مشروعية الدولة وغايتها بين الفكر السياسي.. الكلاسيكي والحداثي

ينطوي مفهومها على مفارقات فلسفية مهمة

مشروعية الدولة وغايتها بين الفكر السياسي.. الكلاسيكي والحداثي
TT

مشروعية الدولة وغايتها بين الفكر السياسي.. الكلاسيكي والحداثي

مشروعية الدولة وغايتها بين الفكر السياسي.. الكلاسيكي والحداثي

تعرّف «الدولة» بكونها مجموع المؤسسات القانونية والإدارية والعسكرية التي يتم إنشاؤها، من لدن جماعة من الناس، بموجب عقد مشترك، لغرض تنظيم حياتهم في الميادين والمجالات كافة، كما تحيل إلى مجال ترابي محدد، وتمثل هذه المؤسسات جهازًا يشرف على المجالات السياسية والاقتصادية والإدارية والعسكرية والاجتماعية. ومن ثم، فوجود الدولة رهين بتوفر مجموعة من الشروط الأساسية: الأرض، والسكان، والسلطة السياسية (القوانين، المؤسسات...)، وأن تعمل هذه الدولة على توفير وضمان الحقوق الأساسية لأفرادها (التعليم، الصحة، السكن والشغل...)، وحفظ الأمن والاستقرار. غير أن هذا الوجه الإيجابي للدولة قد لا يتجسد دائما على أرض الواقع، بل يمكن أن يصطدم فيه الأفراد بممارسات مخالفة لما هو مرجو من الدولة، فيكون الإنسان ضحية للعنف المنظم والظلم الاجتماعي والاقتصادي، والاستبداد الممارس من طرف الدولة نفسها. الأمر الذي يجعل مفهوم الدولة ينطوي على مفارقات فلسفية مهمة، إذ تتجاور فيه مفاهيم أخرى متقابلة وقيم متضادة (بين ادعائها لتحقيق الأمن وممارستها للعنف مثلا). من هنا، يمكن أن نطرح مجموعة من الإشكالات الفلسفية ونتساءل: ما الغاية من تأسيس الدولة؟ ومن أين تستمد مشروعيتها؟ وكيف جرى تبرير وجود الدولة من داخل تاريخ الفلسفة السياسية، الكلاسيكية والحديثة؟ وما الهدف من وجودها؟ هل هو تحقيق الأمن والاستقرار أم الهيمنة الطبقية واحتكار العنف؟
بالعودة إلى تاريخ الفلسفة اليونانية، نجد التفكير والاهتمام بالدولة حاضرًا لدى الفلاسفة اليونان. فقد حاول كل من أفلاطون وأرسطو التنظير لدولة مثالية قادرة على تجسيد الخير الأسمى. وفي هذا الصدد، نجد أفلاطون الذي دافع عن أن أساس الدولة الطبيعي يتجسد في وجود لا مساواة طبيعية بين الناس. فكما تنقسم النفس إلى ثلاث: نفس شهوانية، ونفس غضبية، ونفس عاقلة، ينقسم كذلك أفراد النوع الإنساني إلى فئات ثلاث: حرفيون وجنود وحكام. وما دامت وظيفة النفس العاقلة هي توجيه عمل النفس الشهوانية والنفس الغضبية بالشكل الذي يضمن الانسجام والتناغم في حياة الفرد، فإن وظيفة الحكام هي تدبير شؤون الحرفيين والجنود، وتوجيه عملهم نحو تحقيق الانسجام والتناغم في حياة الجماعة التي ينتمون إليها. فالعدالة كما يقول أفلاطون، في كتاب «الجمهورية»: «هي أن يؤدي كل فرد وظيفة واحدة هي تلك التي وهبته الطبيعة خير قدرة على أدائها». إن غاية الدولة عند أفلاطون هي تحقيق الانسجام والتناغم بين مكونات المجتمع. وهو تناغم لا يتحقق إلا بانصراف كل فئة إلى أداء المهمة التي هيأتها الطبيعة للقيام بها من دون التدخل في مهام الفئات الأخرى. فمن هيأته الطبيعة أن يكون حرفيًا، وزودته بما يلزم ذلك من مهارات وقدرات، فلا مفر له من أن يكون كذلك، وينجز ما يلزم من المهن والصنائع، ومن هيأته أن يكون محاربًا، فعليه أن يحمل السلاح ويقف بشجاعة ضد كل خطر يمكن أن يهدد المدينة/ الدولة Polis. ومن هيأته أن يكون حاكمًا، فعليه أن يتجه لتدبير شؤون الناس بفضيلة وحكمة وعدل. وهكذا نرى أن غاية الدولة ومشروعية وجودها تستمدها من الطبيعة البشرية، فهي من الأمور الطبيعية التي رافقت وجود البشرية التي تكون دائمًا في حاجة إلى من ينظمها.
في السياق نفسه، نجد الفيلسوف أرسطو، الذي ظل وفيًا لأفكار أفلاطون، على الرغم من بعض الانتقادات التي وجهها إلى فكره السياسي، فأرسطو أيضًا يؤكد على فكرة التراتبية واللامساواة الطبيعية بين الناس. بل يذهب أرسطو إلى أن هذا التراتب مقصود من طرف الطبيعة نفسها، التي «لا تفعل باطلا أبدًا». فكون الناس مختلفين ومتمايزين على مستوى المهارات والقدرات، يجعلهم في حاجة إلى بعضهم البعض، وبالضرورة ميالين إلى الألفة والاجتماع، لأن لا أحد منهم يستطيع أن يوفر بنفسه كل ما يحتاج إليه. لذلك كان الإنسان، حسب أرسطو، كائنًا مدنيًا بطبعه، أي كائنًا لا يستقيم وجوده إلا في مجتمع يتقاسم أفراده المهام والوظائف. وبهذا المعنى أيضًا، كانت الدولة من الأمور الطبيعية، أي من الأمور التي يقتضيها تحقيق الحاجات الطبيعية للإنسان، التي دونها لا يمكن أبدًا أن يتحقق. إن غاية الدولة عند أرسطو هي تحقيق الخير الأسمى، وهو سعادة الأفراد المكونين لها عبر تحقيق حاجاتهم الطبيعية من غذاء وسكن وأمن. بعد التحولات التي عرفتها أوروبا مع مطلع العصر الحديث، وبتأثير من الحركة الإنسية والتطورات الهائلة في مجال الفن والعلوم والعمارة، واكتشاف كروية الأرض، وعقم المنهج الأرسطي الذي قامت عليه المؤسسة الآمرة والحاكمة في أوروبا، وهي الكنيسة، سيستعيد التفكير في مفهوم الدولة أهميته، باعتباره موضوعا للتفكير الفلسفي والسياسي، حيث خاض رواد النهضة والتنوير، صراعا ضد النظرية الثيوقراطية، أو ما يسمى بنظرية الحق الإلهي، التي تفسر نشوء الدولة بفكرة دينية أو ما سمي بـ«حق الملوك المقدس». وتقوم هذه النظرية، على ضرورة تأليه الحاكم وعبادته وتقديسه، ولنا في مصر القديمة وروما مثال على ذلك. وستعرف هذه النظرية تطورًا على يد ملوك أوروبا في المرحلة الإقطاعية، إذ لم يعد ينظر للملك على أنه إله، بل إنه خليفة الله في الأرض. وهكذا رفض رواد النهضة الوصاية على الإنسان واعتباره قاصرًا يحتاج لمن يقوده ويملي عليه كيف يسلك ويتصرف. وفي هذا السياق، فكر أصحاب نظرية العقد الاجتماعي، أو المصنفين ضمنها، في مفهوم الدولة (هوبز/ لوك/ روسو)، حيث يرى أصحاب نظرية العقد الاجتماعي ويفترضون أن مشروعية الدولة وغايتها، تستمدهما من حالة الطبيعة التي كان الأفراد فيها يعيشون على الفطرة، أحرارا من دون أن يوجد ما يحد من حريتهم. لكن هذا النوع من الحرية أدى للفوضى والاضطراب. وهو ما جعلهم يفكرون في وسيلة للخروج من حياة الاضطراب والتطاحن، يعني أنهم فكروا في تأسيس حياة يسودها التنظيم والتوافق، فكانت الوسيلة هي العقد الاجتماعي كأساس للدولة التي يتنازلون لها عن جزء من حريتهم وحقوقهم. وعلى الرغم من أن رواد العقد الاجتماعي اتفقوا على تعريف العقد الاجتماعي وفرضية حالة الطبيعة، إلا أنهم يختلفون حول طبيعة العقد ومبرراته وغاية الدولة الناشئة، وكذلك حول تصورهم لحالة الطبيعة. فمثلا طوماس هوبز، يرى أن ظهور الدولة لم يكن طبيعيًا، بل هو «الثمرة الاصطناعية التي جاءت نتيجة ميثاق إرادي، ولحساب مصلحي»، لأن حالة الطبيعة هي حالة عنف وجور وتدمير وميل نحو الشر، الذي اعتبره هوبز، ميلاً طبيعيًا في الإنسان. فالإنسان لديه ميل طبيعي نحو العدوان والقوة. وهو ما يجعل الضعفاء ضحية لهذا المنطق. فحالة الطبيعة تطبعها الفوضى والعنف، «حرب الكل ضد الكل»، ما يحول دون قيام حياة اجتماعية آمنة ومستقرة. فيجد الإنسان نفسه أمام فقدان أهم ما لديه، وهو «البقاء على قيد الحياة». لذلك فكر الناس في بناء مجتمع سياسي يضع حدًا للحروب والعدوان والجور والظلم والتسلط، يستبدل بالعنف التكامل والتعاون. لذلك فكر المكونون للعقد بالتنازل عن كل سلطتهم وحقوقهم، لصالح رئيسهم/ راعيهم/ ملكهم، الذي سيتمتع بالسلطة المطلقة، لأنه لم يكن طرفًا في العقد وليس خاضعًا لأحد. وهكذا كانت الدولة هي التنظيم الجديد الذي قام من أجل ضمان أمنهم وتأمين سلامتهم. وفي هذا الصدد يقول هوبز، في كتابه «اللفيتان»، في النهاية، إن الدافع والهدف عند الذي يتخلى عن حقه أو يحوله، ليس إلا أمنه الشخصي في حياته وفي وسائل حفظ هذا الأمن».
إذا كانت غاية الدولة ومشروعيتها عند هوبز تستمدهما من ضمانها لأمن الناس وسلامتهم، نتيجة العقد الذي أقاموه وسلموا فيه كل حقوقهم لمن يجب طاعته والخضوع له، فإن جان جاك روسو، لم ير في الدولة أداة محافظة على أمن الناس وسلامتهم فقط، بل إن الدولة ليست غايتها الحفاظ على الأمن، بل غايتها بناء حياة اجتماعية، وتكوين مجتمع سياسي تقوم فيه الدولة بالمحافظة على حقوق الأفراد. فالدولة لا تقوم على احتكار الحاكم للسلط، بل على التعاون والتشارك والسيادة المطلقة للشعب عن طريق الإرادة العامة التي يعبر عنها في القوانين. وبالتالي تكون وظيفتها هي الحفاظ على حقوق المواطنين الذين لا يخضعون للحاكم داخل الدولة، بل يخضعون لسلطة القوانين التي ساهموا في وضعها. فالسيادة دائمة للشعب، وهذا ما يقصده روسو بقوله: «إن من يهب نفسه للجميع لا يهب نفسه لأحد»، فالدولة ليست كما تصور أصحاب النظرية الثيوقراطية أو هوبز متعالية على الإنسان بل هي وسيلة ضرورية لتحقيق أماني الإنسان ومطامحه، فهي توفر النظام والنفوذ الذي يحمي كل فرد من ظلم فرد آخر، إن مشروعية الدولة لا تستمدها عند روسو فقط من حالة الطبيعة، بل حالة الطبيعة حسب روسو هي حالة خيّرة، حالة سلم ووئام.
أما بالنسبة لاسبينوزا، فقد فكر في الدولة من منظور علماني مستفيدا من الصراع الديني الطاحن بين الكاثوليك والبروتستانت. فدافع عن دولة لا تنحصر وظيفتها في السيادة والتنظيم والتحكم، كما ذهب إلى ذلك هوبز. بل غاية الدولة عند اسبينوزا، تستمدها من قدرتها على تحرير الناس من الخوف، والعنف، والإرهاب الذي قد يمارسه المختلفون في التصورات والآراء والمعتقدات على بعضهم البعض بالقوة والعنف والإكراه. فالدولة حسب اسبينوزا، لا يجب أن تنحصر وظائفها في تطويع الناس والتحكم بهم، بل غايتها أسمى من ذلك، وهي تحرير أجسادهم وعقولهم لكي يفكروا بشكل حر في كل القضايا، استنادا إلى الحجج العقلانية وليس بالأسلحة والإرهاب والخوف. وفي هذا السياق يؤكد اسبينوزا، بعد أن حدد غاية الدولة، أن مشروعيتها يجب أن تنبع من مجموع الأفراد المكونين لها، الذين يكونون غير قادرين إن تركوا لذواتهم، على تدبير اختلافاتهم بالعقل والنقاش بعيدا عن الإكراه والقوة. لذلك، فإن قيام الدولة نابع من عدم قدرة المختلفين في الرأي والمعتقد، على تدبير اختلافاتهم، ودورها يتجسد في حماية الاختلاف والعمل على تكريسه. إن القيمة التاريخية لتصور اسبينوزا، تكمن في كونه غيّر من تصورنا للدولة، باعتبارها دولة سيادة وعنف مشروع إلى دولة راعية للاختلاف والحرية. وبالتالي، طالب اسبينوزا بضرورة فصل مجال الدولة على مجال الدين. فالدولة لا تدافع عن مذهب ديني ضد آخر. إنها تقف موقفا واحدا من جميع الأديان والمعتقدات، وتعمل على حماية الجميع، ورفض العنف. وفي هذا الصدد، يقول اسبينوزا: «إن الغاية من تأسيس الدولة ليس تحويل الموجودات العاقلة إلى حيوانات وآلات صماء، بل المقصود منها هو إتاحة الفرصة لأبدانهم وأذهانهم كي تقوم بوظائفها كاملة في أمان تام، بحيث يتسنى لهم أن يستخدموا عقولهم استخدامًا حرًا، من دون إشهار لأسلحة الحقد والغضب أو الخداع، وبحيث يتعاملون معًا دون ظلم أو إجحاف، فالحرية إذن هي الغاية الحقيقية من قيام الدولة».



حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.