الحيوان يستفيد من فائض الكرامة

الميراث الغربي أقل احترامًا من الشرقي للحيوانات.. لكن فكرة حقوقها ولدت لديه

الحيوان يستفيد من فائض الكرامة
TT

الحيوان يستفيد من فائض الكرامة

الحيوان يستفيد من فائض الكرامة

اعتاد سكان في بلدة صغيرة تدعى هيجنز، في بنسلفانيا الأميركية، الاحتفال بعيد العمال بنكهة خاصة جدا، حيث كان يقام مهرجان لصيد الطرائد الحية، يفد إليه الناس من جميع أنحاء العالم، ليعيشوا مراسم الاحتفال على الطريقة التالية: يجري إطلاق نحو 5 آلاف حمامة من محابسها، واحدة تلو الأخرى، ليطلق عليها الرصاص، فيقتل بعض هذا الحمام والبعض الآخر يصاب بجروح بليغة، فتموت ببطء في الغابات المجاورة. لكن الأدهى من كل هذا، هو ما كان يفعله الأطفال الصغار. فقد كانوا يجمعون الحمام الجريح ويقتلونه إما دهسا بالأقدام، أو بفصل رؤوسها عن أجسادها، أو سحقها، أو قذفها في البراميل لتموت مختنقة. لم يكن هؤلاء الصيادون والأطفال يقومون بأنشطتهم في الخفاء، إذ كان المتفرجون وهم بالآلاف، يدفعون تذاكر لحجز مقاعدهم، ويشربون الجعة، ويصرخون معربين عن تأييدهم ومتعتهم بما ينجزه الصيادون والأطفال.
لقد أخذنا هذا المثال من مؤلف بعنوان «حقوق الحيوان»، لمؤلفه ديفيد ديغراتسيا، الذي قام بترجمته للعربية محمد سعد طنطاوي، وهو من إصدار مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة سنة 2014، ضمن سلسلة مقدمة قصيرة جدا، وهو مثال يجسد عادات قتل الحمام فرحا وليس حاجة.
إلا أن الجانب الآخر من هذا المثال، يختلف تماما عن عبث الصيادين والأطفال بمصير الحمام، حيث إنه وجراء ضغط بعض المؤسسات الحقوقية، جرى سنة 1998، حظر إقامة هذا المهرجان، مما يدل على أن هناك تقدمًا أخلاقيًا كبيرًا تجاه الحيوان. فمن الذي يجعل إطلاق الرصاص على الحمائم الحية من أجل المتعة والقفز عليها حتى الموت، وفصل رؤوسها عن أجسادها معضلة أخلاقية؟ بعبارة أخرى، أين الخطأ في تصرفات الصيادين والأطفال؟ وما دلالة أن الحيوانات لها مكانة أدبية؟ بكلمة واحدة ما حقوق الحيوان؟
عمومًا وعبر التاريخ، كان يجري التعامل مع الحيوانات على أنها مجرد وسيلة، فهي موجودة من أجل الاستخدام الآدمي، وإن كنا نجد أن الفكر الشرقي هو أقل تعنيفا للحيوان من الفكر الغربي. فالمذاهب الهندية والهندوسية والبوذية، تقبل، بصورة أو أخرى، بمبدأ «أهيمسا»، وهو مبدأ يدعو لعدم إيذاء جميع المخلوقات الحية، واحترام جميع أشكال الحياة. فالكائنات مترابطة فيما بينها. فلا يزال بعض الهندوس مثلا، يرون اليوم، أن إلحاق الأذى بالحيوان سيؤدي إلى التسبب في معاناة لاحقة للطرف المتسبب في الأذى. بل إن رحمة الحيوانات وعدم القسوة عليها، نجد لها ما يدعمها من نصوص الإسلام.
ومما يوضح بعضا من التصورات التي تجعل للحيوان المكانة السافلة في الفكر الغربي، هو ما راج عن الفيلسوف رينيه ديكارت، في القرن السابع عشر، عن كونها مجرد آلات عضوية تخلو من العقل والمشاعر. فديكارت، كما هو معلوم، وجراء نزعته الميكانيكية للعالم، كان يقسم الإنسان إلى نفس وجسد. فأما النفس فهي ميزة بشرية خاصيتها الفكر والحرية. بينما الجسد هو امتداد للطبيعة، وخاصيته القصور والعطالة والخضوع لعلية الطبيعة وقوانينها الصارمة. فهو أصم لا روح فيه ولا حرية ولا فكر. ومن ثم سيبالغ ديكارت بجعله الحيوان مجرد جسد شبيه بالآلات التي يصنعها الإنسان، وكل الفرق في كمال الصنع.
إن ديكارت قد أفرغ العالم من الروح، بما فيها حتى الحيوانات التي تعد أفعالها مجرد انعكاسات واستجابات للمنبهات الخارجية. وهي الفكرة التي وجدت لها صدى في زمانها، لكن فقدت، الآن، أهميتها، إلى درجة القول إنها ساذجة. فعلى الرغم من أننا وجدنا بعضا من صداها حتى حدود القرن العشرين، داخل المدرسة النفسية المسماة بالسلوكية، التي أقامت التجارب على الحيوانات من منطلق أنها مجرد آلة تخضع لقاعدة المثير والاستجابة، الأمر الذي يجعل من الصعب علينا إيجاد سند علمي للرحمة تجاه الحيوانات.
إذا كان الميراث الغربي هو بصورة عامة، أقل احتراما من الميراث الشرقي للحيوانات، فإن فكرة حقوق الحيوان بمعناها المعاصر هي وليدة الغرب، فأول حركة مهمة لحقوق الحيوان ظهرت في بريطانيا، في القرن 19، وتمثلت في معارضة استخدام الحيوانات في الأبحاث العلمية من دون تخديرها. لكن الأمر سيزداد قوة في ستينات وسبعينات القرن العشرين، جراء الأزمة البيئية الخانقة التي تعصف بالأرض إلى درجة السؤال عن أي فضاء سنترك للأجيال اللاحقة؟ ناهيك على انقراض كثير من الحيوانات، مما يهدد السلسلة الغذائية التي يعد الإنسان أحد عناصرها، إضافة إلى تنامي الحركات الحقوقية في كل الجوانب، والدعوات إلى إيقاف كل أشكال التمييز العنصري والجنسي، مما فتح الباب أمام رفض الأشكال الأخرى من التمييز بما فيها الخاصة بالحيوان.
لقد أتاحت المخاوف بشأن التلوث وتدمير البيئة، فضاء ثقافيا مناسبا لتنامي فكرة حقوق الحيوان، التي ستترجم، عمليا، بتأسيس كثير من المؤسسات، نذكر منها: رابطة مفسدي الصيد الجائر البريطانية سنة 1963، وجماعة السلام الأخضر المناصرة للبيئة في عام 1971، ومنظمة الشعب من أجل المعاملة الأخلاقية للحيوانات في عام 1980. أما حاليا، فإن حركة حقوق الحيوان تشمل المئات من المنظمات وملايين الأعضاء، وترسانة من القوانين التشريعية الهامة، نذكر منها على سبيل المثال: قانون رفاهية الحيوان السويدي لسنة 1988، وميثاق الحماية الدولية للدلافين سنة 1992، وأخرى كثيرة. إضافة إلى تنامي الممتنعين عن أكل اللحوم، الذين ظهروا منذ ثلاثين سنة خلت كغرباء. لكن الآن الأمر انعكس تماما، إذ أصبحت النباتية أسلوبا ونمطا محبذا، ويأخذ اتجاها عاما. كل هذه الأمور، تدل على تغير في الثقافة الغربية، حيث أصبحت أكثر تقبلا لفكرة حقوق الحيوان، مما جعل التنظير الفلسفي ينشط في هذا الاتجاه، فبدأت الأسئلة تتناسل: هل تحظى الحيوانات بمكانة أو حقوق أدبية؟ وهل يمكن مساواتها بالتي للإنسان؟ ما الطرق الرئيسية التي يمكن أن تضار بها الحيوانات؟ هل أحاسيسها غير السارة من ألم وحزن وخوف وحبس؟ وهل حقا للحيوانات مشاعر؟ باختصار، ما مصالح الحيوان؟ وهل يمكن الادعاء أن جميع الكائنات التي لديها القدرة على المعاناة لديها مصلحة متشابهة في عدم المعاناة؟ ومَن الحيوانات المقصودة؟ هل هي بالإطلاق أم هي فقط الحيوانات الحساسة؟ هل تعاملنا مع أم الأربعة والأربعين يكون بالدرجة نفسها التي تعاملنا بها مع الكلب؟ أم أن هذا الكلام عبثي؟ بأي معنى يجب اعتبار ضرب الكلب مثلا عملاً خاطئًا؟ هل الكلب له قيمة في ذاته، ومن ثم وجب التعامل معه جيدا لأنه يستحق ذلك؟ أو بعبارة أخرى، هل نقول إن رفاهيته يجب أن ينظر لها بعين الجدية، وبمعزل عن مصالح البشر؟ هذه الأسئلة وأخرى هي مثار نقاش فلسفي حاد؟ بين من يجيب بالإيجاب ومن يجيب بالسلب. فما ملامح ذلك؟
إذا كان البعض يلح على الاعتبار المتساوي بين البشر والحيوان، البعض الآخر يعتبر هذا الأمر مردودًا، وذلك لأسباب متعددة، أهمها حجة العقد والتي مفادها، أنه إذا كان الحيوان غير قادر على إبرام التعاقدات والاتفاقات، فهو يفتقر للمكانة الأدبية التي للإنسان. ناهيك على أن البعض الآخر بحث عن حل وسط قائم على مقياس تراتبي. فإذا كان الإنسان له الاعتبار المتساوي الكامل، فإن الحيوانات تستحق الاعتبار بما يتناسب وتعقد قدراتها الإدراكية والشعورية والاجتماعية. فمعاناة قرد أقل من معاناة إنسان. لكن هي أهم من معاناة فأر، تعتبر معاناته أكثر أهمية من معاناة دجاجة.
وتجدر الإشارة إلى أن أهم أطروحة في مجال حقوق الحيوان، ظهرت في ثمانينات القرن العشرين، وكانت من نصيب الفيلسوف الأميركي طوم ريغان، المولود سنة 1938، بمؤلفه «حقوق الحيوانات»، حيث سعى فيه إلى دعم فكرة أن الحيوانات يجب أن تتمتع بحقوق أخلاقية، وحجته في ذلك، تمتح جذورها من التقليد المنحدر من كانط. فأطروحة هذا الأخير التي جاءت في القرن الثامن عشر، حيث كانت العبودية ما تزال طاغية، تعطي القيمة العالية للكائنات العاقلة فقط. فهي الوحيدة التي تستحق لقب شخص، ومن ثم التعامل معها كغاية في ذاتها. إذ ليس من حق أي إرادة أو أخرى، أن تبيع أو تشتري في الإنسان العاقل، لأنه، ببساطة، يمتلك الكرامة والعزة. أما ما تبقى من الأشياء والكائنات، فهي لا قيمة لها، إلا كونها وسيلة وأداة لمصلحة معينة. وهو ما جعل الفيلسوف طوم ريغان، الذي يعيش بالطبع في سياق مختلف وهو حصول الإشباع في حقوق الإنسان، ووجود فائض من الكرامة، ينتقد كانط، بدعوى أن أطروحته تهمل الحالات الخاصة والهوامش، مثل الأجنة والمعاقين ذهنيا، والرضع، والأشخاص الموجودين في حالة غيبوبة والمجانين. فهؤلاء بحسب طوم ريغان، يستحقون كل المكانة الأدبية، على الرغم من عدم امتلاكهم للعقل. فهل يعقل مثلا، أن نأخذ مجنونا ونتعامل معه كوسيلة، كأن نبيع أعضاءه مثلا، لمجرد أنه غير عاقل. أكيد هذا مخل ومنحط أخلاقيا. الأمر الذي جعل طوم ريغان يقترح حلا آخر هو: الحياة بدل العقل. فيكفي أن تكون حيا لكي تكتسي صفة شخص ومن ثم تنال الاحترام. طبعا، هذه الأطروحة جعلت طوم ريغان يقحم بسهولة، الحيوانات في منظومة الحقوق ما دام أنها تستشعر حياتها هي أيضًا.
في الختام، قد يبدو أمر التعامل باحترام مع الحيوان لذاته وليس كمتاع، أمرًا غريبًا عندنا في عالمنا العربي، مادام أننا ما زلنا نناضل لكسب حقوق الإنسان. ففاقد الشيء لا يعطيه، فالكرامة لن تفيض على المجال ما لم يجرِ إشباعها بالكامل.



شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

عن دار كنعان للنشر (دمشق - 2026) صدر كتاب «صيدنايا... من مدونة سجون الأسد - شهادات». وتكشف الشهادات مدى العنف والقسوة وانتهاك حقوق الإنسان في زمن نظام الأسد، الأب والابن...، على لسان بعض من عاش تلك التجربة، أي تجربة السجن السوري، سواء كان سجن صيدنايا أو غيره، «أولاً، للتذكُّر، لأن التذكُّر هو دليل عافية، وخطوة أولى للاعتراف بحق هؤلاء الذي اختبروا تلك التجربة الفظيعة، وكمساهمة في التأسيس للعدالة الانتقالية، وأيضاً التذكُّر للحؤول دون تكرار هذه التجربة الرهيبة».

وتضمن الكتاب شهادات لكل من: أميرة حويجة، وحسيبة عبد الرحمن، وعزة أبو ربعية، وأنور بدر، وبدر زكريا، ومحمد إبراهيم، ومحمد برّو، وكريم عكّاري، وعلي الكردي، ونصار يحيى، ومحمود عيسى، وبسام جوهر، وجورج ميخائيل، وحسام الدين كردية، الذين اختبروا سجون الأسد وعانوا أهوالها... وكذلك مساهمتين عن طبيعة سجن صيدنايا كتبهما: مي بركات، وبلال بيلغيلي...جاء في مقدمة الكتاب لماجد كيالي:

«السجن السوري يختلف عن أي سجن في العالم، إذ إن سجون نظام الأسد لا تنتزع من الإنسان حريته، وحقوقه القانونية، وخصوصيته الفردية، وكرامته، وأدميته، فقط، وإنما هو سجن يفقد فيه المعتقل ذاته وروحه، وحتى أحاسيسه. لا يقتصر الأمر على التعذيب المباشر، فالعيش في السجن هو بحدّ ذاته عذاب، ومعاناة لا يمكن تخيّلها، فكيف إذا كان هذا السجن مثل سجن صيدنايا، أو تدمر، أو قبو لجهاز مخابرات، وكلها أمكنة لا تمتُّ إلى الإنسانية بصلة، إذ هي مجرد لبشر منسيين، أو مقابر أحياء، بل وأكثر قسوة ووحشية من ذلك، فهذه أمكنة جهنمية، بكل معنى الكلمة.

متاهة الموت: 
السجن كهيكل كل شيء فيه حديد، وإسمنت مسلح، ويبدو كمبنى مسخ، أو مسلخ، وهو سُمي أخيراً كذلك. ومنذ البداية تجد نفسك في متاهة أو في سلسلة متوالية من بوابات حديدية، كل واحدة تفضي إلى أخرى، ثم تصل إلى (كريدور)، بنوافذ علوية ضيقة، يضم مهاجع عدة، تُغلق بباب حديدي ضخم، وللمهجع فتحات تهوية على الكريدور، من فوق الباب وتحته. علماً أن السجن محاط بأسوار عدة، وهو ممتد على مساحة كبيرة تضاهي مساحة بلدة كاملة، والمشكلة أن وراء كل جدار واحداً آخر، وثمة مع الجدران، حقول ألغام، وأسلاك شائكة، وحرّاس، بمعنى ألا أحد يستطيع الخلاص من هذا السجن.

أيضاً، في كل واحد من هذه المهاجع، كان يعيش عشرات من المعتقلين معاً، فيها يمضون أوقاتهم، وتضيع حياتهم، خارج العالم، وفي عزلة عنه، يعيشون كل نفس منهم، وكل مشاعرهم، جنباً إلى جنب، فهنا ينامون ويقومون ويتحدثون ويأكلون، ويمشون، ويقضون حاجاتهم في ركن في الزنزانة، في البرد وفي الحر، وفي اليأس وفي الأمل.

في المهاجع كانت هناك ثياب متناثرة على الأرض، تلك التي كان المعتقلون يرتدونها داخل السجن قبل تحريرهم، وقد تركوها عندما خرجوا، عندما انهار نظام السجن السوري، مع الأسد الفار، كنت أرى كأن كل قطعة ثياب تحكي قصة عن فظائع هذا السجن».

وكانت لوحة الغلاف للفنانة عزة أبو ربعية.


كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»


أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
TT

أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة

شُيّد قُصير عمرة في بادية الأردن خلال القرن الثامن، وتحوّل مع الزمن إلى خربة مهجورة إلى أن خرج من الظلمة إلى النور في مطلع القرن العشرين، فتوالت الدراسات التي تناولت جدارياته وسعت إلى تحليلها وفك أسرارها. بقيت هوية صاحب هذا القصير الفريد موضع بحث إلى أن ظهر اسمه خلال حملة ترميم جرت في مايو (أيار) 2012، وبات من المؤكّد أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أقام في هذا المبنى يوم كان ولياً للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك. يظهر هذا الأمير في لوحتين تحتلان موقعاً رئيسياً في الجداريات التي تزيّن قاعة الاستقبال المؤلّفة من ثلاثة إيوانات معقودة. نراه ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ونراه متربّعاً على عرشه في ركن يقع في عمق الإيوان الأوسط.

يُعرف هذا الركن بـ«ركن العرش»، وفيه يظهر الأمير على الحائط الجنوبي تحت قبة تزينها مجموعة من القامات المنتصبة. فقدت هذه اللوحة الكثير من عناصرها للأسف، وما تبقّى منها يكشف عن رجل يتربّع على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي يُعرف بالطراز «الإمبراطوري». شاع هذا الطراز في العالم الروماني كما في العالم البيزنطي الذي تبنّاه من بعده، وتشكّل لوحة قصير عمرة استمرارية مبتكرة لهذا النسق الذي انتشر بشكل واسع في سائر أنحاء ضفّتي العالم المتوسّطي. يحضر الأمير جالساً في وضعية المواجهة على أريكة عريضة تعلو عرشاً شُيّدت قواعده من الخشب المرصّع بالأحجار، كما توحي شبكة النقوش التي تزيّنها. ظهْرُ هذا العرش مستطيل، ويعلوه قوس يشكّل مساحة نصفة دائرية يرتفع في وسطها رأس الأمير. تحيط بهذه الهامة هالة دائرية، ترمز في الفن الروماني إلى السلطة الملكية، وقد دخلت في هذا المعنى في الفن المسيحي الأول، ثمّ تحوّلت إلى رمز للقداسة في القرن الخامس، ويبدو أن الفن الأموي تبنّاها بمعناها الأوّل في هذه الجدارية.

وجه الأمير مشوّه، ويكشف الرسم التوثيقي عن وجه ملتح ضاعت ملامحه، يعلوه شعر أسود تحدّه مساحة دائرية بيضاء رفيعة، تبدو أشبه بعمرة بسيطة. يبدو اللباس كذلك بسيطاً، وقوامه جبة طويلة حمراء تزيّنها شبكة من المكعبات المرصوفة، يعلوها معطف أزرق، ينسدل على الكتفين، ويمتدّ أفقياً بين الذراعين. ترتفع اليد اليمنى نحو الصدر، وتقبض على صولجان يتمثّل هنا بعصا قصيرة ونحيلة. ترتفع اليد اليسرى في حركة موازية، وتظهر أصابعها ملتفّة على راحتها. تخرج القدم اليمنى من خلف طرف الجبّة الأسفل، كاشفة عن حذاء مزخرف بنقوش هندسية، وتبدو القدم الأخرى ممحوة، وما تبقّى من أثرها الطفيف يوحي بأنّها صُوّرت في وضعيّة مماثلة. يرتفع العرش الملكي وسط عمودين يعلو كلاً منهما تاج عريض، وتعلو هذه العناصر المعمارية خطوط ملتوية تحاكي شكل الرخام الأحمر. يشكّل هذان العمودان قاعدةً لقوس يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «قوس المجد»، وهو هنا على شكل مساحة زرقاء تعلوها كتابة بالخط الكوفي ضاع جزء كبير من أحرفها، ويشير نصّ ما تبقّى منها إلى دعاء بالعافية والرحمة للولي الجالس على العرش، ونصّه يقول: ««اللهـ(م) أ(غفر) لولي (عـ)هد المسلمين والمـ(سلـ)مات (...) وعافية من الله ورحمة (...)». عند طرفي هذا القوس، يظهر طائران متواجهان صوّرا في وضعية جانبية، ويوحي تكوينهما بأنّهما من فصيلة الدراج.

يحوط بهذا الأمير المتربّع على عرشه شابان أمردان يقفان في وضعية نصف جانبية، في حركة واحدة جامعة، يرفع كل من هذين الخادمين فوق هامة الأمير مروحة تتألّف من قضيب طويل ونحيل، تعلوه رزمة من الريش. تفوق مقاييس الأمير في حجمها قامتَي خادميه مما يعمّق صورة مكانته، ويعكس هذا الأسلوب طرازاً معروفاً اتّبع في الشرق القديم، كما في العالمين الروماني والبيزنطي. يتشابه هذا الخادمان بشكل كبير، وتبدو صورتاهما واحدة. الوجه فتي ونضر، تحيط به خصل من الشعر الأسود، تعلوها عمرة بيضاء بسيطة. يتكوّن اللباس من جبة طويلة زرقاء يعلوها معطف فضفاض، ويزيّن طرف أعلى هذا الرداء شريط يأخذ شكل طوق تعلوه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية. يحضر الأمير وسط خادميه في بناء تعادلي محكم، ويحيط بهذه اللوحة إطار مقوّس تزيّنه سلسلة طيور متراصة بلغ عددها العشرين. تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية ثابتة، وتماثل في تكوينها صورة الطيرين المتواجهين عن طرفي قوس المجد.

تستقر هذه اللوحة فوق لوحة مستطيلة ممحوة، ويتبيّن أن هذه اللوحة دخلت متحف الفن الإسلامي ببرلين، بعد أن حملتها معها البعثة التشيكية التي قامت باستكشاف قصير عمرة في مطلع القرن. فقدت هذه العينة الكثير من معالمها، وما تبقّى منها يشير إلى منظر طبيعي بحري، يشابه مناظر أخرى تحضر في أماكن متعدّدة من قصير عمرة، وحضور هذه المشاهد البحرية في برنامج هذا الموقع التصويري الشاسع يثير الحيرة، ودلالاته الافتراضية تبقى موضع بحث مستمر.

يظهر الأمير ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ويظهر من أمامه خادم يرفع من فوقه مروحة، ويعكس تأليف هذا المشهد أثر الفن الساساني الإيراني، غير أن الأسلوب المتبع في التجسيم يبدو أقرب إلى الأسلوب المتوسّطي. في المقابل، يحضر الأمير في «ركن العرش» في تأليف روماني صرف شاع في العالم البيزنطي، ويحلّ هنا في قالب محلّي مبتكر. تعكس هاتان الصورتان تعدّدية المنابع التي نهل منها مصورو جداريات قصير عمرة، وتشهدان للاستمرارية الخلاقة التي تميّز بها الفن الأموي بفروعه المتنوّعة.

تستقرّ لوحة الأمير المتربّع على عرشه تحت قبّة تأخذ شكل قنطرة زيّن سقفها وجدارها بحلّة تصويرية حافظت على العديد من عناصرها التشكيلية. تحتاج هذه الحلّة إلى قراءة متأنيّة، وليس بالأمر السهل استنباط معانيها ودلالتها متعدّدة الأوجه، نظراً لغياب أي كتابات تسمّي مجموعة الأشخاص الحاضرة فيها.