في مراجعة دلالة الإبستمولوجيا

من كانط إلى التباين الإنجليزي الفرنسي في تعريفها كحقل معرفي

في مراجعة دلالة الإبستمولوجيا
TT

في مراجعة دلالة الإبستمولوجيا

في مراجعة دلالة الإبستمولوجيا

يمكن اختزال جوهر الدرس الإبستمولوجي، في كونه تنبيها إلى ضرورة مساءلة المعرفة من حيث شروط وأدوات إنتاجها، وعلى الرغم من أن هذا النوع من البحث كان متداولا إلى، حد ما، في الفكر المنطقي والفلسفي القديم، فإن الإرهاص بتأسيسه، يرجع إلى القرن الثامن عشر مع الفلسفة النقدية الكانطية. والنقد في المعجم الكانطي لا يفيد الدحض، بل يفيد بيان حدود الصلاحية والاستعمال. وقد طرح بخصوص استعمال العقل. ومن هنا فقد كان السؤال النقدي الكانطي سؤالا يدل على تنبّه إلى التفكير في الأداة (العقل)، بدل الاستغراق في استعمالها، أي تفكير في العقل بدل الاقتصار على استعماله للتفكير في غيره. وإن كنت أرى أن كانط ذاته، لم يتنبه إلى ضرورة الوقوف، بتواضع، عند حدود إمكانات العقل التي قررها هو نفسه، حيث خلص إلى مجموعة من الأحكام، أصدرها فيما يخص حقيقة الفكر وطبيعته القبلية، متناسيًا أنه منهجيًا يقول باستحالة بلوغ الحقيقة الماهوية للوجود. لكن على الرغم من هذه المفارقة الواضحة في فلسفة كانط، فإن مشروعه النقدي أسَّس لثورة معرفية قلبت دفة الفكر الفلسفي الأوروبي من أولوية الإشكال الوجودي (الأنطولوجي) إلى أولوية الإشكال المعرفي (الإبستمولوجي). بمعنى بدل الإيغال في بحث أسئلة الوجود، أسهم كانط في إيقاظ العقل الفلسفي، ليبحث ابتداء مدى قدرته على الإجابة عن الأسئلة الوجودية. وبذلك تم تسييد مبحث نظرية المعرفة في مرتبة الأولوية. وهنا أشير إلى مسألة إغفال كثير من مؤرخي الفلسفة عن إدراك إسهامها ودورها. وهي أن حصيلة التفكير في الأسئلة الوجودية الكبرى كانت هي المناسبة الدافعة إلى إدراك محدودية العقل. ومن ثم فإن السؤال الديني كان هو المهماز الحافز للتساؤل عن إمكانات المعرفة ومحدودية أدواتها. ولذا لا بد من إعادة الاعتبار إلى هذا الدور المنهجي الذي قام به هذا السؤال أثناء التأريخ لتبلور الوعي الإبتسمولوجي.
وإذا كانت المساءلة الكانطية لقدرات العقل قد دفعت بمبحث نظرية المعرفة إلى مرتبة الأولوية في الفكر الفلسفي، فإن القرن التاسع عشر هو الذي سيشهد التأسيس الفعلي للإبستمولوجيا كحقل معرفي خاص. وذلك بسبب ما شهده من أزمات معرفية، مسّت الأسس المفاهيمية الكبرى التي ترتكز عليها العلوم الرياضية والمنطقية، حيث لم تقتصر الأزمة على مجرد إشكالات جزئية، بل أفرزت إشكالات بنائية عميقة.
فما دلالة هذا الحقل المعرفي المعاصر؟
على الرغم من الإشكالات والالتباسات التي تحوط هذا الحقل «الجديد»، الراجعة إلى طبيعته الموضوعية والمنهجية، تلك الالتباسات التي تزيد في تعميقها الاختلافات السائدة بين تيارات الإبستمولوجيا واتجاهاتها، فإنه في سبيل تعريف المفهوم، يمكن أن نوظف مسلكًا قد يبدو سطحيًا، ولكنه مقدمة ضرورية لإنجاز مقاربة دلالية، ولو في مستوياتها الأولية. ونقصد بهذا المسلك، التحديد اللغوي للفظ إبستمولوجيا، فهذا اللفظ إن كان قد استعمله جيمس فيرير Ferrier سنة 1854، في مقابل الأنطولوجيا، بقصد تعريف موضوعات الفلسفة ومباحثها، فإنه من حيث بناؤه اللغوي يتكون من كلمتين إغريقيتين هما: «إبستمي»، وتعني من بين ما تعنيه في اللسان اليوناني العلم، ولوجي: وتفيد الخطاب، كما تفيد العلم أيضًا. ومن ثم تكون الدلالة الحرفية للفظ «إبستمولوجيا» هي: علم العلم، أي خطاب يتخذ العلم موضوعًا له.
هذا من حيث المقاربة الدلالية اللغوية، أما من حيث الاصطلاح، فقد تعددت التعريفات واختلفت: فالفيلسوف الفرنسي كانجيليم، يعرف الإبستمولوجيا بكونها «وعيًا نقديًا تجاه المناهج». في حين يذهب لالاند في معجمه الفلسفي الشهير، إلى أنها «ليست دراسة المناهج العلمية»، لأن هذه الدراسة من اختصاص الميثودولوجيا وليس الإبستمولوجيا.
وفي معجم روبير الفرنسي، نجدها تعرف بوصفها «دراسة خاصة للعلوم تهدف إلى تحديد أصولها المنطقية وقيمتها»، لكن إذا كان هذا التعريف يركز على المقاربة المنطقية للعلوم، فإن ثمة تعريفات أخرى تركز على الاشتغال العلمي ذاته، كإجراءات وأبحاث: فالفيلسوف غرانجي مثلا، يحدد الإبستمولوجيا بكونها «دراسة خاصة للعلوم ولتطور مشكلاتها»، وهو بذلك يجعلها موصولة على نحو داخلي بتطور المعرفة العلمية وإجرائها العملي.
والواقع أن هذا الاختلاف في تحديد طبيعة الاشتغال الإبستمولوجي، ليس مجرد اختلاف بين باحثين أو ثلاثة، بل هو يقسم فلاسفة العلم إلى شطرين، حيث يذهب قسم منهم، كجون ستيوارت مل، وبرتراند راسل، وكارل بوبر، غالبا، إلى النحو منحى التقليد الكانطي، فيحددون الشروط المنطقية والنظرية للعلم، بينما يذهب قسم آخر إلى النحو منحى البحث في آليات اشتغال العلوم في صيغها التطبيقية، مثل بيير دوهيم، وإرنست ماخ، ولوتمان وكانجيليم.
إضافة إلى هذا الاختلاف، فثمة تباين يمكن تصنيفه من منظور جغرافي، إذ إن الإنجليز يحددون الإبستمولوجيا بوصفها «نظرية المعرفة»، بينما التقليد الفرنسي يذهب إلى اعتبارها «نظرية العلوم». وتماشيًا مع هذا التقليد، نجد لالاند يعرفها بـ«الدراسة النقدية لمبادئ العلوم ولفرضياتها ونتائجها، بقصد تحديد أصلها المنطقي لا السيكولوجي، وبيان قيمتها وحصيلتها الموضوعية».
وثمة نقاش سائد بين الباحثين حول أي الدلالتين أدق في توصيف مبحث الإبستمولوجيا، أهي الدلالة الإنجليزية أم الفرنسية؟ وهناك اجتهادات تميل إلى تغليب هذا الطرف، وأخرى تميل إلى ترجيح الآخر. غير أن هذه الاجتهادات في عمومها، محكومة بهاجس الإقليمية لا بهاجس المعرفة! أو لنقل بتعبير مخفف، إنها محكومة بالذوق الفكري السائد، ومتأثرة به.
ويبدو لي أن الخلاف بين هذين التقليدين ليس بالخلاف الجذري الذي يصعب على المرء أن يذهل عن المشترك بينهما. بل إن الإيغال في محاولة إبرازه أو التخفيف منه، يدفع إلى نسيان الأهم، وهو أن هذين التعريفين معا يحتاجان إلى مراجعة. وفي سبيل إيضاح رؤيتنا، يمكن أن نوجز ذلك فيما يلي:
أولا، من حيث الدلالة، فلا بد من توسيع حقلها لتصير الإبستمولوجيا خطابا نقديا في المعرفة عامة، سواء كانت علمية بحصر المعنى (أي العلوم الدقيقة)، أو كانت علومًا إنسانية، أو حقولا معرفية فنية.
ثم ثانيا، إن الإبستمولوجيا هي أيضًا خطاب في المعرفة ومنتجاتها. وبذلك لا تدخل في مجالها كل أنماط المعرفة فحسب، بل إنه بالتنصيص على منتجاتها، فإننا بذلك ندخل، فيما يخص المعرفة العلمية، التقنية كموضوع يستوجب التفكير والمساءلة الإبستمولوجية. ومن ثم يمثل هنا السؤال الأخلاقي، الذي نرى اليوم أنه أخذ في الحضور، ولو باحتشام في فلسفة العلم، لكننا ندعو إلى جعله جزءا من صلب الاهتمام الإبستمولوجي وليس مجرد تأمل خارجي عن العلم. خصوصًا أن التقنية ليست مجرد كينونة آلية، بل هي نمط في التفكير أيضًا.



مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي
TT

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

بعكس ما كانت عليه حال الرسامين في العراق من ميل للتجريد بحثاً عن هوية عالمية تكون بديلاً عن هوية محلية عمل رسامو الخمسينات على خلقها، ظهر بداية سبعينات القرن الماضي جيل جديد من النحاتين الذين وجدوا في التشخيص ضالتهم في التعبير عن رؤيتهم المعاصرة التي كانت في جزء مهم منها تجسيداً لمحاولة تجريبية يكمن أساسها في البحث عن مقاربات انفتحوا من خلالها على إنجازات النحت العالمي من غير أن يتخلوا عن شغفهم في الامتزاج بغموض اللحظة الجمالية التي عاشها النحات العراقي القديم بأساليب ومواد مختلفة، بدءاً من سومر وانتهاء بآشور مروراً ببابل. كان مكي حسين مكي (1947) الذي توفي أواخر العام الماضي في برلين واحداً من أهم أبناء ذلك الجيل.

وعلى الرغم من أن الجسد البشري كان ولا يزال محور النحت في كل أزمنته فإن نحاتي الحداثة الفنية نجحوا في إزاحة أيقونيته بعدّه رمزاً مقدساً وصولاً إلى إلحاقه برمزية جديدة عبارة عن تصوير لتجليات صلته بالحياة المباشرة بكل ما خالطها من فوضى وعبث وخواء وسواها من معاني الشقاء الوجودي.

كان النحات السويسري ألبرتو جياكومتي هو عنوان ذلك التحول. ذلك التحول الذي وجد صداه في تجربة مكي حسين بطريقة فتحت أمامه الأبواب للولوج إلى مسألة الجسد السياسي جمالياً. ولأن السياسة لا تحمل إلى الفن صفات حميدة، فقد كان الفنان العراقي الذي عاش مطروداً من وطنه منذ عام 1979 حتى وفاته سعى إلى التعامل مع الجسد بعدّه خلاصة جمالية وليس مجرد وثيقة يمكن ربطها بزمن محدد.

صحيح أن النحات حسين كان قد عاش حياة قلقة، بالأخص في المرحلة التي تلت هروبه من بغداد وانضمامه إلى المجموعات المقاتلة مع الأكراد شمال العراق ومن ثم الشتات، غير أن الصحيح أيضاً أنه كان يفكر بطريقة عميقة في الوضع البشري بصورته المطلقة. وهو ما حرره من عبء اللحظة الراهنة ووهب منحوتاته طابعاً زمنياً يقع خارج زمن إلهامها. إنه زمن الفن.

خيال الأسئلة الوجودية

«صرخة من عمق الجبال» ذلك هو عنوان المعرض الذي أقامه في لاهاي الهولندية. كان ذلك هو آخر معارضه ويمكن عدّه تحية وداع وخلاصة حياة.

غير أن ذلك ليس كل شيء. فالسنوات التي عاشها النحات في الغربة نجحت في ترويض ذاكرته السياسية انتصاراً للفن. تلك فكرة استمدها الفنان من خبرة أصابعه الجمالية وخيالها.

إلى جانب الجسد كانت لدى الفنان مفرداته التي يمكن النظر إليها بطريقتين من جهة المعنى. الإطار المربع والكرة. وهما مفردتان مركزيتان في لغته التشكيلية.

هل كانت الذاكرة السياسية ضرورية بالنسبة لمكي حسين الذي عُثر عليه ميتاً في شقته بعد أربعة أيام من وفاته؟ لقد اكتشف النحات في وقت مبكر من حياته أن أزمة الإنسان تكمن في مسعاه الوجودي من أجل التعرف على معنى مصيره وما ينطوي عليه ذلك المصير من اقتراحات خلاقة. معرضه الأخير كان شهادة، ولكنها شهادة لا تقع فيما هو متعارف عليه في عالم السياسة. كان صرخة احتجاج لم تضع كل شيء في سلة النهايات. لقد أراح الفنان ضميره حين قدم جردة حساب شاملة من غير أن يستثني المسكوت عنه لأسباب حزبية غير مقنعة.

ولأن مكي حسين واحد من أكثر تلاميذ جياكومتي العراقيين كفاءة في تجريد الجسد من مؤهلات غوايته الخارجية وتقشيره وصولاً إلى جوهره فقد نجح في استخراج مفهوم الجسد السياسي من حيزه الضيق ليحرره من الأفكار الجاهزة أو المتاحة. لذلك لم يلجأ إلى تصويره، مقاوماً لظرف تاريخي جائر أو ضحية لتبدل في مزاج مقهور. وكان في ذلك ذكياً في التعبير عن انحيازه للفن، بوصفه ناقداً لا يخطئ طريقه في محاولة الوصول إلى مواقع الجمال الكامنة في التجربة الإنسانية.

كائنات على وشك التحليق

كل الكائنات التي نحتها مكي حسين تبدو في وضع قلق غير متوازن، كما لو أنها مهددة بالسقوط في أي لحظة. وهو ما يعكس شعور الفنان باكتظاظ التجربة الإنسانية التي عاشها بالأسئلة العائمة التي ظلت من غير جواب.

يقف أحد تلك الكائنات بقدم واحدة على مكعب فيما تُركت القدم الأخرى في الهواء كما لو أنه مشهد راقص أراد الفنان من خلاله أن يكسر واحدة من أهم قواعد النحت، وفي عمل آخر يحاول الكائن أن يتسلق سلماً تُركت نهايته سائبة في الفضاء. وهو ما يهب الفراغ قوة هي ليست منه. في الحالين تبدو المحاولة كما لو أنها صُممت من غير هدف إلا المجازفة في القيام بفعل بطولي خارق ومدهش بغض النظر عما ينطوي عليه من عبث.

لا يخلو ذلك العبث من فكرة ثورية، عرف الفنان كيف يجسدها من خلال عمله الذي صور من خلاله ذلك الكائن الذي يحمل صخرة على هيئة كرة ثقيلة كما لو أنه يحتضن مصيره ليذهب به إلى مكان آمن. وكما أرى فإن النحات الذي عاش حياته مُقتلَعاً كان مضطراً إلى حمل ذاكرته بمحتوياتها التي لا تسرعلى الرغم من شعوره بعبثية ما يفعل.

ليس من الصعب القول إن النحات كان يقاوم غربته بمفردات معجمه الثوري الذي يهب الإنسان قدرة استثنائية على مقاومة الظرف التاريخي. تلك فكرة ملهمة تساعد على العيش على الحافات. كما أنها بالنسبة له فناناً تشكل منجماً لتحديات، هي في حقيقتها المنقذ من رتابة العيش الذي يمر من غير معنى. في أكثر حالاته انغماساً في التقاط مسراته السابقة لم يكن مكي حسين إنساناً سعيداً.

النحات السياسي مقاوماً

وبسبب تربيته اليسارية، كان مكي حسين يفكر في المآل الرمزي لكائناته المشدودة مثل حبل قلق بين آمالها المخيبة وهزيمتها. إنه يدرك أن المحتوى الحكائي سيتم استهلاكه عبر مرويات قد تخون الحقيقة؛ لذلك انتقل بكائناته إلى المجال الرمزي الذي تبدو من خلاله تلك الكائنات كما لو أنها قُدّت من مادة أثيرية. في منحوتته «عبير في حلم زيارتها لأهلها» استلهم حسين حادثة واقعية، جريمة ارتكبها الجنود الأميركان في الفلوجة عام 2004 يوم اغتصبوا الطفلة عبير وقتلوها. وها هي عبير تعود إلى أهلها من خلال منحوتة الفنان بعدّها رمزاً للمقاومة.

لم تكن الطفلة عبير جسداً سياسياً بقدر ما كانت وطناً لأسئلة المصير الوجودية التي كان النحات مصراً على مواجهتها. من خلال أكثر من عشرين عملاً نحتياً صغيراً لخص فيها موقفه من الاحتلال الأميركي، استعاد مكي حسين انسجامه الروحي مع الجسد بوصفه موطن حكايات ومنجم أسئلة. ولكن الصعوبة تكمن في أن فناناً بنى تجربته على التفكير في الخلاصات لا يمكنه أن يكون حكائياً. هنا بالضبط تكمن أهمية فن مكي حسين الذي يمكن عدّه حدثاً مهماً في تاريخ النحت في العراق. من خلال ذلك الفن لن نعثر على حكايات تم اختزالها في جملة واحدة. هي تلك الجملة يتناغم فيها الجسد مع مصيره وهو جسد لم يخن أبجدياته حين ملك القدرة على إخفائها.

كان مكي حسين دائماً نحاتاً سياسياً لكن برؤية جمالية أنقذت الوقائع اليومية من بنيتها الهشة لتهبها قوة الإلهام ورهافته.


رامبو في مرآة العباقرة

رامبو
رامبو
TT

رامبو في مرآة العباقرة

رامبو
رامبو

«سأغادر أوروبا. هواء البحر سوف يحرق رئتي، والمناخات البعيدة الضائعة سوف تسمر بشرتي. السباحة، هرس العشب، الصيد والقنص، التدخين بشكل خاص. سوف أشرب سوائل كالمعادن التي تغلي كما كان يفعل أسلافي الأعزاء حول مواقد النيران».

«سأعود بأعضاء من حديد، الوجه أسمر، والعين حانقة. ومن خلال قناعي سوف يقولون إني أنتمي إلى عرق قوي. سوف أمتلك الذهب».

«كان ذلك في البداية دراسة. كنت أكتب الصمت، الليالي، كنت أعبّر عمّا لا يُعبَّر عنه، كنت أثبت الدوخان».

«لم يبقَ شكل من أشكال الجنون إلا وعرفته». «الصراع مع الذات لا يقل خطورة عن معارك الرجال».

«لكن لماذا نتحسر على شمس أبدية إذا كنا منخرطين في البحث عن النور الإلهي - بعيداً عن البشر الذين يموتون على الفصول».

«آه لو الأزمنة تجيء... حيث تشتعل القلوب».

(مقاطع متفرقة من فصل في الجحيم)

والآن دعونا ندخل في صلب الموضوع. ماذا يقول المشاهير عن أزعر فرنسا الأكبر: آرثر رامبو؟ ماذا يقولون عن هذا المتمرد الأفاق الثائر على كل الأعراف والتقاليد؟ ماذا يقولون عن هذا العبقري المتوهج أو المتأجج الذي فجَّر الشعر في كل الاتجاهات؟ الجميع يستغربون كيف يمكن أن ينهي كاتب ما حياته الأدبية وهو في سن العشرين فقط. كيف يمكن أن يختتمها في مثل هذه السن المبكرة؟ ثم يتساءلون: هل يعقل أن يحدث هذا الشخص ثورةً شعريةً كبرى وهو لا يزال طفلاً في الـ15 أو الـ16؟ لا يوجد تفسير مقنع لهذه الظاهرة التي حيَّرت البشرية. يمكن القول إن العبقرية هي انفجار جنوني أو إعصار بركاني يهب فجأة، ثم ينطفئ، ولا تفسير له غير ذاته. هل هناك من تفسير لهبوب الرياح أو تفجر الينابيع أو تدفق الشلالات؟ رجاء تفهموا الوضع: العبقريات استثنائية، وجنونها خارق واستثنائي أيضاً. لا تحاولوا تفسير الظواهر الخارقة. لا تقيسوها بمقاييسكم الضيقة.

يعترف لويس أراغون بأن رامبو كان الأب الروحي لقادة «الحركة السريالية»؛ من أمثال أندريه بريتون وسواه. يقول ما معناه: لقد كنا أول مَن رأى العالم على ضوء الشمس الساطعة لرامبو. ثم يضيف قائلاً: «في أحد الصباحات فتحت بالصدفة ديوان (الإشراقات)، وفوراً اختفت من أمامي كل الوجوه الكالحة والخائبة للحياة. فجأة شعرت بتدفق الحياة والحيوية في شراييني وعروقي بعد أن كنت يائساً شبه ميت... فجأة راحت البحار تزمجر، والأمواج تتصاعد فوق البيوت. فجأة راح طوفان نوح يغمر البشرية. ما هذا الشعر؟ ما هذا الجنون؟ يا إلهي ما أجمل الوجود في حضرة رامبو! فجأة راحت أزهار خارقة جديدة، لم أشهدها قط من قبل، تتفتح وتبتسم لي، وأكاد أقول تغازلني. فجأة راح عالم جديد بكر ينبثق أمامي ويتلألأ. رامبو يبدد الظلمات».

وأما ذلك المجنون الآخر تريستان تزارا، الذي أسَّس الدادائية أم السريالية، فيقول لنا هذه العبارة المدهشة: «بمعنى من المعاني يمكن القول إن شعر رامبو كان يحتوي منذ البداية على جرثومة تدميره أو بذرة تدميره. ولهذا السبب سكت نهائياً بعد العشرين. والشعر إن لم يكن تدميراً للشعر فما قيمته وما جدواه؟».

وأما موريس بلانشو، الذي بلغ بالنقد الأدبي الفرنسي ذروة العبقرية الخلاقة، فيقول لنا ما فحواه: لقد اتخذت فضيحة رامبو أشكالاً وأنواعاً عدة. فهو أولاً أتحفنا ببعض الروائع الأدبية والقصائد العبقرية التي لا يجود بها الزمان إلا قليلاً. وهو ثانياً سكت نهائياً وصمت صمت القبور، في حين إنه كان قادراً على إبداع قصائد أخرى جديدة لا تقل عبقريةً عمّا سبق. وقد أحبطنا ودمَّرنا بفعلته تلك. لقد أوصلنا إلى منتصف البئر وقطع الحبلة فينا. وهذه فضيحة كبرى. هذا ما لن نغفره له أبداً. ما فعله رامبو انتحار حقيقي، بل أفظع من الانتحار وأخطر من الجنون. إنه انتحار جماعي ضمن مقياس أنه نحرنا معه أيضاً. يا أخي لماذا تسكت عن الإبداع الشعري الأعظم في مثل هذه السن المبكرة؟ يا أخي لماذا تحرمنا من القصيدة وأنت قادر عليها؟ إنه الكفر المحض. لإيضاح كل ذلك اسمحوا لنا نحن العرب أن نقول ما يلي: هل تعتقدون أن المتنبي كان سيحرمنا من أعظم القصائد لو أنه عاش عشر سنوات إضافية فقط: أي حتى الستين؟ كان حتماً قد أتحفنا بديوان جديد آخر أهم من السابق. ولكنه قُتل في الخمسين وسقط مضرجاً بدمائه. وهذه أكبر كارثة حلَّت بتراثنا الأدبي والشعري على مدار 2000 سنة من تاريخه. لقد سقط المتنبي شاباً في عز العمر وأوج العبقرية: خمسون سنة فقط. ولا نزال ندفع ثمن هذه الجريمة منذ عام 965 ميلادية وحتى اللحظة. كنا نتمنى فقط لو أنهم اغتالوه في السبعين أو الثمانين بعد أن يكون قد نضب بركانه الشعري المتأجج وليس في الخمسين. أما رامبو فقد عاش 17 سنة إضافية دون أن يكتب حرفاً واحداً، دون أن ينبس ببنت شفة، دون أن يتحفنا بقطرة واحدة تروي الغليل. عيب عليك يا رامبو. اخجل على حالك.

وأما إيف بونفوا، فيقول لنا ما فحواه: إن عظمة رامبو تكمن في أنه رفض هامش الحرية الصغيرة الضيقة التي كان يؤمنها له عصره وبيئته وقريته. معظم الناس كانت تكفيهم تلك الحرية الضيقة الصغيرة ولكن ليس هو. ولذلك فضَّل أن يخوض تلك المعركة التراجيدية مع المطلق الأعظم حتى ولو تهشَّم رأسه على صخرته. وقد تهشم في نهاية المطاف في بلاد العرب، في حرار أو عدن أو اليمن... بمعنى آخر: لنا الصدر دون العالمين أو القبر. لا يوجد حل وسط في قاموس رامبو. ولكن هذا القرار الجنوني الذي اتخذه في غفلة من الزمن هو الذي جعل من أشعاره القصائد الأكثر راديكالية، وبالتالي الأكثر تحريراً وحريةً في تاريخ الآداب الفرنسية.

وأخيراً، لقد أتحفنا رينيه شار، رامبو القرن العشرين، بمقالة رائعة مطلعها: «حسناً فعلت إذ رحلت آرثر رامبو».


سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية

سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية
TT

سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية

سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية

في روايته الجديدة «معزوفة اليوم السابع» الصادرة في القاهرة عن دار «الشروق»، يكشف الروائي الأردني جلال برجس أنه استلهم فكرة العمل من لقاء واقعي بشاب غجري عام 2012؛ حيث نشأت بينهما «صداقة صامتة» انتهت بموقف إنساني حين دثره الكاتب بمعطفه، ليكتشف لاحقاً نبل أخلاق الشاب رغم الفقر والتشرد.

يروي برجس، فيما يشبه مقدمة للنص، كيف أنه في أحد الصباحات الربيعية من عام 2012 وبينما ينتظر حافلة تقله إلى عمله شاهد شاباً غجرياً يكنس الشارع على أنغام موسيقى تصدر من هاتف نقال معلق في خاصرته، كان يقفز بحركات رشيقة والمكنسة بين يديه طيعة كأنها امرأة يراقصها، وفي لحظة تقمص متقنة تتحول إلى بندقية يصوبها نحو أعداء مفترضين.

اعتاد رؤية الغجري ونشأت بينهما صداقة صامتة لا يتخللها سوى تحيات خاطفة، وفي أحد صباحات الشتاء الباردة لم يجد ذلك الشاب، لكنه سمع أنينه وهو يتوارى وراء جدار. وقبل أن يغادر خلع معطفه ودثره، عند المساء وجده بانتظاره يضع معطفه على يده ليعيده له قائلاً: «لست مجنوناً وليس بالضرورة أن يكون الغجري لصاً كما يُشاع».

في تلك اللحظة وهو يتأمل خيام الغجر على طرف المدينة ولدت فكرة هذه الرواية التي تحكي سيرة المصير الإنساني وكيف يمكن للآدمي أن يكون وحشاً وفي الآن نفسه حملاً وديعاً في مدينة مكونة من سبعة أحياء: جنوبها مخيم كبير لغجر مطرودين منها وغربها جبل على قمته قبر جده الأول، مدينة يصاب سكانها بوباء غريب.

تستعرض الرواية الصراع بين الجانب «الوحشي» والجانب «الوديع» في النفس البشرية، عبر نص يُعد استبطاناً للهم الإنساني وتناقضات العالم، وكيف نقع جميعاً ضحايا للانطباعات المسبقة الخاطئة والتحيزات النمطية، مع سرد يتحرك صعوداً وهبوطاً بين الماضي والحاضر والمستقبل ليسلط الضوء على تراجع القيم الإنسانية. من أجواء الرواية:

«لم يخبر الرجل أحداً بنيته إلا الفتاة اليتيمة التي لا أهل لها، قبل طلوع الفجر كان قد تجاوز حدود القرية حين فوجئ بتلك الفتاة تلحق به وتقرن مصيرها بمصيره لما في قلبها من حب عارم له وسأم من تلك القرية. مضيا في طريقهما وتواريا عن الأنظار وليس في جعبتيهما شيء سوى ناي ورثه الرجل عن أبيه ولا يعرف عنه شيئاً غير أنه قُدّ من شجرة نادرة ونُذر لزمن قادم ليصد البلاء ولا مهمة له إلا الحفاظ عليه.

سارا لأيام يعبران سهولاً وجبالاً وودياناً، لا يأكلان غير قليل مما يجدانه في طريقهما من طيور وأرانب وبعض الثمار، إلى أن وصلا ذلك السهل مع شروق الشمس، حيث بدا كل شيء حولهما بكراً كأنه يولد للتو: الأشجار باخضرارها الناصع وحفيف أغصانها يتهادى إلى مسمعيهما واضحاً ونقياً، خرير الماء وهو يتدفق من شق صخري ويرسم له مجرى يروح إلى البعيد باعثاً في الهواء رائحة تلاقيه بالتراب. كل شيء كان على نحوٍ بدائي: نقيق الضفادع، زقزقة العصافير وتغريدها، ضغيب الأرانب، ضباح الثعالب، عواء الذئاب، ثغاء الماعز، سليل الغزلان. كل شيء حولهما بدا لهما على ذلك النحو، حتى الهواء وهو يلفح جسديهما بخفة، وهما غارقان في الحيرة والخوف والتيه».