية الدولة مزدوجة: أن تشرح وتقنع وتبني الثقة أولاً، وأن تستخدم الإلزام المتدرج عندما يهدد التردد الصحة العامة.

«إيبولا» يفضح الهشاشة

إذا كانت الحصبة تكشف ثغرات الداخل، فإن «إيبولا» يكشف هشاشة الجدار الخارجي للأمن الصحي الأميركي. التفشي الحالي في الكونغو وأوغندا، المرتبط بسلالة «بونديبوغيو» النادرة، أثار قلقاً خاصاً، لأنه لا يوجد لقاح مرخص أو علاج نوعي ضدها، بخلاف بعض سلالات «إيبولا» الأخرى. وأعلنت منظمة الصحة العالمية في 16 مايو (أيار) 2026 أن التفشي يشكل طارئة صحية عامة ذات قلق دولي، مع تأكيد حالات في الكونغو وأوغندا، ووجود مئات الحالات المشتبه بها ووفيات عديدة.

عمّال الصليب الأحمر يعقّمون محيط مستشفى بعد تسلّم جثة أحد المصابين بـ«إيبولا» في ولاية إيتوري في جمهورية الكونغو الديمقراطية في 21 مايو الحالي (رويترز)

كما أن طبيعة المنطقة تضيف المنطقة خطراً مضاعفاً. فإيتوري ومنطقة شرق الكونغو ليستا مجرد رقعة صحية، بل مساحة نزاع، وتعدين، وحركة حدودية، وضعف مؤسسات، وانعدام ثقة بين السكان والسلطات. وفي مثل هذه البيئات، لا يكفي إرسال معدات وقاية أو إنشاء عيادات عزل. فالاستجابة الفعالة تحتاج إلى تتبع مخالطين، ودفن آمن، ومختبرات، وعاملين محليين موثوقين، وشبكات إنذار مبكر. أي أن الأمن الصحي يبدأ قبل ظهور الحالة الأولى في مطار أميركي.

هنا تتصاعد الاتهامات لسياسات إدارة ترمب. فقد نقلت وسائل إعلام أميركية بينها «أكسيوس» و«بوليتيكو» و«واشنطن بوست» تحذيرات خبراء من أن تفكيك برامج «يو إس إيد»، والانسحاب من منظمة الصحة العالمية، وتقليص دور مراكز مكافحة الأمراض في برامج عالمية، وجهت ضربة لبنية الرصد والاستجابة. كما نقلت عن لجنة الإنقاذ الدولية قولها إن خفض التمويل ترك المنطقة «مكشوفة بشكل خطير»، وإن ارتفاع الحالات يعكس أن أنظمة المراقبة بدأت تلاحق حالات تفشٍ كان جارياً على الأرجح منذ فترة.

إدارة ترمب ترد بأنها موَّلت عيادات علاجية وأرسلت معدات وتشغل تنسيقاً بين الوكالات. لكن الاعتراض الجوهري، بحسب خبراء، هو أن الاستجابة المتأخرة لا تعوض دائماً عن الوقاية المبكرة. في الأوبئة، الساعة الأولى قد تساوي أسابيع لاحقة من الجهد.

دمى من البالونات على شكل بيل غيتس ومدير عام «الصحة العالمية» تادروس جبريوس يحملان حقناً رفعها معارضون لسياسات المنظمة حيال الاستعداد للأوبئة أمام مبنى الجمعية العامة في جنيف في 19 مايو 2025 (أ.ف.ب)

«الحرية الطبية» والتكلفة الجماعية

تعتمد الحركات المناهضة للتلقيح الملزم على لغة جذابة: «حرية طبية»، و«حق الاختيار»، و«شفافية»، و«مقاومة نفوذ شركات الدواء». ولا يمكن إنكار أن جزءاً من هذه الأسئلة مشروع. تاريخ الدواء لا يخلو من تضارب مصالح، ومن تسويق عدواني، ومن إخفاقات رقابية. كما أن وباء «كوفيد-19» ترك في الذاكرة الأميركية شعوراً بالارتباك بسبب تبدل الإرشادات، والقيود الاجتماعية، والصراع بين العلماء والسياسيين.

لكن المشكلة تبدأ حين تُستخدم أخطاء المؤسسات لتقويض الطب الوقائي كله. فإصلاح الرقابة على شركات الدواء لا يعني إسقاط اللقاحات. والمطالبة بشفافية بيانات السلامة لا تعني مساواة الدراسات العلمية المُحكمة بمنشورات التضليل التي أغرقت وسائل التواصل الاجتماعي في ذلك الوقت. كما أن القلق من تسرع بعض الترخيص لا يبرر تجاهل لقاحات ثبتت فعاليتها لعقود. والكلفة هنا لا تقع بالتساوي. فالعائلات القادرة قد تؤخر اللقاح لكنها تملك أطباء ومعلومات ووسائل علاج. أما المجتمعات الفقيرة، والمدارس المكتظة، والمناطق الريفية، والمهاجرون، والأطفال غير المؤهلين طبياً للتطعيم، فيدفعون الثمن الأكبر. لذلك، فإن تراجع التطعيم ليس مجرد خيار فردي، بل يعمّق اللامساواة الصحية، بحسب الخبراء.

اللقاحات تحمي من تفشي الأوبئة والأمراض (أ.ف.ب)

دولة عظمى أمام سؤال الثقة

القضية في النهاية ليست ما إذا كانت الولايات المتحدة تملك العلم؛ فهي تملكه لا شك. وليست ما إذا كانت تملك المال؛ فهي تملكه أيضاً، وإن اختلفت أولويات الإنفاق. السؤال هو ما إذا كانت تملك الثقة العامة اللازمة لتحويل العلم إلى سلوك جماعي.

لقد أظهرت هزائم مشروعات القوانين المناهضة للقاحات في ولايات عدة أن المجتمع الأميركي لم ينقلب بالكامل على التطعيم، وأن هناك مقاومة مؤسسية وشعبية لتفكيك متطلبات الصحة العامة. لكن أرقام الحصبة، وصعود الخطاب المشكك، وتسييس وزارة الصحة، وتراجع البنية العالمية للرصد، كلها تقول إن النظام الصحي الأميركي دخل مرحلة أكثر هشاشة.

طفل يتلقى جرعة من لقاح «كوفيد - 19» في بنسلفانيا أميركا في 11 سبتمبر 2025 (رويترز)

الأوبئة لا تبدأ عادة ككارثة شاملة. تبدأ بثغرة صغيرة: عائلة لم تطعم أطفالها، مقاطعة انخفضت فيها التغطية، عيادة أُغلق تمويلها، مختبر فقد موظفيه، أو رسالة سياسية زرعت الشك في لحظة حرجة. ومن هذه الثغرات تتسع الدائرة.

لذلك، لا تكفي العودة إلى خطاب تقني عن «سلامة اللقاح». المطلوب عقد اجتماعي صحي جديد: شفافية أكبر، ورقابة أقوى على شركات الدواء، واعتراف بأخطاء مرحلة «كوفيد»، وخطاب علمي أقل تعالياً، وحزم قانوني عندما يتحول الرفض الفردي إلى خطر عام. فأميركا لا تواجه نقصاً في اللقاحات بقدر ما تواجه نقصاً في الثقة، وهذه، في زمن الأوبئة، قد تكون العدوى الأخطر.