في مراجعة دلالة الإبستمولوجيا

من كانط إلى التباين الإنجليزي الفرنسي في تعريفها كحقل معرفي

في مراجعة دلالة الإبستمولوجيا
TT

في مراجعة دلالة الإبستمولوجيا

في مراجعة دلالة الإبستمولوجيا

يمكن اختزال جوهر الدرس الإبستمولوجي، في كونه تنبيها إلى ضرورة مساءلة المعرفة من حيث شروط وأدوات إنتاجها، وعلى الرغم من أن هذا النوع من البحث كان متداولا إلى، حد ما، في الفكر المنطقي والفلسفي القديم، فإن الإرهاص بتأسيسه، يرجع إلى القرن الثامن عشر مع الفلسفة النقدية الكانطية. والنقد في المعجم الكانطي لا يفيد الدحض، بل يفيد بيان حدود الصلاحية والاستعمال. وقد طرح بخصوص استعمال العقل. ومن هنا فقد كان السؤال النقدي الكانطي سؤالا يدل على تنبّه إلى التفكير في الأداة (العقل)، بدل الاستغراق في استعمالها، أي تفكير في العقل بدل الاقتصار على استعماله للتفكير في غيره. وإن كنت أرى أن كانط ذاته، لم يتنبه إلى ضرورة الوقوف، بتواضع، عند حدود إمكانات العقل التي قررها هو نفسه، حيث خلص إلى مجموعة من الأحكام، أصدرها فيما يخص حقيقة الفكر وطبيعته القبلية، متناسيًا أنه منهجيًا يقول باستحالة بلوغ الحقيقة الماهوية للوجود. لكن على الرغم من هذه المفارقة الواضحة في فلسفة كانط، فإن مشروعه النقدي أسَّس لثورة معرفية قلبت دفة الفكر الفلسفي الأوروبي من أولوية الإشكال الوجودي (الأنطولوجي) إلى أولوية الإشكال المعرفي (الإبستمولوجي). بمعنى بدل الإيغال في بحث أسئلة الوجود، أسهم كانط في إيقاظ العقل الفلسفي، ليبحث ابتداء مدى قدرته على الإجابة عن الأسئلة الوجودية. وبذلك تم تسييد مبحث نظرية المعرفة في مرتبة الأولوية. وهنا أشير إلى مسألة إغفال كثير من مؤرخي الفلسفة عن إدراك إسهامها ودورها. وهي أن حصيلة التفكير في الأسئلة الوجودية الكبرى كانت هي المناسبة الدافعة إلى إدراك محدودية العقل. ومن ثم فإن السؤال الديني كان هو المهماز الحافز للتساؤل عن إمكانات المعرفة ومحدودية أدواتها. ولذا لا بد من إعادة الاعتبار إلى هذا الدور المنهجي الذي قام به هذا السؤال أثناء التأريخ لتبلور الوعي الإبتسمولوجي.
وإذا كانت المساءلة الكانطية لقدرات العقل قد دفعت بمبحث نظرية المعرفة إلى مرتبة الأولوية في الفكر الفلسفي، فإن القرن التاسع عشر هو الذي سيشهد التأسيس الفعلي للإبستمولوجيا كحقل معرفي خاص. وذلك بسبب ما شهده من أزمات معرفية، مسّت الأسس المفاهيمية الكبرى التي ترتكز عليها العلوم الرياضية والمنطقية، حيث لم تقتصر الأزمة على مجرد إشكالات جزئية، بل أفرزت إشكالات بنائية عميقة.
فما دلالة هذا الحقل المعرفي المعاصر؟
على الرغم من الإشكالات والالتباسات التي تحوط هذا الحقل «الجديد»، الراجعة إلى طبيعته الموضوعية والمنهجية، تلك الالتباسات التي تزيد في تعميقها الاختلافات السائدة بين تيارات الإبستمولوجيا واتجاهاتها، فإنه في سبيل تعريف المفهوم، يمكن أن نوظف مسلكًا قد يبدو سطحيًا، ولكنه مقدمة ضرورية لإنجاز مقاربة دلالية، ولو في مستوياتها الأولية. ونقصد بهذا المسلك، التحديد اللغوي للفظ إبستمولوجيا، فهذا اللفظ إن كان قد استعمله جيمس فيرير Ferrier سنة 1854، في مقابل الأنطولوجيا، بقصد تعريف موضوعات الفلسفة ومباحثها، فإنه من حيث بناؤه اللغوي يتكون من كلمتين إغريقيتين هما: «إبستمي»، وتعني من بين ما تعنيه في اللسان اليوناني العلم، ولوجي: وتفيد الخطاب، كما تفيد العلم أيضًا. ومن ثم تكون الدلالة الحرفية للفظ «إبستمولوجيا» هي: علم العلم، أي خطاب يتخذ العلم موضوعًا له.
هذا من حيث المقاربة الدلالية اللغوية، أما من حيث الاصطلاح، فقد تعددت التعريفات واختلفت: فالفيلسوف الفرنسي كانجيليم، يعرف الإبستمولوجيا بكونها «وعيًا نقديًا تجاه المناهج». في حين يذهب لالاند في معجمه الفلسفي الشهير، إلى أنها «ليست دراسة المناهج العلمية»، لأن هذه الدراسة من اختصاص الميثودولوجيا وليس الإبستمولوجيا.
وفي معجم روبير الفرنسي، نجدها تعرف بوصفها «دراسة خاصة للعلوم تهدف إلى تحديد أصولها المنطقية وقيمتها»، لكن إذا كان هذا التعريف يركز على المقاربة المنطقية للعلوم، فإن ثمة تعريفات أخرى تركز على الاشتغال العلمي ذاته، كإجراءات وأبحاث: فالفيلسوف غرانجي مثلا، يحدد الإبستمولوجيا بكونها «دراسة خاصة للعلوم ولتطور مشكلاتها»، وهو بذلك يجعلها موصولة على نحو داخلي بتطور المعرفة العلمية وإجرائها العملي.
والواقع أن هذا الاختلاف في تحديد طبيعة الاشتغال الإبستمولوجي، ليس مجرد اختلاف بين باحثين أو ثلاثة، بل هو يقسم فلاسفة العلم إلى شطرين، حيث يذهب قسم منهم، كجون ستيوارت مل، وبرتراند راسل، وكارل بوبر، غالبا، إلى النحو منحى التقليد الكانطي، فيحددون الشروط المنطقية والنظرية للعلم، بينما يذهب قسم آخر إلى النحو منحى البحث في آليات اشتغال العلوم في صيغها التطبيقية، مثل بيير دوهيم، وإرنست ماخ، ولوتمان وكانجيليم.
إضافة إلى هذا الاختلاف، فثمة تباين يمكن تصنيفه من منظور جغرافي، إذ إن الإنجليز يحددون الإبستمولوجيا بوصفها «نظرية المعرفة»، بينما التقليد الفرنسي يذهب إلى اعتبارها «نظرية العلوم». وتماشيًا مع هذا التقليد، نجد لالاند يعرفها بـ«الدراسة النقدية لمبادئ العلوم ولفرضياتها ونتائجها، بقصد تحديد أصلها المنطقي لا السيكولوجي، وبيان قيمتها وحصيلتها الموضوعية».
وثمة نقاش سائد بين الباحثين حول أي الدلالتين أدق في توصيف مبحث الإبستمولوجيا، أهي الدلالة الإنجليزية أم الفرنسية؟ وهناك اجتهادات تميل إلى تغليب هذا الطرف، وأخرى تميل إلى ترجيح الآخر. غير أن هذه الاجتهادات في عمومها، محكومة بهاجس الإقليمية لا بهاجس المعرفة! أو لنقل بتعبير مخفف، إنها محكومة بالذوق الفكري السائد، ومتأثرة به.
ويبدو لي أن الخلاف بين هذين التقليدين ليس بالخلاف الجذري الذي يصعب على المرء أن يذهل عن المشترك بينهما. بل إن الإيغال في محاولة إبرازه أو التخفيف منه، يدفع إلى نسيان الأهم، وهو أن هذين التعريفين معا يحتاجان إلى مراجعة. وفي سبيل إيضاح رؤيتنا، يمكن أن نوجز ذلك فيما يلي:
أولا، من حيث الدلالة، فلا بد من توسيع حقلها لتصير الإبستمولوجيا خطابا نقديا في المعرفة عامة، سواء كانت علمية بحصر المعنى (أي العلوم الدقيقة)، أو كانت علومًا إنسانية، أو حقولا معرفية فنية.
ثم ثانيا، إن الإبستمولوجيا هي أيضًا خطاب في المعرفة ومنتجاتها. وبذلك لا تدخل في مجالها كل أنماط المعرفة فحسب، بل إنه بالتنصيص على منتجاتها، فإننا بذلك ندخل، فيما يخص المعرفة العلمية، التقنية كموضوع يستوجب التفكير والمساءلة الإبستمولوجية. ومن ثم يمثل هنا السؤال الأخلاقي، الذي نرى اليوم أنه أخذ في الحضور، ولو باحتشام في فلسفة العلم، لكننا ندعو إلى جعله جزءا من صلب الاهتمام الإبستمولوجي وليس مجرد تأمل خارجي عن العلم. خصوصًا أن التقنية ليست مجرد كينونة آلية، بل هي نمط في التفكير أيضًا.



«الشارقة الثقافية»... المسرح الشعري والمستقبل

«الشارقة الثقافية»... المسرح الشعري والمستقبل
TT

«الشارقة الثقافية»... المسرح الشعري والمستقبل

«الشارقة الثقافية»... المسرح الشعري والمستقبل

صدر العدد رقم 120 من مجلة «الشارقة الثقافية»، وقد تضمن مجموعة من الموضوعات والمقالات والحوارات، في الأدب والفن والفكر والسينما والتشكيل والمسرح والتراث.

وفي تفاصيل العدد، كتب د. أكرم قنبس عن الأديب إبراهيم عبد القادر المازني من رواد الثقافة العربية ومؤسسي مدرسة الديوان، وتوقف خلف أحمد أبو زيد عند ريادة ومكانة دنيس جونسون ديفز في ترجمة الأدب العربي الحديث إلى الإنجليزية، أما د. أميمة أحمد فكتبت عن مدينة سطيف، التي يزينها عبق التاريخ وسحر «عين الفوارة»، وجال نور سليمان أحمد في ربوع مدينة إهناسيا، حيث روح الريف وملامح المدينة.

أمّا في باب «أدب وأدباء»، فشارك إسماعيل عبدة بمداخلة حول مكانة نجيب محفوظ في الرواية والسينما، وقدم مالك صقور قراءة في رواية «الشيخ الأبيض» لسلطان القاسمي، حيث الحقيقة تبحث عن وثيقة، وتناول صالح لبريني أحد أعمدة القصيدة المغربية المعاصرة، وهو محمد السرغيني، الذي جمع بين الإبداع الشعري والنقد الأكاديمي، واستعرض محمد الأرناؤوط مسيرة إسماعيل أبو البندورة الذي حمل لقب السفير الثقافي وأغنى المكتبة العربية بالأدب البوسني، وبحثت وفاق سلمان في رواية «أن تعشق الحياة» لعلوية صبح (تجربة استثنائية وشغف البقاء)، وتابع محمد يوسف أبولوز فعاليات ملتقى الشارقة للتكريم الثقافي ومتوالية العطاء والاحتفاء بالمبدعين العرب.

ومن المقالات الأخرى، كتب أحمد فرحات عن صاحب مجلة «الآداب» الروائي سهيل إدريس بمناسبة مرور قرن وعام واحد على ميلاده، وألقى د. مجد حيدر الضوء على «عراف الأدغال والعبقرية» الأكثر اكتمالاً، (روديارد كيبلينغ) أول بريطاني يفوز بجائزة نوبل للآداب، وتناولت نسرين أنطونيوس رواية «الدقلة في عراجينها» للبشير خريف الذي يصور علاقة الإنسان بالأرض والهوية، وحاور هشام أزكيض الدكتورة خديجة السعيدي التي يتجاور في كتاباتها الشعر والسرد والنقد، ورصدت رؤى جوني التحولات النفسية لأبطال الكاتب ربيع جابر، الذي يجمع بين متعة الخيال والقيمة التاريخية، وتوقف جمال الشرقي عند المقاهي الثقافية في بغداد التي تحولت إلى مجالس للأدب والفن.

كذلك كتبت روز مخلوف عن ألفة الإدلبي التي أضاءت الجوهر الإنساني لأبطال قصصها، فيما حاور ساسي جبيل أحد رواد القصة القصيرة في تونس هو صالح الدمس الذي رأى أن الحياة روايات وقصص، وبيّن د. أحمد عيطة كيف جمعت الرواية العربية بين المتعة والمعرفة والخيال والواقع، وقرأ زياد الريس رواية «الرجع البعيد» لفؤاد التكرلي الذي انشغل بالإنسان في قوته وضعفه، والتقى حسن م. يوسف الصحبي بن منصور الذي دعا إلى كتابة تاريخ أكثر إنصافاً، وأخيراً تناول د. عبداتي بوشعاب رواية «الدم الأزرق» لنجلاء الشامسي التي تصور الشتات وجدلية المكان.

من جهة ثانية، تضمّن العدد مجموعة من المقالات وهي: حوار الجمال والهوية (ذكاء ماردلي)، الحضارة والثقافة العربية (د. سعيد عبيدي)، انتصار البطل في الرواية العربية الحديثة (عمرو العنتبلي)، سحر الرواية.. رؤى ومتغيرات (رشيد الخديري)، صنع الله إبراهيم بين الرواية والواقع (اعتدال عثمان)، القصة القصيرة.. مقاربة نقدية في المنهج والتلقي (د. عبدالعزيز بودين)، أحمد الشايب ونقاد الأدب (مصطفى عبدالله)، العوالم السردية في نصوص باسم سليمان (انتصار عباس)، وغيرها.

وقد أفرد العدد مساحة لمجموعة من القصص القصيرة والترجمات، لمجموعة من الأدباء والمبدعين العرب.


70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.