الروائي رشيد بوجدرة: ربما أنا الكاتب العربي الوحيد الذي يعيش من مردود رواياته

يتهيأ لإصدار روايته الجديدة «صقيع الربيع» باللغتين العربية والفرنسية

الروائي رشيد بوجدرة: ربما أنا الكاتب العربي الوحيد الذي يعيش من مردود رواياته
TT

الروائي رشيد بوجدرة: ربما أنا الكاتب العربي الوحيد الذي يعيش من مردود رواياته

الروائي رشيد بوجدرة: ربما أنا الكاتب العربي الوحيد الذي يعيش من مردود رواياته

* لا أتفق مع مصطلح «الربيع العربي» وأريد أن أؤكد هنا بأن هذا «الربيع» ضد العلمانية التي أؤمن بها أكثر من أي وقت مضى.

* بيعت من روايتي «ألف وعام من الحنين» نحو مليون نسخة، ومن «الحلزون العنيد» 500 ألف نسخة
* ترجمت رواياتي إلى 42 لغة، منها خمسة ملايين نسخة في اللغة الصينية

يتميز الكاتب والروائي الجزائري رشيد بوجدرة بطبعه الحساس والمزاجي، والحديث معه مثير للجدل على الدوام، مزدوج اللغة ولكن لا يمكن تصنيفه على أنه فرانكوفوني، وهو لا يحبذ هذا التوصيف، ولكن ذلك لم يمنعه من تناول القضايا العربية الساخنة في رواياته، وهو لا يتردد أن يقول عن نفسه بأنه الشيوعي الأخير في الجزائر.
على مدار 50 عاما، أصدر نحو ثلاثين عملا جرب فيها مختلف الأجناس الأدبية من قصة وشعر ورواية ومسرح ومراسلات ودراسات نقدية، وترجمت أعماله إلى 42 لغة عالمية، وهو يتحدث ثماني لغات من بينها اللغتان الأمازيغية واللاتينية القديمة، وقد ترجم بنفسه 18 عملا من أعماله. ومنذ باكورة أعماله «التطليق» (1969)، خلخل تقاليد الرواية الجزائرية، حيث احتل مكانته بعد جيل الرواد بجدراة.
كتب عن الاستعمار وقارع الممنوعات، ولا يكل ولا يمل من المشاكسة. لمحدودية المقروئية باللغة العربية والرقابة الاجتماعية والسياسية القوية في الستينات، لجأ إلى الكتابة باللغة الفرنسية دون أن ينسى اللغة العربية.
كان غاضبا كعادته عندما التقيت به في أبوظبي، وهو يردد:
- لا بد من إيجاد بديل للقوالب الفكرية الجامدة والمتكلسة التي تعيق عملية الإبداع في العالم العربي.
فقلت له:
* هل ما زلت «عنيدا» مثل «حلزونك» في إشارة إلى روايته الشهيرة «الحلزون العنيد» فقال لي، ضاحكا:
- طبعا بل أكثر عنادا، ألا ترى ما يحدث في العالم العربي؟

* هل تقصد الثورات؟
- إنني أعتبرها الخيبات. بالمناسبة، أنجزت حاليا رواية بعنوان «صقيع الربيع» عن هذه الثورات؟

* هل تشكك بهذه الثورات؟
- أجل إنني لا أتفق مع مصطلح «الربيع العربي»، وسوف أصدر روايتي «صقيع الربيع» باللغة العربية عن دار «برزخ» في الجزائر وباللغة الفرنسية عن دار «غراسيه» في فرنسا، وأريد أن أؤكد لك بأن الربيع العربي ضد العلمانية التي أؤمن بها أكثر من أي وقت مضى.

* ما الذي جعل الشعب ينزل إلى الشارع في كل من تونس ومصر وسوريا؟
- أعتقد أنها البطالة، وغياب حرية التعبير. إنني على ثقة إن هذه الثورات حققت بعض مساحة من الحرية، لكنها أخفقت، غير أنها ضرورية، لذلك فإن العالم العربي بحاجة إلى عدد من الثورات المتلاحقة من أجل التغيير.
* هل كتبت هذه الرواية باللغة الفرنسية، وهل عدت إلى العربية التي أصابت تسويق روايتك بالكساد كما قلت لي في حديث سابق؟
- بالاثنين. وأعتقد أن اللغة تقف على الحياد من كل شيء، وهي مجرد وعاء ووسيلة، ليست عودتي إلى الكتابة باللغة العربية نوعا من «العقوق» بل هي عودة إلى الجذور، كما يدل اسمي باللغة الأمازيغية (أبو الجذور). (ضاحكا). عدت إلى العربية بالغريزة، بعد أن كنت منذ عام 1969، قد بدأت الكتابة بالفرنسية. ومذاك شعرت بعقدة ذنب وحنين إلى العربية.. وطالما لازمني هذا الإحساس. «علاقتي بالعربية هي عشق صوفي يستولي على مشاعري وعواطفي. ولا شك أن انتقالي إلى الكتابة بها، أخيرا، عقب رحلة طويلة، هو نتيجة لضغوط نفسية أكابدها. وعندما أكتب بالفرنسية أعيش نوعا من العصاب.

* قلت ذات مرة إن اللغة العربية مقدسة؟
- هذا صحيح. وأعتبر القرآن الكريم هو أروع نص على الإطلاق، أما الرواية فهي متعة، بما تحتوي عليه من غموض يجعلها مختلفة عن النص السياسي الواضح، والالتباس هو الذي يمنح الرواية هذا العنصر الفني الذي يفتن القارئ، ويجعله يخرج من إطار حياته اليومية. لا أعتقد أن هناك أزمة هوية في العالم العربي، بل هناك أزمة سياسية لا أكثر.

* من الملاحظ أن أعمالك الأدبية التي تربو على ثلاثين عملا، تدور جميعها حول الجزائر، ألا حاولت الخروج من بلدك؟
- كلا. أبدا. لا يوجد لدي أي حماس عاطفي للكتابة عن أي شيء آخر سوى الجزائر. عندما أكتب عن الجزائر، فإنني أكتب عن الإنسان، وشخصياتي كونية، وموضوعاتي ترتبط بالتاريخ الكبير والتاريخي الحميمي معا، يمكن أن تمس أي قارئ مهما كان. إنني بهذا لا أقدم شهادة بل أروي القصص والحكايات، جوهر رواياتي، وأتحدث عن المصائر، والشخصيات المعذبة. بينما الشباب الجزائري في الوقت الحالي لا علاقة له بحرب الجزائر. ربما أزعجه جيلنا بالحديث عن الحرب والمقاومة. ولكن هذا الشباب وطني بطبيعته، تراه يرفع العلم الجزائري عندما يخوض مباراة في كرة القدم. وهذا الإهمال للتاريخ والماضي ليس خاصية الشباب الجزائري فقط، حتى الشباب الألماني لا يريد أن نتحدث له عن الحرب العالمية الثانية والنازية وهتلر.

* تعود في روايتك «فندق سان جورج» إلى الماضي بتفاصيله المتنوعة. ما سبب هذا الإصرار على الرجوع إلى صفحات التاريخ؟
- أود، بداية، الإشارة إلى أن هذا العمل هو أول رواياتي السردية، التي لا تحمل رسالة، لا يوجد فيها رأي سياسي أو اجتماعي، بل هي عبارة عن تراكم ذكريات وأحاسيس من الماضي. ففيها حاولت التطرق إلى «الآخر» بعد أن تناولت الثورة في روايتي «التفكك». وها أنا ذا أعود، مع هذه الرواية إلى أولئك المنسيين في الرواية الجزائرية، أي الفرنسيين المساندين للثورة التحريرية. كما أتناول ممارسات الجيش الفرنسي الوحشية ضد الثوار الجزائريين، عبر قصة فنان حولته الحرب إلى صانع توابيت في خدمة الجلادين.
* ما إشكاليات تذبذبك بين اللغتين العربية والفرنسية، سواء في هذه الرواية أو في رواياتك الأخرى، هل يمكن تفسير ذلك بشيء من التفصيل؟
- ربما أن «فندق سان جورج»، كان لها طعم خاص في السياق، كونها زادت ذخر حنيني واندفاعي للعودة إلى حضن لغتي الأم. لكن، لا بد أن ننظر إلى الأمور بسياق وماهية منصفين، إذ اخترت الفرنسية لغة لإبداعاتي في السابق، مكرها. ذلك أنني انقطعت عن الكتابة باللغة العربية في عام 1994، بعد أن رفضت روايتي «تيميمون» من طرف جميع دور النشر في الجزائر. كما رفضتها نظيرتها في بيروت، ومن بينها كبريات الدور. إنهم بذلك أعادوني مرغما، إلى اللغة الفرنسية. وأجبروني على الالتصاق بها. وأنا في موقفي وتوجهي عقبها، لم أقصد الانتقام من العربية. إذ لها مكانة خاصة عندي، وأفتخر بمسيرتي معها وفي ظلها. ولا تزال العربية لغة الأم بالنسبة لي، إنها لغة العشق بالمعنى التصوفي، ويربطني بها حنين قوي. إنني أحرص على الكتابة باللغة العربية، فهي لغة محدثة ومدهشة في تركيبتها، فأنا مبهور بها، رغم ما تحمله اللغة الفرنسية من جماليات، إلا أنني انطلاقا من موقف سياسي أحرص على الإبداع بالعربية، ذلك رغم أنني عشت فترة من الزمن، خارج الوطن. وأول رواية كتبتها بالعربية كانت سنة 1994 - 1995. ومنذ ذاك الوقت، بدأت فترة الإرهاب في الجزائر. وعقبها، كتبت رواية أخرى اسمها (الجنازة). ورفضها الناشرون الجزائريون، بمن فيهم القائمون على المؤسسات التابعة للدولة طبعا، لذا عدت إلى الكتابة بالفرنسية. وأنا عندي الآن، أربع روايات مكتوبة بالفرنسية. وبالنسبة للأخيرة بينها: «فندق سان جورج» ستكون ختام كتاباتي بالفرنسية، وأنا مرغم على تقديمها بالفرنسية، ذلك لأن عندي عقدا مع دار نشر فرنسية، والآن انتهى هذا العقد. وبذا سأعود للكتابة باللغة العربية.

* هل تؤمن بالكتابة الواقعية، أم إنك تنحو إلى الحداثة والتجريب. وأيهما ينطبق على روايتك الأخيرة؟
- موقفي واضح من هذه الواقعية. تطغى على أعمال نجيب محفوظ والطاهر وطار وإلياس خوري، وغيرهم مفهوم الواقعية. لكنني أتعمد إدخال الفنيات التي تعلمتها من الرواية الغربية الحديثة إلى أعمالي. وهذا ينطبق على رواية «فندق سان جورج». إني مع نهجي هذا، أريد توظيف لغة من شأنها أن تعمل على تحديث الرواية العربية. ولست أدري إذا كنت أقمت شرخا حقيقيا في الرواية العربية أم لا، ذلك بكسر الثالوث بطريقة كان لي مبرراتي ومبالغاتي فيها، فالكاتب العربي لا يتجرأ على فعل هذا، لأن عنده مشكلة مع الوعي، والصراحة والنزاهة. كنت ولا أزال أطمح إلى تكسير الذهنية ونمطية التفكير الذاتي.

* هل الرواية التي تكتبها يجب أن تتحلى بالطابع السياسي أو الاجتماعي؟
- لم أكتب يوما رواية سياسية ولا تاريخية، وبعد خمسين عاما من الكتابة أستطيع الفصل بين الأنا والـ«هو» والآخر. ما يهمني في نصي، هو الجانب الميتافيزيقي وليس الموضوع. وأنا أتمتع بثقافة مزدوجة تعطي قلمي شاعرية خاصة، على العكس من الفرنسيين الذين لا يتحدثون عن أسلافهم.. وأسلافي هم كثيرون، بدءا من ابن خلدون وأساتذة الزيتونة إلى تاريخنا الحديث. إن الأدب إحساس مرضي يدفع صاحبه إلى الكتابة وإلا الانتحار.

* كيف تصف تجربتك في كتابة السيناريو، وهل هو نوع آخر من كتابة الرواية؟
- عموما، يمكنني القول، إن كتابتي الروائية أصلا، هي سينمائية في طبيعتها. وكنت قد كتبت سيناريو وحوار فيلم «وقائع سنوات الجمر» المعروف، للمخرج محمد الأخضر حامينة، الذي حاز على السعفة الذهبية من المهرجان السينمائي كما تعلم، كما كتبت سيناريو فيلم «علي في بلاد السراب» للمخرج أحمد راشدي وغيرهما.

* هل تعتمد في عيشك على مردود أعمالك الأدبية؟
- إن الرواية تحظى بشعبية كبيرة في الوقت الحاضر. وربما أنا الكاتب العربي الوحيد الذي يعيش من مردود رواياته. إنني أكتب منذ 40 سنة. وقد بيعت من روايتي «ألف وعام من الحنين» نحو مليون نسخة. أما «الحلزون العنيد» فباعت 500 ألف نسخة. وترجمت رواياتي إلى 42 لغة، منها: خمسة ملايين نسخة في اللغة الصينية. وكتبت 30 كتابا، منها 20 رواية وثلاثة دواوين شعرية، وأربعة كتب نثرية ونقدية. كما وصل كتاب «خمس شذرات من الصحراء»، إلى عشرين طبعة، قام برسم لوحاته الفنان رشيد قريشي. ووصلت مبيعاته إلى 100 ألف نسخة. يجب أن أقول إن الإيرادات تصلني من دور النشر الفرنسية وترجماتها، لأنها تتابع هذا الشأن بدقة، بينما لا تهتم الدور العربية كثيرا بالتسويق.

* من هم الكتاب المجيدون الذين تكن لهم محبة خاصة في نظرك؟
- يمكنني القول: أدونيس وكاتب ياسين ومحمد خير الدين، حيث أعيد قراءة أعمالهم باستمرار، وخصوصا كتاب أدونيس «الثابت والمتحول» الذي أعتبره كتابا مرجعيا وأساسيا في الثقافة العربية.

سيرة

ولد الأديب الجزائري رشيد بوجدرة، عام 1941، في مدينة العين البيضاء. وهو خريج المدرسة الصادقية في تونس. تخرج في جامعة السوربون - قسم الفلسفة. عمل في التعليم وتقلد مناصب كثيرة، منها: أمين عام لرابطة حقوق الإنسان، أمين عام لاتحاد الكتاب الجزائريين. يكتب باللغتين، الفرنسية والعربية. وهو محاضر في كبريات الجامعات الغربية في اليابان والولايات المتحدة الأميركية. حائز على جوائز كثيرة، من إسبانيا وألمانيا وإيطاليا والولايات المتحدة الأميركية.

أعماله
وعلى مدى 50 عاما كتب 30 عملا من قصة، وشعر، وروايات، ومسرح، ومراسلات، ودراسات نقدية، منها 17 بالعربية: «التطليق» 1969 و«ألف عام من الحنين» و«الحلزون العنيد» 1977 و«الإنكار» 1972 و«تيميمون» 1990 التي تحمل اسم البلدة الصحراوية التي توارى فيها عن الأنظار لمدة سبع سنوات خشية على حياته من المتطرفين و«الجنازة» 2003، و«فندق سان جورج» 2007 عن اغتيال المقاوم عبان رمضان، ومانيفستو «فيس الكراهية» 1991 عن صراعه الطويل مع «الجبهة الإسلامية للإنقاذ»، و«فوضى الأشياء» 1991 و«شجر الصبار» 2010. ويتهيأ لإصدار روايته الجديدة «صقيع الربيع» باللغتين العربية والفرنسية.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».