مع إعلان الأمم المتحدة، على لسان مديرها العام في جنيف، مايكل مولر، أن مباحثات السلام السورية ستحصل في جنيف، والأرجح نهاية الشهر المقبل، اعتبرت مصادر فرنسية رسمية أن الأمور «لن تتم بسهولة» وأن «صعوبات سياسية كثيرة تعترض عمل المبعوث الدولي ستيفان دي ميتسورا. كذلك انتقدت هذه المصادر المنهج الذي اختاره وزير الخارجية الأميركي جون كيري، وأسلوبه في التعاطي مع الجانب الروسي وما يمكن اعتباره «تنازلات» قدمها لموسكو.
تلخص المصادر الفرنسية طريقة عمل كيري كالتالي: «الوزير الأميركي يسعى إلى إطلاق دينامية سياسية يكون من شأنها دفع الأطراف المعنية وخصوصًا الجانب الروسي، إلى تطوير مواقفه بحيث يصل إلى خلاصة مفادها أن غرض دحر داعش يمكن أن يتحقق وكذلك صيانة المصالح الروسية الأساسية يمكن أن تؤمن عبر نظام سياسي لن يكون فيه بشار الأسد بل قيادة ملائمة لموسكو». وبكلام آخر، ترى باريس أن واشنطن تسعى لجلب روسيا إلى المسار السياسي وتجنب ما من شأنه «تنفيرها» من المشاركة فيه، ومن ذلك مثلا الامتناع عن الإشارة إلى الرئيس السوري في قرار مجلس الأمن الأخير رقم 2254، وحتى الانتقاد الضمني لما صدر عن مؤتمر المعارضة السورية في الرياض و«مسايرة» موسكو في أكثر من نقطة وقضية.
بيد أن هذه المقاربة لا تقنع باريس التي طلبت «ضمانات» بشأن حصول عملية الانتقال السياسي، أو ما يسمى «المرحلة الانتقالية» كما نص عليها بيان «جنيف1». والحال أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عرض تصوره للحل في سوريا للوزير الأميركي الذي التقاه في موسكو قبل اجتماع مجلس الأمن في نيويورك. وبحسب باريس، فإن ما عرضه بوتين «يختلف تمامًا» عمّا ينص عليه «بيان جنيف1»، بل هو يقترب كثيرًا من تصور النظام السوري الذي لا يتحدث إطلاقًا عن «عملية انتقالية» بل عن حكومة «اتحاد وطني» تضم بعض الأسماء من المعارضين الذين يختارهم النظام. وتؤكد المصادر الفرنسية أن موسكو ما زالت تصر على تصوّرها القائل إن السوريين هم من يقرر مصير سوريا وإن الانتخابات «بمشاركة الأسد» هي الفيصل الحاسم.
أما الصعوبة الثانية على درب جنيف الجديد، فتتمثل في أن المعارضة السورية لا يمكن أن تنخرط في المسار التفاوضي ما لم تحصل «سريعا على توضيحات» لمسائل أساسية، أبرزها: شكل الحكومة المفترض أن تتشكل، بحسب قرار مجلس الأمن، وخريطة الطريق التي تم التوصل إليها في فيينا، والصلاحيات التي ستنقل إليها، والدور الذي سيبقى لرئيس النظام السوري وخصوصا فيما يتناول الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة. وفي أي حال، تفترض باريس أن المعارضة المذكورة المنتظر منها أن «ترسل وفدا يحمل في جعبته توكيلاً واضحًا للتفاوض» لن تقبل التخلي عن سلاحها ما لم يتم حسم هذه النقطة والحصول على ضمانات بشأنها. غير أن باريس تتخوف من أن النظام السوري لن يقدم على أي تنازلات «ما دام هو متيقن من أن روسيا - ومعها إيران - تحمي ظهره وأن وضعه الميداني يتحسن».
أيضًا ترى باريس أن الاختبار الجدي لمجمل عملية المسار السياسي هو في مدى تلاؤمه مع التطورات الميدانية. والحال أن الحملة الجوية الروسية المكثفة ما زالت تتطور، وهي تستهدف عمدًا - كما في السابق - مواقع المعارضة المعتدلة، كما تستهدف مواقع «داعش». ولذا، فإن الصعوبة تكمن في «تزويج» مقاربتين سياسيتين متناقضتين تمامًا، فضلا عن ذلك، ترى باريس أن روسيا التي لم يرقها نجاح «مؤتمر الرياض» ستستمر في مساعيها لضرب مصداقية ما تحقق في الرياض وتوسيع لائحة التنظيمات الإرهابية التي لن يشملها وقف إطلاق النار من جهة، ولن تكون مقبولة على طاولة المفاوضات في جنيف من جهة ثانية.
وفي هذه الأثناء، أفادت المصادر الفرنسية بأن وزير خارجية الأردن ناصر جودة، الذي كلفت بلاده بوضع لائحة التنظيمات الإرهابية الناشطة في سوريا، شرح لنظرائه أن هناك ثلاث لوائح: الأولى «حمراء» تضم التنظيمات التي يتفق الجميع على اعتبارها إرهابية، وهي تتضمن «داعش» و«جبهة النصرة». والثانية «خضراء» تضم الحركات والمجموعات المعارضة غير المصنفة إرهابية. وبين الاثنتين هناك اللائحة «الرمادية» التي تضم التنظيمات المتأرجحة. وفي حين قدم الغربيون لوائح تضم ما بين 5 و10 تنظيمات إرهابية، قدّم الروس لائحة تضم 22 تنظيما تزعم أنها كلها إرهابية. والسؤال المطروح اليوم على الأردن وعلى الآخرين هو كيفية التوافق على لائحة واحدة وتحديد المعايير التي سيجري التقيد بها في عملية التصنيف المنتظرة التي ستكون أساسية بالنسبة للمعارضة ولإطلاق مفاوضات جنيف المقبلة.
على صعيد ثانٍ، يمثل وقف النار الذي سيدعو إليه دي ميستورا صعوبة إضافية لجهة تحديد الآلية التي ستشرف عليه ومدى التزام الأطراف المتقاتلة ميدانيًا بأوامره. وبحسب باريس، من المفترض أن يأتي وقف النار بالتوازي مع المسار السياسي، لكن «الواقعية» تدعو إلى الاعتقاد أن التقيد به لن يكون تاما وفوريًا، وأن أفضل ما يمكن أن يوفره هو «خفض منسوب العنف». وللعلم، تصوّر المبعوث الدولي يتمثل في الدعوة إلى احترامه في عدد من الجبهات بحيث يتحول شيئًا فشيئًا إلى وقف شامل ودائم، يُعهد بالتأكد منه إلى مراقبين محليين ولتقنيات الرقابة الفضائية، ربما مع لحظ دور للدول الـ17 الراعية للعملية السياسية.
وفي هذا السياق، ترى باريس أن طهران تدعم المسار السياسي لكن وفق فهمها الخاص له، أي الإبقاء على النظام السوري والمحافظة على بشار الأسد. وتبدو إيران، وفق النظرة الغربية، أكثر تشددًا وخصوصًا «أكثر تمسكا» بالحفاظ على نظام الأسد. وإذا كان الطرفان الروسي والإيراني ينسقان ميدانيًا ويتفقان مرحليًا على دحر «داعش» والمحافظة على الأسد، فإن المصادر الفرنسية ترى أنه «ليست لديهما رؤية موحدة» بالنسبة لمستقبل سوريا. وترى مصادر أخرى أن انهيار الأسد «يعني عمليا انهيار النفوذ الإيراني بينما رحيل الأسد لا يعني التفريط بالمصالح الروسية».
ونقلت المصادر الفرنسية عن مسؤولين قولهم إن الرئيس بوتين ادعى أمام قادة خليجيين أن تدخل قواته في سوريا «غرضه إخراج إيران منها».
عمومًا، قبل شهر من العودة إلى جنيف، تبدو الأمور من باريس معقدة وغامضة رغم وحدة الأسرة الدولية في البحث عن حل سياسي في سوريا. ومرة أخرى، يبدو أن مفتاح الأزمة السوري موجود بشكل رئيسي في موسكو وبدرجة أقل في طهران. فهل يريد هذان الطرفان الوصول إلى حل متفاوض عليه أم أن الرهانات تتخطى الأزمة السورية التي هي ميدان تصارع ليس إلا؟
8:57 دقيقه
مصادر فرنسية رسمية: هذه مآخذنا على المقاربة الأميركية للأزمة السورية
https://aawsat.com/home/article/526146/%D9%85%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D8%B1-%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D8%B1%D8%B3%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D9%87%D8%B0%D9%87-%D9%85%D8%A2%D8%AE%D8%B0%D9%86%D8%A7-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%A7%D8%B1%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9
مصادر فرنسية رسمية: هذه مآخذنا على المقاربة الأميركية للأزمة السورية
باريس تطالب بضمانات بشأن المرحلة الانتقالية
- باريس: ميشال أبونجم
- باريس: ميشال أبونجم
مصادر فرنسية رسمية: هذه مآخذنا على المقاربة الأميركية للأزمة السورية
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة









