أميركا وجماعة «الإخوان المسلمين»

بعدما صنفتهم مصر تنظيما إرهابيا.. هل تفعل الولايات المتحدة الشيء نفسه؟

أميركا وجماعة «الإخوان المسلمين»
TT

أميركا وجماعة «الإخوان المسلمين»

أميركا وجماعة «الإخوان المسلمين»

أعلنت الحكومة المصرية الانتقالية رسميا جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية في 25 ديسمبر (كانون الأول) 2013. وجاء القرار الذي مثل صدمة بالنسبة لمعظم مراقبي الشأن المصري، بعد أيام قليلة من عملية انتحارية نفذتها جماعة تطلق على نفسها اسم «أنصار بيت المقدس» – يعتقد أنها ذات صلات بالمسلحين الفلسطينيين في غزة - ضد مقر للشرطة بمنطقة الدلتا. وعلى الرغم من عدم وجود صلة بين الجماعتين، جاءت تلك العملية كالقشة التي قسمت ظهر البعير في أعقاب أشهر من الغضب الشعبي وحنق النظام ضد جماعة الإخوان نظرا للقيام بأعمال عنف والحث عليها.
منذ أن خلع الجيش المصري الرئيس السابق، عضو جماعة الإخوان، محمد مرسي، كانت البلاد ترزح تحت وطأة العنف والصراع الطائفي والاضطرابات. وكان الخطاب السائد والناجم عن ذلك المزيج الخطر – وإن كان هذا الخطاب نسجته بعناية أعلى نخبة بالجيش – هو خطاب الحرب على الإرهاب. وفي إطار هذا الخطاب، أصبحت جماعة الإخوان المسلمين العدو الأول للشعب، خاصة وأن النظام سلط الضوء على التصريحات التي أطلقها أعضاء بجماعة الإخوان في أعقاب الانقلاب تعهدوا فيها بالاستشهاد دفاعا عن قضيتهم.

* استعادة الوضع الأميركي في مصر
* تجد الولايات المتحدة الآن نفسها في موقف ملتبس حيث يجب عليها السير بحذر وسط أرض تعج بالألغام الأرضية. وعلى الرغم من هذا الخطر، تحاول أميركا مرة أخرى أن تستعيد وضعها في مصر؛ وذلك حيث إن العلاقات الثنائية التي كانت من قبل تمثل حجر الأساس في بنية التحالف الأميركي في المنطقة كانت قد بدأت تشهد تراجعا سريعا بعدما أنتج ميدان التحرير ثورة 25 يناير (كانون الثاني). فعلى الرغم من أن الدعم الأميركي لمصر كان قد صمد أمام العديد من التغيرات في السنوات السابقة، فإنه لم يخرج منها دون أضرار، إذ ساهمت العديد من العوامل في تراجع العلاقات الأميركية - المصرية؛ يتداعى اثنان منها على وجه الخصوص إلى الأذهان حاليا. أولا، طبيعة السياسة الخارجية الأميركية تجاه مصر والمعتمدة على رد الفعل والتي كان العديد منا يرى أنها تأتي متأخرة باستمرار خطوتين عن تطور الأحداث على الأرض كما أنها لم تكن تتوافق دائما مع لب المصالح الأميركية وهو ما ساعد على احتقان العلاقات. وثانيا، تعرض ذلك التحالف للاضطرابات إثر تغير الأوضاع السريع في مصر، فبعدما كان مبارك في القمة هبط منها في غمضة عين، وبعدما كانت جماعة الإخوان المسلمين تحظى بأغلبية أصوات الناخبين؛ حيث حصلت على 51.7 في المائة من الأصوات في صندوق الاقتراع، اتهمت في اليوم التالي بأنها تحاول بناء ديكتاتورية إسلامية جديدة. وقد دفعت هذه التغيرات الرئيسة في القيادة الولايات المتحدة للتساؤل عما إذا كان التحالف مع مصر يمكن إنقاذه أم لا وما تكلفة إنقاذه.
وفي هذا السياق، يجب علينا فحص السؤال بشأن ما إذا كانت الولايات المتحدة سوف تؤيد قرار الحكومة المصرية بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية، والأهم من ذلك: هل تحذو حذوها. بغض النظر عن انعدام الثقة المتبادل بين الحلفاء، يجب أن نأخذ في اعتبارنا المشهد الحالي في المنطقة، وذلك حيث إن انتباه الولايات المتحدة كان مشتتا في العديد من القضايا؛ تحديدا إيران وسوريا والمشروع التاريخي لوزير الخارجية الأميركي جون كيري – مفاوضات السلام الإسرائيلية الفلسطينية - مما جعلها تبدو أكثر انشغالا من أن تولي اهتماما لمصر ناهيك عن أن تتخذ موقفا واضحا بشأن قرارها بتصنيف جماعة الإخوان كجماعة إرهابية. كما أن هناك دليلا على أن تقديم الولايات المتحدة الدعم لهذا القرار في هذه اللحظة لن يكون في مصلحة الولايات المتحدة في هذه المرحلة وهو ما سأشرحه لاحقا.
على أية حال، لم يمض قرار الحكومة المصرية بتصنيف الجماعة كجماعة إرهابية تماما دون أن يلفت الأنظار في واشنطن. ومع ذلك، فإن التصريح الرسمي الوحيد حول ذلك القرار جاء من المتحدثة باسم الخارجية الأميركية التي قرأت بعناية تصريحا معدا مسبقا يتمحور حول تداعيات مثل تلك الخطوة على الحريات التي يكفلها القانون للأميركيين وليس للمصريين، فيقول التصريح:
«نحن قلقون بشأن تصنيف الحكومة المصرية الانتقالية في 25 ديسمبر (كانون الأول) الماضي لجماعة الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية، بالإضافة إلى استمرار حملات اعتقال واحتجاز المتظاهرين السلميين ومنظمات المجتمع المدني والنشطاء السياسيين. وما زلنا قلقين بعمق بشأن الاعتقالات والاحتجازات والاتهامات بدوافع سياسية في مصر. وكما قلنا، تثير هذه الأفعال التساؤلات حول تطبيق القانون بعدالة ودون انحياز، كما أنها لن تمضي قدما بالعملية الانتقالية».
وعلى الرغم من أن الرئيس الأميركي باراك أوباما لم يدل بأية تصريحات حول تلك القضية حتى الآن، أعرب وزير الخارجية جون كيري عن مخاوفه في مكالمة هاتفية مع نظيره المصري، وزير الخارجية نبيل فهمي قبل ذلك بأربعة أيام. وكان لهذه المكالمة هدفان: التعبير عن عزاء كيري الصادق للحكومة المصرية وأسر ضحايا الهجوم الإرهابي الذي استهدف مديرية أمن الدقهلية في المنصورة وللتأكيد على حاجة مصر إلى إقامة عملية سلام شاملة تحترم حقوق الإنسان الأساسية وتضمنها لكافة المواطنين، بالإضافة إلى الحاجة لتحقيق الاستقرار السياسي والتغير الديمقراطي.
وبالمثل، اتصل وزير الدفاع تشاك هيغل بوزير الدفاع المصري، عبد الفتاح السيسي قبل يوم من تصريح وزارة الخارجية، مقدما تعازيه ومناقشا ما وصفه وزير الدفاع بـ«التوازن بين الأمن والحرية». ولهذه المحادثة أهمية خاصة أخذا في الاعتبار أن قدرا كبيرا من العلاقات الثنائية بين البلدين كان يعتمد على هذين الرجلين وليس على الفرق الدبلوماسية التي أوكلتها الدولتان لهذه المهمة. ومع ذلك، لم يقم أي من كيري أو هيغل بذم أو امتداح ذلك التصنيف. ويبدو أن عدم وجود رد فعل رسمي يعكس إلى حد ما رغبة في التقليل من شأن القضية.

* الولايات المتحدة اختارت عدم الانحياز

* وفي الحقيقة، حدد أوباما هذا المسار بنفسه قبل عدة شهور أثناء الكلمة التي ألقاها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عندما قال مباشرة إنه يعتزم عدم الانحياز لأحد الأطراف، مؤكدا أن كلا من الرئيس المعزول محمد مرسي والحكومة الانتقالية يحكمان بأسلوب قمعي ولا يتضمن كافة الأطياف، مضيفا: «لقد اختارت الولايات المتحدة عدم الانحياز لأي من الأطراف»، مؤكدا أن أميركا سوف تتوقف عن لعب دور الوسيط في السياسات الداخلية المصرية لكي تتمكن من تحقيق أهداف أكثر تحديدا».
وأكد أوباما أن الولايات المتحدة: «سوف تستمر في مضيها قدما في الحفاظ على علاقات بناءة مع الحكومة الانتقالية فيما تدعم المصالح الرئيسة مثل اتفاقيات كامب ديفيد ومكافحة الإرهاب». كما قدم أوباما تفسيرا إضافيا لهذا التصريح قائلا: «سوف تعمل الولايات المتحدة في بعض الأحيان مع حكومات لا تلبي، على الأقل من وجهة نظرنا، أعلى المعايير الدولية، ولكنها تعمل معنا في مضمار مصالحنا الجوهرية ولكننا في الوقت نفسه لن نكف عن التأكيد على المبادئ التي تتفق مع المثل التي نؤمن بها سواء كان ذلك يعني معارضة استخدام العنف كوسيلة لقمع المعارضة أو دعم المبادئ المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان».
وباختصار، أوضح الرئيس أنه على الرغم من أنه والشعب الأميركي يتمنيان الديمقراطية والحرية للشعب المصري فإن المصالح الرئيسة مثل الوصول إلى قناة السويس والتعاون بشأن مكافحة الإرهاب والحفاظ على اتفاقيات كامب ديفيد هي الخط العام للسياسة الأميركية.

* التصنيف أو عدم التصنيف
* تساءل كثير في مصر والولايات المتحدة عما إذا كانت الولايات المتحدة سوف تدعم قرار مصر بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية، وهل ستتخذ الولايات المتحدة نفسها خطوة مماثلة؟ وربما يرى البعض في العالم العربي التردد الأميركي في تصنيف جماعة الإخوان كجماعة إرهابية كدليل على تأييدها الضمني للجماعة مستدعيا إلى الأذهان خطاب أوباما في القاهرة في 2009.
ومن جهة أخرى، هناك آخرون من ذوي الميول الإسلامية الذين يقولون إن قيادات الجيش المصري لا يمكنها توجيه مثل تلك الضربة للجماعة إلا بمباركة صريحة من واشنطن. ويقر أوباما بهذه الاتهامات المستمرة والمتناقضة في الخطاب الذي ألقاه بالأمم المتحدة قائلا: «لقد تعرضت أميركا للهجوم من قبل كافة أطراف النزاع الداخلي، حيث اتهمت في الوقت نفسه بدعم الإخوان المسلمين وبتدبير إبعادهم عن السلطة». ومع ذلك، فإن الحقيقة أبسط من هذه الخيالات الجامحة.
ويصف هذه الحقيقة البسيطة كل من دانيال بينجامين الذي عمل كخبير في مكافحة الإرهاب بوزارة الخارجية الأميركية في الفترة من 2009 إلى 2012 وستيفن سيمون المسؤول عن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في الفترة 2011 - 2012 باختصار في مقالهما الذي نشر بصحيفة «نيويورك تايمز» حيث يقولان: «لقد راقب القادة الأميركيون والأوروبيون عملية القمع بقدر من الانفصال نظرا لأنهم ليست لديهم أدوات للتأثير على قرار الجيش بالإضافة إلى أن النزاع يبدو نزاعا داخليا».
ويحتاج هذا المنطق الأخير الذي جاء أيضا في تصريح أوباما (لقد اختارت الولايات المتحدة تجنب الانحياز لأحد الأطراف)، بعض التفسير، فمما لا شك فيه أن كافة الدول تتمتع بالاستقلال، وباستثناء حالات خاصة محددة عادة ما تتعامل تلك الدول مع العنف المتفشي لديها والاضطرابات كما ترى هي. وعلى الرغم من أن أميركا كانت واضحة تماما عندما ارتأت السياسات المصرية كارثية ولكن التوبيخ اللفظي لم يكن من الممكن أن يعمل في النهاية كرادع حقيقي للسلوكيات المصرية. وعلى نفس المنوال، فإن الولايات المتحدة لا تفترض أنها إذا صنفت مجموعة محددة كجماعة إرهابية، فإنه يصبح على جميع حلفائها أن يحذوا حذوها أو حتى يوافقوا على القرار. فقد لجأت الحكومة الانتقالية المصرية لهذا الإجراء للحد من تهديد ما وإقصاء منافس، مما يجعل القضية قضية داخلية تماما.

* أدوات محدودة للتأثير على الجيش المصري
* ومن جهة أخرى، يحتاج العامل الأول من بين العاملين (عدم وجود نفوذ للتأثير على الجيش المصري) إلى الكثير من الشرح. كيف حدث ذلك، كيف تراجع التحالف بين الولايات المتحدة الأميركية وجمهورية مصر العربية إلى الحد الذي يجعل الولايات المتحدة لا تمتلك سوى أدوات محدودة للتأثير على الجيش؟ هناك ثلاثة أسباب رئيسة: نظرية المؤامرة، وسياسة رد الفعل، والمال.
لقد تراجعت الثقة بين الزعماء المصريين والأميركيين بسبب الشكوك بشأن مشاركة الولايات المتحدة في وضع جماعة الإخوان على رأس السلطة في مصر والاستمرار في تأييدها حتى اليوم. وهذا غير صحيح ببساطة ولا يحتاج أن نهدر الوقت في محاولة تفنيده.
أما عن سياسة رد الفعل، فعلى الرغم من أنها جرى ذكرها من قبل فإنني سوف أشرحها بالتفصيل هنا. ففي إطار محاولاتها للبقاء وفية لحليفها الدائم – في إشارة إلى مصر ولكن إذا أردنا الوصول إلى حقائق الأمور فإن المقصود هو الجيش المصري - أعطت الولايات المتحدة انطباعا بأنها متغيرة ولا يمكن الوثوق بها. فسرعان ما تحول الدعم الأميركي طويل المدى لمبارك إلى دعم لمن خلعه بعد عدة أيام من اندلاع الثورة. وعلى الرغم من أن الدعم الأميركي اللاحق للمجلس الأعلى للقوات المسلحة والانتقال للحكم المدني كان مفهوما، فإنه لم يدم طويلا. وبعدها جاء التأييد الأميركي للانتخابات المصرية الذي تحول على نحو مثير للسخرية إلى تأييد مزعج لمرشح الإخوان المنتخب، محمد مرسي. وسرعان ما تراجعت تلك الحقيقة الجديدة أمام التأييد الأميركي الضمني لخلعه في أعقاب المطالب الشعبية بذلك. وجاءت نهاية ذلك الدعم الذي بدا لا نهائيا للعبة الكراسي الموسيقية المصرية في صورة التأييد الأميركي لسيطرة وزير الدفاع المصري عبد الفتاح السيسي على الأمور وإعادة تنظيمها. ولكن الولايات المتحدة اضطرت في النهاية أن تتخذ موقفا عندما استخدمت قوات الأمن وسائل عنيفة لإعادة فرض الأمن. ودفعت درجة العنف وإراقة الدماء الطائفية العديدين في الولايات المتحدة للتوقف والتساؤل حول ما إذا كان خلع مرسي يمثل انقلابا وهو ما يوجب على الولايات المتحدة قانونا أن تقطع المساعدات المقدمة لمصر أم لا.
وقد خيب هذا النوع المستمر من الدعم الأميركي أمل العديدين في الولايات المتحدة تجاه مصر برمتها، وتصاعدت أصوات الدعوات المطالبة بسحب المساعدات الأميركية التي تقدم إلى البلاد المتعثرة. وعلى الصعيد المصري، بدأت أزمة الثقة العميقة تظهر داخل كافة المعسكرات المتصارعة بالاعتماد على فكرة بسيطة وهي إذا ما كان الأميركيون «يدعمونهم» فكيف يمكن أن «يدعمونا». ولم تعمل بعض الانتقادات الخليجية المتعلقة بأن أميركا تخلت عن مبارك بسرعة فائقة ونظريات المؤامرة حول التحالف الأميركي مع الإخوان إلا على تصعيد الأزمة. وفي الوقت نفسه، ما زال الأكاديميون وصناع السياسة في واشنطن ينتقدون إدارة أوباما لافتقارها أي نوع من السياسة الرسمية تجاه مصر ويدعون الإدارة إلى سرعة وضع سياسة متماسكة ومنطقية تجاهها.
ويتعلق السبب الأخير لتراجع النفوذ الأميركي في مصر بالمال أو على نحو أكثر تحديدا بتعليق صفقة المساعدات الأميركية وبصفقة المساعدات الخليجية (الأكبر حجما والمجانية). فكنتيجة لاتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية 1979، بدأت الولايات المتحدة تقديم مساعدات عسكرية واقتصادية سنوية تقدر بمليارات الدولارات إلى مصر.
هذا بالإضافة إلى التدريب والتبادل العسكري، الذي مثل عصب العلاقة الأميركية - المصرية التي استمرت لثلاثة عقود. ومع الوقت، أصبح ينظر إلى تلك الأموال ليس كمدفوعات للحفاظ على اتفاقية كامب ديفيد فقط ولكن كذلك للحفاظ على عدد من القضايا المشتركة الأخرى. ومنذ سقوط مبارك، دعا بعض المصريين إلى رفض «الرشوة الأميركية». وبالمثل، دفع خلع محمد مرسي العديد من أعضاء الكونغرس الغاضبين إلى الإصرار على تعليق المساعدات الأميركية تطبيقا للقانون الأميركي. وفي النهاية، نجح الكونغرس في تحقيق مراده وقلصت الولايات المتحدة جزءا من صفقة المساعدات المقدمة لمصر والتي تصل إلى 1.55 مليار دولار أميركي في أكتوبر (تشرين الأول) 2013 ضمن عدد من الإجراءات العقابية الأخرى.
وقد كان لهذه الخطوة تأثير تنبأ به العديدون بمن فيهم أنا شخصيا؛ فلم يسفر فقط القرار عن زيادة التوتر في العلاقات بين الإدارة الأميركية والنظام العسكري المصري، ولكنه جاء أيضا متأخرا مما جعله يفتقر إلى الأثر المرجو منه وهو تحجيم الحملة القمعية التي يشنها النظام ضد جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من عناصر المعارضة في البلاد. ومن جهة أخرى، تعهدت المملكة العربية السعودية والإمارات والكويت بمساعدة مصر ماليا بعد الموقف الأميركي بما يقدر بنحو 12 مليار دولار، وهي الصفقة التي قزمت من الصفقة الأميركية، كما أنها تأتي دون أية شروط وجعلت زعماء الخليج يحصلون على انتباه الجيش المصري، وأصبحت الولايات المتحدة تقف في الصف انتظارا لدورها في لفت الانتباه. والأهم من ذلك هو أنه لم يكن العرب فقط هم من رحبوا بملء الفراغ الذي خلفته أميركا، بل بدأت روسيا أخيرا التفاوض على أكبر صفقة سلاح مع مصر منذ الحرب الباردة. وعلى الرغم من أن قدرة مصر على سداد كلفة مثل تلك الصفقة الضخمة محل تساؤل ومن ثم فربما لا تتم الصفقة من الأساس، فإن ذلك التطور يعكس أن الولايات المتحدة لا تحتفظ بنفس القدر من النفوذ الذي كانت تمتلكه في الأيام الأولى من عام 2011.
وقد بدأت بالفعل تداعيات تراجع الدور الأميركي في الظهور. فعلى سبيل المثال، قبل فترة وجيزة من تصنيفها كجماعة إرهابية، رفضت النخبة الحاكمة في مصر اختيار وزير الخارجية الأميركي للسفير الأميركي في مصر (روبرت فورد) الذي كان يعمل حتى وقت قريب سفيرا أميركيا في سوريا دون أن يقيم بها. ومن الواضح، أن النظام العسكري المصري رفض ترشح فورد نظرا لدعمه للمظاهرات المناهضة للأسد في الأيام الأولى للانتفاضة السورية (قبل أن يهيمن عليها الإسلاميون) واستعداده لاحقا للتفاوض مع المسلحين الإسلاميين في سوريا. ومن الواضح أن تأييد خلع نظام عسكري ودعم العديد من الإسلاميين في العديد من أنحاء المنطقة كان يعد خطا أحمر في المنطقة في تلك اللحظة. وما زال المنصب خاويا حتى هذه اللحظة نظرا للسحب المفاجئ للسفيرة الأميركية السابقة إلى مصر آن باترسون في أعقاب المزاعم المتعلقة بعلاقتها الوثيقة بمرسي وجماعة الإخوان بعد استيلاء الجيش المصري على السلطة.
ويأتي خلو المنصب في الوقت الذي يحتاج فيه كلا البلدين لاستخدام وسيط ماهر للمساعدة على إعادة العلاقات لمسارها الصحيح. وتفسر ميشيل دون، الباحثة بمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي والعضو المؤسس لفريق عمل بشأن مصر – مبادرة غير حزبية تتضمن أكثر من عشرة من الأكاديميين والخبراء في الشأن المصري والسياسة الخارجية الأميركية - ذلك بأن منصب السفير يأتي كأحد أعراض الافتقار إلى الجدية في البيت الأبيض بشأن السياسة الخارجية. فعلى الرغم من أن معظم الاتصالات بين البلدين كانت تجري مباشرة بين هيغل والسيسي، فمن الحماقة ألا يكون هناك سفير أميركي في مصر.
وفي ضوء العوامل التي ذكرت مسبقا والتي تحد من القدرة الأميركية على دفع التغيير في مصر، ليست هناك خيارات جيدة أمام الولايات المتحدة حاليا. ويشير دانييل بينجامين وستيفن سيمون إلى أن الولايات المتحدة تواجه حاليا احتمالية أن تخسر المزيد من النفوذ. حيث يقولان إن «الولايات المتحدة سوف تصبح في وضع يماثل ما كانت عليه أيام حكم مبارك الذي امتد لثلاثة عقود حيث تتعاون من كثب على مكافحة الإرهاب فيما تحاول الضغط من أجل الحريات».

* مواجهة العدو المشترك أم تحويله إلى راديكالي
* ومع ذلك فهناك أصوات ترغب في أن تقف الولايات المتحدة «إلى جانب مصر» وتعلن جماعة الإخوان جماعة إرهابية، سواء لأنهم يؤمنون بأنها كذلك أو كوسيلة لإصلاح العلاقات الثنائية، بالإضافة إلى وجود حملات شنها أناس عاديون قد قدمت التماسا للرئيس أوباما أن يصنف الإخوان كمنظمة إرهابية أجنبية. وقد حصل أحد تلك الالتماسات على أكثر من 200 ألف توقيع رغم أن البيت الأبيض لم يرد رسميا على هذا الالتماس حتى الآن.
وعلى الرغم من أنه من المستبعد أن يجبر مثل هذا الالتماس الإدارة الأميركية على اتخاذ قرار، فهناك مناصرون أقوياء لتصنيف الجماعة كجماعة إرهابية أجنبية في واشنطن وسوف يبذلون مساعي من أجل ذلك.
ومن جهة أخرى، هناك بعض النواب الجمهوريين مثل ستيفن كينغ ولوي جوهميرت وميشال باكمان الذين أعربوا بوضوح عن دعمهم للجيش المصري وإدانتهم لجماعة الإخوان المسلمين. ففي زيارة إلى مصر في سبتمبر (أيلول) الماضي، أدلى الثلاثة بالعديد من التصريحات المثيرة للجدل والمؤيدة لمقاربة الجيش العنيفة تجاه الإخوان معربين عن إيمانهم بوجود عدو مشترك وهو الإرهابيون الذين ظهروا مؤخرا على هيئة الإخوان المسلمين. وبالنسبة لباكمان فالأمر أبسط من ذلك: «ليس لدينا خيار. فيجب هزيمتهم».
ومن ثم لا يصبح مفاجئا أن تكتب باكمان قبل أيام من تصنيف مصر للجماعة مقالا في صحيفة مصرية يومية مؤيدة للقرار المتوقع. ففي المقال كتبت باكمان: «إذا ما كان قرار الحكومة الانتقالية المصرية أن تصنف جماعة الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية فيجب أن تحذو الولايات المتحدة حذوها. مضيفة أن القرار يعد ذا ضرورة قصوى وينبع من تاريخ الجماعة الطويل من الإرهاب الذي جرى تجاهله لمدة طويلة».
على أية حال، هناك ثلاث قضايا رئيسة تمنع الولايات المتحدة من الانضمام لمصر في حملتها ضد جماعة الإخوان المسلمين. أولا أن مصر لم تتخذ أي إجراء رسمي أو قانوني تجاه هذا التصنيف حيث إن هذا الإعلان لم يتجاوز الإدانة اللفظية. وثانيا، سيكون اتباع الولايات المتحدة لموقف مصر موقفا متسرعا، خاصة وأن مصر كانت تشهد تغيرات سريعة خلال الفترة الماضية. وثالثا، أظهر نظام الجيش في مصر بوضوح منذ يوليو (تموز) الماضي أن أفعاله ليست أقل عنفا من تلك التي تقترفها جماعة الإخوان المسلمين. فخلال الأشهر السبعة الماضية، قتل النظام ما يزيد على 1100 شخص وسجن الآلاف لمدة لا يعرف أحد مداها وفقا للمحامين الذين يطالبون المحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق.
وفي الحقيقة، أصبح الوضع في مصر أقل استقرارا الآن مما كان عليه في يوليو نظرا للتفجيرات اليومية والاقتصاد المتعثر. ويقول بعض المحللين إن الولايات المتحدة سوف تخاطر إذا ما ألقت بثقلها على قيادة لم تثبت حتى الآن أنها باقية في السلطة. بالإضافة إلى أن العديدين في واشنطن قلقون بشأن احتمالية أن يخلق سلوك الجيش إرهابيين بدلا من أن يحاربهم.
ويحذر كل من دانييل بينجامين وستيفن سيمون من أن هذا المنحى ضد الإخوان «ربما يتضح لاحقا أنه كان خطأ فادحا وهو الدرس المستفاد من التاريخ: حيث دائما كان مزيج القمع والإقصاء السياسي يدفع إلى نشأة الجماعات الراديكالية». ويضيف الباحثان أن «الحرب ضد الإخوان سوف تجعل العنف هو الخيار العقلاني الوحيد أمام من لم ينخرطوا بالفعل فيه».
ويضيف إريك تريغر، زميل إيثر واغنر بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى وصوت مؤثر في السياسة الأميركية تجاه جماعة الإخوان أنه في ظل حملة الاعتقالات وحل الجماعة وتصنيفها جماعة إرهابية «وهي الجماعة التي تعد أكثر الجماعات الإسلامية تماسكا في مصر.. حول الجنرالات مئات الآلاف من جماعة الإخوان المسلمين إلى راديكاليين لن يصغوا بعد ذلك إلى قياداتهم الأكثر حذرا».
وإذا ما أعدت قراءة تصريحات كيري وهيغل الحذرة في ظل تلك الخلفية سوف تبدو أكثر منطقية. وفى المحصلة، بدلا من أن تهدر الأصوات العاقلة في واشنطن طاقتها في الجدل بشأن ما إذا كانت جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية أم لا، فإنها يجب أن تضغط للتنمية على المستوى البعيد ووضع سياسة أميركية مستدامة صوب مصر. ولتحقيق مثل تلك السياسة، سوف يحتاج البيت الأبيض لأن يولي اهتماما بصديقه السابق على الرغم من ضغط الآخرين سواء في الداخل أو الخارج؛ حيث تقتضي المصالح الأميركية الرئيسة في المنطقة ذلك. وكما يقول ميشال دون: «إذا ما كانت الولايات المتحدة ترغب في أن تصبح مصر شريكا أمنيا مستقرا وشريكا مستقرا في عملية السلام فيجب أن تهتم بما يحدث حاليا في مصر».
* مديرة برنامج الشرق الأوسط في معهد أبحاث السياسة الخارجية في فيلادلفيا



الخان الأحمر... الخيمة الأخيرة في معركة «القدس الكبرى»

TT

الخان الأحمر... الخيمة الأخيرة في معركة «القدس الكبرى»

مساكن فلسطينية في «الخان الأحمر» قرب أريحا بالضفة الغربية المحتلة في مايو 2026 (رويترز)
مساكن فلسطينية في «الخان الأحمر» قرب أريحا بالضفة الغربية المحتلة في مايو 2026 (رويترز)

في الطريق إلى التجمع البدوي الفقير «الخان الأحمر»، في قلب الضفة الغربية، تحتل مستوطنة «معاليه أدوميم» الإسرائيلية الفاخرة، مساحة واسعة وعالية ومطلة، لم تعد تكتفي بها حكومة اليمين المتطرف اليوم، التي تخطط لضم الكل (المعالي والخان وما حولهما) للقدس، ضمن مشروع «E1» المثير للجدل، والذي يهدف من بين أشياء أخرى إلى تحقيق حلم القدس الكبرى، الخطوة الأهم في خطة تغيير وجه الضفة الغربية، عبر شقها بحزام استيطاني، يعزز حضور المستوطنين والمستوطنات في دولة المستوطنين الجديدة، وينهي حلم الدولة الفلسطينية القابلة للتواصل، ويعزل القدس، العاصمة المرجوة، عنها.

لم يواجه أي أحد في الضفة الغربية أوامر وتهديدات بالهدم أكثر من سكان الخان الأحمر الذي يجد نفسه اليوم في معركة أكبر منه، وقد خاضوا خلال سنوات طويلة جداً معارك قانونية عدة، واشتباكات على الأرض، متمسكين بأرضهم وخيامهم، وواثقين من الانتصار، ثقة لم يبددها سوى الهجوم الإسرائيلي الشرس والشامل على كل ما هو فلسطيني، منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول).

تجمع «الخان الأحمر» في قلب الضفة الغربية (المركز الإسرائيلي غير الحكومي للمعلومات عن حقوق الإنسان - بتسيلم)

«الوضع غير»

كانت أجواء التوتر حاضرة في الخان بعد أيام من قرار سموتريتش، ولم يجد رئيس المجلس البدوي عيد الجهالين (أبو خميس) إجابات واضحة لمئات من المكالمات والرسائل وأسئلة الصحافيين والنشطاء الذين حضر بعضهم إلى المنطقة في محاولة لتوثيق ما يدور داخل وحول الخيام المؤقتة والمنشآت، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه لا يعرف ماذا سيحدث بالضبط.

كان أبو خميس الذي يتحدث لغات عدة بينها الإنجليزية والعبرية، يجهد من أجل إيصال رسالة واحدة بأن هدم هذا المكان البسيط والفقير، سيفتح الباب أمام المخطط الأخطر في الضفة «القدس الكبرى».

في خيمته المتواضعة من بين خيام أخرى يوجد كثير من الخرائط ودلة قهوة وعدد من الصحافيين والزوار والمتضامنين وبعثات أجنبية، وهو وضع قد اعتاد عليه مع كل تهديد إسرائيلي بهدم الخان، لكنه هذه المرة قلق أكثر من أي وقت مضى.

قال أبو خميس: «الوضع هذه المرة مختلف تماماً وخطير جداً... في عام 2018، كان الكل الفلسطيني معنا؛ كانت الحكومة والمجتمع المدني يبيتون هنا، كان عندي 5000 واحد. وكان الضغط الدولي حاضراً بقوة، وكانت قضيتنا تتصدر أجندة الشرق الأوسط. اليوم، الوضع غير».

وأوضح مخاوفه أن «إسرائيل بعد 7 أكتوبر تغولت وتحول الضفة إلى دولة مستوطنين. هذه حرب دولة ضدنا وليس مشكلة أفراد. في الضفة صار عنا ألف خان أحمر، قتل، وتهجير، وحرق يلتهم كل أنحاء الضفة الغربية، والجهد الفلسطيني مشتت. دولياً أيضا هناك حرب غزة، والحرب في لبنان، وحرب هرمز، العالم مشغول ومشتت كذلك. الحكومات تغيرت في أميركا وإسرائيل وأماكن أخرى. وأوضح أن الاحتلال يرى أن هذا هو الوقت المناسب».

وبالنسبة لأبو خميس فإن قرار سموتريتش الأخير «وُضع للتنفيذ الفعلي ولن يمنعه إلا ضغط دولي حقيقي».

وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش يحمل لوحة لمشروع استيطاني خلال مؤتمر صحافي قرب مستوطنة معاليه أدوميم بالضفة (أرشيفية - أ.ب)

أمر إخلاء وحرب معلنة

كان سموتريتش الذي يقود ما يعرفونه في إسرائيل بثورة لتغيير الوضع القائم في الضفة الغربية، وقّع الشهر الماضي، على أمر إخلاء «الخان الأحمر»، في «بداية حرب» أعلنها ضد السلطة الفلسطينية، التي اتهمها بأنها تقف خلف أمر اعتقال سري ضده أصدرته المحكمة الجنائية الدولية، التي كانت نفت الأمر في وقت سابق.

وقال سموتريتش في مؤتمر صحافي عقده منذ نحو 10 أيام، على خلفية التقارير التي تفيد بأن المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي أصدرت طلباً سرياً لإصدار مذكرة اعتقال بحقه: «الأيدي هي أيدي لاهاي، لكن الصوت هو صوت السلطة الفلسطينية؛ التنظيم الإرهابي الذي يُسمى خطأً بالسلطة الفلسطينية».

وادعى سموتريتش أن إصدار مذكرات اعتقال ضد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، وضده هو «إعلان حرب». وأردف قائلاً: «أمام إعلان الحرب سنرد بحرب شعواء. أنا لست يهودياً خاضعاً، لا. والسلطة الفلسطينية بدأت حرباً وستحصل على حرب. من اليوم، أي هدف اقتصادي أو غيره يقع ضمن صلاحياتي بصفتي وزيراً للمالية ووزيرا في وزارة الدفاع ويمكنني الإضرار به، سيتم مهاجمته. لن تكون هناك أقوال وشعارات، بل أفعال».

وأضاف: «أعلن هنا عن الهدف الأول. فور انتهائي من الحديث هنا سأوقع على أمر لإخلاء (خان الأحمر) بموجب صلاحياتي كوزير في وزارة الدفاع. أعد جميع أعدائنا: هذه ليست سوى البداية».

وفوراً وقع سموتريتش قرار إخلاء الخان الأحمر، وطلب في قراره «اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة» لهدمه.

لقطة عامة تُظهر مستوطنة أفرات الإسرائيلية في تجمع غوش عتصيون بينما تظهر مدينة بيت لحم في الخلفية بالضفة الغربية (رويترز)

لا يمكن اعتبار قرار هدم الخان إلا جزءاً من حملة يقودها سموتريتش منذ سنوات ضد الفلسطينيين، في الضفة الغربية شملت السيطرة على أراض واسعة وتغيير قوانين متعلقة بالسيطرة والملكيات وإجراءات تسجيل الأراضي وحيازة العقارات، وحتى في الصلاحيات المتعلقة بإنفاذ القانون، إلى جانب عمله الدؤوب على إضعاف وتفكيك السلطة الفلسطينية، وتحويل الضفة إلى دولة مستوطنين عبر دفع مخططات استيطانية كبيرة وإطلاق يد المستوطنين في المنطقة.

لكن أهمية الخان الأحمر استثنائية؛ لأنه يشكل عقبة رئيسية لتنفيذ مشروع «إي 1» الاستيطاني الضخم الذي يقوم على تشبيك مخيف لمجموعة من المستوطنات الإسرائيلية الضخمة المحيطة، مع القدس، مشكلة القدس الكبرى.

ستربط الخطة مدينة القدس بمستوطنة «معاليه أدوميم» الضخمة وسط الضفة، بطريقة قالت منظمة «بتسليم» الإسرائيلية إنها تهدد بشدة إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقبلية، وتعزز دولة فصل عنصري ثنائية القومية.

وقال المركز الوطني للمعلومات إنه إضافة إلى الهدف المعلن تاريخياً، عبر ربط مستوطنة معاليه أدوميم بالقدس وإخراج الأحياء الفلسطينية من مجال تطوّرها الطبيعي، يُخدم المخطط في بعد أوسع رؤية «القدس الكبرى» بمساحة تقارب 600كم² (نحو 10 في المائة من الضفة)، عبر أحزمة طرق ومناطق صناعية وأحياء جديدة.

ويعتمد التنفيذ على مشروع طريق «نسيج الحياة» الاستيطاني ومسارات بديلة لفصل حركة الفلسطينيين عن وسط الضفة، وربط المناطق الفلسطينية القريبة عبر ممرات محكومة في أنفاق.

صورة لمستوطنة بسغات زئيف الإسرائيلية (يسار) التي بنيت في ضاحية من ضواحي القدس الشرقية ذات الأغلبية العربية خلف جدار الفصل الإسرائيلي في 16 فبراير الماضي (أ.ف.ب)

خطة قديمة متجددة

منذ 2009، تسعى إسرائيل لهدم المكان، لكنها واجهت في كل مرة اقتربت فيها من الأمر عاصفة من الردود والانتقادات الفلسطينية والعربية والدولية، حتى تحول الخان إلى رمز للصراع، فتجنبت هدمه على الرغم من أن المحكمة الإسرائيلية أعطت الضوء الأخضر لذلك.

وفي كل مرة تطلب المحكمة تفسيراً حول عدم هدمه على الرغم من صدور قرار قضائي بذلك، تقدم الحكومة الإسرائيلية تفسيراً مختلفاً لعدم إخلاء المجمع السكني.

وقالت «يديعوت أحرونوت» إن إخلاء الخان الأحمر، الذي تحول إلى رمز عالمي، أصبح مصدر صداع دبلوماسي للحكومة بسبب الرأي العام الدولي.

وحتى هذه المرة، دعا 85 عضواً في مجلس النواب الأميركي إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى استخدام جميع الأدوات الدبلوماسية المتاحة لوقف مشروع البناء الاستعماري الإسرائيلي المسمىE1، محذرين من أن تنفيذ المشروع سيؤدي إلى فرض واقع دائم على الأرض ويقوض فرص التوصل إلى حل الدولتين.

وجاءت الدعوة في رسالة وجهها النواب إلى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو.

وأوضح الموقعون أن منطقة E1 الممتدة على مساحة نحو 12 كيلومتراً مربعاً شرق القدس، تُعد من أكثر المناطق حساسية في الضفة الغربية؛ نظراً لأن البناء الاستيطاني فيها سيؤدي إلى فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، ويعزز التواصل الجغرافي بين القدس ومستعمرة «معاليه أدوميم»، بما يرسخ السيطرة الإسرائيلية على منطقة استراتيجية في قلب الضفة الغربية.

كما لفتوا إلى إجراءات إسرائيلية أخرى مرتبطة بالمشروع، من بينها خطط لشق ما يُعرف بـ«طريق السيادة»، إلى جانب خطوات تستهدف التجمع البدوي في الخان الأحمر، معتبرين أن هذه الإجراءات تشكل جزءاً من عملية متسارعة تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض يصعب التراجع عنها مستقبلاً.

شرطيان إسرائيليان يقفان في منطقة «إي 1» قرب مستوطنة «معاليه أدوميم» خارج القدس في الضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)

من وجهة نظر النواب، فإن تنفيذ مشروع E1 الاستيطاني سيقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً، داعين وزارة الخارجية الأميركية إلى إبلاغ الحكومة الإسرائيلية بشكل واضح بأن المضي في المشروع يتعارض مع المواقف الأميركية المعلنة بشأن مستقبل الضفة الغربية.

وقبلهم، دعا أكثر من 400 وزير وسفير ومسؤول أوروبي في رسالة مفتوحة لقادة الاتحاد الأوروبي، إلى «التحرك الآن» ضد «الضم غير القانوني» الذي تقوم به إسرائيل في الضفة الغربية المحتلة من خلال مشروع E1 الذي تخطط بموجبه لبناء آلاف المنازل.

وكتب الموقعون الـ448، ومن بينهم نائب رئيس المفوضية الأوروبية السابق جوزيب بوريل ورئيس الوزراء البلجيكي السابق غي فيرهوفشتات، أنه «يجب على الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء، بالتعاون مع شركائهم، اتخاذ خطوات فورية لردع إسرائيل عن مواصلة ضمها غير القانوني لأراض فلسطينية في الضفة الغربية».

وقال الموقعون إن «الاتحاد الأوروبي، كحد أدنى، يجب أن يفرض عقوبات محددة الأهداف، بما فيها حظر التأشيرات وحظر ممارسة النشاطات التجارية في الاتحاد الأوروبي، ضد جميع الأشخاص المتورطين في عمليات الاستيطان غير القانونية، ولا سيما أولئك الذين يروجون ويشاركون في مناقصات وينفذون الخطة المتعلقة بمنطقة E1».

وجاءت هذه الدعوات بعدما أخذت إسرائيل خطوة أخرى عملية باتجاه البدء في إقامة المخطط عبر إخطار رسمي بهدم 50 منشأة ومحلاً تجارياً، في بلدة العيزرية، جنوب شرقي القدس المحتلة، تقع ضمن المخطط الاستيطاني.

وهذه المواقف الدولية المتكررة هي التي تعقد هدم الخان حالياً.

جدار الفصل الإسرائيلي يظهر في صورة التُقطت من قرية الرام في الضفة الغربية على مشارف القدس في 16 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

قد لا يكون قرار الهدم بيد سموتريتش وحده، وفق «يديعوت»؛ إذ يعود إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالتنسيق مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس والجيش الإسرائيلي، وسيستلزم مصادقة صريحة من «الكابينت» نظراً لتداعياته التي قد تعقد الأمور بالنسبة لإسرائيل وقد تورّطها سياسياً، وقد يؤدي إلى فرض عقوبات شديدة جداً عليها من جانب الاتحاد الأوروبي.

لكن مئير دويتش، المدير العام لحركة «ريغافيم» التي أسسها سموتريتش، والتي قدمت التماساً إلى المحكمة العليا بشأن الموضوع قبل أشهر، قال: «إن الوضع مختلف الآن ويوجد فرصة».

وأضاف: «خلال العامين الماضيين، اتخذت الحكومة الإسرائيلية قرارات غير مسبوقة وتاريخية في سبيل ضمان مستقبل دولة إسرائيل. والآن، أكثر من أي وقت مضى، حان الوقت لتطبيق القانون ضد المعتدين في هذا المجال، وبالتالي إحباط مخطط السلطة الفلسطينية للاستيلاء على هذا الموقع المهم كجزء من إقامة دولة إرهابية في قلب البلاد».

وتفهم السلطة الفلسطينية أكثر من غيرها هذا الوضع، وفي سنوات سابقة عندما كان الوضع مختلفاً إلى حد كبير، هددت السلطة بإلغاء الاتفاقيات إذا مضت إسرائيل بمشروع «إي 1»؛ لأنه يقتل الدولة الفلسطينية، ونظمت حملات ضخمة للتموضع في المكان، بخلاف ما يحدث الآن.

إسرائيل توسع الاستيطان في الضفة الغربية

أهمية جيوسياسية

قال المحامي حسن مليحات، المشرف العام لمنظمة «البيدر» للدفاع عن حقوق البدو، لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما يجب فهمه هو أن الخان الأحمر يشكل منطقة ذات أهمية جيوسياسية بالغة؛ إذ يقع شمال شرقي القدس المحتلة، وتحديداً على الطريق الحيوي الواصل بين مدينتي القدس وأريحا»، مضيفاً أن «الخطورة الفائقة لهذه المنطقة تكمن في وقوعها ضمن مخطط (E1) الاستيطاني، وهو المشروع الأشد خطورة الذي يستهدف القضية الفلسطينية والضفة الغربية في تاريخ الصراع».

وأضاف مليحات أن «خطورة المشروع تكمن أيضاً في أنه يشكل القدس الكبرى عبر السيطرة على 12 ألف دونم في قلب الضفة الغربية، ويعمل على خلق حالة من التواصل الجغرافي المستمر بين القدس ومستوطنة «معاليه أدوميم» وصولاً إلى البحر الميت، وهو التطبيق الفعلي لمشروع «القدس الكبرى».

بالنسبة لمليحات، ثمة نتائج أخرى كارثية للمشروع؛ لأنه «يعيد هندسة التركيبة السكانية في هذه المناطق عبر طرد الفلسطينيين وإحلال المستوطنين مكانهم، ويقسم الضفة الغربية إلى قسمين منفصلين (شمال وجنوب): مما يعني استحالة قيام أي كيان أو دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً، كما أن نجاح الاحتلال في هذه المنطقة سيشكل نقطة انطلاق للاستفراد بباقي الضفة».

وتابع: «هذا مشروع خطير وضخم، والخان الأحمر هو العقبة الأكبر».

سموتريتش (في الوسط) يسير عبر «مستوطنة ياتسيف» التي تم تقنينها حديثاً المتاخمة لبلدة بيت ساحور الفلسطينية في الضفة الغربية - 19 يناير 2026 (أ.ب)

الخان في قلب القدس الكبرى

لكن ليس الخان الأحمر وحده، إذ يعتقد مليحات أن الهجوم على الخان جزء من هجوم أوسع على البدو الفلسطينيين. وإذا كانت إسرائيل لم تهدم الخان حتى الآن، فقد رحلت فعلاً أكثر من 88 تجمعاً بدوياً في الضفة.

وقال مليحات إنه منذ عام 2019، وتحديداً بعد إعلان «صفقة القرن»، تصاعدت وتيرة استهداف البدو، واشتدت الهجمة الشرسة عليهم بشكل غير مسبوق بعد أحداث أكتوبر.

وأضاف: «تستهدف هذه الحرب الوجود البدوي في كافة مناطق وجيوب المنطقة ج (C)، وبشكل خاص في وسط الضفة شرق القدس بسبب مخطط E1 وفي أريحا والأغوار نظراً لأبعادها الحدودية والأمنية».

واضطرت عشرات العائلات فعلاً لمغادرة أماكن سكنها في الأغوار الفلسطينية بعد عدة هجمات من قبل الجيش والمستوطنين، في مشهد متكرر وصفه مليحات بأنه يمثل نكبة مستمرة.

وكان لافتاً أن البدو اضطروا لمواجهة مصيرهم وحيدين في معركة أكبر منهم، وهو الوضع الذي أشار إليه جهالين في الخان الأحمر.

علم إسرائيلي رفع في مستوطنة جديدة أُنشئت خلف تجمع سكني فلسطيني قرب رام الله بالضفة الغربية (رويترز)

«وحيدون في المعركة»

يهتم أبو خميس بأمر نحو 300 بدوي في الخان، يعيشون في المكان الذي يضم مدرسة ومسجداً وعيادة صحية، وهذه تستقبل الكثير من البدو من خارج التجمع من أجل الدراسة أو العلاج.

كان أبو خميس ينظر إلى المدرسة البسيطة بينما يلعب الأطفال هناك ويلهون في محاولة لسرقة فسحة من الفرح، ويسألون الكثير من الأسئلة حول ما إذا كانوا الإسرائيليون سيهجمون على المكان فعلاً. وقال أبو خميس: «نحن وحيدون في هذه المعركة».

وأضاف: «الحرب اليوم مركزة وموجّهة ضد البدو تحديداً، وهي نتاج لتبعات اتفاقية أوسلو وتقسيم الأراضي إلى مناطق (أ، ب، ج). تشكل (المنطقة ج) نحو 62 في المائة من مساحة الضفة الغربية، ومَن الموجود فيها؟ البدو».

وتابع: «مشكلة الخان أنه يقع في قلب مشروع (القدس الكبرى) من العيزرية حتى حدود البحر الميت، ولا توجد في هذه المساحة الشاسعة أي قرية أو مخيم فلسطيني سوى الخان الأحمر».

يفهم أبو خميس المسألة جيداً، ويشرح قائلاً: «إذا تم اقتلاعنا من هنا، فسيربط الاحتلال مستوطنات (معاليه أدوميم)، «كفار أدوميم»، «ميشور أدوميم»، ومستوطنة «ألون»، ليشكل حزاماً استيطانياً يطبق على البوابة الشرقية لمدينة القدس ويغلقها بالكامل، ومن ثم يقطع أوصال الضفة الغربية ويفصل شمالها عن جنوبها. القدس اليوم تُحاصر بكتلة استيطانية ضخمة، والخان الأحمر يقع في قلب هذا المشروع الاستيطاني الأخطر منذ قيام الاحتلال وحتى يومنا هذا».

وهذا الإدراك موجود عند كل سكان الخان وحتى الأطفال بينهم.

كان الطفل علي قد أنهى دوامه المدرسي للتو حين ذهب يطمئن على مواشي عائلته. قال علي لـ«الشرق الأوسط» إنهم يهاجموننا بين الفترة والأخرى ويشتموننا ويهددوننا».

جنود إسرائيليون ومستوطنون يمنعون فلسطينيين من الوصول إلى حقولهم الزراعية في قرية ترقوميا بالضفة الغربية (د.ب.أ)

لم يوافق علي الصغير على تبديل مكان سكنه وقال إنه يحب المكان ولن يهاجر: «مش راح نطلع... لو هدموا البيوت مش راح نطلع، عادي خليهم يهدّوا بس مش راح نطلع، بدنا نضل هان، هاي الأرض إلنا ومش راح نطلع منها».

ويمثل علي الجيل الخامس الذي ولد في الخان الأحمر منذ وصل إليه سكانه في الخمسينات مهجرين من تل عراد في النقب.

وقال الشيخ محمد أبو داهوك (56 عاماً)، وهو من مواليد الخان الأحمر، لـ«الشرق الأوسط»: «جدي وأبوي كانوا هنا. وأنا مواليد هنا، والآن أولادي وأحفادي ولدوا هنا».

ولا ينوي أبو داهوك ترك المكان رغم أنه يتوقع منهم هدمه في أي لحظة.

وقال: «نتوقع منهم كل شيء، اليوم في كل مكان الدم شغال لكن لو هدموا، هنا باقون في الشمس، قاعدين (جالسين) لو هدموا ما في مكان نروح عليه، وين نروح؟ ما في مكان نروح له، بنظل قاعدين في الشمس».

ومثل غيره، يرفض أبو داهوك فكرة الانتقال إلى ما تسميه إسرائيل «منطقة لائقة»، ويقول: «أعطونا تراخيص هنا. إحنا أصحاب الأرض. وهذه أرضنا وأرضنا غالية علينا... ومش طالعين لأي مكان آخر شو ما كان».

وإلى جانب المعارك القانونية الكثيرة في السابق، قدم سكان الخان الأحمر وتجمعات عرب الجهالين اعتراضاً على مخطط يهدف إلى تركيز التجمعات البدوية في «مجمع حضري مُخطط». وجاء في الاعتراض، الذي قُدم بواسطة جمعية «بمكوم» الإسرائيلية أن هذا المخطط لا يتناسب مع نمط حياة التجمعات، وأنه قد يؤدي إلى إخلاء قسري من الحيز الذي يعيشون فيه منذ عقود.

وقال المهندس المعماري ألون كوهين ليفشيتس في «بمكوم» لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، هذا «مخطط اقتلاع تحت غطاء التخطيط»، مؤكداً أنه جزء من سياسة أوسع لصياغة حيز في شرقي القدس والضفة الغربية».

في أثناء ذلك، كانت ملحمة الخان الأحمر مستمرة، ويستمر جهالين في استقبال مسؤولين أوروبيين ومحليين ونشطاء، ويتلقى الكثير من الاتصالات، ويعقد اجتماعات «زووم» مع مؤسسات ونشطاء في الخارج، والتقى من بين آخرين رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى في مكتبه ووعده، بدوره، بدعم صمود السكان.

لكن شيئاً من ذلك لم يكن جديداً عليه. وقال: «صراعنا ليس جديداً. إنه مستمر منذ 1967 منذ أعلنت إسرائيل المنطقة «منطقة عسكرية مغلقة»، وكانوا يطلقون النار لترهيبهم، قبل أن يتفاجأوا لاحقاً بأن تلك «الأراضي العسكرية» قد تحولت إلى مستوطنات كبيرة بينها «معاليه أدوميم» و«كفار أدوميم».

بدو فلسطينيون يجمعون أمتعتهم قبل نزوحهم القسري من منطقة العوجا قرب أريحا بالضفة الغربية عقب أعمال عنف نفذها المستوطنون الإسرائيليون يناير الماضي (رويترز)

وأكد جهالين مكرراً ما قاله عدة مرات: «إنها دولة مستوطنين وهذه المرة مختلفة عن سابقاتها».

لكن أيضاً، ورغم أن كل شيء تغير بعد السابع من أكتوبر، فإن عقلية البدو لم تتغير؛ وقالها أبو خميس بالحرف: «أنا بدوي وقضيت 60 في المائة من عمري في الشمس ما بضرني إذا ظليت 100 في المائة بالشمس... سأكون هنا أو في أقرب نقطة ممكنة للخان. وإن بقيت معلقاً بين السماء والأرض. فلن أرحل».


هل غيّرت مسيّرات «حزب الله» قواعد الاشتباك مع إسرائيل؟

قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

هل غيّرت مسيّرات «حزب الله» قواعد الاشتباك مع إسرائيل؟

قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

حطمت «حرب الإسناد» التي خاضها «حزب الله» اللبناني دعماً لحركة «حماس»، أواخر عام 2023، نظرية «الردع» التي تمسك بها الحزب المدعوم من إيران لنحو عقدين من الزمن، وروّج لها في مواجهة عدوه التقليدي، إسرائيل، التي ساهمت بدورها في بناء هذه «الفرضية» التي ثبت في العام التالي أنها كانت خاطئة تماماً، ثم أتت الجولة الجديدة من الحرب في عام 2026، بمثابة الفرصة للطرفين لتثبيت قواعد جديدة للحرب.

إسرائيل... هدوء ومكر

لم تندفع الدولة العبرية إلى الحرب مع «حزب الله» مباشرة، بعد إطلاقه موجة من الهجمات «الاستعراضية»، التي بدأت بصواريخ استهدفت أطراف مواقع جيشها في مزارع شبعا. في المقابل، كانت تأخذ المواجهة نحو بُعد آخر، بهدوء لافت وكثير من المكر. هذا المكر تبدى في مساعٍ دبلوماسية قامت بها تل أبيب عبر واشنطن، لإقناع الحزب بفك المسار اللبناني عن الفلسطيني، حتى إن الموفد الأميركي، آموس هوكستين، بادر قادة لبنانيين، في يوليو (تموز) 2024، بالقول إنه مستعد لأن يمنح أمين عام الحزب، حسن نصر الله، انتصاراً، إذا ما أوقف الحزب عملياته.

رفض نصر الله العرض الأميركي فوراً.

قال لمن أبلغوه به إن المطلوب أولاً وقف الحرب في غزة، وبعدها... لكل حادث حديث.

صورة تجمع نصر الله وصفي الدين في المدينة الرياضية ببيروت خلال تشييعهما في شهر فبراير الماضي (رويترز)

لم يكن هذا الخطأ الأول في التقدير من قبل الحزب؛ فمعالم الحرب الجديدة التي تدور في قرى الحدود اللبنانية سريعاً ما كشفت تفوقاً تكنولوجياً وعسكرياً لصالح إسرائيل. وكان مسؤول كبير في الحزب أفصح عن أن مقاتليه في السابق كانوا يطلقون الصاروخ ويجمعون أغراضهم بهدوء بعد إبلاغ القيادة بنجاح الإطلاق، ثم يغادرون الموقع قبل وصول الطائرات الإسرائيلية.

أما في المواجهة الجديدة، فهامش الضربة يتراوح بين 5 و20 ثانية فقط. وبالتالي، يضيف المسؤول أن المقاتلين كانوا يحفرون الأرض ويقفزون فيها فور إطلاق الصاروخ على أمل النجاة، فبات كل إطلاق بمثابة «عملية استشهادية».

لاحقاً، أتت الإشارة التالية على التفوق الإسرائيلي بشكل أوضح؛ فالإسرائيليون نفذوا اغتيالات دقيقة لقيادات الحزب العسكرية، توَّجوها بغارة أطاحت بمعظم قادة «الرضوان»، فرقة النخبة لدى الحزب، قبل أن يقتلوا قائده العسكري، ثم يطلقون الحرب بعملية «البيجر» التي أخرجت الآلاف من عناصر الحزب من الخدمة بكبسة زر، ليغتالوا نصر الله بغارة عنيفة في ضاحية بيروت الجنوبية، ثم يغتالوا خليفته هاشم صفي الدين.

انفجار أجهزة البايجر أدّى إلى تصاعد الحرب (أ.ف.ب)

أدوات القتال

تشير أدوات القتال التي يتبعها الطرفان إلى أنهما استعدَّا لمعركة طويلة، تقوم على حرب استنزاف، ولا تحسم المعركة، بحسب ما تقول مصادر ميدانية؛ فمنذ الأسبوع الأول لاتفاق وقف إطلاق النار، تراجع «حزب الله» عن استخدام الصواريخ، وخفف من كثافة المسيرات الانتحارية التي يطلقها، كما تراجع عن استخدام الصواريخ الموجهة التي غالباً ما كان يطلقها لاستهداف المدرعات والدبابات لسهولة كشف مُطلِقها، وأدخل المحلقات الانقضاضية (FPV)، التي يجري تسييرها وتطييرها على مسافة تتراوح بين 10 و15 كيلومتراً في الجنوب، عبر تقنية الألياف الضوئية التي توصل المسيرة بجهاز التحكم، عبر سلك دقيق مربوط بين قاعدة التحكم مع الرامي وجسم المحلّقة الحامل للقذيفة، وذلك يتخطى التشويش الإلكتروني.

الجيش الإسرائيلي يطلق قذائف موجهة باتجاه جنوب لبنان من موقع بالجليل الأعلى شمال إسرائيل مارس الماضي (أ.ف.ب)

«حزب الله» 2026... «حرب المحلقات»

حاول «حزب الله» استعادة زمام المبادرة في الفصل الجديد من المواجهة الذي اندلع في مارس (آذار) الماضي، بالتحديد في موعد الحرب، لتتزامن مع الحرب على إيران. إسرائيل بعثت برسالة تقول إنها غير معنية بحرب مع لبنان، ما دام الحزب لا يتدخل. طمأن الحزب المسؤولين في بيروت بأنه لن يبادر إلى الحرب، لكنه فاجأ الجميع بصواريخ أُطلِقت باتجاه الشمال الإسرائيلي، لكن رد الفعل الإسرائيلي أتاه عنيفاً وشرساً.

خلافاً للصورة الأولى التي ظهر بها الحزب؛ بإطلاقه ستة صواريخ بدائية، كان في المواجهة التي اندلعت بعدها أكثر تنظيماً وقوة، كاشفاً عن أسرار لم يُبَح بها خلال 15 شهراً من توقف القتال. بلغت عملياته اليومية ضد الإسرائيليين نحو 100 عملية يومياً، كما قدم أسلحة جديدة نوعية إلى ساحة المعركة. استراتيجية القتال على الأرض اختلفت، ولم يعد يعتمد الدفاع الثابت، ولم يحاول إيقاف التقدم الإسرائيلي، بل سعى لإلحاق القدر الأكبر من الأذى بالقوى المتقدمة.

جنديان إسرائيليان يشغلان طائرة مسيرة (الجيش الإسرائيلي)

تراجع الصواريخ وصعود المسيّرات

لم تعد الصواريخ وحدها تختصر مشهد المواجهة الدائرة بين إسرائيل و«حزب الله»؛ فبعد أشهر من القتال المتواصل الذي اندلع في ربيع 2026، برز تحول لافت في طبيعة العمليات العسكرية، تمثل في صعود المسيّرات الهجومية والانتحارية إلى واجهة المعركة، لتصبح أحد أبرز العوامل المؤثرة في مسار العمليات على جانبي الحدود.

فعلى مدى سنوات، ارتبطت صورة «حزب الله» العسكرية بترسانته الصاروخية الكبيرة التي شكَّلت مصدر القلق الرئيسي لإسرائيل. لكن الحرب الحالية أظهرت أن الحزب لم يعد يعتمد حصراً على الصواريخ، بل انتقل إلى توظيف واسع النطاق للمسيّرات بمختلف أنواعها. وبحسب تقديرات إسرائيلية، فإن نسبة كبيرة من الهجمات التي نفذها الحزب خلال الأسابيع الأخيرة اعتمدت على المسيّرات الهجومية والانتحارية، في وقت تراجعت فيه أهمية الصواريخ التقليدية نسبياً مقارنة بالمراحل السابقة من الصراع.

ويرى باحثون إسرائيليون أن هذا التحول يعكس تأثراً واضحاً بالتجارب العسكرية الحديثة، لا سيما الحرب في أوكرانيا؛ حيث أثبتت المسيّرات الصغيرة منخفضة التكلفة قدرتها على إلحاق خسائر كبيرة بقوات تمتلك تفوقاً جوياً وتقنياً.

صورة ملتقطة من فيديو وزّعه «حزب الله» يظهر مسيرة انتحارية تتجه إلى هدف إسرائيلي على الحدود مع لبنان (متداول)

وبحسب التقارير الإسرائيلية والأبحاث العسكرية المنشورة منذ اندلاع الحرب الحالية في مارس 2026، فإن السلاح الأبرز لدى «حزب الله» لم يعد الصواريخ وحدها، بل المسيّرات الهجومية والانتحارية التي أصبحت تشكل التهديد الرئيسي للقوات الإسرائيلية في جنوب لبنان. أبرز هذه الأسلحة كان المسيّرات الانتحارية «FPV» التي تعمل بكابل رفيع من الألياف الضوئية جعلها عصية على التشويش الإلكتروني، كما أن حجمها الصغير وتحليقها المنخفض المتعرج يشكل تحدياً إضافياً لرادارات إسرائيل وأنظمة دفاعها الجوي.

تحمل هذه المسيرات في المقابل، حشوات صغيرة الحجم لا تتجاوز الخمسة كيلوغرامات. ويقول مصدر أمني لبناني لـ«الشرق الأوسط» إن الحزب اعتمد ثلاثة أنواع من الحشوات المتفجرة، تبعاً للهدف المقصود. وما إذا كان الهدف دبابة، أو آلية عادية، أو أفراداً. ويقول ضباط إسرائيليون سابقون إن التهديد الذي تمثله هذه المسيّرات لا يقتصر على إصابة أهداف عسكرية ثابتة، بل يشمل أيضاً ملاحقة القوات المتحركة واستهداف الدبابات والآليات ومراكز القيادة الميدانية، ما يجعلها عاملاً ضاغطاً على الوحدات البرية المنتشرة داخل جنوب لبنان. ولا توجد أرقام رسمية نهائية بشأن عدد المسيّرات الانتحارية التي استخدمها الحزب منذ بداية الحرب، إلا أن تقديرات إسرائيلية غير رسمية تتحدث عن مئات عمليات الإطلاق، وربما أكثر من ألف عملية خلال الأشهر الأخيرة.

مراسم تشييع جندي إسرائيلي قُتل بنيران «حزب الله» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وقالت إسرائيل أخيراً إن «حزب الله» أطلق ما يزيد على 120 محلقة من هذا النوع، كما بث الحزب عشرات المقاطع التي تظهر استهداف المحلقة لآليات ومدرعات وأجهزة إلكترونية وأفراد في الميدان. وقالت إسرائيل إن عمليات حزب الله أسفرت عن مقتل 20 جندياً، وإصابة العشرات منذ تاريخ انخراط الحزب بالقتال في 2 مارس الماضي.

إضافة إلى ذلك، أعلن «حزب الله» عن تفجير عبوات ناسفة بآليات إسرائيلية في العمق، كما أعلن عن التصدي لمحاولات توغل إسرائيلي بالأسلحة الرشاشة المتوسطة والخفيفة، إضافة إلى القذائف الصاروخية، أي «آر بي جي».

صواريخ مضادة للدروع

الصواريخ المضادة للدروع لا تزال تشكل العمود الفقري للقتال البري للحزب، وقد استخدمت ضد الدبابات والآليات والتحصينات الإسرائيلية. ومن أبرز الأنظمة التي تشير إليها المصادر الإسرائيلية الصواريخ من عائلة: «الماسّ» المشتقة من «سبايك» الإسرائيلي، التي نسختها إيران بعد سيطرة مقاتلي الحزب على صاروخ إسرائيلي في حرب عام 2006 وفقاً لأسلوب الهندسة العكسية، إضافةً إلى منظومات كورنيت الروسية وغيرها.

أما السلاح الثالث، فهو الصواريخ والقذائف القصيرة والمتوسطة المدى التي استخدمت بكثافة لاستهداف المواقع العسكرية والتجمعات والقواعد في الجليل وشمال إسرائيل. لكن نسبة استخدامها تراجعت مقارنة بالمسيّرات خلال مراحل عديدة من حرب 2026.

قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

مسيّرات استطلاعية وهجومية

تحل في المرتبة الرابعة المسيرات الاستطلاعية والهجومية، وهي ليست كلها انتحارية؛ فبعضها يُستخدم للاستطلاع وتصحيح النيران وتحديد الأهداف. وبعضها يحمل ذخائر صغيرة ويعود إلى قاعدته بعد المهمة.

وتحدثت مصادر إسرائيلية عن استخدام محدود لصواريخ مضادة للطائرات ونيران دفاع جوي ضد الطائرات الإسرائيلية.

لكنها ليست السلاح الحاسم في المعركة الحالية مقارنةً بالمسيّرات والصواريخ المضادة للدروع.

تطوير أساليب القتال لا أدواته فقط

طوَّرت إسرائيل أساليب القتال التي كانت تعتمد على الزج بالمدرعات بتغطية جوية، للتخفيف من الخسائر، والتحرك بخفة أكبر. وتقول مصادر أمنية لبنانية إن الجيش الإسرائيلي اعتمد أسلوب المجموعات الخاصة الصغيرة التي تتحرك على الطرقات غير المعبَّدة لتجنب العبوات والاستهداف، ثم تتراجع مع أول بوادر مقاومة ليتدخل الطيران الحربي، مستهدفاً مصادر النار المعادية.

صورة تجمع لقطات من الفضاء لقرية يارون الحدودية مع إسرائيل قبل وبعد تدميرها (أ.ف.ب)

وبالنسبة لإسرائيل، وإلى جانب الغارات الجوية الثقيلة التي تنفذها المقاتلات الحربية، والصواريخ التي تطلقها المسيرات، غالباً ما تكون للاستهدافات الدقيقة ولملاحقة الأفراد على متن السيارات والدراجات النارية، أدخل الجيش الإسرائيلي سلاحين إلى المعركة، ظهر أولهما، وهو المحلقات الانقضاضية أيضاً، في مقاطع فيديو لاستهداف دراجات نارية أو أفراد في الميدان. كما يستخدم بكثافة قذائف المدفعية الموجهة من عيار 155 ملم وعيار 240 ملم، بحسب ما تقول مصادر ميدانية في جنوب لبنان، وذلك لاستهداف قرى بعيدة عن الحدود. وتضيف المصادر أن القذائف التي تطلقها المدفعية: «موجهة بالليزر، مما يمنحها الدقة، فضلاً عن أن أعيرتها تدفعها إلى مسافات أطول تصل إلى 30 كيلومتراً داخل الحدود».

جندية فرنسية من قوات حفظ السلام «يونيفيل» على تلة تطل على كفركلا وهي قرية حدودية لبنانية مع إسرائيل جنوب لبنان يوم 20 أغسطس 2025 (أ.ب)

وبحسب ما أعلنته إسرائيل وما رصدته مراكز أبحاث عسكرية خلال حرب 2026، فإن الطائرات من دون طيار كانت أكثر الأسلحة والأنظمة التي استخدمها الجيش الإسرائيلي في لبنان، والتي تمتلك الدولة العبرية منها شبكة فعالة تغطي الميدان والخطوط الخلفية، وفي مقدمتها طائرات «هيرمس 900» و«هيرمس 450» كما مسيّرات استطلاع صغيرة من عائلة «Skylark». وقد استخدمت للاستطلاع، تحديد الأهداف، توجيه النيران، وتنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف متحركة وثابتة.

ذخائر دقيقة وصواريخ موجهة

واستعملت إسرائيل أيضا صواريخ بعيدة المدى من عائلة «Spike NLOS»، كما استخدمت ذخائر جوية موجهة تُطلق من الطائرات والمسيّرات ضد مراكز القيادة ومنصات الإطلاق.

وتحل الدبابات والقوات المدرعة في صلب العمليات البرية داخل جنوب لبنان، كما تعرض عدد منها لهجمات بالمسيّرات والصواريخ المضادة للدروع، بالإضافة إلى المدفعية والصواريخ الأرضية وراجمات صواريخ بعيدة المدى. ومدفعية ذاتية الحركة لقصف أهداف داخل العمق اللبناني. كما استخدمت صواريخ أرض - أرض دقيقة ضد أهداف محددة مسبقاً.

جندية إسرائيلية تشغّل طائرات مسيّرة (موقع الجيش الإسرائيلي)

أنظمة الدفاع الجوّي

وتمتلك إسرائيل أنظمة دفاع جوي مهمة، أبرزها منظومة القبة الحديدية و«مقلاع داود» ومنظومة «آرو». لكن التقارير الإسرائيلية نفسها أقرَّت بأن هذه الأنظمة واجهت صعوبة أمام المسيّرات الانتحارية الصغيرة التي استخدمها «حزب الله»، خصوصاً المسيّرات الموجهة بالألياف الضوئية.

وأعلنت وسائل إعلام إسرائيلية، في وقت سابق، أن الجيش أدخل مدفع «روعم» إلى الخدمة في جنوب لبنان، وهو منظومة مدفعية من عيار 155 ملم صُنع في إسرائيل، ويمتاز بسهولة التحرك لأنه مدفوع بعجلات، مع تلقيم آلي للقذائف، ويشغله طاقم من ثلاثة أفراد بدلاً من سبعة، مع مدى رمي قد يصل إلى 40 كيلومتراً؛ وتقنيات قيادة وسيطرة متقدمة.

قلعة الشقيف ذات الموقع الاستراتيجي وقد لحقها دمار جراء القصف الإسرائيلي عليها في مايو الماضي (أ.ب)

قواعد الاشتباك

حاول «حزب الله» منذ دخول الهدنة حيز التنفيذ، فرض قواعد اشتباك تحصر مساحة القتال في المنطقة المحتلة، عبر تحييده للمستوطنات والبلدات الإسرائيلية في الشمال، لكن الجيش الإسرائيلي كان يوسع ساحة القتال تدريجياً إلى تخوم صيدا، عبر الغارات الجوية والقصف المتواصل.

ويرى العميد المتقاعد سعيد قزح، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «حزب الله» يحاول، منذ وقف إطلاق النار، فرض معادلة ميدانية جديدة مع إسرائيل، تقوم على مبدأ «أن تضرب إسرائيل فيُرد عليها، إلا أن تل أبيب لا تزال ترفض الاعتراف بهذه المعادلة أو التعامل معها باعتبارها قواعد اشتباك متبادلة».

ويوضح قزح أن توصيف ما يجري بـ«قواعد اشتباك» ليس دقيقاً بالكامل «لأن هذا المصطلح يُستخدم عادة بين جيشين نظاميين أو ضمن إطار عسكري واضح»، مضيفاً أن الحزب «يحاول عملياً تكريس قواعد لعبة جديدة، مفادها أن أي استهداف إسرائيلي سيقابله رد، سواء عبر استهداف مواقع إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية المحتلة أو عبر إطلاق صواريخ باتجاه الداخل الإسرائيلي».

وأشار إلى أن «(حزب الله) نفّذ خلال الفترة الماضية عمليات ضد مواقع إسرائيلية داخل المنطقة الحدودية، بعضها تم بواسطة المسيّرات، وبعضها الآخر عبر محاولات تسلل أو عمليات مباشرة»، لافتاً إلى أن «إطلاق الصواريخ نحو الداخل الإسرائيلي تراجع في الأيام الأخيرة، كما أن جزءاً كبيراً منها جرى اعتراضه بسبب محدودية الأعداد المستخدمة».

عائلة نازحة في طريق عودتها إلى الجنوب محملة بالأغراض وعلى السيارة صورة مجتبى خامنئي (د.ب.أ)

ويرى قزح أن الحزب «يسعى من خلال هذه العمليات إلى تثبيت مشروعية استمرار سلاحه، تحت عنوان مقاومة الاحتلال داخل الأراضي اللبنانية»، لكنه أضاف أن الحزب «يتجنَّب في الوقت نفسه الدخول في نقاش الأسباب التي أوصلت الأمور إلى هذا المستوى من التصعيد والاحتلال».

وعن مدى نجاح الحزب في فرض هذه المعادلة، يقول قزح إن «المؤشرات الحالية تدل على أن إسرائيل هي التي لا تزال تفرض قواعد اللعبة الميدانية»، موضحاً أن الجيش الإسرائيلي «لا يكتفي بالتحرك داخل المنطقة العازلة أو ما يُعرف بـ(الخط الأصفر)، بل يواصل تنفيذ عمليات وتجريف واستهدافات تمتد إلى قرى تقع شمال هذا الخط؛ ما يعني أنه يرفض عملياً مبدأ التوازن الذي يحاول الحزب فرضه».


المسيّرات مقابل الغارات... كيف تبدّلت معادلة الردع بين إسرائيل و«حزب الله»؟

كرة نار تتصاعد من مبنى في مدينة صور جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية (أ.ف.ب)
كرة نار تتصاعد من مبنى في مدينة صور جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

المسيّرات مقابل الغارات... كيف تبدّلت معادلة الردع بين إسرائيل و«حزب الله»؟

كرة نار تتصاعد من مبنى في مدينة صور جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية (أ.ف.ب)
كرة نار تتصاعد من مبنى في مدينة صور جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية (أ.ف.ب)

تتقدّم إسرائيل بالنار والإنذارات والتوغلات المحدودة، فيما يردّ «حزب الله» بالمسيّرات والاشتباكات المباشرة في محاور متقدمة شمال الليطاني. لكن خلف هذا التصعيد المتبادل، تبدو معادلة الردع التي حكمت الحدود طوال السنوات التي أعقبت حرب 2006 أمام اختبار غير مسبوق، مع اتساع رقعة العمليات ووصولها إلى مناطق كانت تُعد حتى وقت قريب خارج دائرة الخطر المباشر.

فالغارات التي باتت تلامس الزهراني، والاشتباكات الدائرة في محيط زوطر الشرقية، والتقدّم الإسرائيلي التدريجي نحو تخوم النبطية، كلها مؤشرات، وفق تقديرات عسكرية لبنانية، على أن المواجهة دخلت مرحلة مختلفة، لم تعد فيها المسيّرات قادرة وحدها على فرض توازن ردع، فيما تعتمد إسرائيل سياسة ضغط ميداني متصاعد هدفها تغيير الوقائع على الأرض قبل أي تسوية أو تفاوض محتمل.

المسيّرات لا تصنع ردعاً

في السياق، اعتبر رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد الركن المتقاعد د. هشام جابر أن المسيّرات التي يستخدمها «حزب الله» لا تحقق ردعاً فعلياً في مواجهة التوسع المستمر في الغارات والعمليات الإسرائيلية، قائلاً: «المسيّرات لا تشكّل ردعاً. قد تُربك إسرائيل وتكبّدها خسائر، لكنها لا تمنعها من متابعة عملياتها العسكرية».

ورأى جابر أن استمرار إسرائيل في الغارات والتوغلات البرية يعني أن معادلة الردع لم تعد قائمة، مضيفاً: «لو كان الردع موجوداً لما كانت إسرائيل تواصل عملياتها بهذا الشكل. ما نراه اليوم أن إسرائيل تغيّر تكتيكاتها وتتابع تقدّمها رغم الخسائر التي تتكبدها في الجنوب».

تصاعُد الدخان من بلدات جنوب لبنان بعد غارات إسرائيلية كما بدا من مدينة النبطية (رويترز)

كما ربط أيضاً بين هذا المسار الميداني وتراجع الردع الذي كان قائماً بعد حرب عام 2006، معتبراً أن «الردع الذي استمر من 2006 إلى 2023 كان فعلياً موجوداً»، لكنه رأى أن دخول «حزب الله» في حرب استنزاف منذ فتح جبهة الإسناد المرتبطة بغزة أدى إلى سقوط هذه المعادلة. وقال: «منذ دخول (حزب الله) في حرب الإسناد عام 2023، اكتشفت إسرائيل الحقيقة العسكرية للحزب، ومنذ تلك اللحظة بدأ الردع يزول». وحذر جابر من أن الهدف الإسرائيلي لا يقتصر على زوطر أو محيطها، بل قد يتوسع وصولاً إلى جنوب الزهراني، قائلاً: «أخشى ما أخشاه أن نكون أمام مرحلة لا تكتفي بجنوب الليطاني، بل تمتد إلى جنوب الزهراني».

سياسة تفريغ واستنزاف طويل

وأشار جابر إلى أن سياسة الإنذارات والإخلاءات التي تعتمدها إسرائيل تهدف إلى تفريغ المناطق من سكانها، موضحاً: «كلما أخلت إسرائيل منطقة من سكانها، باتت قادرة على ضرب أي حركة داخلها. عندها يصبح أي شخص يتحرك بسيارة أو دراجة هدفاً محتملاً».

وأضاف: «أخشى ما أخشاه أن يكون جنوب لبنان قد دخل فعلاً في حرب استنزاف طويلة، لأن المؤشرات الميدانية الحالية لا توحي بوجود أفق سريع لوقف هذا التصعيد أو العودة إلى قواعد الاشتباك السابقة».

وفي قراءته للمشهد الميداني والسياسي، رأى جابر «أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لن يوقف الحرب على لبنان في الوقت الراهن مهما تكبّد من خسائر»، لافتاً إلى أن إسرائيل «لم تحقق حتى الآن أياً من أهدافها العسكرية أو السياسية المعلنة».

وأضاف أن «تل أبيب لم تتمكن من نزع سلاح (حزب الله)، كما لم تستطع فرض الشروط التي تريدها على لبنان».

وأشار جابر إلى أن المعطيات الحالية تدل على أن «الأمور لن تعود كما كانت في السابق»، معتبراً أن الحرب دخلت مرحلة مختلفة ستنعكس على واقع الجنوب اللبناني والتوازنات القائمة فيه.

وفيما يتعلق بـ«حزب الله»، رأى جابر أن الحزب أيضاً «لا يستطيع وقف الحرب في منتصفها، في ظل تعقيدات الميدان وتشابك الحسابات الإقليمية والدولية».

لا وجود لتوازن ردع

بدوره، رأى العميد المتقاعد خليل الحلو أن «المسيّرات التي يستخدمها (حزب الله) لا تنجح في فرض توازن ردع مقابل الغارات الإسرائيلية المكثفة»، مؤكداً أن «إسرائيل تُوقع أضراراً وخسائر أكبر بكثير مما تتلقاه».

رجل يتفقد الأضرار في موقع غارة إسرائيلية بمدينة صور جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وأوضح الحلو أن «المسيّرات المرتبطة بالألياف البصرية (FPV) تعاني من محدودية تقنية تتعلق بالمدى والحمولة»، قائلاً: «مدى هذه المسيّرات يتراوح عملياً بين 3 و15 كيلومتراً، وقد يصل إلى نحو 20 كيلومتراً كحد منطقي، لأن الكابل الذي يربط المسيّرة يضيف وزناً عليها ويؤثر على قدرتها التشغيلية». معتبراً «أن الحديث عن استخدامها لمسافات تصل إلى 60 كيلومتراً غير واقعي عسكرياً».

وأشار إلى أن «(حزب الله) يستخدم هذه المسيّرات لاستهداف القوات الإسرائيلية داخل المنطقة العازلة التي أنشأتها إسرائيل، والتي تمتد لنحو 10 كيلومترات، لكن ذلك لم يغيّر في الواقع الميداني».

وقال: «إذا نظرنا إلى الخريطة نرى أن الإسرائيليين باتوا قريبين جداً من النبطية، فيما تتوسع الغارات والإنذارات والإخلاءات حتى شمال الزهراني، وهذا بحد ذاته دليل على غياب توازن الردع».

وأضاف الحلو أن «(حزب الله) يحاول تحقيق إصابات وتأثير ميداني عبر المسيّرات، لكن ما يحصل على الأرض يُظهر أن إسرائيل تُنزل بالحزب وبلبنان أضراراً أكبر بكثير».