باريس تواصل تراجعاتها التدريجية إزاء الأزمة السورية

بسبب إعادة ترتيب أولوياتها ومحاربة الإرهاب.. قررت القبول بالأسد في المرحلة الانتقالية

وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس (رويترز)
وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس (رويترز)
TT

باريس تواصل تراجعاتها التدريجية إزاء الأزمة السورية

وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس (رويترز)
وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس (رويترز)

المعادلة العسكرية السياسية الصعبة التي يسعى الغربيون لحلها في سوريا لخصها وزير الخارجية الأميركي جون كيري قبل يومين كالتالي «الجميع يعرف أننا إذا لم ننجح في إيجاد قوات أرضية مستعدة لمحاربة (داعش) ميدانيًا، فإننا لن نستطيع أن نكسب هذه الحرب تماما من خلال الضربات الجوية وحدها».
وبما أن الغربيين وعلى رأسهم الطرف الأقوى «الولايات المتحدة الأميركية» الذي يتمتع بإمكانيات لا تضاهى غير مستعد بتاتًا على عتبة الانتخابات الرئاسية والتشريعية لإرسال قوات أرضية إلى العراق وسوريا باستثناء بضع مئات من الخبراء وقوات الكوماندوز للعمليات الخاصة، فإن البحث جار لإيجاد حل لهذه المعادلة. ولخص كيري رؤيته الخميس الماضي بالقول إن الطريق إلى ذلك يمر من خلال «قيام الجيش السوري (الرسمي) والمعارضة بالعمل معا وكذلك الولايات المتحدة وروسيا وآخرين بمحاربة (داعش)». لكنه أضاف أن أمرا كهذا لا يمكن أن يتحقق من غير عملية انتقال سياسية.
الكل يحاول، ومن بينهم وزير الخارجية الفرنسية لوران فابيوس، الذي تجد بلاده نفسها في المواقع الأولى بعد العمليات الإرهابية التي ضربتها في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) والتي أوقعت، في قلب باريس 130 قتيلا و350 جريحا. وبما أن الرئيس فرنسوا هولاند أعلن في السادس عشر من الشهر نفسه أن «(داعش) عدو فرنسا» وأن بلاده «عازمة على تدميره»، فإن باريس اضطرت لإعادة ترتيب أولوياتها. وما التصريحات المتلاحقة للوزير فابيوس عن «داعش» والنظام وإمكانيات العمل معه وعن مصير الرئيس السوري إلا «تنويعات» ومحاولات لإظهار أشكال التعاون الممكنة مع النظام وقواته مع الإيحاء بأن باريس ما زالت على مواقفها.
آخر ما جاء به الوزير الفرنسي ورد في مقابلة صحافية مع جريدة «لو بروغريه» (التقدم) الصادرة في مدينة ليون. إذ أعلن فابيوس أن «التجربة تظهر أكان ذلك في أفغانستان أو العراق، أن وجود قوات غربية يجعلها تظهر على أنها قوات احتلال. لذا، فإن العمليات (الأرضية) يجب أن تقوم بها قوات محلية من المعارضة السورية المعتدلة والعرب والأكراد وذلك بالتعاون مع الجيش السوري»، قبل أن يستدرك الوزير فيقول: «لكن هذا سيكون مستحيلا من غير عملية انتقال سياسية». هذا، وسبق لفابيوس أن أعلن الخميس الماضي أن هذا النوع من التعاون «لن يكون ممكنا طالما بقي الأسد من يقود القوات السورية».
الحقيقة، أن الجميع متفق بخصوص الحاجة لقيام عملية انتقال سياسية منذ خريطة الطريق الصادرة في جنيف نهاية يونيو (حزيران) 2012، لكن السؤال الذي أجهض مفاوضات «جنيف 2» وكاد يودي بمفاوضات فيينا الشهر الماضي هو موقع الأسد خلال المرحلة الانتقالية وزمن خروجه من الصورة.
من هنا، فإن ما قاله فابيوس أمس يبين المسار التنازلي والتدريجي الذي سلكته باريس خلال الأشهر الأخيرة. فبعدما كانت تصرّ، كما المعارضة السورية ممثلة بـ«الائتلاف الوطني، على خروج الأسد من الصورة كشرط للولوج إلى العملية السياسية، فإن فابيوس يقول اليوم إن المحافظة على سوريا الموحدة يفترض عملية سياسية، ولكن هذا لا يعني أنه يتعين على بشار الأسد أن يرحل قبل بدء العملية ولكن يتعين توافر ضمانات للمستقبل».
«ترجمة» كلام الوزير الفرنسي تعني القبول ببقاء الأسد طوال المرحلة الانتقالية مع توفير وعود روسية بالدرجة الأولى، وربما أيضًا إيرانية، تضمن خروجه من السلطة «في وقت ما» لا أحد قادر اليوم على تحديده. وواضح أن باريس التي كانت تفرض «روزنامة محددة» لخروج الأسد تراجعت أيضًا بالنسبة للجانب الزمني بفعل أربعة عوامل فصلتها مصادر دبلوماسية أوروبية تحدثت إليها «الشرق الأوسط» في باريس أمس وهي كالتالي:
العامل الأول، سعي فرنسا لتسريع التقارب مع موسكو التي ترفض حتى الآن أي حديث علني عن رحيل الأسد وتجعل مصيره رهنا بما يقرره السوريون أنفسهم خلال انتخابات يفترض أن تجري، بحسب ورقة الطريق الصادرة عن اجتماع فيينا الدولي الشهر الماضي بعد 18 شهرا.
والعامل الثاني، الاستماع لدعوات «وضغوط» المعارضة الفرنسية التي تدفع للتقارب مع النظام السوري وتعتبر أن السياسة الفرنسية السابقة قادت الحكومة إلى طريق مسدود.
أما العامل الثالث فيتمثل في حاجة فرنسا لتكريس جهودها لمحاربة إرهاب الداخل، مما يفترض التعاون بين الأجهزة المختصة في كل من باريس ودمشق وبالتالي الانفتاح على النظام السوري.
وأخيرًا، العامل الرابع، «التناغم» مع التحولات التي تعرفها المواقف الأميركية والغربية من النظام ومن سوريا، حيث أخذ الغربيون «يكتفون» بخروج لاحق للأسد ويتحلون بـ«الليونة»، وفق تعبير الوزير كيري، في تحديد زمن رحيله عن السلطة.
الصدفة شاءت أن تتزامن تصريحات فابيوس أمس مع تصريحات مماثلة لجون كيري الذي أعلن أول من أمس أنه «من الصعب أن تتعاون المعارضة مع النظام ميدانيا ضد (داعش) من غير مؤشر بأن تسوية أو حلا يلوح في الأفق». أما معرفة متى «يلوح الحل» فإنه يدخل في علم الغيب، وهو شبيه بقول أصبح مأثورا للدبلوماسية الفرنسية بأن الرئيس الأسد «لا يمكن أن يكون مستقبل سوريا».
يرى محللون مرموقون في باريس بينهم فرنسوا هيسبورغ أن باريس لن تلاقي النجاح في مسعيين أساسيين تريد تحقيقهما: الأول، إيجاد تحالف عريض أو موحد يضم التحالفين المتنافسين حاليًا، أولهما الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية ويضم نحو ستين دولة وثانيهما بقيادة روسية ويضم، إليها، إيران والعراق والنظام السوري. والهدف الثاني جعل قوات المعارضة والنظام تعمل معا لمحاربة «داعش». وحجة هؤلاء أن أربع سنوات من الحرب الشرسة التي سقط فيها مئات الآلاف من الضحايا وأدت إلى تدمير مناطق كاملة وحصول فظاعات لا يمكن أن تنسى بسرعة، خصوصًا في حال غياب أفق سياسي محدد.
ربما أفضل دليل على إخفاق مساع من هذا النوع التجربة الأميركية التي فشلت في تجنيد وتدريب آلاف المعارضين لأنها فرضت عليهم التوقيع على تعهد بمحاربة «داعش» فقط وليس النظام. والثابت أنه من الصعب الفصل بين الأسد ونظامه وبين القوات المسلحة، سيما إذا لم تكف يد الأسد عن التحكم بالقوات المسلحة التي تأتمر بأوامره مباشرة وعبر قيادة وفية له تمام الوفاء. والوزير فابيوس واع لهذه الصعوبة لأنه أعلن الأسبوع الماضي أنه «من الصعب أن تعمل (المعارضة) مع الجيش السوري طالما بقي الأسد على رأسه.. الأمر الذي يحيلنا إلى المسألة المركزية وهي صلاحيات الحكومة الانتقالية ودور الأسد فيها سياسيا وعسكريا. وكل ذلك، سيكون موضع تفاوض مجددا في نيويورك في الثامن عشر من الشهر الحالي بمناسبة الاجتماع الذي دعا إليه الأمين العام للأمم المتحدة في المدينة الأميركية بدلاً من فيينا». ويريد بان كي مون إطلاق المفاوضات السياسية بين المعارضة والنظام وتحقيق وقف شامل لإطلاق النار على كل الأراضي السورية فيما تسعى موسكو وواشنطن للترويج لمشروعي قرار لخنق «داعش» ماليا.



مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.