نايف بن عبد العزيز.. رمز الأمان وتاريخ حافل في القيادة

كتاب حديث يرصد مآثر وأعمال أحد كبار أعمدة الحكم في السعودية

نايف بن عبد العزيز.. رمز الأمان وتاريخ حافل في القيادة
TT

نايف بن عبد العزيز.. رمز الأمان وتاريخ حافل في القيادة

نايف بن عبد العزيز.. رمز الأمان وتاريخ حافل في القيادة

يستذكر السعوديون والعالم الأمير نايف بن عبد العزيز، ولي العهد السعودي، الذي رحل في السادس عشر من شهر يونيو (حزيران) 2012، بعد أن تمكن خلال ستة عقود من صياغة استراتيجية أمنية حديثة، وساهم في تعزيز منظومة الأمن العربي. لقد تميزت شخصيته بالحلم والحزم والكرم والسخاء، وترك بصمات واضحة في جميع المجالات، وهو ما جعل رحيله صادمًا وفاجعًا ليس لبلاده فحسب، بل للأمتين العربية والإسلامية والعالم، وهو ما دفع زعماء العالم إلى الإشادة بمناقب الراحل ووصفه بـ«أحد كبار أعمدة الدولة السعودية»، حيث ساهم مساهمة فاعلة في تعزيز علاقات بلاده مع مختلف الدول، وكان حضوره لافتًا في مجال مكافحة الإرهاب، ودعم العمل العربي المشترك.
وفي رصد لمآثر الفقيد، أنجز الأمير الدكتور بندر بن عبد الله بن تركي، وهو لواء متقاعد في وزارة الدفاع السعودية، كتابًا عن الراحل الأمير نايف بن عبد العزيز، عنونه بـ«رجال صدقوا: نايف الإنسان.. أسطورة الأمن والأمان»، تناول فيه سيرة الفقيد وإنجازاته، خصوصًا في مجال الأمن بمفهومه الشامل، وهو ما جعل بلده مرجعًا يحتذى به في التعامل مع القضايا الأمنية الشائكة، فكان الراحل مدرسة في هذا الجانب.
وحظي الكتاب بمقدمة كتبها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز قال فيها: «إن الملك عبد العزيز طيّب الله ثراه عندما وحّد المملكة العربية السعودية، أرسى دعائمها على بنيان راسخ متين، عماده التمسك بالعقيدة الإسلامية السمحة، وخدمة الحرمين الشريفين اللذين شرف الله قادة هذه البلاد وأهلها بخدمتهما، وأعلى مكانة هذه الدولة باحتضانها لهما، وأنعم علينا بخيرات عظيمة وهبات كريمة»، مضيفًا: «وقد بنى الملك عبد العزيز تربيته لأبنائه على أسس من الإيمان الصادق بالله العظيم وكتابه الكريم، والتمسك بهدي نبيه عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وأن يكونوا جنودًا مخلصين لوطنهم الكريم، فحمّلهم أعباء المسؤولية في سن مبكرة».
وأضاف الملك سلمان بن عبد العزيز: «على هذه الأسس الطيبة نشأ وترعرع أخي الأمير نايف بن عبد العزيز - رحمه الله - متمسكًا بدينه، مخلصًا لمليكه، محبًا لوطنه، فخدم دينه ووطنه على أكمل وجه، وبذل تضحيات مخلصة وعطاءات بناءة، حتى أصبح رمزًا للأمن والأمان في وطن أصبح مضرب المثل للأمن والأمان».
وعن مكانة الأمير نايف بن عبد العزيز، كتب خادم الحرمين الشريفين: «كان للأمير نايف مكانة عظيمة في التاريخ السعودي الحديث، بما بذله من جهود مخلصة على مختلف الأصعدة للسهر على أمن هذه البلاد ووحدتها، واجتثاث منابت الفتن، وإعلائه مكانة المملكة عربيًا وإسلاميًا وعالميًا، وحرصه الدائم ومحبته الأكيدة لأبناء هذا الوطن».
وفي تناوله لنشأة الأمير نايف السوية، أشار المؤلف إلى أنه لم يمر عام واحد على توحيد السعودية حتى جاءت ولادة الابن الثالث والعشرين للمؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن، ففي تلك الأجواء المليئة بالانتصارات، والمشحونة بالوحدة والمدفوعة بعقيدة دينية صادقة والمكتنزة بالعزم على تطوير البلاد ونبذ الخلافات وتوحيد الصفوف، جاءت ولادة نايف في مدينة الطائف عام 1934. كريم من كريمين، فوالده الملك عبد العزيز، ووالدته الأميرة حصة بنت أحمد السديري، الزوجة السادسة من زوجات الملك المؤسس التي كانت من أحب زوجاته على نفسه، وكانت تعقد مع أبنائها اجتماعات خاصة، تستعرض فيها حسن سير تقدمهم في دراستهم وشؤون حياتهم، وتناقش معهم بصراحة ووضوح كل ما يهمهم.
وتناول الكتاب الشخصية الجامعة للأمير الراحل الذي كان شريكًا أساسيًا في صناعة القرار السعودي، مشيرًا إلى أن الأمير نايف شب وهو يتمتع بعبقرية مدهشة في الإدارة السيادية والأمنية والسياسية، فضلاً عن عقلانية تدرك جيدًا قيمة الدولة، وأهمية ترسيخ الوحدة الوطنية، التي تعد مسلمات ضرورية لتوطيد العلاقة بين أبناء الوطن الواحد، باتفاق كل رجال السياسة ومنظريها على اختلاف مشاربهم، وكان شريكًا في صناعة القرار السعودي، وأحد القيادات الرئيسية في بناء الدولة السعودية، كما كان إلى جانب هذا صاحب فكر عميق، وإدراك واسع، وإلمام شامل بأدق تفاصيل مقومات سلامة الأوطان. فأثناء حياته الحافلة بالبذل والعطاء، عاشت البلاد أصعب مرحلة في تاريخها المجيد، عندما أطلت آفة الإرهاب الأعمى برأسها، وكان نايف الرجل الأول في الدولة المعني بكبح جماح المتطرفين، ووأد شرهم، فقاد المعركة ضدهم بجد وحسم، ورأفة وسماحة نفس مع المغرر بهم وأفراد أسرهم، وخرج منتصرًا بعد عمل شاق، وصبر جميل، وحصن المجتمع دونما حاجة لأحكام طوارئ ومحاكم تفتيش وعسكرة حياة الناس.
وأوضح المؤلف أن الأمير نايف كان مجموعة رجال في رجل واحد، فاهتم باحترام الحريات والحقوق الشخصية، والستر، وإقالة عثرات الناس، وحسن الظن بهم. فلم يكن يسمح مطلقًا بالاجتهادات الشخصية والتصرفات المرتجلة في حفظ حقوق الناس، بل كان يؤكد على الالتزام التام بالشرع والنظام، كما لم يكن الراحل رجل أمن حازم وحاسم وذكي فحسب، بل كان إنسانًا كبيرًا، يفيض قلبه بالشفقة والرحمة على الناس.. كل الناس، وقد بدا هذا جليًا في تلمس احتياجاتهم وانخراطه في الحياة الاجتماعية بكل أطيافها، ومساعدة المحتاجين ورعاية الأيتام والمسنين والعناية بالمرضى، وامتدت يده الكريمة إلى إخوانه في الدين والعروبة والإنسانية على امتداد العالم دونما تفرقة بسبب جنس أو عقيدة أو لون، فطالما شكل لجانًا للإغاثة وترأسها بنفسه لمساعدة المحتاجين في كل أصقاع الأرض، ولم تكن أعماله إغاثة تقليدية تقف عند توفير الخبز والماء، بل تعدت ذلك لتشمل كل المرافق الاجتماعية من مساكن ومساجد ومدارس ومستشفيات ومراكز طبية.
وحظيت شخصية الأمير الراحل نايف بن عبد العزيز باهتمام قادة ومسؤولي دول العالم، إذ قال عنه الرئيس الأميركي باراك أوباما: «نحن في الولايات المتحدة نعرف الأمير نايف بن عبد العزيز، ونحترمه على التزامه القوي بمحاربة الإرهاب ودعم السلام والأمن الإقليميين»، في حين لفت الرئيس الصيني جنتاو بأن «الراحل كان حريصًا على تطوير العلاقات الصينية - السعودية. فقدم إسهامات إيجابية في تعزيز عرى الصداقة بين البلدين، ولهذا فقد الشعب الصيني برحيله صديقًا عزيزًا».
وعدّ العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، الأمير الراحل «رجل الأمن العربي الأول، ومجهوداته مشهود بها، في بذل الجهد في خدمة حجاج بيت الله الحرام ورعايتهم. كما كان أحد الرجال العظماء الذين ساهموا في تعزيز منظومة الأمن العربية، وترك بصمات في جميع المجالات في السعودية لرقي الوطن».
واعتبر الرئيس التركي عبد الله غول «أن رحيل الأمير نايف كان خسارة كبيرة وفاجعة حقيقية للأمتين العربية والإسلامية، إذ كان شخصية سياسية وأمنية محنكة واسع الاطلاع».
وقال عنه الدكتور تيد كاربنتر، من معهد «كاتو» للأبحاث السياسية في واشنطن: «الأمير نايف صاحب تاريخ حافل في القيادة، التي اتسمت بالمسؤولية في معالجة كثير من القضايا الأمنية التي عاشتها المملكة خلال العقدين الماضيين».
أما جيمس سميث، السفير الأميركي لدى السعودية، فقد وصف الراحل بالقائد القوي والصديق الطيب للولايات المتحدة، وعرف بشجاعته وإخلاصه في حفظ أمن بلده وخدماته الجليلة للحجاج، وقيادته الثاقبة في مكافحة التطرف، وسيفتقد كثير من السعوديين وغير السعوديين على حد سواء الراحل الذي كان أحد أعمدة الدولة السعودية الحديثة لعدة عقود، كما سنفتقد ببالغ الحزن والأسى الأمير نايف لدوره المحوري في العلاقة العميقة والدائمة بين الولايات المتحدة والسعودية.
وتناول الكتاب ما قيل في الراحل لعدد من المسؤولين والكتاب والشعراء الذين عددوا مآثر الراحل، معتبرين أنه كان درع الوطن ورجل الدهاء وحامي الدار، وداحر الإرهاب.



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».