عز الدين ميهوبي: رئة الثقافة لم تتوقف عن التنفس في الجزائر لحظة واحدة

وزير الثقافة الجزائري يتحدث عن برنامج الوزارة الثقافي ولايرى ان هناك تراجعا

عز الدين ميهوبي
عز الدين ميهوبي
TT

عز الدين ميهوبي: رئة الثقافة لم تتوقف عن التنفس في الجزائر لحظة واحدة

عز الدين ميهوبي
عز الدين ميهوبي

يبدو أن وزير الثقافة الجزائري عز الدين ميهوبي لم يكن يتوقع منا أن نطرح عليه أسئلة تعكس «سوداوية غير مبررة»، على حد تعبيره، فهو يجد أن الحديث عن تراجع الحياة الثقافية تعبير غير دقيق «ما دامت العشرات من الأسماء الأدبية قد أحدثت نقلة نوعية في شتى أشكال الإبداع الأدبي وأوصلت صوت الجزائر إلى كثير من المحافل العربية»، وأن «المثقف الجزائري تحول اليوم من وضع المستضيف إلى وضع الضيف ومن حالة الاستقبال إلى حالة الإقبال ولا يكاد يخلو مؤتمر أدبي أو فني من حضور جزائري مميز».
هنا لقاء مع وزير الثقافة الجزائري، يتحدث فيه عن برنامج الوزارة الثقافي، وما تحقق منه، وكذلك عن البرامج والخطة الثقافية المستقبلية:

* بداية، ألا تشكل معرفتكم الدقيقة بحكم ماضيكم ككاتب وإعلامي ومسؤول مسؤولية كبيرة في ظل النقائص الكبيرة التي يعاني منها المشهد الثقافي الجزائري الأمر الذي يسبب لكم ضغطا لا تحسدون عليه؟
- في البداية، اسمح لي أن أعبر لكم عن امتناني وشكري لاهتمامكم من قبل صحيفة عالمية الانتشار في قيمة «الشرق الأوسط». وعطفا على سؤالكم فإنني أعتقد أن هناك رغبة قوية من قبل الحكومة الجزائرية لاستكمال برنامج الدولة الثقافي، الذي اشتغل عليه مجموعة من وزراء الثقافة السابقين، وهو البرنامج المستمد من رؤية ثقافية تهدف إلى تأكيد الشخصية الجزائرية بكل ما تحمله من أبعاد تاريخية ومعرفية، ومن ثم الحفاظ على خصوصيتها والتفتح على مختلف الثقافات الإنسانية. وفي الحقيقة نعمل جاهدين على أن نقدم تصورا ثقافيا ضمن إطار يكون في مستوى الحرص الذي يمليه السيد رئيس الجمهورية والاهتمام الذي توليه الحكومة الجزائرية في بلد يملك من التنوع الثقافي والفني بين مختلف أقطاب الساحة الثقافية واتجاهاتها. لكننا قد نتحفظ من وصفكم للنقائص بالكثيرة لأن التنوع والتعدد الذي أشرنا إليه سابقا، يجعل من وجود نقائص في العمل الثقافي أمرا طبيعيا لأن مهمتنا ليست صناعة الثقافة، وإنما تسيير الثقافة وخدمتها. الثقافة عمل وسلوك يومي تشارك وتساهم في صناعته كل مؤسسات الدولة وجميع تشكيلات المجتمع والفرد في تصورنا هو اللبنة الأولى للتنمية الثقافية المستديمة ووزارة الثقافة تعمل على إدارة الشأن الثقافي بالتنسيق والاستشارة مع كل القطاعات التي نراها شريكة في صناعة الساحة الثقافية على غرار التربية والتعليم والسياحة، وكل هذا يتم استنادا إلى مرجعيتنا الدستورية وبالاهتمام الشخصي لرئيس الجمهورية وبمتابعة الوزير الأول.
* ما التصور المبدئي الذي جئتم به للوزارة انطلاقا من معرفتكم القديمة للقطاع كمثقف وكاتب ومسؤول سابق لاتحاد الكتاب؟
- ندرك جيدا أن تشكيل تصور ورؤية شاملة لتسيير قطاع الثقافة في الجزائر يحتاجان إلى تنسيق حكومي متواصل وهو ما يحدث حاليا ذلك أن الدولة وضعت من أولوياتها جعل قطاع الثقافة قطاعا منتجا وفعالا، علاوة على مهام وزارة الثقافة التي تتمثل في تسيير شؤون الثقافة وتحريك الفعل الثقافي، بات من الضروري أن تكون الرؤية مشتركة بين كل القطاعات الشريكة في الحكومة وفي مقدمتها المشتغلون في حقل الإبداع من مسرح وسينما وأدب وفنون تشكيلية ومهتمين بالتراث المادي واللامادي، فرهان المرحلة يقتضي العمل على مساري ترسيخ المكتسب الثقافي والدفع بالاستثمار الخاص ليكون شريكا في وضع صناعة المنتج الثقافي.
* الكثير من المثقفين والإعلاميين يتحدثون عن تراجع الحياة الفكرية والفنية بوجه عام مقارنة بالسبعينات والثمانينات.. ما تعليقكم؟
- أولاً، ما مؤشرات التراجع؟ ثم لنفترض أننا اتفقنا على هذا الأمر، كيف لنا أن نناقش أسبابه ونبحث عن سبل استعادة هذه الحياة الثقافية والإنسانية؟ الجزائر لا توجد في منأى عما يحدث في العالم وهي جزء هام منه تتأثر وتؤثر فيه وتتفاعل مع كل المستجدات التي تحدث هنا وهناك، ثم إن تراجع الحياة الثقافية هل يعني بالضرورة تراجع الثقافة؟
* والجواب؟
- أبدًا. إن الحياة الثقافية هي الجسد الذي يحمل روح الثقافة، ويبدأ هذا الجسد الحياة صغيرا ثم شابا قويا، يمرض ويتعب، لكن هذا لا يعني أبدا أنه يموت، بل تنتقل هذه الروح من جسد إلى آخر، من جيل لآخر، وتاريخ الجزائر الثقافي يؤكد هذا. واسمح لي أن أعود قليلا إلى الوراء لأذكر القارئ العربي أن الحياة الثقافية في الجزائر لم تمت في يوم من الأيام. ففي أعتم مراحل الاستعمار ظلمة ومن أشد زواياه التاريخية حلكة منحت الجزائر الإنسانية أسماء ثقافية بارزة لا تزال إلى اليوم تحرك أسئلة الثقافة وتساهم في تجلياتها منذ «أبوليوس» أول روائي في التاريخ وهو أمازيغي مناوئ للرومان إلى عمر راسم، ومحمد الخضر حسين، ومالك بن نبي، ومفدي زكريا، ومحمد العيد آل خليفة، وحمودة بن الساعي، ورضا حوحو، ومحمد ديب، وكاتب ياسين، ومالك حداد، ومحمد راسم. أذكر هذه الأسماء على سبيل المثال لا الحسر، فالمجال لا يسمح بذكرها كلها. وعندما ضرب الإرهاب المتوحش الجزائر في مطلع التسعينات، كان يدرك أهمية المثقف في التصدي للظلامية فكان المثقف هدفه الأول وكان من ضحاياه عشرات المثقفين الذين سقطوا على أيدي أعداء الحياة والتسامح. لذلك تجدنا نسعى لاستعادة هذه الحياة الثقافية في بلد لم تتوقف فيه رئة الثقافة عن تنفس هواء الثقافة لحظة واحدة، وكان لسياسة الوئام المدني وميثاق السلم والمصالحة الوطنية الأثر القوي في استعادة الجزائر أمنها واستقرارها، وما كان ذلك ممكنا لولا القراءة العميقة التي أولاها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة للمجتمع الجزائري وإدراكه لأهمية تجنيب الأجيال تبعات الأزمة التي كادت تدمر أركان الدولة ومؤسساتها.
* خلافًا لمرحلة حكم الحزب الواحد ورغم التضييق على الحريات السياسية والفكرية مقارنة باليوم، يحن الكثير من المثقفين والصحافيين إلى الماضي القريب الذي برز فيه مفكرون وأدباء ومؤرخون كبار تركوا فراغا كبيرا وعرفت تلك الفترة انفتاحا على العالم العربي، الأمر الذي سمح بزيارة أدباء كبار من أمثال نزار قباني، ومحمود درويش، وأدونيس، وفنانين، خلافًا ليومنا هذا الذي تبدو فيه الجزائر معزولة ثقافيا وأنا شخصيا عايشت الغليان الذي كان قائما كصحافي ومثقف.. ما ردكم؟
- أصر على تحفظي الشديد على مصطلح ضمور، فالوضع لم يصل إلى هذا الحد من السوداوية التي ينظر من خلالها البعض إلى الساحة الثقافية، وإن كانت الجزائر محل اهتمام كتاب وأدباء في وقت سابق فإن الدول العربية اليوم محل اهتمام كتاب وأدباء جزائريين، والمثقف الجزائري تحول اليوم من وضع المستضيف إلى وضع الضيف ومن حالة الاستقبال إلى حالة الإقبال ولا يكاد يخلو مؤتمر أدبي أو فني من حضور جزائري مميز. من المهم جدًا أن نتحدث عن الأسماء التي ذكرت كنقطة تحول كبيرة في مسار الثقافة الجزائرية، لكن لا يمكن أن يحدث التحول الثقافي في أي عصر وفي أي بلد كل سنة أو كل عشر سنوات. تتحدث عن أسماء أدبية وفكرية جاءت في سياق تحول إنساني عميق وهي نتاج واقع فكري وثقافي جزائري امتد لعشرات السنين بدءًا من أبي اليقظان، والسعيد الزاهري، ومحمد راسم، وبن باديس، وبن سماية، والأمير خالد، ورمضان حمود، وغيرهم ممن ساهم في استعادة الوعي الجزائري من سجن الاحتلال في ظروف أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها قاسية، ومثلما استلزمت المرحلة التاريخية اليوم وجود هذه التعددية السياسية والفكرية التي نعتقد أنها شكلت صدمة روحية إيجابية ما زلنا نحتاج إلى وقت كي نعبر فيه إلى مرحلة التعايش، وهذا لا يتم إلا من خلال الثقافة التي من شأنها أن تخفف هذه الصدمة.
ومن جانب آخر، لا أفهم لماذا يتوقف السؤال عند جيل الركيبي ودودو وغيرهما، بينما يلغي تماما المساهمات الثقافية والإبداعية لواسيني الحائز على جوائز عربية عدة منها الشيخ زايد وكتارا وأحلام مستغانمي الحائزة على جائزة نجيب محفوظ للرواية وعياش يحياوي الحائز على جائزة العويس وفضيلة الفاروق وحرز الله وسمير قاسمي والخير شوار وأسماء أخرى مثل جوادي وحمدي ومفلاح وحمري وأزراج الحائز على جائزة اللوتس وعامر وفاسي والزاوي وزتيلي ومنور وشكيل وبلحسن وجلطي والأعرج وبوشحيط ووبوجادي وفلوس وفني وحديبي ومرياش وميلود حكيم وطاهوري وبن خليفة وأسماء ذات أداء قوي نال كثير منها جوائز عربية ودولية أمثال دحية وصديقي وظريف وإسماعيل يبرير والراحل مالك بوذيبة، وأخرى صاعدة بقوة تنبئ بمهارات إبداعية عالية وبشهادات نقاد وقارئين جيدين للمشهد الثقافي العربي. لم يقتصر التفوق على الأدب، وطال السينما والمسرح والتشكيل وعليه نحن مطمئنون لمستقبل الثقافة الجزائرية بتنوعها اللغوي خاصة ما اتصل باللغة الأمازيغية، حيث بدأت ملامح المنجز الأدبي والسينمائي والمسرحي تظهر جليا وتؤكد حضورها الوطني، إذ تمت ترجمة رواية أحلام مستغانمي «الأسود يليق بك» للأمازيغية وأعمال أخرى في خطوة لتعزيز مكانتها في الساحة الثقافية الجزائرية، وبالتالي فلا جدوى من تجزئة حركة الثقافة الجزائرية. بعيدا عن المجايلة في الثقافة الجزائرية، لا يمكن القفز على المرحلة الأكثر سوادًا في حياة الجزائر المستقلة، وهي التي سعى فيها الإرهاب إلى تدمير ركائز الدولة وكتم أنفاس الكتاب والصحافيين، إذ إن الطاهر جاووت، ويوسف سبتي، وبختي بن عودة، وعبد القادر علولة، وسعيد مقبل، وعز الدين مجوبي، وجمال الدين زعيتر، وحسني شقرون، ومحمد الصالح باوية، والهادي فليسي، وغيرهم من الذين امتدت إليهم يد الغدر والإرهاب كانوا في جبهة الفكر التنويري لمقاومة الفكر التدميري، وبالتالي لا يمكن تجاوز كل هذه التحولات بأسئلة تمجد مرحلة وتلغي مراحل.
* التكوين الذي كان قائما حتى وقت غير بعيد تسبب هو الآخر في تراجع الحياة الفنية بشقيها المسرحي والسينمائي، والمواهب الكثيرة التي برزت في السنوات الأخيرة ليست في مستوى تقنيات وموجات الإبداع المعاصر وورثت من الجيل السابق الخطاب السياسي، وهذا ما لاحظه نقاد عرب وأجانب أعجبوا بقدرات الكثير من الفنانين الجزائريين في أكثر من مهرجان عربي وفي مهرجان قرطاج المسرحي بوجه خاص.. ما تعليقكم؟
- أنت تتحدث عن تراجع ثم عن إعجاب ومع هذا أعود لأؤكد لك أن وزارة الثقافة لا تصنع الثقافة، إنما تسيرها، وإن كان الهدف الأسمى هو الإصلاح الثقافي وصناعة الثقافة الحديثة لا يستلزم أبدا إنشاء معاهد لتكوين الشعراء والأدباء والفنانين.
* هذا تأويلكم للتقدم، سيادة الوزير، وأنا أحترمه.. والدليل على أن حديثي عن التراجع لا يشمل الأدب لخصوصيته الإبداعية القائمة على الموهبة الإنسانية بالأساس، إيماني بقدرات العشرات من الكتاب الشبان غير المعروفين بالقدر الكافي في الخارج بسبب غياب استراتيجية ثقافية مدروسة تمكن من إيصال الصوت الجزائري الفكري والأدبي في الخارج على مدار العام وليس فقط بمناسبة المهرجانات والمعارض التي تبرز فيها الأسماء الكبيرة، وحتى توزيع الكتاب غير مهيكل داخليا مهنيا ولا يكشف عن توجهات وميول واهتمامات القراء؟
- سؤالكم على قدر كبير من الأهمية، واللغة لم تكن في يوم من الأيام حاجزا أمام التعايش الثقافي، سواء داخل حيز ثقافي واحد أو بين أكثر من حيز. نعتبر في وزارة الثقافة أن التعدد اللغوي ظاهرة صحية وضرورية، وأن هذا النقاش والحراك الحاصل أمر طبيعي جدا، ولذلك تجدنا نعمل على السير بهذا الاختلاف نحو التكامل الذي يمنح الإضافة اللازمة للشخصية الثقافية الجزائرية المتنوعة. من هنا، فإننا نهيب بكل المثقفين والكتاب الجزائريين، بغض النظر عن توجهاتهم، أن يساهموا في هذا المسعى. أما الخلافات الآيديولوجية المرتكزة أساسا على خلافات سياسية جوهرية فهي لا تعنينا تماما، لكننا نسعى من خلال الفعل الثقافي الرزين والهادئ والطموح إلى أن نجمع بين كل اتجاهات الثقافة بكل محمولاتها معتقدين أن أي نقاش ثقافي يحدث هو إضافة لسياسة البلد الثقافية. أما الحديث عن وجود طلاق وانغلاق ففيه كثير من المغالاة وأنتم بحاجة إلى إعادة تحميض الصورة.
* كيف ذلك علمًا بأن المثقفين المعربين والمفرنسين الذين يتواصلون مع بعضهم البعض لا يكاد يذكر ويتوقف على بعض الكتاب المعروفين من أمثال واسيني والزاوي وبوجدرة وأن كل جناح مخندق في جبهته والمعرب لا يقرأ للمفرنس والعكس صحيح؟
- هذه الصورة التي تعطونها وأنتم في باريس.
* أخيرًا كيف بقيتم تكتبون رغم انشغالاتكم كوزير؟
- أصر على أن الكتابة التزام مني تجاه القارئ وتجاه نفسي، ولم أكن في يوم من الأيام متفرغًا للكتابة، لكنني أبذل جهدًا إضافيًا على حساب العائلة والأصدقاء لأكتب.



لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
TT

لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ

لا نقرأ. هذه هي الخلاصة الموجعة التي تلخص علاقة العربي المعاصر بالمعرفة. التقارير الدولية لا تكذب، وأرقام القراءة في وطننا العربي لا تحتاج إلى استدعاء معهد استطلاع لتخبرنا بأننا أمة تقف في آخر قائمة قراءة الكتاب. لكن هذه الحقيقة، على قسوتها، لا تعني أننا أمة صامتة أو منقطعة عن المعرفة؛ قد تعني أكثر أننا نتلقى المعنى على نحو مختلف. القصيدة المسجلة، الصورة، الدراما، المسرح، الأغنية، البرامج الحوارية، البودكاست، كلها صارت أكثر حضوراً من الكتاب. كثيرون لا يتفرغون لقراءة كتاب في التاريخ أو الفلسفة، لكنهم يحفظون مشهداً درامياً، ويرددون بيتاً مغنّى، ويتأثرون بحكاية سينمائية. وهنا المفارقة التي تحتاج إلى وقفة: بدل أن نتحسر على زمن الكتاب والحنين إلى الورق، علينا أن نسأل: كيف نجعل ما يشاهده الملايين ويسمعونه راقياً، حاملاً للثقافة، مغذياً للروح والعقل؟

العالم كله يسير نحو تكثيف المعرفة بصيغ بصرية وسمعية. الكتاب بجلالة قدره تحول إلى مسموع، والمحاضرة إلى فيديو، والسرد إلى بودكاست. ربما الفارق - ولو كان نسبياً - أن مجتمعات أخرى تمتلك قاعدة قراءة صلبة تعود إليها، بينما نكتفي نحن غالباً بالملخص أو الانطباع السريع، فنخسر العمق. وهنا تحديداً تبرز أهمية الفنون بوصفها الحلقة المفقودة بين المتعة والعمق، بين الشغف الجماهيري والمحتوى الهادف.

والأمثلة من واقعنا العربي ليست نادرة. حين غنى كاظم الساهر «زيديني عشقاً» في فيديو كليب لم يقدم مجرد ألحان عذبة ومشاهد جميلة، بل جعل ملايين العرب يحفظون قصيدة نزار قباني عن ظهر قلب، محولاً قصيدة النخبة إلى أهزوجة في الأحياء المنسية. وحين جسّد محمود مرسي شخصية أبو العلاء البشري في مسلسل «رحلة السيد أبو العلاء البشري»، لم يكن يقدم دراما ترفيهية فحسب، وإنما حوّل التلفزيون إلى مدرسة أخلاقية شعبية تجسد قيم الصدق والوفاء والإنسانية في وجه المادية والتناقضات. أما في النحت، فقد حوّل جواد سليم «نصب الحرية» في ميدان التحرير ببغداد إلى ملحمة وطنية حفرت في الذاكرة الجمعية قيم الصمود والانعتاق، متفوقاً بذلك على آلاف الصفحات التي لم تُقرأ. وعلى الجانب الآخر، فتح السوري فاتح المدرس بوابة الحداثة التشكيلية العربية إلى العالمية بريشته السريالية، معيداً تعريف اللغة البصرية العربية وناقلاً تجربته من المتاحف العالمية الكبرى إلى روح الشباب العربي دون أن يفقدوا هويتهم.

أيضاً، حين كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش قصائد مثل «سجل أنا عربي» و«بطاقة هوية» وسجّلت بصوته الرصين، حوّل الشعر إلى نشيد وجداني يردده الملايين في الميادين والمدارس دون الحاجة إلى ديوان. وحين ألف الروائي السوداني الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال»، جعل الرواية درساً ثقافياً عميقاً وصل إلى المجالس قبل الجامعات. أما في المسرح، فقد قدمت فيروز مع الرحابنة مسرحيات غنائية خالدة، حوّلت المسرح إلى تجربة جوانية عميقة وصلت إلى قلوب الملايين. ومن المملكة العربية السعودية، برز عملاقان في الأغنية: محمد عبده ذاكرة وجدانية لأجيال، وطلال مداح، نبض العاطفة المشتركة، فكانا معاً جسراً موسيقياً ينقل جمال السعودية إلى ملايين القلوب دون الحاجة إلى كتاب أو ديوان.

هذه النماذج تؤكد أن الفن، حين ينجح، يصبح أستاذاً بديلاً خصوصاً في زمن تراجع فيه الأستاذ الورقي. الأغنية يمكن أن تحمل اللغة الرفيعة، والدراما يمكن أن تكون مدرسة للضمير، والسينما يمكن أن توسع الخيال الأخلاقي، والمسرح يمكن أن يعيد صياغة الأسئلة الكبرى أمام جمهور حي.

وما يضاعف حاجتنا في وطننا العربي إلى الفنون أن مجتمعاتنا تمر بتحولات كبرى: عولمة جارفة، هويات بديلة، انقسامات طائفية، وأزمات تعليمية حادة. في هذا الفراغ، لا يعود الفن رفاهية، إنما ضرورة تربوية ومدنية. نحن بحاجة إلى فن يعلّم من غير وعظ، ويربي الحس من غير استعلاء، ويقترح نماذج للانتماء والمسؤولية من داخل المتعة ذاتها. القيمة حين تُلقى في خطبة قد تُنسى، لكنها حين تتجسد في شخصية درامية أو لحن شجي أو صورة مدهشة، تصبح أقرب إلى القلب وأبقى في الذاكرة.

في حقيقة الأمر، نحتاج إلى الفنون أكثر من غيرنا، لكن الإنفاق العام عليها في كثير من الدول العربية لا يزال محدوداً، وغالباً أقل من نظائره في عدد من الدول المتقدمة، بينما تُترك الساحة للابتذال والاستهلاك السريع. ومع ذلك، هناك بصيص أمل: معارض مثل «إثراء» في الظهران، وبينالي الشارقة، ومتحف اللوفر أبوظبي، أثبتت أن الجمهور العربي يتعطش للفن الرفيع حين يُقدم له باحترام. الحرفي التقليدي الذي كان مهمشاً يعاد اكتشافه اليوم، والفنان التشكيلي العربي يحجز مكانه في المتاحف العالمية. لكن هذا لا يكفي؛ نحتاج إلى سياسات ثقافية طموحة تدمج الفنون في المناهج، وتدعم المبدعين، وتجعل من التذوق الفني قيمة مجتمعية.

والآن، وبعد هذا كله، ما العمل؟ المسؤولية تقع على المبدع أن يحترم عقل متلقيه، وعلى المؤسسة أن تمول الثقافة لا أن تسلّعها، وعلى المثقف أن ينزل من برجه العاجي ويدخل إلى المنصات الرقمية بلا استعلاء. والسؤال الأهم هو سؤال القارئ نفسه، المواطن، المشاهد: متى كانت آخر مرة دفعت فيها ثمن تذكرة مسرح، أو اشتريت لوحة لفنان عربي، أو شجعت ابنك على دراسة الموسيقى أو أن يحفظ قصيدة أو يصمم فيديو؟

النهضة لا تصنعها الخطابات وحدها، بل الممارسات اليومية الصغيرة. والفن أولها. إذا أردنا مجتمعاً أكثر وعياً، وأشد تماسكاً، وأرقى ذائقة، فعلينا أن نصنع فناً يعكسنا ويعلّمنا ويقودنا. عندها فقط لن يكون الفن ترفاً، فالفن هو الدم الذي يجري في عروق الحضارة؛ وإذا جفّ هذا الدم، جفّت الحضارة نفسها. ولماذا نحن العرب بالتحديد؟ لأننا أمة توحدنا اللغة وتسكننا بيوت الشِعر ونسكنها.

يحسن بنا القول إن الفن ليس بديلاً عن الكتاب، بل هو طريق منه وإليه. حين يبكيك مشهد درامي، أو يهتز قلبك للحن، أو تجذبك لوحة، ينفتح باب واسع من المعرفة. نحن العرب، أمة «اقرأ»، نستحق أن نقرأ ونُقرأ بالكلمة وبالصورة وباللحن.

* كاتب سعودي


«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي
TT

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

على الرغم من وطأة الأزمة الصحية التي تلمّ بالباحثة نادية هناوي، فإن إرادتها في مجابهة المرض عبر بوابة الإبداع تظل الوقود الذي يغذي استمرارية عطائها النقدي. فلقد صدر لها حديثاً عن مؤسسة «أبجد» للتوزيع والنشر كتابان جديدان، واحد منهما في السرديات ما بعد الكلاسيكية هو «سرديات رواية التاريخ: التأريخ، الميتا - تاريخ، التاريخ النسوي»، والكتاب الآخر بعنوان «طوفان فلسطين». ويمثل الكتابان إضافة نوعية إلى مجمل ما ألفته الباحثة من كتب نقدية، وصل تعدادها إلى 42 كتاباً مطبوعاً.

يتألف الكتاب الأول «سرديات رواية التاريخ»، البالغة صفحاته أكثر من 350 صفحة، من تمهيد نظري تتلوه أربعة فصول، تدور حول مقتضيات هذا النوع الأدبي الفنية وتحديد اشتراطات المتنوعة من خلال مباحث عدة، بعض منها نظري صرف، وبعضها الآخر نظري إجرائي. وفيها تستكمل الباحثة هناوي جهودها النظرية التي كانت قد أسست لها قبل سنوات بكتابها «السرد القابض على التاريخ» 2018. وتركز فصول الكتاب الجديد على العلاقة الجدلية بين مفاهيم التاريخ - الواقع - التخييل بوصفها ثالوثاً إبداعياً ومعرفياً مترابطاً ترابطاً لا مجال فيه لفصل أحدها عن الآخر على أساس أن العلاقة بين الكتابة والتاريخ قديمة قدم الفلسفة، وعن ذلك تقول المؤلفة: «إن مبتدأ هذه العلاقة عند هيرودتس الذي ألف أول كتاب في التاريخ فكان الأب الشرعي له. وبالرغم من التطورات التي شهدتها البشرية على طول تاريخها؛ فإن تلك العلاقة ظلت قائمة بدعائم مهمة وأكيدة تجعل أي عملية لتوصيفها أو التعريف بها متجهة صوب التناظر الذي به يصبح تسريد التاريخ أو ترخنة السرد واحداً، فيمسي الروائي مؤرخاً والمؤرخ روائياً وبوعي فلسفي بالاثنين الإنسان والزمان».

وتدور أطروحة الكتاب حول مفهوم «رواية التاريخ» استناداً إلى فرضية أنه إذا كانت الرواية التاريخية توظف التاريخ بمعناه الكلاسيكي استعادةً وتوثيقاً وبطريقة يُجاري فيها السرد القصصي التاريخ الموثق الرسمي وغير الرسمي؛ فإن في «رواية التاريخ» نزعة ما بعد حداثية، معها يغدو التاريخ شكلاً سردياً، يشتغل فنياً على المراكز كأنساق يتم تقويضها وخلخلة أطرها بقصد توكيد الجانب الجمالي وتعرية مستورات التاريخ ومنغلقاته من دون انحياز إلى الشكل ولا تغلّيب للمحتوى.

وتتمحور أطروحة الكتاب الثاني «طوفان فلسطين»، كما واضح من العنوان، حول قضية فلسطين في مرحلتها الحالية والتحديات التي تواجهها هذه القضية على مختلف الصعد. والهدف هو وضع القراء أمام طبيعة تطورات معركة «طوفان الأقصى»، وما أسفرت عنه من مستجدات وتداعيات وأصداء على المستوى العربي ومستوى الرأي العام العالمي.

وجاء في الكتاب: «ما الملتجأ الذي إليه يفر العرب، وأمامهم الوحشية الإمبريالية والصهيونية، ومن ورائهم نار الأصولية؟ وإلى متى يظلون كائنات مسجونة في دواخلها وضائعة؟ ولماذا لا نستثمر الحرية الناعمة المتاحة لنا افتراضياً في امتلاك التفكير الحر والواعي؟ وهل يمكن لنا أن نتحرر من سباتنا مطوعين فكرنا ـ الذي شوشته دوائر الثقافة والإعلام المضادة عقوداً ليكون في خدمتنا، منتفضين على كل القيود التي كبلتنا وأرعبتنا حتى صرنا سجناء فيها بالوهم والتزييف وأسارى اليأس والخيبة؟ ومتى تعتلي شعوبنا العربية دفة حكم التاريخ؟ وأين الشجاعة والثبات والبطولة التي كانت عليها الأجيال السابقة لها؟ وما الذي ستدخره وتحفظه من خيبات وتنازلات للأجيال القادمة؟».


هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة