«الجانب الغامض» في وول ستريت يثير شكوك المستثمرين

أسواق الأسهم الأميركية تحوي الكثير من «القطاعات الخفية»

جانب من تداولات بورصة نيويورك في آخر جلسة قبيل اجازة أعياد الميلاد (أ.ف.ب)
جانب من تداولات بورصة نيويورك في آخر جلسة قبيل اجازة أعياد الميلاد (أ.ف.ب)
TT

«الجانب الغامض» في وول ستريت يثير شكوك المستثمرين

جانب من تداولات بورصة نيويورك في آخر جلسة قبيل اجازة أعياد الميلاد (أ.ف.ب)
جانب من تداولات بورصة نيويورك في آخر جلسة قبيل اجازة أعياد الميلاد (أ.ف.ب)

تعتبر أغلب الشركات المدرجة على البورصات الأميركية من الشركات المألوفة والتقليدية مثل شركات آبل واكسون موبيل، ولكن سوق الأسهم تحتوي أيضا على الكثير من القطاعات الخفية والغامضة والمتخصصة.
في الأشهر الأخيرة، بدأت إحدى مجموعات الشركات المتخصصة في جذب الانتباه مع زيادة الجدل الدائر حول بعض من تكتيكاتها ونتائجها.
أنشأت تلك المؤسسات، المعروفة باسم شركات تنمية المشاريع، أو (بي دي سي)، بأمر من الكونغرس الأميركي في عام 1980 لتشجيع الاستثمار في المشاريع الصغيرة والذي يمكن لنموها أن يولد وظائف جديدة. ثم بدأت تلك الشركات في بيع الأسهم للمواطنين ثم استخدمت بعض العائدات في منح القروض للشركات الناشئة لتغطية مجموعة متنوعة من الاحتياجات.
تضاعفت تلك الفئة من الشركات عشرة أضعاف خلال العقد الماضي، وصولا إلى 64 مليار دولار من الأصول. ويرجع ذلك في جزء منه إلى شركات تنمية المشاريع تقدم عائدات مرتفعة في مقابل الطبيعة عالية المخاطر من أصولها، وفي جزء آخر إلى أنها تتعامل مع سوق كانت البنوك الكبرى قد انسحبت منه منذ اندلاع الأزمة المالية.
خلال الشهور الأربعة الأخيرة، تحولت الكثير من شركات تنمية المشاريع إلى أهداف للنشطاء أو المستثمرين المنشقين الذين يعارضون قضايا الإدارة والأداء ويقيمون المنافسات بالوكالة أو يسعون وراء المبيعات.
في سبتمبر (أيلول) الماضي، واجهت إحدى هذه الشركات، وهي شركة «تي آي سي سي كابيتال»، الكثير من التحديات لخططها في بيع مدير الأصول لديها لمدير أصول آخر. وفي أكتوبر (تشرين الأول)، طالب أحد المستثمرين بيع شركة أخرى هي شركة (كيه كاب المالية). وفي نوفمبر (تشرين الثاني)، وقفت شركة الاستثمار الناشطة «اليوت الإدارية» في وجه خطة للأرباح السريعة من قبل شركة ثالثة هي «أميركان كابيتال». كما أقام مساهم في شركة رابعة، هي «فيفث ستريت فاينانس»، منافسة بالوكالة سعيا وراء ثلاثة مقاعد في المجلس.
تعتبر شركة بروسبكت كابيتال، رغم ذلك، من أكثر شركات تنمية المشاريع تعرضا للانتقادات.
حيث تبلغ أصول الشركة 6.6 مليار دولار، وهي من أكبر الشركات العاملة في تلك الفئة. ولكن خلال العام ونصف العام الماضي، ظلت أسعار الأسهم والقيمة الصافية للأصول لكل سهم في هبوط مستمر وثابت. وحتى قبل اضطرابات السوق والسندات الأخيرة غير المرغوب فيها، تداولت أسهم شركة بروسبكت إلى جانب 3 شركات أخرى من شركات تنمية المشاريع المتنافسة وفق التخفيضات المعتمدة على القيم الصافية للأصول لأكثر من 30 في المائة خلال هذا العام، وهو أدنى من المتوسط البالغ أقل من 20 في المائة لمثل تلك الشركات.
ووجه بعض المحللين الاتهامات ضد شركة بروسبكت بفرض ما يقولون إنها رسوم عالية بشكل صارخ، حتى مع أن عوائد الاستثمار قد تعثرت. واهتم محللون آخرون بقضية التعويضات المدفوعة للمدير التنفيذي في الشركة، جون إف. باري الثالث، التي بلغت 100 مليون دولار خلال الأعوام الأخيرة، وفقا لتقديرات الموظفين السابقين وأحد المحللين من الخارج.
وعلى سبيل المقارنة، حصل مالون ويلكاس، المدير التنفيذي لأكبر شركة من شركات تنمية المشاريع، أميركان كابيتال، على 16.9 مليون دولار في عام 2014.
أما رئيس شركة بروسبكت إم. غرير آلياسيك، ومسؤول علاقات الاستثمار فيها مايكل شيميني، واللذان تحدثا بكل حماس حول أسهم الشركة والأرباح المقسمة بين 12 إلى 13 في المائة خلال مقابلات شخصية أجريت معهما في يناير (كانون الثاني) الماضي، فلم يجيبا على رسائل البريد الإلكتروني أو الرسائل الصوتية الهاتفية للتعليق على الأسئلة المثارة حول أداء شركة بروسبكت.
ليست كل هذه الشركات قد تسببت في خيبة آمال المستثمرين. حيث إن شركة مين ستريت كابيتال، على سبيل المثال، تتداول عند مستوى 40 في المائة، استنادا إلى النمو المطرد للأرباح الأكثر استدامة في نطاق 6 نقاط مئوية، مع رسوم أقل وعائدات فاقت مؤشر ستاندرد آند بورز 500 للأسهم خلال ثلاثة من أصل خمس سنوات انتهت بحلول عام 2014.
إن التقلب في الحظوظ لدى شركة بروسبكت كانت لافتا للنظر بشكل كبير، باعتبار بدايتها الواعدة.
طرحت أسهم الشركة للاكتتاب العام تحت اسم بروسبكت للطاقة في عام 2004 بعد طرح 121 مليون دولار من الأصول بسعر 15 دولارا للسهم الواحد. وتخصصت الشركة في استثمارات مؤسسات الطاقة وركبت موجة أسعار الطاقة المرتفعة التي بلغت ذروتها في عام 2008، كما طرحت استحواذا فطنا بقيمة 201 مليون دولار في عام 2009 لشركة باتريوت لتمويلات رأس المال، وهي شركة متخصصة في تمويل المشروعات، بخصم يبلغ 54 في المائة من القيمة الدفترية للأصول.
ارتفع سعر السهم إلى 18.79 دولار في أواخر عام 2006، من حيث إجمالي العائدات، كما أنها فاقت مؤشر ستاندرد أند بورز 500 للأسهم خلال ثلاثة من أصل أربعة أعوام تقويمية بصفتها شركة مساهمة عامة، وفقا لمؤسسة مورنينغ ستار البحثية.
ولكن منذ ذلك الحين، انخفض سعر السهم بواقع 61 في المائة. وخفضت شركة بروسبكت من الأرباح مرتين متتاليتين، حيث تبلغ قيمة السهم الحالية 1 دولار فقط، من أعلى ارتفاع حققه بمقدار 1.62 دولار في عام 2009، ورغم تخفيض التعرض لاستثمارات قطاع الطاقة، فإن عوائدها قد تخلفت وراء مؤشر ستاندرد آند بورز 500 للأسهم في كافة السنوات منذ عام 2008 باستثناء سنة واحدة.
يتجنب بعض المستثمرين من المتخصصين في شركات تنمية المشاريع التعامل مع شركة بروسبكت بسبب، كما يقولون، أن الشركة تضخم من الرسوم التي تدفعها لشركة إدارة الأصول، شركة بروسبكت كابيتال لإدارة الأصول، وهي شركة مستقلة مملوكة بالكامل من قبل السيد باري.
يقول ديفيد ميازاكي، الباحث الذي يركز على شركات التمويل المتخصصة لدى شركة كونفلوينس لإدارة الاستثمار في سانت لويس: «لقد حصلوا على رسوم الحوافز رغم خسارتهم لقيمة حقوق المساهمين على أساس الأسهم».
تعمل شركة بروسبكت وكأنها صندوق تمويلي مشترك، حيث تستثمر في أصول ذات عوائد ومخاطر عالية مثل الأسهم، والقروض، والسندات للشركات من خلال الاستحواذ على الملكيات الخاصة، وشركات التمويل، ومجموعات الديون مثل التزامات القروض المضمونة، وصناديق الاستثمارات العقارية، وتأجير الطائرات، وحتى القروض عبر الإنترنت. وأفرد آخر تقرير للشركة 131 استحواذا مختلفا.
أما رسوم شركة بروسبكت، على غرار الكثير من شركات تنمية المشاريع، تتماثل مع صناديق الأسهم الخاصة. حيث يفرض المدير الخارجي نسبة 2 في المائة رسوما إدارية سنوية على كافة الأصول بالإضافة إلى رسوم الحوافز بمقدار 20 في المائة على بعض أرباح الدخل - والنفقات الإدارية كذلك - على أعل مستوى من القطاع. وبالنسبة للسنة المالية التي تنتهي في يونيو (حزيران)، تلقت شركة إدارة الأصول التي يملكها السيد باري رسوما ونفقات بقيمة 240 مليون دولار، أو ما يساوي 3.5 في المائة من إجمالي الأصول، وفقا للتقرير السنوي للشركة.
يقول بعض المحللين إن شركة بروسبكت كانت غالبا ما تدفع الأرباح بأعلى مما اكتسبت، وباعت الأسهم بأقل من قيمتها الدفترية، وكلا التصرفين يسبب أضرارا للمستثمرين. ولقد استعانت الشركة بهذين التصرفين في زيادة قيمة الأصول لديها عشرة أضعاف منذ عام 2008، كما أدى ذلك إلى زيادة الرسوم أيضا.
يقول ديفيد بي. غولاب، المدير التنفيذي لشركة غولاب المالية لتنمية المشاريع، وهي من المنافسين ذوي الرسوم المنخفضة، مشيرا إلى شركات تنمية المشاريع بوجه عام «إن الأرباح التي تتجاوز العوائد ليست أرباحا بالمعنى الحقيقي، بل إنها عوائد للاستثمار رؤوس الأموال، وهي تؤدي مباشرة إلى هبوط في القيمة الصافية للأصول لكل سهم من الأسهم».
منذ عام 2007، هبطت القيمة الصافية لأصول شركة بروسبكت، أو القيمة الدفترية للأصول، بواقع 33 في المائة حتى مستوى 10.17 دولار، ويرجع ذلك في جزء منه إلى الأرباح المرتفعة.
كما اعترض بعض المحللين كذلك على التكتيكات المختلفة التي تسمح لشركة بروسبكت بتضخيم الدخل، وزيادة رسوم الحوافز بسبب مدير الأصول لديها. على سبيل المثال، تفرض «بروسبكت» أسعار تفوق أسعار الفائدة في السوق على بعض الشركات التي تديرها وتتلقى بعضا من الفائدة في سندات الدين غير النقدية التي تحتسب في أتعاب الحوافز الحالية - مما يترك المساهمين في خطر عدم تسلم الأرباح.
تدفع أربع من الشركات التابعة لشركة بروسبكت أسعار فائدة بمقدار 20 في المائة أو أكثر للديون التي يدينون بها للشركة - وهي في العادة ما تبلغ 10 في المائة نقدا و10 في المائة من الديون العينية غير النقدية، وفقا للتقارير.
وفي مكالمة هاتفية مع أحد المصرفيين من شركة بروسبكت الذي تساءل عن فرض أسعار الفائدة العالية على الشركات الأخرى، وصف السيد باري مدفوعات الفائدة بأنها «طريق جديد للغاية ممهد بالكامل للحصول على صافي دخل الاستثمار لدى بروسبكت»، وفقا لتسجيل للمكالمة. على النقيض من ذلك، كما قال، ومع فائدة الأسهم في نفس الشركة، «فإن تسير بنفسك وسط حقل من الألغام» قبل تحقيق الأرباح.
كان السيد باري نجل شريك في مؤسسة لورد داي ولورد للاستشارات القانونية، وهو يبلغ من العمر الآن 60 عاما، وكان لديه ما ظل يُلمح إليه أحيانا بأنه «تنشئة الملعقة الفضية»، حيث تخرج في أكاديمية فيليبس اكستر، وكلية الحقوق في جامعتي برنستون وهارفارد. ولقد التحق للعمل في شركة بروسبكت إدارة رؤوس الأموال في عام 1991 عقب احترافه العمل في مؤسسة قانونية واثنين من البنوك الاستثمارية.
يعمل السيد باري أغلب الوقت من منزله في ريفرسايد بولاية كونيتيكت، وغالبا ما يأتي إلى مقر الشركة في بريانت بارك في مانهاتن في أيام الجمعة فقط. وهو يدير أعماله من على بعد في أغلب الأحيان، عبر البريد الإلكتروني، والمكالمات الهاتفية المطولة مع مجموعات من الموظفين.
بداية من الصيف الماضي، شهدت شركة بروسبكت إلى جانب شركات أخرى عاملة في تنمية المشروعات التجارية سلسلة من الأحداث السلبية.
في أوائل عام 2014، علقت شركة بروسبكت مبيعات الأسهم والسندات لعدة شهور لحين الانتهاء من المراجعة المحاسبية من قبل لجنة الأوراق المالية والبورصة الأميركية، والتي طالبت شركة بروسبكت بالإفصاح عن الدفاتر الحسابية للشركات التابعة لها.
كما تعرضت أسهم شركة تنمية المشاريع لضربة قوية العام الماضي حينما خفض عدد كبير من موفري الأسهم الكبيرة لقيمة تلك الأسهم، بناء على التوجيهات التنظيمية التي تتطلب من صناديق المؤشرات التبادلية الإفصاح عن رسومها الباهظة في رسوم صناديق المؤشرات الخاصة. وخلال هذا العام، شهدت الأسهم المزيد من الهبوط بعد تزايد المخاوف حول تعرض الطاقة وارتفاع معدلات العجز عن السداد في المستقبل.
يقول بعض المستثمرين إن التخفيضات الكبيرة في القيمة الدفترية تمثل فرصا جيدة للشراء، وخصوصا مع ارتفاع أنشطة المستثمرين. ويقول غريغ تي. ابيلا، المستشار لدى شركة شركاء الاستثمار لإدارة الأصول في موتشين بولاية نيوجيرسي: «إن كامل قطاع شركات تنمية المشاريع هو للبيع الآن»، مشيرا إلى أن شركة بروسبكت تبدو رخيصة بالنسبة إليه، بناء على أرباحها الخاصة، والدخول، والتعرض المنخفض للطاقة.
قالت شركة بروسبكت في ديسمبر (كانون الأول) عام 2014، إنها سوف تخفض من الأرباح للمرة الثانية. ومع هبوط أسهمها حتى مستوى 34 نقطة مئوية خلال الشهور الـ17 الأخيرة، عملت الشركة على تقليص مبيعات الأسهم الجديدة. ونتيجة لذلك، تباطأ نمو أصولها بمقدار 5 نقاط مئوية خلال السنة المالية الأخيرة من واقع المعدل السنوي البالغ 58 في المائة خلال السنوات الخمس الماضية.
أحد أهم الأسباب وراء التخفيضات الكبيرة في شركة بروسبكت في القيمة الصافية للأصول، بمقدار 28 في المائة الآن، هو تشكك بعض المستثمرين في تقارير الشركة حول قيمة بعض الأصول.
يقول ريموند دود، وهو محلل لدى شركة ريموند جيمس، إنه لم يحصل على معدل البيع حول الأسهم منذ عام 2008، وبالنظر إلى كافة التساؤلات والأمور المجهولة، كما يقول: «ليس هناك سعر يمكنني، كمشتر، أن أتعامل من خلاله مع شركة بروسبكت».

* خدمة «نيويورك تايمز»



بعد عام على قرارات ولي العهد... عقارات الرياض «تودِّع» المُضَاربة بتراجع 64 % في الصفقات

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

بعد عام على قرارات ولي العهد... عقارات الرياض «تودِّع» المُضَاربة بتراجع 64 % في الصفقات

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)

بعد مرور عام على حزمة القرارات التاريخية التي أصدرها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في 29 مارس (آذار) من عام 2025 لإعادة التوازن إلى سوق الرياض العقارية، بدأت ملامح خريطة طريق جديدة تترسخ في أزقة العاصمة ومخططاتها الشمالية. لغة الأرقام الصادرة عن البورصة العقارية لم تكن مجرد إحصاءات، بل إعلان صريح عن انحسار موجة المضاربات التي استنزفت السوق لسنوات، حيث سجَّلت قيم الصفقات تراجعاً دراماتيكياً بنسبة 64 في المائة، لتبدأ الرياض مرحلة «التصحيح الكبير» نحو نموذج عقاري مستدام يضع احتياجات المواطن والمطور الحقيقي في قلب المشهد.

وقد رسمت توجهات ولي العهد مساراً جديداً للسوق، عبر حزمة قرارات تنفيذية مفصلية، شملت فك الحظر عن ملايين الأمتار المربعة في شمال العاصمة، وتفعيل الرسوم على الأراضي الشاغرة لضمان تدفق المعروض السكني، جنباً إلى جنب مع تجميد زيادات الإيجارات وضبط العلاقة التعاقدية بين المؤجِّر والمستأجر. هذه الإجراءات ساهمت بشكل مباشر في استقرار تكاليف السكن والحد من القفزات السعرية غير المبررة التي شهدتها السنوات الماضية.

وانعكست آثار هذه الإصلاحات الهيكلية بوضوح في بيانات البورصة العقارية التابعة لوزارة العدل؛ حيث سجَّلت قيم الصفقات تراجعاً دراماتيكياً بنسبة 64 في المائة. إذ استقرت تداولات السوق عند نحو 53 ألف صفقة بقيمة تجاوزت 17.3 مليار دولار (65 مليار ريال)، مقارنة بنحو 48.3 مليار دولار (181 مليار ريال) في العام الذي سبق صدور القرارات. كما أظهرت البيانات تراجعاً في مساحات الصفقات الإجمالية لتسجِّل 153 ألف متر مربع، نزولاً من 228 ألف متر مربع، وهو ما يفسره الخبراء بانتقال السيولة من المضاربة في الأراضي الخام الكبيرة إلى مشروعات التطوير السكني المنظم.

إعادة تشكيل السوق العقارية

يرى مختصون ومهتمون بالشأن العقاري في تصريحات لهم إلى «الشرق الأوسط»، أن هذه الإجراءات التاريخية أعادت تشكيل السوق العقارية بمدينة الرياض، نحو نموذج أكثر استدامة، قائم على التطوير العقاري والطلب السكني الحقيقي، وقادته نحو مراحل جديدة من التوازن والنضج والتوجه للاستقرار السعري وتوافق المنتجات العقارية مع الاحتياجات الفعلية للسوق، مضيفين أن هذا التحول يمثل خطوة مهمة نحو بناء سوق عقارية أكثر استدامة وقدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية التي تشهدها المملكة.

وقال الخبير والمسوِّق العقاري، صقر الزهراني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن أثر هذه القرارات أحدث ملامح تحول واضح في بنية السوق، مضيفاً أن التراجع المسجل في قيمة الصفقات لا يعكس ضعفاً في النشاط بقدر ما يعكس انحسار المضاربات التي كانت تدفع الأسعار إلى مستويات لا ترتبط بالطلب السكني الحقيقي.

وأوضح أن قرارات التوازن العقاري، أسهمت في وضع مرجعية سعرية جديدة للأراضي السكنية، خصوصاً مع طرح الأراضي المدعومة بسعر يقارب 1500 ريال للمتر المربع، وهو ما أعاد ضبط التوقعات السعرية في عدد من الأحياء، وحدَّ من الارتفاعات غير المبررة التي شهدتها السوق في السنوات الماضية.

وأشار إلى أن الأراضي الخام في شمال الرياض سجَّلت ما يشبه «السقوط الحر» في الأسعار، بحسب ما نشرته تقارير السوق العقارية، حيث تراجعت أسعار بعض المواقع بنسب لافتة بعد سنوات من الارتفاعات المتسارعة التي غذّتها المضاربات وتوقعات النمو السريع، مضيفاً إلى أنه يُنظر إلى هذا التراجع بوصفه جزءاً من عملية تصحيح طبيعية تعيد تسعير الأراضي وفق معايير أكثر واقعية ترتبط بقيمة التطوير والطلب السكني الفعلي.

خريطة لمخططات الأراضي التي تم رصدها في الرياض (واس)

من المضاربة إلى التطوير العقاري

وأوضح الزهراني أنه خلال عام من قرارات التوازن العقاري، برزت عدة سمات مهمة، من أبرزها انتقال جزء من السيولة من المضاربة إلى التطوير العقاري، مع توجَّه أكبر نحو مشروعات التطوير المنظم بدلاً من تداول الأراضي الخام، كما برز المشتري السكني الحقيقي كمحرك رئيس للسوق بعد تراجع دور المستثمرين قصيري الأجل.

وأضاف أنه بدأت تظهر باكورة مشروعات البيع على الخريطة سواء في الوحدات السكنية أو الأراضي المطورة، وهو نموذج يُتوقع أن يتوسَّع خلال المرحلة المقبلة لما يوفره من حلول لزيادة المعروض السكني وخفض تكلفة التملُّك، كما تعيش السوق حالة ترقب للتنظيمات المرتقبة، وعلى رأسها رسوم العقارات الشاغرة التي يُنتظر أن تسهم في تشغيل الأصول غير المستغلة داخل المدن ورفع كفاءة استخدام المخزون العقاري.

وتوقع الزهراني أن تتجه السوق العقارية في الرياض في الفترة القادمة إلى مرحلة أكثر نضجاً واستدامة، مع توسع متوقع في مشروعات البيع على الخريطة وزيادة المعروض داخل المدن نتيجة استمرار الإصلاحات التنظيمية، مرجحاً أن يقود ذلك إلى استقرار الأسعار وتحقيق توازن أفضل بين العرض والطلب.

وأضاف أن ما تشهده السوق العقارية في الرياض اليوم لا يمثل حالة تباطؤ بقدر ما هو مرحلة إعادة تشكيل للسوق نحو نموذج أكثر استدامة، قائم على التطوير العقاري والطلب السكني الحقيقي، بما يدعم مستهدفات التنمية العمرانية ويعزز جودة الحياة في العاصمة.

سلوك السوق

من جانبه، قال الخبير والمسوِّق العقاري، عبد الله الموسى، لـ«الشرق الأوسط»، إن السوق العقارية بمدينة الرياض دخلت مرحلة مفصلية في دورتها الاقتصادية، فالتحولات التي شهدتها خلال هذا العام لا يمكن تفسيرها فقط من خلال الأرقام المتعلقة بعدد الصفقات أو قيمتها، بل ينبغي النظر إليها ضمن سياق أوسع يتعلق بإعادة تشكيل سلوك السوق وإعادة ضبط العلاقة بين العرض والطلب.

أضاف أنه خلال السنوات التي سبقت هذه القرارات، شهدت السوق العقارية في الرياض ارتفاعات متسارعة في الأسعار مدفوعة بعدة عوامل، من بينها زيادة الطلب والنمو العمراني المتسارع، إضافة إلى دخول فئات استثمارية متعددة إلى السوق. ومع مرور الوقت، أصبح من الضروري إعادة التوازن بما يضمن استدامة السوق ويحد من الارتفاعات غير المبررة في الأسعار.

وزاد بأن التراجع الذي شهدته الصفقات خلال العام الأخير يمكن اعتباره انعكاساً طبيعياً لمرحلة إعادة ضبط إيقاع السوق، ففي هذه المرحلة يميل المشترون إلى التريث وإعادة تقييم قراراتهم الاستثمارية، بينما يقوم المطورون والمالكون بمراجعة استراتيجيات التسعير والتسويق بما يتوافق مع المعطيات الجديدة.

وأشار الموسى إلى أن أبرز السمات التي ظهرت خلال هذه الفترة، تمثَّل في ارتفاع مستوى الوعي لدى المتعاملين في السوق، حيث أصبح القرار الشرائي أكثر ارتباطاً بعوامل القيمة والجدوى الاقتصادية بدلاً من الاعتماد على توقُّعات ارتفاع الأسعار في المدى القصير، كما بدأت بعض الشركات العقارية في إعادة هيكلة نماذج البيع والتسويق، سواء من خلال تقديم خطط سداد أطول أو إعادة تصميم المنتجات العقارية بما يتناسب مع احتياجات السوق.

وأوضح أن هذه المرحلة أسهمت في تقليص حجم المضاربات العقارية التي كانت تؤثر في حركة الأسعار في بعض المناطق، وهو ما شجَّع في المقابل على توجه أكبر نحو التطوير الفعلي للأراضي وإدخالها في مشروعات تطويرية بدلاً من الاحتفاظ بها كأصول خام بانتظار ارتفاع الأسعار.

وأضاف أن ما يحدث اليوم في السوق العقارية في الرياض لا يمثل حالة ركود بقدر ما يمثل مرحلة انتقالية تعيد صياغة قواعد السوق، بحيث تنتقل من سوق تقودها المضاربات السعرية إلى سوق أكثر نضجاً واستقراراً يعتمد على القيمة الحقيقية للأصول العقارية وكفاءة التطوير طويل الأجل، مما يجعل هذا التحول خطوة مهمة نحو بناء سوق عقارية أكثر استدامة وقدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية التي تشهدها المملكة.

وختم متوقعاً أن تستمر السوق العقارية في الرياض خلال المرحلة المقبلة في مسار أكثر توازناً ونضجاً، حيث ستصبح المنافسة بين المشروعات العقارية مرتبطة بشكل أكبر بجودة المنتج العقاري وكفاءة التطوير ومدى توافقه مع احتياجات السوق الفعلية، مع استمرار المشروعات الكبرى التي تشهدها المدينة، مما سيبقي القطاع العقاري أحد أهم القطاعات الاقتصادية المحفزة للنمو.


«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».