انهيار إمبراطورية بلاتر

القضاء السويسري والأميركي يعتقل 12 من رموز الفيفا.. و39 شخصًا متهمون بقضايا فساد

نموذج لبلاتر يعبر عن فساد رئيس الفيفا تم إحراقه في بريطانيا (أ.ف.ب)
نموذج لبلاتر يعبر عن فساد رئيس الفيفا تم إحراقه في بريطانيا (أ.ف.ب)
TT

انهيار إمبراطورية بلاتر

نموذج لبلاتر يعبر عن فساد رئيس الفيفا تم إحراقه في بريطانيا (أ.ف.ب)
نموذج لبلاتر يعبر عن فساد رئيس الفيفا تم إحراقه في بريطانيا (أ.ف.ب)

أقطاب معتقلون فجرا في فندقهم المترف، رئيس في ورطة، نظام فساد مترامي الأطراف.. عناوين للزلزال الذي ضرب الاتحاد الدولي لكرة القدم وادي لانهيار إمبراطورية الفيفا وزعيمها الديكتاتور السويسري جوزيف بلاتر في أبرز حدث رياضي صادم في 2015.
من زيوريخ إلى جزر كايمان مرورا بريو دي جانيرو وميامي، تعقبت السلطات الأميركية مئات الملايين من الدولارات المدفوعة خارج القوانين على مدى عشرات السنين، من أجل منح حقوق تنظيم كؤوس العالم لكرة القدم والحصول على حقوق البث التلفزيوني وثبت تورط.
39 شخصا من رموز الفيفا سقطوا في دائرة الاتهام (12 منهم أقروا بالذنب) وشركتان، معظمهم من أميركا الجنوبية وكونكاكاف (أميركا الشمالية والوسطى والكاريبي)، ومن بينهم نواب رؤساء فيفا حاليين وسابقين وآخر ثلاثة رؤساء لاتحاد كرة القدم البرازيلي.
كل هذا في جو نهاية حكم الإمبراطور جوزيف بلاتر، 79 عاما، الشخصية المركزية المعاد انتخابها لولاية خامسة متتالية في مايو (أيار) الماضي، قبل دفعه إلى الاستقالة ثم إيقافه 8 أعوام، وذلك قبل الانتخابات المقررة في 26 فبراير (شباط) 2016.
بلاتر الذي يحكم إمبراطورية الفيفا منذ عام 1998 كان يعيش في عالمه الخاص ظنا أن هذه المنظمة الكبرى ملكية خاصة له يعتقد دوما أنه والفيفا شيئا واحدا، لذا نزل قرار إيقافه مع الفرنسي ميشال بلاتيني 8 أعوام من ممارسة أي نشاط كروي كالزلزال على رأسه، وكانت ردة فعله بشعوره بـ«خيانة» لجنة القيم هو تأكيد على أن الرجل المخضرم لا يصدق أن المنظمة التي كان يمسك بزمامها أفلتت من يديه بل وانقلبت عليه.
وفرضت لجنة القيم عقوبة الإيقاف ثمانية أعوام عن ممارسة أي نشاط يتعلق بكرة القدم على المستويين المحلي والدولي، على كل من بلاتر والفرنسي ميشيل بلاتيني رئيس الاتحاد الأوروبي للعبة (يويفا) بتهمة خرق القواعد الأخلاقية في ما يتعلق بتحويل «مبلغ مثير للشبهة»، قيمته مليونا فرنك سويسري من بلاتر إلى بلاتيني في عام 2011.
الرجل المصدوم رفع راية التحدي وأعلن أنه سيستأنف ضد العقوبة أمام لجنة الاستئناف (التابعة للفيفا) ثم أمام محكمة التحكيم الرياضي ثم أمام القضاء السويسري، ومؤكدا أنه لا يزال يأمل في حضور الاجتماع الاستثنائي للجمعية العمومية (كونغرس الفيفا) المقرر في 26 فبراير المقبل الذي يشهد انتخاب الرئيس الجديد للاتحاد الدولي.
ويرى المراقبون والكثير ممن كانوا على مقربة من بلاتر أن رئيس الفيفا قد وصل إلى النهاية المخزية. ويقول غريغ ديال رئيس الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم: «بلاتر لن ينجو من هذه الفضيحة؟.. ما قاله أمر مضحك.. إنه لم يفصل نفسه عن الفيفا حتى الآن.. إنه يعتقد أنه والفيفا شيئا واحدا، وهذا أمر مؤسف أيضا.. إنه يرى الهجوم على الفيفا هجوما عليه هو شخصيا». في حين أشار جويدو توغنوني المدير الإعلامي السابق في (فيفا) إلى أن بلاتر يفتقد القدرة على إدراك الواقع، في رد فعله على عقوبة إيقافه لمدة ثمانية أعوام.
وقال توغنوني: «بلاتر يعيش في عالمه الخاص. دائما يرى نفسه ضحية، منذ عشرات السنين.. وقتما يحدث أي شيء لا يرى أنه يستحق اللوم، وإنما يرى أنه الضحية».
تاريخ بلاتر مع قضايا الفساد ليس اللحظة بل بدأ قبل 13 عاما. ففي عام 2002 رفعت ضد السويسري شكوى اختلاس من قبل 11 عضوا من اللجنة التنفيذية لفيفا الذي كان يتزعمه حينها أيضا لكنها سحبت لاحقا قبل أن يقرر بعدها القضاء السويسري إسقاط الملاحقة بحق مواطنه.
لقد قاد سكرتير عام الفيفا حينها المحامي السويسري مايكل زين رافنين حملة ضد بلاتر بشأن سوء الإدارة، وانضم إليه 11 عضوا من إجمالي 24 عضوا بالمكتب التنفيذي في دعواه ضد رئيس الفيفا التي دعمت بمستندات من 300 صفحة.
ودأب بلاتر على إنكار أي اتهام بارتكاب أخطاء وترديد أن المزاعم المثارة غير حقيقية وأن منافسيه في الانتخابات التي جرت عام 2002 هم من يروجون لها. وتبنى الكاميروني عيسي حياتو، الذي يتولى رئاسة «فيفا» بالإنابة حاليا بعد قرار إيقاف وحظر بلاتر، موقفًا معارضًا لبلاتر واتهمه بارتكاب «مخالفات قانونية يستحق اللوم عليها». غير أنه بعد فوزه في الانتخابات، انتقد بلاتر منتقديه بشدة وسخر من رافنين بأن لقبه بـ«السيد نظيف»، ثم صرح قائلا وبشعور المنتقم: «ألقيت برافنين خارج الباب».
وبعد 13 عاما على تلك القضية، عاد بلاتر ليجد نفسه في قفص الاتهام لكن هذه المرة لم يكن هناك أي مفر من العدالة التي رأت أن هناك «تضارب مصالح» و«سوء إدارة» في قضية المبلغ الذي دفعه لبلاتيني عام 2011 عن عمل استشاري قام به الأخير لمصلحة فيفا بين 1999 و2001 دون أي عقد خطي بين الطرفين، وحكم على الرجلين بالإيقاف عن أي نشاط كروي لمدة 8 أعوام.
لقد وقع بلاتر بعد أن لجأ محققو لجنة القيم لبرنامج خاص يستخدمه المراقبون الماليون من أجل كشف مبلغ المليوني دولار الذي دفعه لبلاتيني وقام بتحليل آلاف الحسابات في وقت سريع، من أجل تعقب عمليات نقل الأموال المشكوك بها.
وأوضح أحد المقربين من لجنة القيم في الفيفا أن هذا البرنامج «يدقق بشكل خاص في الحسابات المتعددة الأصحاب».
ويسلط البرنامج الضوء على أسماء الأشخاص الذين يرتبط بهم الحساب المشكوك به دون أن يكونوا الصاحب الأساسي للحساب.
وكان المدعي العام الأميركي السابق مايكل غارسيا حقق في منح كأس العالم لروسيا عام 2018 وكأس العالم لقطر عام 2022، لكن مبلغ المليوني دولار لم يكن ضمن الأدلة الموجودة في تقريره وتم اكتشافه لاحقا بفضل هذا البرنامج، بحسب ما أكد المصدر.
وتتولى السلطات السويسرية التحقيق بالمبلغ غير الشرعي الذي دفعه بلاتر لبلاتيني؛ مما سيؤجل النشر الكامل لتقرير غارسيا بشأن مونديالي روسيا وقطر وذلك لأسباب قانونية، بحسب ما يؤكد فيفا.
وتحدث المصدر عن هذه المسألة قائلا: «لم يتخذ القرار النهائي بشأن نشر تقرير غارسيا»، مشيرا إلى ضرورة مراجعة النيابة العامة في بيرن للتأكد من أن النشر لن يؤثر على الأدلة في القضية القائمة حاليا، أي قضية بلاتر وبلاتيني.
وأضاف أن أمام بلاتر وبلاتيني 10 أيام لاستئناف قرار الإيقاف الذي يحرم الأول من دخول مقر فيفا في زيوريخ والتحدث باسم السلطة الكروية العليا التي تزعمها لمدة 17 عاما، أو حتى المراسلة على ورق يوجد عليه شعار فيفا.
وإذا كان بلاتر قد أعلن أنه سيلجأ للمحاكم لتبرئته من هذه القضية إلا أنه ليس ببعيد عن قضية الفساد الكبرى بإهدار نحو مائة مليون دولار التي تبحث فيها السلطات السويسرية والأميركية حاليا.
ما يحدث في أرجاء الفيفا أزمة لا تصدق بحجمها، لكن غير مفاجئة بظهورها، شبهات الفساد تراكمت منذ سنوات حول حيتان بالمنظمة التي تحكم كرة القدم على غرار الترينيدادي جاك وارنر رئيس اتحاد منطقة كونكاكاف لعشرين سنة، والقطري محمد بن همام الموقوف مدى الحياة في 2012 وبلاتر الجالس على قمة نظام كرة القدم.
ومع اعتبار أن نجاح ملف قطر باستضافة مونديال 2022 هو ما أثار الشبهات داخل جدران الفيفا خاصة بعد التقرير الشهير للمحقق الأميركي مايكل غارسيا الذي نشره الفيفا بطريقة «مغلوطة» أدت لانسحاب المحقق الفيدرالي السابق وانتقاله للصف المعارض للفساد المتفشي.. فقد كان شهر مايو الماضي هو موعد الزلزال المدمر حيث دخل المحققون السويسريون بالمشاركة مع نظرائهم الأميركيين لاصطياد سبعة من كبار مسؤولي فيفا في فندقهم الفاخر في زيوريخ على هامش انعقاد، مؤتمر كونغرس الفيفا الذي كان سيقود بلاتر إلى ولاية خامسة على التوالي. وتحدثت لائحة الاتهام الأميركية عن «ابتزاز منظم» ومائتي مليون دولار من الرشى والعمولات منذ عام 1991. وتصدت وزيرة العدل الأميركية لوريتا لينش للفضيحة، وقالت: «مستوى خيانة الثقة في هذه القضية مثير للاشمئزاز حقا ولا يمكن تصور حجم الفساد المزعوم»، متوعدة بمطاردة «الجناة الباقين في الظل».
لقد تم اتهام 39 شخصا (12 منهم أقروا بالذنب) وشركتين، معظمهم من أميركا الجنوبية وكونكاكاف (أميركا الشمالية والوسطى والكاريبي)، ومن بينهم نواب رؤساء فيفا حاليين وسابقين وآخر ثلاثة «حكام» لكرة القدم البرازيلية.
وكما في الأفلام ووراء الكواليس، كان هناك المترف الأميركي تشاك بليزر، أمين عام اتحاد كونكاكاف السابق، الذي لعب دور الجاسوس لمتورطين سابقين معه، في صفقة مع قضاء بلاده لتخفيض عقوباته الجزائية.
تحركت لجنة القيم، فأوقفت بلاتر وبلاتيني، في قضية المدفوعات غير الشرعية، وبعدها تساقطت الرؤوس مثل أوراق الخريف، فتم عزل الفرنسي جيروم فالكه، أمين عام فيفا منذ 2007، من منصبه لمزاعم احتياله ببيع تذاكر مونديال 2014، ثم اتهم القيصر الألماني فرانز بكنباور بدفع مالي لفيفا من أجل الحصول على حق تنظيم مونديال ألمانيا 2006، فيما أوقف الكوري الجنوبي تشونغ مونغ جون (نائب رئيس فيفا السابق عن آسيا والمرشح للرئاسة) لستة أعوام في إطار دفعه لمبالغ لكي تفوز بلاده بتنظيم مونديال 2018.
القضاء الأميركي وصف مستوى الفساد في فيفا بأنه «لا يمكن تصوره»، وبحسبه فإن مائتي مليون دولار أميركي من العمولات جالت على شكل رشى في أروقة الاتحاد الدولي منذ 1991.



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».