العرب.. كافحوا ونجحوا في أميركا الجنوبية

معظمهم هاجر من بلاد الشام وبداية هجرتهم في القرن التاسع عشر

ساو باولو.. عاصمة المال والأعمال في البرازيل
ساو باولو.. عاصمة المال والأعمال في البرازيل
TT

العرب.. كافحوا ونجحوا في أميركا الجنوبية

ساو باولو.. عاصمة المال والأعمال في البرازيل
ساو باولو.. عاصمة المال والأعمال في البرازيل

استضافت العاصمة السعودية الرياض أخيرًا القمة العربية - الأميركية الجنوبية الرابعة التي افتتحها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وشددت على أهمية العلاقات المتنامية بين العالم العربي ودول قارة أميركا الجنوبية. كذلك سلطت هذه القمة الضوء على العلاقات القديمة والمتجددة بين كتلتين بشريتين كبيرتين من أكبر كتل العالم الثالث وأسرعها نموًا، سواء على الصعيد السكاني أو آفاق التنمية والاستثمار الاقتصادي. وفيما يلي نسلط الضوء العلاقات بين العرب والقارة الأميركية الجنوبية.
تشير المراجع التاريخية إلى وجود عربي ومسلم في قارة أميركا الجنوبية يضرب في القدم إلى بدايات التوطن الأوروبي في الأميركتين الشمالية والجنوبية. غير أن موجات الهجرة الحديثة هي الموجات التي وثقت، والتي ما زالت آثارها قائمة حتى اليوم، وهي تتجلّى ليس في نجاح المئات بل والألوف من «عرب أميركا الجنوبية» في تبوؤ مواقع قيادية في مجالات السياسة والاقتصاد والفكر والرياضة والفن، بل في احتفاظ كثيرين من هؤلاء بأواصر القربى والالتزام بالقضايا التي تشغل الديار التي هاجروا منها. وبالفعل، اهتمت الدول العربية التي هاجر كثيرون من أبنائها إلى «العالم الجديد» خلال القرون الثلاثة الأخيرة في السعي إلى ربط الأجيال الجديدة بشتى السبل المتاحة.
في الواقع الهجرة إلى الأصقاع البعيدة ليست جديدة بحال من الأحوال على العرب، الذين انطلقوا أصلاً من شبه جزيرة العرب للتوطن في المناطق القريبة والبعيدة. ولقد كان لمرور طريقين اقتصاديين مهمين جدًا في تاريخ التجارة والحضارة الإنسانية، هما «طريق البخور» و«طريق الحرير» في بلاد العرب دور بارز في إكساب العرب الرغبة في التنقل والاتجار وركوب البحار. ومعروف الدور الكبير الذي لعبه البحار العربي الشهير أحمد بن ماجد، الملاّح والعالم الفلكي والجغرافي والبحّار الذي اشتهر اسمه في تاريخ الملاحة البحرية، لا سيما الرحلة حول رأس الرجاء الصالح عندما ساعد الرحالة والمستكشف البرتغالي الشهير فاسكو داغاما على اكتشاف الطريق الموصل من أوروبا إلى الهند. ولقد لقّب البرتغاليون ابن ماجد المولود في جلفار (رأس الخيمة اليوم) بـ«أمير البحر» إقرارًا بفضله ومعرفته العظيمة بالمسالك البحرية والملاحة في المحيط الهندي وبحر الصين والبحر الأحمر.
ويشير أحد المراجع إلى أن الأسفار الأولى إلى الأميركتين كانت ذات طبيعة فردية، إلا أنها ما لبثت أن غدت موجات هجرة جماعية، نمت بصورة مطردة من العشرات إلى المئات فالآلاف سنويًا، ولا سيما في ظل أحداث دافعة أو مساعدة. ويذكر المؤرخ الكبير الراحل فيليب حتى أن كاهنًا مسيحيًا عراقيًا هو الأب إلياس بن حنا الموصلي الكلداني قام برحلة إلى الأميركتين الشمالية والجنوبية مرورًا بأميركا الوسطى استغرقت 23 سنة (1660 - 1683)، قبل أن يرجع إلى بغداد ويؤلف كتابه الشهير «رحلة أول سائح شرقي إلى أمركة»، وفيه تحدث الكاهن الموصلي عن البلدان التي زارها وثرواتها وسكانها وطبائعهم. وكانت هذه الرحلة حتمًا من بواكير العلامات على طريق الهجرة إلى «العالم الجديد».
من ناحية أخرى، عبر المحيط الهندي – أو بحر الهند – تقاطعت موجتا هجرة كبيرتان من جنوب شبه الجزيرة العربية هما الهجرة اليمنية - وتحديدًا من حضرموت - إلى شبه جزيرة الملايو وجزر الهند الشرقية (إندونيسيا) في جنوب شرقي آسيا، والهجرة العُمانية إلى شرق أفريقيا حيث أسّس العرب حضورًا مهمًّا في زنجبار ومُمباسا ودار السلام.. وجنوبًا إلى موزمبيق.
لكن أبناء بلاد الشام، وبالتحديد من سوريا ولبنان وفلسطين، كانوا في طليعة من اجتذبتهم الهجرة إلى الأميركتين، مع أن كثيرين منهم استقروا في أوروبا، كحال جاليات يمنية وشمال أفريقية لاحقًا، كما هاجروا إلى الفلبين وأستراليا. وكانت البداية الفعلية لهجرات بلاد الشام إلى الأميركتين في أواخر القرن الميلادي التاسع عشر عندما كانت المنطقة جزءًا من الدولة العثمانية، ولذا عُرف المُهاجرون الأوائل في ديار غربتهم الجديد بلقب «توركو» أي الأتراك، كونهم من رعايا الدولة العثمانية، ولاحقًا راج اسم «السوريون - اللبنانيون» وبالأخص، في البرازيل والأرجنتين، في حين أثبت المهاجرون من فلسطين حضورهم في تشيلي بصورة خاصة.
ويذكر أنه من الصعب فصل الهجرة إلى الدول الناطقة باللغة الإسبانية في أميركا الوسطى وجزر الكاريبي، وطبعًا، المكسيك، عن الهجرة إلى دول أميركا الجنوبية لأنها كانت لها الصفات ذاتها، والظروف ذاتها. وبالتالي، يمكن مجازًا استخدام أميركا اللاتينية لكي تغدو المعالجة أشمل وأدق في آن.
* أسباب الهجرة في بلاد الشام
كانت هناك ثلاثة عوامل أساسية أسهمت في موجات الهجرة من بلاد الشام إلى المهاجر الأميركية: العامل الأول اقتصادي، إذ كانت الزلازل والمجاعات والأوبئة والحروب والفتن الأهلية عوامل مؤثرة سلبيًا على الأوضاع المعيشية للفقراء وأبناء الطبقات المتوسطة، وبالتالي، كان السفر هربًا من الفقر والعوز، وأيضًا التجنيد الإلزامي في الجيش العثماني، الخيار المنطقي. وكانت المجاعة التي حدثت في مطلع القرن الـ20 وتفاقمت مع الحرب العالمية الأولى من أهم المفاصل في حركة الهجرة.
العامل الثاني، كان العامل السياسي، وبالأخصّ، بالنسبة للأقليات غير المسلمة في ظل حكم السلطان العثماني، الذي كان رسميًا «خليفة المسلمين». فقبل مرحلة «التنظيمات» العثمانية، خلال القرن التاسع عشر كان البعض من غير المسلمين يعتبر أنه لا يتمتع بكل حقوق المواطنة، ومن ثم كانت الهجرة بديلاً مناسبًا. وبعد ذلك مع بدء التدخل القوى الأوروبية المباشر في المشرق العربي، وتصاعد التيارات القومية، قامت ردة فعل قومية عربية على تصاعد القومية التركية، ومجدّدًا كان الانفتاح على الغرب مباشرة، أو عبر مصر - في عهد محمد علي – أيضًا خيارًا آخر لكل الناقمين على الحكم العثماني.
والعامل الثالث، هو العامل الشخصي الذي يمزج التوق إلى المغامرة والاستكشاف مع الطموح إلى تحقيق الثراء. لا سيما مع تيسر سبل السفر البحري، وتشجيع نجاح بعض المهاجرين على طلب أقاربهم، للانضمام إليهم.
ولئن كان للمجاعة الكبرى التي واكبت الحرب العالمية الأولى الأثر الكبير في هجرة كثيرين من أبناء بلاد الشام، فقد أدت هزيمة الدولة العثمانية في تلك الحرب وتقاسم الدول الغربية تركتها الممزقة، ومن ثم قيام إسرائيل على أرض فلسطين، إلى خلق كل الظروف الاقتصادية والسياسية والأمنية الدافعة إلى الهجرة إلى الغرب، وبالذات إلى الأميركتين.
* الاستقرار في الوطن الجديد
هجرة المغتربين العرب إلى أميركا الجنوبية يمكن تأريخ بداياتهم، حيث جاءت متأخرة عن الهجرة إلى أميركا الشمالية بنحو عقدين من الزمن، وفق المراجع التاريخية. أي إنها بدأت في الربع الأخير من القرن التاسع عشر. وكانت البداية إلى البرازيل بعد عام 1870م. أما أوائل المغتربين إلى الأرجنتين فقد جاءوا من غرب سوريا منذ عام 1882م. وارتفعت أعداد المهاجرين إلى البرازيل بعد توقيع معاهدة المهاجرة بين الحكومتين العثمانية والبرازيلية عام 1906م في أعقاب زيارة إمبراطور البرازيل (الدون بيدرو الثاني) إلى فلسطين وسوريا ولبنان.
وحقق المغتربون العرب نجاحهم الأكبر في ميداني التجارة والصناعة، حتى إن الجالية العربية في مدينة ساو باولو، كبرى مدن البرازيل، تمتلك وحدها شارعين كبيرين يكونان قلب المدينة التجاري. ولم يقتصر المغتربون في نشاطهم على المجالات المادية، بل دخلوا أيضًا ميادين الحياة الفكرية والأدبية والاجتماعية وأصدروا الصحف والمجلات باللغة العربية ولغة البلاد نفسها كما أنشأوا دور الرعاية الاجتماعية والمصحات والمستشفيات والكنائس. واهتم المغتربون العرب منذ سنواتهم الأولى بالصحافة فأصدروا الصحف والمجلات ليعبروا عن آرائهم ويتواصلوا فيما بينهم ومع الوطن الأم. فكانت الصحافة العربية في البرازيل خاصة، وسيلة لنشر الثقافة والمدارس الأدبية والشعرية، إلا أن معظم هذه الصحف والمجلات توقفت مع الأيام لأسباب مختلفة ولم يبقَ من مائة صحيفة ومجلة كانت تصدرها الجالية العربية هناك سوى عدد قليل.
لقد واجه المهاجرون إلى الأميركتين، وبالأخص إلى أميركا الجنوبية، مشكلات كثيرة في التأقلم، ليس أقلها جهلهم باللغة والعادات، والحاجة إلى العيش أحيانًا في مناطق معزولة تفرض عليهم الاعتماد على النفس. ولكنهم، جيلاً بعد جيل، نجحوا في ترسيخ أقدامهم، ومن ثم بعدما استقروا وأخذت جهودهم تثمر، ويبنون لأنفسهم مكانة اجتماعية مقبولة، وأحيانًا كثيرًا مرموقة، انطلق الجيل الثاني، للمشاركة أكثر فأكثر في الحياة الثقافية والفنية والسياسية وخرج من الجاليات العربية في عموم «العالم الجديد» ساسة كبار شغلوا أعلى المناصب. كذلك أسسوا لهم أندية وروابط ومؤسسات نشطت في مختلف المجالات منها الثقافي والأدبي والإعلامي والإغاثي والرياضي. وكانت «رواق المعري» أول رابطة أدبية أنشئت في ساو باولو تلتها «جمعية الخريجين» التي ما زالت نشطة حتى اليوم. أما الجمعية الأشهر فهي «العصبة الأندلسية» التي أُسست عام 1933 وضمت كبار أدباء المهجر وشعرائه ومن أبرزهم رشيد سليم الخوري (الشاعر القروي) وإلياس فرحات ورياض وشفيق معلوف وسواهم، وظلت تصدر مجلتها الشهيرة طوال عقدين من الزمن إلى أن احتجبت عام 1953. كذلك أُنشئت في عام 1965 رابطة أدبية جديدة أطلق عليها اسم «جامعة القلم» وهي تضم معظم حملة الأقلام العربية في ساو باولو وتسعى إلى التعاون مع «ندوة الأدب العربي» في الأرجنتين.
وفي عالم الرياضة يعد نادي بالستينو (النادي الفلسطيني) في تشيلي أحد أنجح الأندية الرياضية في البلاد وسبق له غير مرة أن انتزع لقب بطولة تشيبي لكرة القدم وخرج منه عدد من النجوم الكبار، كما اشتهر النادي السوري اللبناني في عدة رياضات في البرازيل، وتولى سوريون - لبنانيون رئاسة أندية برازيلية شهيرة في عالم كرة القدم بينها فلامينغو وآتلتيكو مينيرو.
وإذا تجاوزنا حدود أميركا الجنوبية إلى باقي أميركا اللاتينية (المكسيك وأميركا الوسطى وجزر الكاريبي)، نبغ المهاجرون العرب في المكسيك، ومنهم اليوم كارلوس سليم حلو أحد أغنى أغنياء العالم، والممثلة العالمية سلمى حايك. وبرز في عالم السياسة في أميركا الوسطى أنطونيو السقا (السياسي الفلسطيني الأصل) الذي فاز برئاسة الجمهورية في السلفادور بعد تغلبه على المناضل اليساري المتحدر هو الآخر من أصل فلسطيني شفيق حنظل. وفي كوبا، لمع ألفريدو جبور في الحياة السياسية أسس مع فيديل وراؤول كاسترو وآخرين المجلس العسكري الثوري عام 1956. وفي الاتجاه نفسه كان موسى حسن المتحدر من أصل فلسطيني ثاني أرفع قادة الثورة السندينية بعد الرئيس دانيال أورتيغا.

** أبرز المشاهير المتحدرين من أصل عربي في أميركا الجنوبية
* البرازيل: ميشال تامر (نائب رئيس الجمهورية الحالي)، وكارلوس غصن (رئيس مجموعة «رينو – نيسان» للسيارات)، وباولو سليم معلوف وتاسو جريصاتي وفرناندو حداد وجيلبرتو كسّاب وجيرالدو ألكمين (من كبار رجال السياسة)، وماريو زاغالو وبرانكو (من كبار نجوم كرة القدم)، ولوتشيانا خيمينز مراد ومالو مدار وسابرينا ساتو رحال (من أهل الفن والإعلام).
* الأرجنتين: كارلوس منعم (رئيس جمهورية سابق)، جوليانا عواضة (زوجة رئيس الجمهورية الجديد)، محمد علي زين الدين (أحد كبار الضباط، حاول الانقلاب على الرئيس منعم)، كلاوديو حسين وعمر أسد وإلياس بزي (نجما كرة قدم).
* كولومبيا: باولو سيزار طربيه (رئيس جمهورية)، جبرائيل طربية (أحد أكبر ساسة كولومبيا)، شاكيرا - شاكرة مبارك (النجمة الغنائية العالمية)، وجورجين الشاعر ملاط (سفيرة كولومبيا لدى لبنان)، فريد موندراغون (حارس مرمى عالمي).
* فنزويلا: طارق العيسمي (وزير الداخلية والعدل)، ضياء العنداري (سفيرة فنزويلا في سوريا)، طارق صعب (أحد أبرز ساسة فنزويلا).
* تشيلي: باولو زلاقط سعيد (عمدة سانتياغو)، ألبرتو حداد وحسين صباغ (رجال سياسة)، نيقولا مسوح (كرة مضرب)، روبرتو بشارة وارتورو صلاح (كرة قدم).
* بوليفيا: خوان لاشين (أبرز قادة نقابات العمال وصانع الرؤساء).
* الإكوادور: عبد الله بوكرم (رئيس جمهورية)، جميل معوض (رئيس جمهورية)، أسعد بوكرم (أحد أبرز الساسة في البلاد)، خوليو ثيودور سالم (رئيس جمهوري انتقالي)، هايمي النبوت (مرشح لرئاسة الجمهورية)، إيفون خويص عبد الباقي (مرشحة لرئاسة الجمهورية ووزيرة التجارة والسفيرة في واشنطن ورئيسة برلمان دول الآنديز).
* الباراغواي: ليلى رشيد (وزيرة خارجية وسفيرة في واشنطن).

** الصحافة العربية في أميركا الجنوبية
«الرقيب»: أسعد خالد ونعوم لبكي - ريو دي جانيرو 1896.
العدل: شكري جرجس أنطون - ساو باولو 1901.
المناظر: نعوم لبكي - ساو باولو 1901.
السلام: وديع شمعون - بوينس آيرس 1902.
الأفكار: سعيد أبو جمرا - ساو باولو 1903.
الزمان: ميخائيل السمرا - بوينس آيرس 1905.
أبو الهول: شكري الخوري - ساو باولو 1906.
الميزان: إسطفان وجورج غلبوني - ساو باولو 1909.
المرسل: الأب يوحنا غصن - بوينس آيرس 1913.
فتى لبنان: رشيد عطية - ساو بولو 1914.



أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)

تعد العملية الدراماتيكية التي نفّذتها الولايات المتحدة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، وإزاحتهما من السلطة على يد قوات عسكرية أميركية خاصة، واحدة من أهم الأحداث الجيوسياسية في حقبة ما بعد «الحرب الباردة». ومع أن «مسرح» العملية كان في أميركا اللاتينية، فإن تداعياتها تمتد إلى ما هو أبعد من المنطقة. أيضاً يشير الواقع إلى أن الهدف من العملية لم يكن مجرد إسقاط نظام مادورو، بل أيضاً العرض المتعمد للقوة الأميركية، من أجل تعطيل الشبكات الاستراتيجية لأبرز منافسي واشنطن على الساحة العالمية.

يرى مراقبون استراتيجيون أن الولايات المتحدة، عبر عملية اختطاف نيكولاس مادورو واعتقاله، لم تكتفِ بتحييد نظام معادٍ، بل أظهرت كذلك قدرتها على اختراق قيادة حاكمة، وإسقاطها من السلطة، داخل دولة لطالما حظيت بحماية دبلوماسية واقتصادية وعسكرية من منافسي واشنطن الكبار. وبذا، لم تتحدَّ واشنطن حكومة مادورو فحسب، بل تحدّت أيضاً الفرضيات التي يقوم عليها التخطيط الاستراتيجي الصيني والروسي والكوري الشمالي.

في هذا السياق، يعرب المحلل الجيوسياسي الهندي مانيش تشيبر عن اعتقاده بأن العملية الأميركية «ما كانت تهدف إلى تغيير النظام في كاراكاس، بقدر ما كانت تهدف إلى إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية... وعموماً سعت العملية إلى تعطيل قدرة الدول المنافسة على بسط نفوذها وتعزيز التسلسل الهرمي في النظام الدولي. وجاءت الرسالة واضحة لا لبس فيها: التحالف مع خصوم الولايات المتحدة لا يضمن الحماية». ويضيف تشيبر: «من وجهة نظر واشنطن، مثّلت فنزويلا نقطة ضغط مثالية؛ إذ كانت متجذّرة بعمق في البنية الاستراتيجية لكل من الصين وروسيا، وتعتمد بشدة على دعمهما الاقتصادي والعسكري، ناهيك من أنها تقع جغرافياً في منطقة تُعتبر تاريخياً حيوية للأمن الوطني الأميركي. وبالتالي، فالضربة في فنزويلا مكّنت واشنطن في آن معاً من تعطيل شبكات منافسة متعددة». وحقاً، كان كل من الصين وروسيا قد استثمرتا بكثافة في فنزويلا ضمن مساعيهما لتحدي النفوذ الأميركي في ما تعتبره واشنطن منذ فترة طويلة «فناءها الخلفي» الاستراتيجي.

انتكاسة استراتيجية لبكين

بالنسبة للصين، يأتي إسقاط مادورو بمثابة ضربة قاسية. إذ إن فنزويلا لم تكُن مجرد شريك آخر في جهود بكين المتنامية للانخراط داخل دول «الجنوب»، بل كانت محوراً استراتيجياً لها في أميركا اللاتينية، واختباراً حاسماً لقدرتها على حماية مصالحها وتحدّي هيمنة واشنطن خارج شرق آسيا.

وحقاً، طيلة عقدين، رسّخت بكين مكانتها كشريك لا غنى عنه لفنزويلا - بلداً وسلطةً - بفضل القروض المدعومة بالنفط، والتعاون في مجال الطاقة، وتمويل البنية التحتية، والدعم الدبلوماسي. وكثيراً ما وصف المحلّلون الصينيون هذه الشراكة بأنها تقوم على «المنفعة المتبادلة»، إذ تلقت كاراكاس دعماً مالياً ودعماً سياسياً. وفي المقابل، أمّنت بكين إمدادات الطاقة ونفوذاً إقليمياً.

أيضاً، برزت الصين كأكبر مستورد للنفط الخام الفنزويلي، وتكشف الأرقام أنها استوردت ما يقارب 400 ألف برميل يومياً عام 2025، أي أكثر من نصف إجمالي صادرات فنزويلا. وكانت هذه التدفّقات النفطية «شريان حياة» لحكومة مادورو، إذ حافظت على إيرادات الدولة تحت وطأة عقوبات وانهيار اقتصادي واضطرابات داخلية مستمرة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن فنزويلا تهدّدت بأزمات مالية هائلة. ومنذ مطلع العقد الأول من الألفية الثانية، قدّمت لها بكين قروضاً تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار، أي ما يقارب 39 في المائة من إجمالي القروض الصينية المقدمة لمجمل دول أميركا اللاتينية. ومع أنها سددت جزءاً من هذه الديون، لا تزال فنزويلا مدينة للصين بما يُقدّر بما بين 10 و12 مليار دولار، معظمها مُرتبط بترتيبات تتعلق بالسلع الأساسية. وبجانب النفط، استثمرت الشركات الصينية بكثافة في التعدين، (بالذات) الذهب والاتصالات والبنية التحتية.

نقاط الضعف الصينية

بالتوازي، وبينما ركّزت التحركات الأميركية الأخيرة في فنزويلا علناً على النفط والنفوذ السياسي، يرى محللون أن «تقييد» المصالح الصينية شكّل هدفاً رئيسياً. إذ لطالما كانت الصين مشترياً أساسياً للنفط الخام الفنزويلي، واستثمرت بكثافة عبر صفقات «قروض مقابل النفط»، التي ربطت التمويل بضمانات إمدادات النفط. ويُبرز تعطيل هذا الترتيب هشاشة أصول الطاقة الصينية في الخارج، ولا سيما المناطق الهشّة سياسياً، وتلك التي تقع خارج نطاق سيطرتها العسكرية. وربما يدفع هذا الانكشاف بكين إلى إعادة تقييم استثماراتها في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا الوسطى.

الواقع أن فنزويلا تمثّل معضلة في الاستراتيجية الصينية تجاه الموارد الخارجية. فغالباً ما يؤدي تأمين أصول الطاقة والمعادن البعيدة من دون التزامات أمنية مقابلة إلى انكشافها، بدلاً من تعزيز قدرتها على الصمود. وقد تتحوّل الأصول التي كانت تُعدّ في السابق حواجز استراتيجية إلى أعباء في المناطق المتنازع عليها، خاصةً في ظل اشتداد المنافسة الجيوسياسية وقدرة الخصوم على إعادة رسم النتائج بالقوة أو الدبلوماسية.

الثروات الأرضية النادرة

وهنا يتناقض ضعف الصين بشكل حادّ مع موقعها في مجال الثروات الأرضية النادرة والمعادن الحيوية. ولقد وصف مسؤولون ومحللون أميركيون المتطلبات الصينية المتعلقة بتراخيص التصدير التي أقرّت أواخر عام 2025 بأنها محاولات «لاستغلال» قدرتها التصنيعية شبه المهيمنة، خاصة في مجال المعادن النادرة المتوسطة والثقيلة التي تتسم بأهمية بالغة لأنظمة الدفاع والإلكترونيات المتقدمة والمركبات الكهربائية وتقنيات الطاقة المتجددة. وجاءت هذه الإجراءات عقب فرض واشنطن قيوداً على أشباه الموصلات وغيرها من التقنيات ذات الاستخدام المزدوج للشركات الصينية. ومع أن بكين حافظت لاحقاً على الصادرات بموجب ترتيبات محدودة ومؤقتة، عزّزت هذه العملية المخاوف من جاهزيتها لتحويل هيمنتها التصنيعية إلى نفوذ جيوسياسي.

في هذا الإطار، يرى المحلل الهندي راجا موهان أن الضغط الأميركي على فنزويلا «قد يُستخدم كورقة ضغط مضادة غير مباشرة في مواجهة السيطرة الصينية على المعادن النادرة وغيرها من المواد الاستراتيجية». وعبر تهديد مصدر طاقة رئيس واحتياطيات معدنية محتملة، «تضغط واشنطن على بكين في مجالات استراتيجية متعدّدة»... وبالتالي، يمكن اعتبار تشديد بكين اللاحق على «ضوابط» تصدير المعادن النادرة خطوة دفاعية أو انتقامية في خضم صراع جيوسياسي متصاعد، لا مجرّد إجراء اقتصادي معزول.

من جهة ثانية، لا تقتصر الأهمية الاستراتيجية لفنزويلا على النفط وحده، إذ تختزن أرضها أيضاً احتياطيات غير مستغلة من المعادن النادرة البالغة الأهمية للتخطيط الصناعي والتكنولوجي والدفاعي الطويل الأجل. وفي هذا الإطار، رأى المحلل الهندي سوشانت سارين أن قضية المعادن النادرة «تُسلط الضوء على حدود جهود الإكراه الاقتصادي من دون وجود نفوذ أمني مُكمّل. فالهيمنة على سلاسل التوريد قد تُوفر قوة تفاوضية قصيرة الأجل، لكنها لا تستطيع منع الخصوم من إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي بالوسائل السياسية أو العسكرية». وهكذا، تحمل فنزويلا درساً مهماً لبكين: فالسيطرة على نقاط الاختناق في عمليات المعالجة لا تعني بالضرورة السيطرة على نتائجها داخل المساحات الجيوسياسية، التي تحركها الأزمات.

انكشاف فجوة الصدقية

وللعلم، في أعقاب العملية مباشرة، أصدرت بكين إدانة دبلوماسية شديدة اللهجة، متهمة واشنطن بانتهاك القانون الدولي وتهديد الاستقرار الإقليمي. واستنكر المسؤولون الصينيون ما وصفوه بـ«السلوك الساعي لفرض الهيمنة»، وحذّروا من الإجراءات أحادية الجانب. لكن، بخلاف الخطابات والتصريحات، لم تُقدّم القيادة الصينية أي ردّ ملموس. إذ لم تكن هناك أي إشارة عسكرية، ولا أي نشر وقائي، ولا أي إجراء مضاد لحماية مصالحها أو أفرادها على الأرض. وأكثر من هذا، تشير تقارير إلى أن الاستخبارات الصينية بوغتت بالعملية الأميركية، في حين أثبتت أنظمة الدفاع الجوي الصينية في فنزويلا انعدام فاعليتها خلال العملية.

بخلاف التداعيات الدبلوماسية المباشرة، قد تجبر الأزمة الفنزويلية بكين على مواجهة تناقضات هيكلية أعمق في استراتيجيتها العالمية؛ فقد بنت الصين نفوذها الخارجي أصلاً على المهارة الاقتصادية للدولة كالقروض، والبنية التحتية، وشراكات الطاقة، والإحجام عن فرض شروط سياسية. لكن أزمة فنزويلا الأخيرة كشفت أن العمق الاقتصادي لا يُترجم تلقائياً إلى قدرة على الصمود في وجه الأزمات. وهنا يحلّل راجا موهان المسألة على النحو الآتي: «تكشف هذه الحادثة عن فجوة في مصداقية الاستراتيجية الصينية العالمية. إذ بمقدور بكين تقديم الاستثمار والتجارة والدعم السياسي، لكنها عاجزة حتى الآن عن تقديم ضمانات أمنية قاطعة بمواجهة قوة أحادية حاسمة».

ويتابع المحلل الهندي: «بما يخص حكومات أميركا اللاتينية، تثير التداعيات القلق، فالتقارب مع الصين يُحقق فوائد اقتصادية، لكنه لا يُترجم بالضرورة إلى حماية عند مواجهة ضغوط واشنطن. بل قد يتبع ذلك إعادة تقييم هادئة للتوجّه نحو واشنطن للحصول على ضمانات أمنية... ما يُبطئ وتيرة التوسع الصيني إقليمياً».

أما المحلل الاستراتيجي الهندي أماليندو ميسرا، فيوضح: «إن أمام صانعي السياسة الصينيين الآن مراجعة صعبة. فحماية الاستثمارات الخارجية بالوسائل العسكرية تتطلب تمركزاً متقدماً، واختراقاً استخباراتياً، وتأهباً للتصعيد... وهذه خطوات تتناقض في مجملها مع تركيز بكين المُستمر على تجنّب التدخل. ومع ذلك، فإن استمرار ضبط النفس يُهدد بمزيد من تآكل المصداقية بين الدول الشريكة».

هذه الفجوة في الصدقية لا تنطبق على فنزويلا وحدها، بل يتردد صداها في جميع أنحاء منطقة «مبادرة الحزام والطريق» الصينية الأوسع، حيث يجري عدد من الدول المستفيدة من «المبادرة» تقييماً هادئاً لمدى ضمان الشراكات الاقتصادية مع الصين، أي حماية أمنية فعّالة خلال فترات الأزمات الحادة. وعليه، فمثال انعدام الحماية الصينية في فنزويلا قد يؤثر على المفاوضات المستقبلية، وتقييمات المخاطر، والتوقعات السياسية في مناطق بعيدة عن أميركا اللاتينية.

هل تُشكّل فنزويلا نموذجاً لتايوان؟

على صعيد آخر، بين القراءات الأكثر جدية لعواقب العملية الأميركية القراءة الخاصة بمصير تايوان. فهل تعتبر بكين العملية نموذجاً لمعاملة تايوان؟

ظاهرياً، استغلّ المسؤولون الصينيون العملية للتشكيك في صدقية الولايات المتحدة حيال الالتزام بمبادئ السيادة والقانون الدولي. لكن ثمة محللين عقدوا مقارنات مباشرة بين فنزويلا وتايوان. وكمثال، وصف ستيف تسانغ، مدير معهد الدراسات الصينية في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) بجامعة لندن، هذا بأنه «فخّ نفاق» يسمح لبكين بالزعم أن المعايير الدولية تُطبّق بشكل انتقائي، وبالتالي فهي قابلة للتفاوض.

وفي المقابل، يرفض آخرون فكرة أن فنزويلا تُقدّم نموذجاً تكتيكياً لتايوان. ووفق واي كيه سينها، السفير الهندي السابق لدى فنزويلا: «ثمة فوارق واضحة... فنزويلا تفتقر إلى حلفاء موثوقين مستعدين للقتال، ولم تكن لديها ضمانات أمنية مُلزمة، كما كانت قدراتها الردعية ضئيلة. أما تايوان فتشكل النقيض تماماً، إذ تتميّز بدعم أميركي عميق، وتكامل عسكري كثيف، ومخاطر تصعيد عالية للغاية، الأمر الذي تدركه بكين بوضوح».

ولكن رغم استبعاد أن تُشكّل فنزويلا نموذجاً عسكرياً لتايوان، فإنها تُزوّد بكين بذخيرة خطابية في بحر الصين الجنوبي. وعبر تسليط الضوء على الأحادية الأميركية، تستطيع بكين أن تُجادل بأن الأعراف السائدة تتبع القوة، بدلاً من أن تُقيّدها. ويدعم هذا التأطير ادعاء بكين القديم بأن أفعالها في المياه المتنازع عليها لا تختلف عن التدخلات الأميركية في أماكن أخرى.

كوريا الشمالية...وتعزيز خطاب الردع

في اتجاه آخر، إلى جانب الصين، وجّهت عملية فنزويلا رسالة ردع إلى كوريا الشمالية. وجاء ردّ فعل قيادتها أقوى وأكثر حدة من كثير من الردود الدولية الأخرى. وبعكس بعض حلفاء واشنطن، الذين أعربوا عن قلقهم، لكنهم لم يصلوا إلى حد الإدانة الصريحة، كان ردّ بيونغ يانغ قاسياً وذا طابع آيديولوجي، متسقاً مع معارضتها التاريخية للعمليات العسكرية الأميركية.

إذ أدانت وزارة خارجية بيونغ يانغ، عبر وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية، العملية، ووصفتها بأنها «أخطر شكل من أشكال التعدي على السيادة»، واصفةً الولايات المتحدة بأنها «مارقة ووحشية». وأعقب هذه الإدانة إطلاق صواريخ باليستية - الأولى منذ عدة أسابيع – ما فُسِّر على نطاق واسع بأنه إشارة متعمدة.

ومن ثم، يرى محللون أن العملية الفنزويلية تعزز الاعتقاد الاستراتيجي الأساسي لدى كوريا الشمالية بأن الأسلحة النووية لا تزال الضمانة النهائية لبقاء النظام. ووفق المحلل الهندي سوشانت سارين: «فيما يخص يونغ يانغ، تُعزز فنزويلا قناعة راسخة مفادها أن الأنظمة التي تفتقر إلى رادع موثوق، تظل عرضة للخطر بغضّ النظر عن التحالفات الدبلوماسية. وتُعزز هذه الحادثة مبررات كوريا الشمالية للاحتفاظ بترسانتها النووية وتوسيعها، وتُصعّد مقاومتها لنزع السلاح النووي، وتُرسّخ فكرة أن القوة العسكرية الضمانة الوحيدة ضد التدخل الخارجي».

نمط استراتيجي أوسع

في نهاية المطاف، تُبرز عملية فنزويلا سمة أساسية للجغرافيا السياسية المعاصرة: أن القوة تُمارس بشكل متزايد من خلال السرعة والدقة والتأثير النفسي، بدلاً من المواجهة المطولة. وفي ما يخص الصين وكوريا الشمالية، بل روسيا أيضاً، تُذكّر هذه الحادثة بأن النفوذ دون حماية قابلة للتنفيذ يبقى مشروطاً. وفي نظام تكون فيه مصداقية الردع أهم من التحالفات القائمة على التصريحات والبيانات، من المرجح أن يشكل التوازن بين النطاق الاقتصادي والقدرة الأمنية النتائج الاستراتيجية في السنوات المقبلة.


مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
TT

مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع

في قلب غرب أفريقيا، تبرز قصة الرئيس الغيني مامادي دومبويا، كواحدة من أكثر التحولات السياسية دراماتيكية، المشحونة بالتناقضات خلال العقد الأخير. إذ نجح العسكري الذي أمضى معظم حياته برتبة عريف أوَّل في الجيش الفرنسي، خلال 4 سنوات فقط في التدرّج من قائد انقلاب عسكري إلى رئيس منتخب أخيراً، في مشهد يعكس تعقيدات السلطة والسياسة في «القارة السمراء». ما يجعل رحلة دومبويا أكثر إثارة للجدل هو التناقض العميق في شخصيته وسياساته، فهو يحكم بلداً غنياً بالثروات المعدنية، لكن البلاد تعاني تحت وطأة الفقر. ثم إن دومبويا، الذي تلقى إعداداً عسكرياً مبكّراً في إسرائيل، يقف في قلب مفارقة تاريخية وسياسية، فقيادته جاءت في بلد عرف بدعمه لحركات التحرّر الوطني الأفريقي وبتوتراته مع إسرائيل، لكنه اليوم يسعى لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤيته الخاصة.

مامادي دومبويا، البالغ من العمر 42 سنة، لم يتردّد في استخدام سرعته العسكرية لتحقيق السلطة، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل مضى نحو كسب شرعية انتخابية لإعادة إنتاج قيادته وإضفاء طابع قانوني على حكمه، في قارة شهدت عشر انقلابات خلال 5 سنوات.

تحيط أستار السرّية بنشأة دومبويا، المولود يوم 5 ديسمبر (كانون الأول) 1984 في مدينة كانكان بشرق غينيا، لكن المعروف أنه ينتمي إلى شعب «المالينكي»، وهو مجتمع تاريخياً محافظ، وقيادي، ومتماسك اجتماعياً، له تأثير سياسي واضح، ما يفسّر حضور شخصيات مثل دومبويا في المشهد العسكري والسياسي لغينيا وأفريقيا الغربية.

زوجة فرنسية

هذا الانتماء العرقي الأصيل لم يمنع دومبويا من الزواج من سيدة فرنسية بيضاء، اسمها لوريان داربو، وسط شحِ في المعلومات عن «سيدة غينيا الأولى» المرتقبة. ومن ناحية ثانية، يُنظر إلى الرئيس الغيني كقائد عسكري استثنائي، تميَّز عن نظرائه من قادة الانقلابات في القارة الأفريقية، إذ جمع بين التدريب التكتيكي التقليدي والخبرة في الأمن السيبراني والإدارة الاستراتيجية. ولقد صُقلت هذه المهارات عبر مسار مهني طويل، تميّز بالتدريب الدولي والعمل الميداني في عدة دول، أبرزها فرنسا حيث أمضى 15 سنة ضمن صفوف الجيش و«الفيلق الأجنبي» الفرنسي، مكتسباً خبرة لا تقتصر على التكتيكات العسكرية التقليدية فحسب، بل شملت أيضاً مهارات القيادة في بيئات معقّدة ومتعدِّدة الأبعاد.

خلال مسيرته، شارك دومبويا في عدة مهام عملياتية في مناطق النزاعات حول العالم، من أفغانستان وكوت ديفوار إلى جيبوتي وجمهورية أفريقيا الوسطى، كما تولّى حماية شخصيات دولية في إسرائيل وقبرص وبريطانيا وغينيا، وفق تقارير «إنتليجنس أونلاين». كلّ هذه التجارب أكسبته رؤية شاملة لمفاهيم الأمن وإدارة الأزمات، جعلته قادراً على التحرّك بسرعة وكفاءة في مواجهة التحدّيات السياسية والعسكرية على حد سواء.

وبدت مفارقة الأقدار متجسّدة بوضوح في المسار الذي أوصل دومبويا إلى قمة السلطة، بتناغم لافت مع مقولة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه «مَن يرفعكَ إلى القمة قد يكون أول مَن يدفعك منها». إذ في عام 2018، لم يكُن الرئيس السابق ألفا كوندي يتوقّع أن قراره بتكليف دومبويا بقيادة مجموعة «القوات الخاصة» النخبوية (GFS) سيؤسس، بعد ثلاث سنوات فقط، لانقلاب عسكري أطاح به في سبتمبر (أيلول) 2021 على يد «الوحدة» ذاتها التي أوكل إليها حمايته وترسيخ نفوذه.

نموذج معقّد للقادة الانتقاليين

بعد هذا الانقلاب، الذي لحق بموجة انقلابات اجتاحت «القارة السمراء» منذ مطلع هذا العقد، جسَّد مامادي دومبويا نموذجاً معقداً لقائد انتقالي يجمع بين خطاب الاستقرار والتنمية وطموح تثبيت السلطة، في ظل مسار سياسي يثير جدلاً واسعاً حول الالتزام بالديمقراطية والحرّيات.

ذلك أنه بينما قدّم نفسه منقذاً للدولة من «حكم الفرد» التسلّطي في أول ظهور تليفزيوني له عقب الانقلاب، تلازمت سلطته مع تضييق غير مسبوق على المعارضة، شمل حلّ عشرات الأحزاب وإقصاء المنافسين المحتملين، ما أفرغ الانتخابات الرئاسية من مضمون التعدّدية.

وفي الاتجاه نفسه، حمل تحوّل الرجل من «قائد انقلاب» إلى «رئيس منتخب» تناقضات صارخة، أبرزها تراجعه عن تعهدات سابقة بالامتناع عن الترشح، عقب تعديل دستوري أزال القيود المفروضة على أعضاء المجلس العسكري. وفي مقابل خطابه الذي بشّر بإنهاء الحكم الفردي، تتهمه تقارير دولية ومحلية اليوم بتقييد الحرّيات وقمع الاحتجاجات وتهميش الخصوم السياسيين.

وحقاً، بين تثبيت الشرعية والتضييق على المعارضين داخلياً، يخضع مسار مامادي دومبويا لاختبار دقيق بين السلطة والحقوق. ففوزه الرئاسي بنسبة 86.72 في المائة بيَّن دعماً شعبياً شكلياً، خاصة بين الشباب والعمال، وهو ما كشفته شهادات بثتها وكالات أنباء عالمية. وفي المقابل، حاول ترسيخ صورة انتقاله من قائد عسكري إلى صاحب شرعية انتخابية مدنية وسياسية جديدة كاملة، بكلامه عن «غينيا للجميع».

من جهة أخرى، ركَّز دومبويا اقتصادياً، على قطاع التعدين ومشروع «سيماندو» للحديد، الذي تملك الصين 75 في المائة منه، مع استثمارات البوكسيت والبنية التحتية. وهنا نشير إلى أنه، على الرغم من برامج تدريب الشباب الرقمية، يواجه نصف سكان غينيا فقراً، وأمناً غذائياً هشّاً، وسط انتقادات ترى الإصلاحات تكريساً للسلطة واستمرار التحديات الاجتماعية الكبرى.

اختبار السياسة... إقليمياً ودولياً

على الصعيد السياسي، يأتي الاختبار التقليدي لمسار دومبويا على المستوى القاري الأفريقي، ضمن موجة الانقلابات التي وقعت منذ عام 2020 في غرب أفريقيا والساحل. وهذه الانقلابات تجسّد توتر علاقة الجيوش بالسلطة المدنية، مع سعي قادتها «إنتاج» شرعيتهم انتخابياً. وكما هو معروف، تشهد أفريقيا جنوبي الصحراء عدة حالات لقادة عسكريين شرعنوا بقاءهم حتى 2029 تقريباً، مع إمكانية إجراء انتخابات فقط إذا تحسّنت الظروف الأمنية.

أما لجهة السياسة الدولية العليا، فلم توضع علاقات دومبويا مع واشنطن على محك التجربة بعد بشكل مباشر ومعلن. إلا أن فوزه حظي بلهجة معتدلة من جانب واشنطن، عبر سفارتها، التي أعربت عن دعمها الرسمي للرئيس المنتخب، مع التركيز على العلاقات الاقتصادية والاستقرار. واللافت أن الصين، الشريك الاقتصادي الرئيسي لدومبويا، لم تكن بمنأى عن المشهد، إذ سارع رئيسها شي جينبينغ برسالة تهنئة، مشدّداً على تطوير الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

دور إسرائيل الموعود... والمتعاظم مستقبلاً

ولكن بجانب هذه المفارقة، ثمة مفارقة مهمة أخرى لا تبدو اليوم لافتة بقدر ما هي دالة تاريخياً. ففي بلدٍ، كغينيا ارتبط اسمه طويلاً بموقف عدائي صريح من إسرائيل إبان عهد زعيمه الاستقلالي التاريخي أحمد سيكوتوري، تبدو الأمور إلى تغيّر جذري.

سيكوتوري كان قد قطع العلاقات مع الدولة العبرية تضامناً مع الدول العربية عقب نكسة الخامس من يونيو (حزيران) 1967، إلا أن المشهد السياسي الراهن يسير في مسار مغاير تماماً، ولعل الترحيب الأميركي بانتخاب دومبويا ينمّ عن التغيّر المرجح. ذلك أنه سبق لدومبويا، أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع، بعدما أوفدته فرنسا ضمن برامج ذات طابع أمني، فيما يوحي بوجود تحوّل عميق في بوصلة العلاقات الخارجية لكوناكري.

أيضاً، إبان عهد دومبويا، أبدت إسرائيل اهتماماً خاصاً بتعزيز حضورها في قطاع الأمن السيبراني الغيني، وفق ما أورده موقع «إنتليجنس أونلاين» الاستخباراتي، وهذه خطوة تعكس استمرارية العلاقات الدبلوماسية التي أُعيد إحياؤها عام 2016 بعد قطيعة دامت قرابة خمسة عقود. وكذلك يشير هذا التطور إلى فتح صفحة جديدة من التعاون تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي إلى شراكات أمنية وتقنية أكثر عمقاً. ويرى خبراء أن هذا المسار مرشّح لمزيد من التوسّع.

تطبيع واستخبارات

وفي تقدير للدكتور يسري العزباوي، الباحث السياسي في «مركز تريندز للبحوث والاستشارات» في أبوظبي، فإن دومبويا، سواءً استمر في السلطة أو خلفه غيره، «سيمضي بخطوات أوسع على طريق التطبيع مع إسرائيل، لا سيما في مجالي التعاون العسكري والتسليح». ويضيف العزباوي أن مجموعة كبيرة من الدول الأفريقية التي تشهد انقلابات عسكرية تبقى عملياً رهينة للرضى الأميركي، مذكّراً بأن «المدخل إلى هذا الرضى يمر غالباً عبر إسرائيل».

ويستند العزباوي في تحليله، إلى ما يصفه بـ«التوغّل الإسرائيلي المتنامي في أفريقيا طيلة السنوات الأخيرة، في مقابل غياب تنسيق عربي فاعل». ويلفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن السلاح الإسرائيلي لم يعُد حاضراً في دول أفريقيا جنوبي الصحراء ووسطها فحسب، بل امتد أيضاً إلى شمال القارة.

ووفق العزباوي، يكتسب هذا التوجّه زخماً إضافياً، من «التأييد الكامل الذي وفّرته إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لإسرائيل»، ما يمنحها هامش حركة أوسع في الساحة الأفريقية.وإجمالاً، فإن نجاح دومبويا في الانتقال من قائد انقلاب إلى رئيس منتخب يمثل اختباراً نادراً في أفريقيا، حيث لا تتيح الانقلابات العسكرية عادةً فرصة للتحوّل إلى قيادة مدنية شرعية، بما يفتح باب التساؤل... هل تكون تناقضات دومبويا هي «كلمة السرّ» التي ستجعله استثناءً في «القارة السمراء»؟


في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
TT

في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo

تقف غينيا، الواقعة في قلب غرب أفريقيا، عند مفترق طرق اقتصادي وسياسي حاسم وبالغ الحساسية. فالبلد الذي يزخر بواحدة من أغنى الثروات الطبيعية في القارة، يجد نفسه أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تحويل هذه الموارد الهائلة إلى نمو اقتصادي شامل ومستدام، بالتوازي مع مساعٍ لتحقيق استقرار سياسي بعد عقود من الاضطرابات والانقلابات العسكرية التي ألقت بظلالها الثقيلة على مسار التنمية.

منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1958، شهدت غينيا ثلاثة انقلابات عسكرية بارزة أعوام 1984 و2008 و2021، أطاحت برؤساء مدنيين أو عسكريين، ورسّخت صورة بلد يعاني من هشاشة سياسية مزمنة.

هذا الإرث الانقلابي أسهم في إضعاف ثقة المستثمرين، وعرقل في فترات كثيرة الاستفادة الكاملة من الثروات الطبيعية، وبالتالي الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تمتلكها غينيا.

وأيضاً رغم هذا السياق السياسي المعقَّد، شهد الاقتصاد الغيني خلال السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً، مدفوعاً أساساً بقطاع التعدين. إذ أعادت الطفرة في صادرات المعادن غينيا إلى واجهة الاهتمام الدولي، لا سيما مع امتلاكها أكثر من 25 في المائة من احتياطيات البوكسيت العالمية، ما يجعل منها واحدة من أكبر مصدّري هذه المادة الخام الأساسية لصناعة الألمنيوم. وبالإضافة إلى البوكسيت، تزخر البلاد باحتياطيات معتبرة من الذهب والألماس ومعادن أخرى، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً في خريطة الموارد الطبيعية الأفريقية.

في نهاية عام 2025، خطت الحكومة الغينية خطوة وُصفت بالتاريخية عبر تدشينها استغلال منجم سيماندو العملاق للحديد في جنوب البلاد، وهو أحد أكبر مكامن الحديد غير المستغلة في العالم. ولقد رُوّج للمشروع رسمياً بأنه «حلم أجيال»، نظراً لما يُنتظر أن يوفره من عائدات مالية وفرص عمل، إضافة إلى دوره في تعزيز البنية التحتية عبر إنشاء خطوط سكك حديدية وموانئ مرتبطة به. بيد أن المشروع، على ضخامته، يضع غينيا قبالة تحديات كبيرة تتعلق بالحوكمة والشفافية، بالذات في قطاع التعدين الذي لطالما كان بؤرة نزاعات سياسية وقانونية.

بيانات البنك الدولي تفيد بأن الناتج المحلي الإجمالي لغينيا سجل نمواً ثابتاً في السنوات الأخيرة، مستفيداً من توسع أنشطة التعدين وارتفاع الإنتاج الزراعي. ومع هذا، لا يزال الاقتصاد الغيني يعاني من اختلالات هيكلية، في مقدمتها الاعتماد المُفرط على الموارد الطبيعية وضعف تنويع القطاعات الاقتصادية، إلى جانب محدودية الإيرادات الضريبية، ما يقيّد قدرة الدولة على تمويل الخدمات الاجتماعية الأساسية.

من ناحية أخرى، تظل الزراعة، التي تشغّل أكثر من نصف القوى العاملة، قطاعاً حيوياً، لكنه يعاني من ضعف الإنتاجية واعتماد أساليب تقليدية، الأمر الذي يقلص مساهمته في الصادرات والنمو الاقتصادي. ويرى خبراء أن تحديث هذا القطاع يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للتنمية، خصوصاً في المناطق الريفية الأكثر فقراً.

إلى جانب التعدين والزراعة، تمتلك غينيا إمكانات هيدروليكية كبيرة تؤهلها لأن تغدو مصدراً رئيساً للطاقة في غرب أفريقيا. وراهناً تسعى السلطات إلى استثمار هذه الموارد عبر مشاريع لتوسيع إنتاج الكهرباء، وتحديث الموانئ، وتطوير شبكات السكك الحديدية، من بينها خط سيماندو – موريبايا الذي يمتد لأكثر من 650 كيلومتراً، بما يعزّز ربط البلاد بالأسواق العالمية ويسهل حركة التجارة.

ولكن، رغم هذه الآفاق الواعدة، تبقى التحديات الاجتماعية والاقتصادية حاضرة بقوة. فالفقر ما زال واسع الانتشار، وإمكانات الدولة المالية محدودة، في حين يواصل ضعف الشفافية في قطاع التعدين إثارة مخاوف المستثمرين الدوليين. وبالطبع يبقى الاستقرار السياسي عاملاً حاسماً وضرورياً في مستقبل البلاد، في ظل تاريخ طويل من الانقلابات والحكم المدني المتعثر.

وبالتالي، يرجّح مراقبون أن نجاح غينيا في تحويل ثرواتها الطبيعية إلى تنمية حقيقية يتوقف على تنفيذ تغييرات بنيوية عميقة، تشمل تعزيز الإدارة المالية والاستثمار في رأس المال البشري وتنويع الاقتصاد بدلاً من الاعتماد الأحادي على التعدين، وقبل كل ذلك بيئة سياسية دون انقلابات عسكرية أو توترات سياسية.