العرب.. كافحوا ونجحوا في أميركا الجنوبية

معظمهم هاجر من بلاد الشام وبداية هجرتهم في القرن التاسع عشر

ساو باولو.. عاصمة المال والأعمال في البرازيل
ساو باولو.. عاصمة المال والأعمال في البرازيل
TT

العرب.. كافحوا ونجحوا في أميركا الجنوبية

ساو باولو.. عاصمة المال والأعمال في البرازيل
ساو باولو.. عاصمة المال والأعمال في البرازيل

استضافت العاصمة السعودية الرياض أخيرًا القمة العربية - الأميركية الجنوبية الرابعة التي افتتحها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وشددت على أهمية العلاقات المتنامية بين العالم العربي ودول قارة أميركا الجنوبية. كذلك سلطت هذه القمة الضوء على العلاقات القديمة والمتجددة بين كتلتين بشريتين كبيرتين من أكبر كتل العالم الثالث وأسرعها نموًا، سواء على الصعيد السكاني أو آفاق التنمية والاستثمار الاقتصادي. وفيما يلي نسلط الضوء العلاقات بين العرب والقارة الأميركية الجنوبية.
تشير المراجع التاريخية إلى وجود عربي ومسلم في قارة أميركا الجنوبية يضرب في القدم إلى بدايات التوطن الأوروبي في الأميركتين الشمالية والجنوبية. غير أن موجات الهجرة الحديثة هي الموجات التي وثقت، والتي ما زالت آثارها قائمة حتى اليوم، وهي تتجلّى ليس في نجاح المئات بل والألوف من «عرب أميركا الجنوبية» في تبوؤ مواقع قيادية في مجالات السياسة والاقتصاد والفكر والرياضة والفن، بل في احتفاظ كثيرين من هؤلاء بأواصر القربى والالتزام بالقضايا التي تشغل الديار التي هاجروا منها. وبالفعل، اهتمت الدول العربية التي هاجر كثيرون من أبنائها إلى «العالم الجديد» خلال القرون الثلاثة الأخيرة في السعي إلى ربط الأجيال الجديدة بشتى السبل المتاحة.
في الواقع الهجرة إلى الأصقاع البعيدة ليست جديدة بحال من الأحوال على العرب، الذين انطلقوا أصلاً من شبه جزيرة العرب للتوطن في المناطق القريبة والبعيدة. ولقد كان لمرور طريقين اقتصاديين مهمين جدًا في تاريخ التجارة والحضارة الإنسانية، هما «طريق البخور» و«طريق الحرير» في بلاد العرب دور بارز في إكساب العرب الرغبة في التنقل والاتجار وركوب البحار. ومعروف الدور الكبير الذي لعبه البحار العربي الشهير أحمد بن ماجد، الملاّح والعالم الفلكي والجغرافي والبحّار الذي اشتهر اسمه في تاريخ الملاحة البحرية، لا سيما الرحلة حول رأس الرجاء الصالح عندما ساعد الرحالة والمستكشف البرتغالي الشهير فاسكو داغاما على اكتشاف الطريق الموصل من أوروبا إلى الهند. ولقد لقّب البرتغاليون ابن ماجد المولود في جلفار (رأس الخيمة اليوم) بـ«أمير البحر» إقرارًا بفضله ومعرفته العظيمة بالمسالك البحرية والملاحة في المحيط الهندي وبحر الصين والبحر الأحمر.
ويشير أحد المراجع إلى أن الأسفار الأولى إلى الأميركتين كانت ذات طبيعة فردية، إلا أنها ما لبثت أن غدت موجات هجرة جماعية، نمت بصورة مطردة من العشرات إلى المئات فالآلاف سنويًا، ولا سيما في ظل أحداث دافعة أو مساعدة. ويذكر المؤرخ الكبير الراحل فيليب حتى أن كاهنًا مسيحيًا عراقيًا هو الأب إلياس بن حنا الموصلي الكلداني قام برحلة إلى الأميركتين الشمالية والجنوبية مرورًا بأميركا الوسطى استغرقت 23 سنة (1660 - 1683)، قبل أن يرجع إلى بغداد ويؤلف كتابه الشهير «رحلة أول سائح شرقي إلى أمركة»، وفيه تحدث الكاهن الموصلي عن البلدان التي زارها وثرواتها وسكانها وطبائعهم. وكانت هذه الرحلة حتمًا من بواكير العلامات على طريق الهجرة إلى «العالم الجديد».
من ناحية أخرى، عبر المحيط الهندي – أو بحر الهند – تقاطعت موجتا هجرة كبيرتان من جنوب شبه الجزيرة العربية هما الهجرة اليمنية - وتحديدًا من حضرموت - إلى شبه جزيرة الملايو وجزر الهند الشرقية (إندونيسيا) في جنوب شرقي آسيا، والهجرة العُمانية إلى شرق أفريقيا حيث أسّس العرب حضورًا مهمًّا في زنجبار ومُمباسا ودار السلام.. وجنوبًا إلى موزمبيق.
لكن أبناء بلاد الشام، وبالتحديد من سوريا ولبنان وفلسطين، كانوا في طليعة من اجتذبتهم الهجرة إلى الأميركتين، مع أن كثيرين منهم استقروا في أوروبا، كحال جاليات يمنية وشمال أفريقية لاحقًا، كما هاجروا إلى الفلبين وأستراليا. وكانت البداية الفعلية لهجرات بلاد الشام إلى الأميركتين في أواخر القرن الميلادي التاسع عشر عندما كانت المنطقة جزءًا من الدولة العثمانية، ولذا عُرف المُهاجرون الأوائل في ديار غربتهم الجديد بلقب «توركو» أي الأتراك، كونهم من رعايا الدولة العثمانية، ولاحقًا راج اسم «السوريون - اللبنانيون» وبالأخص، في البرازيل والأرجنتين، في حين أثبت المهاجرون من فلسطين حضورهم في تشيلي بصورة خاصة.
ويذكر أنه من الصعب فصل الهجرة إلى الدول الناطقة باللغة الإسبانية في أميركا الوسطى وجزر الكاريبي، وطبعًا، المكسيك، عن الهجرة إلى دول أميركا الجنوبية لأنها كانت لها الصفات ذاتها، والظروف ذاتها. وبالتالي، يمكن مجازًا استخدام أميركا اللاتينية لكي تغدو المعالجة أشمل وأدق في آن.
* أسباب الهجرة في بلاد الشام
كانت هناك ثلاثة عوامل أساسية أسهمت في موجات الهجرة من بلاد الشام إلى المهاجر الأميركية: العامل الأول اقتصادي، إذ كانت الزلازل والمجاعات والأوبئة والحروب والفتن الأهلية عوامل مؤثرة سلبيًا على الأوضاع المعيشية للفقراء وأبناء الطبقات المتوسطة، وبالتالي، كان السفر هربًا من الفقر والعوز، وأيضًا التجنيد الإلزامي في الجيش العثماني، الخيار المنطقي. وكانت المجاعة التي حدثت في مطلع القرن الـ20 وتفاقمت مع الحرب العالمية الأولى من أهم المفاصل في حركة الهجرة.
العامل الثاني، كان العامل السياسي، وبالأخصّ، بالنسبة للأقليات غير المسلمة في ظل حكم السلطان العثماني، الذي كان رسميًا «خليفة المسلمين». فقبل مرحلة «التنظيمات» العثمانية، خلال القرن التاسع عشر كان البعض من غير المسلمين يعتبر أنه لا يتمتع بكل حقوق المواطنة، ومن ثم كانت الهجرة بديلاً مناسبًا. وبعد ذلك مع بدء التدخل القوى الأوروبية المباشر في المشرق العربي، وتصاعد التيارات القومية، قامت ردة فعل قومية عربية على تصاعد القومية التركية، ومجدّدًا كان الانفتاح على الغرب مباشرة، أو عبر مصر - في عهد محمد علي – أيضًا خيارًا آخر لكل الناقمين على الحكم العثماني.
والعامل الثالث، هو العامل الشخصي الذي يمزج التوق إلى المغامرة والاستكشاف مع الطموح إلى تحقيق الثراء. لا سيما مع تيسر سبل السفر البحري، وتشجيع نجاح بعض المهاجرين على طلب أقاربهم، للانضمام إليهم.
ولئن كان للمجاعة الكبرى التي واكبت الحرب العالمية الأولى الأثر الكبير في هجرة كثيرين من أبناء بلاد الشام، فقد أدت هزيمة الدولة العثمانية في تلك الحرب وتقاسم الدول الغربية تركتها الممزقة، ومن ثم قيام إسرائيل على أرض فلسطين، إلى خلق كل الظروف الاقتصادية والسياسية والأمنية الدافعة إلى الهجرة إلى الغرب، وبالذات إلى الأميركتين.
* الاستقرار في الوطن الجديد
هجرة المغتربين العرب إلى أميركا الجنوبية يمكن تأريخ بداياتهم، حيث جاءت متأخرة عن الهجرة إلى أميركا الشمالية بنحو عقدين من الزمن، وفق المراجع التاريخية. أي إنها بدأت في الربع الأخير من القرن التاسع عشر. وكانت البداية إلى البرازيل بعد عام 1870م. أما أوائل المغتربين إلى الأرجنتين فقد جاءوا من غرب سوريا منذ عام 1882م. وارتفعت أعداد المهاجرين إلى البرازيل بعد توقيع معاهدة المهاجرة بين الحكومتين العثمانية والبرازيلية عام 1906م في أعقاب زيارة إمبراطور البرازيل (الدون بيدرو الثاني) إلى فلسطين وسوريا ولبنان.
وحقق المغتربون العرب نجاحهم الأكبر في ميداني التجارة والصناعة، حتى إن الجالية العربية في مدينة ساو باولو، كبرى مدن البرازيل، تمتلك وحدها شارعين كبيرين يكونان قلب المدينة التجاري. ولم يقتصر المغتربون في نشاطهم على المجالات المادية، بل دخلوا أيضًا ميادين الحياة الفكرية والأدبية والاجتماعية وأصدروا الصحف والمجلات باللغة العربية ولغة البلاد نفسها كما أنشأوا دور الرعاية الاجتماعية والمصحات والمستشفيات والكنائس. واهتم المغتربون العرب منذ سنواتهم الأولى بالصحافة فأصدروا الصحف والمجلات ليعبروا عن آرائهم ويتواصلوا فيما بينهم ومع الوطن الأم. فكانت الصحافة العربية في البرازيل خاصة، وسيلة لنشر الثقافة والمدارس الأدبية والشعرية، إلا أن معظم هذه الصحف والمجلات توقفت مع الأيام لأسباب مختلفة ولم يبقَ من مائة صحيفة ومجلة كانت تصدرها الجالية العربية هناك سوى عدد قليل.
لقد واجه المهاجرون إلى الأميركتين، وبالأخص إلى أميركا الجنوبية، مشكلات كثيرة في التأقلم، ليس أقلها جهلهم باللغة والعادات، والحاجة إلى العيش أحيانًا في مناطق معزولة تفرض عليهم الاعتماد على النفس. ولكنهم، جيلاً بعد جيل، نجحوا في ترسيخ أقدامهم، ومن ثم بعدما استقروا وأخذت جهودهم تثمر، ويبنون لأنفسهم مكانة اجتماعية مقبولة، وأحيانًا كثيرًا مرموقة، انطلق الجيل الثاني، للمشاركة أكثر فأكثر في الحياة الثقافية والفنية والسياسية وخرج من الجاليات العربية في عموم «العالم الجديد» ساسة كبار شغلوا أعلى المناصب. كذلك أسسوا لهم أندية وروابط ومؤسسات نشطت في مختلف المجالات منها الثقافي والأدبي والإعلامي والإغاثي والرياضي. وكانت «رواق المعري» أول رابطة أدبية أنشئت في ساو باولو تلتها «جمعية الخريجين» التي ما زالت نشطة حتى اليوم. أما الجمعية الأشهر فهي «العصبة الأندلسية» التي أُسست عام 1933 وضمت كبار أدباء المهجر وشعرائه ومن أبرزهم رشيد سليم الخوري (الشاعر القروي) وإلياس فرحات ورياض وشفيق معلوف وسواهم، وظلت تصدر مجلتها الشهيرة طوال عقدين من الزمن إلى أن احتجبت عام 1953. كذلك أُنشئت في عام 1965 رابطة أدبية جديدة أطلق عليها اسم «جامعة القلم» وهي تضم معظم حملة الأقلام العربية في ساو باولو وتسعى إلى التعاون مع «ندوة الأدب العربي» في الأرجنتين.
وفي عالم الرياضة يعد نادي بالستينو (النادي الفلسطيني) في تشيلي أحد أنجح الأندية الرياضية في البلاد وسبق له غير مرة أن انتزع لقب بطولة تشيبي لكرة القدم وخرج منه عدد من النجوم الكبار، كما اشتهر النادي السوري اللبناني في عدة رياضات في البرازيل، وتولى سوريون - لبنانيون رئاسة أندية برازيلية شهيرة في عالم كرة القدم بينها فلامينغو وآتلتيكو مينيرو.
وإذا تجاوزنا حدود أميركا الجنوبية إلى باقي أميركا اللاتينية (المكسيك وأميركا الوسطى وجزر الكاريبي)، نبغ المهاجرون العرب في المكسيك، ومنهم اليوم كارلوس سليم حلو أحد أغنى أغنياء العالم، والممثلة العالمية سلمى حايك. وبرز في عالم السياسة في أميركا الوسطى أنطونيو السقا (السياسي الفلسطيني الأصل) الذي فاز برئاسة الجمهورية في السلفادور بعد تغلبه على المناضل اليساري المتحدر هو الآخر من أصل فلسطيني شفيق حنظل. وفي كوبا، لمع ألفريدو جبور في الحياة السياسية أسس مع فيديل وراؤول كاسترو وآخرين المجلس العسكري الثوري عام 1956. وفي الاتجاه نفسه كان موسى حسن المتحدر من أصل فلسطيني ثاني أرفع قادة الثورة السندينية بعد الرئيس دانيال أورتيغا.

** أبرز المشاهير المتحدرين من أصل عربي في أميركا الجنوبية
* البرازيل: ميشال تامر (نائب رئيس الجمهورية الحالي)، وكارلوس غصن (رئيس مجموعة «رينو – نيسان» للسيارات)، وباولو سليم معلوف وتاسو جريصاتي وفرناندو حداد وجيلبرتو كسّاب وجيرالدو ألكمين (من كبار رجال السياسة)، وماريو زاغالو وبرانكو (من كبار نجوم كرة القدم)، ولوتشيانا خيمينز مراد ومالو مدار وسابرينا ساتو رحال (من أهل الفن والإعلام).
* الأرجنتين: كارلوس منعم (رئيس جمهورية سابق)، جوليانا عواضة (زوجة رئيس الجمهورية الجديد)، محمد علي زين الدين (أحد كبار الضباط، حاول الانقلاب على الرئيس منعم)، كلاوديو حسين وعمر أسد وإلياس بزي (نجما كرة قدم).
* كولومبيا: باولو سيزار طربيه (رئيس جمهورية)، جبرائيل طربية (أحد أكبر ساسة كولومبيا)، شاكيرا - شاكرة مبارك (النجمة الغنائية العالمية)، وجورجين الشاعر ملاط (سفيرة كولومبيا لدى لبنان)، فريد موندراغون (حارس مرمى عالمي).
* فنزويلا: طارق العيسمي (وزير الداخلية والعدل)، ضياء العنداري (سفيرة فنزويلا في سوريا)، طارق صعب (أحد أبرز ساسة فنزويلا).
* تشيلي: باولو زلاقط سعيد (عمدة سانتياغو)، ألبرتو حداد وحسين صباغ (رجال سياسة)، نيقولا مسوح (كرة مضرب)، روبرتو بشارة وارتورو صلاح (كرة قدم).
* بوليفيا: خوان لاشين (أبرز قادة نقابات العمال وصانع الرؤساء).
* الإكوادور: عبد الله بوكرم (رئيس جمهورية)، جميل معوض (رئيس جمهورية)، أسعد بوكرم (أحد أبرز الساسة في البلاد)، خوليو ثيودور سالم (رئيس جمهوري انتقالي)، هايمي النبوت (مرشح لرئاسة الجمهورية)، إيفون خويص عبد الباقي (مرشحة لرئاسة الجمهورية ووزيرة التجارة والسفيرة في واشنطن ورئيسة برلمان دول الآنديز).
* الباراغواي: ليلى رشيد (وزيرة خارجية وسفيرة في واشنطن).

** الصحافة العربية في أميركا الجنوبية
«الرقيب»: أسعد خالد ونعوم لبكي - ريو دي جانيرو 1896.
العدل: شكري جرجس أنطون - ساو باولو 1901.
المناظر: نعوم لبكي - ساو باولو 1901.
السلام: وديع شمعون - بوينس آيرس 1902.
الأفكار: سعيد أبو جمرا - ساو باولو 1903.
الزمان: ميخائيل السمرا - بوينس آيرس 1905.
أبو الهول: شكري الخوري - ساو باولو 1906.
الميزان: إسطفان وجورج غلبوني - ساو باولو 1909.
المرسل: الأب يوحنا غصن - بوينس آيرس 1913.
فتى لبنان: رشيد عطية - ساو بولو 1914.



الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)
TT

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت والانضمام إليه في الجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وما الثمن الذي يطلبه لقاء ذلك. وحدّد رسول نتنياهو السؤال أكثر: «هل سترغب في الانضمام للحكومة وتحظى بمنصب وزير أو ستكتفي بالدعم من الخارج مقابل ميزانيات ومطالب مدنية محددة؟». مَن يقرأ هذه الكلمات يستصعب تصديقها؛ لأن هذا الاتصال جاء في وقت كانت فيه إسرائيل تغلي كالمرجل بسبب الحملة التي شنها نتنياهو على الأحزاب العربية لتجريدها من شرعيتها، ولتخويف آيزنكوت من التفكير في تشكيل حكومة بمساندتها. لقد كانت وسائل الإعلام غارقة في متابعة «قطر غيت» ثانية؛ إذ أعلن «الشاباك» أنه «يحقق في معلومات عن تدخّل قطر ودول أخرى في الانتخابات الإسرائيلية عبر تمويل بعشرات ملايين الشواقل»، لكن تبين أن القصة غير جادة ولم تؤثر على نتائج الانتخابات. وكانت مشغولة أيضاً في اتهامات حول تزوير الانتخابات لدى العرب، وهذا أيضاً لم يثبت. ولجنة الانتخابات أكدت أنه لا يوجد شك في نزاهة الانتخابات لدى العرب. لكن نتنياهو نجح في إثارة عاصفة مخيفة.

كان واضحاً أن بنيامين نتنياهو ليس مهتماً حقاً بالدعم الخارجي للأحزاب العربية ولا أي أحزاب؛ فجميع الأحزاب الإسرائيلية تحصل على دعم خارجي، وهو نفسه يتباهى بالدعم الخارجي الذي يحصل عليه معنوياً ومالياً من عدة جهات في اليمين الأميركي، ويعرف أن الدعم الذي حصل عليه من الرئيس دونالد ترمب لا يقدّر بثمن. لكن القضية هي أن نتنياهو يقرأ جيداً نتائج الانتخابات ويدرك أنه خسرها.

صحيح أنه حقق نتائج أفضل مما كان متوقعاً؛ فالاستطلاعات كانت تشير إلى أنه سيخسر ربع قوته، لكنه وفق النتائج النهائية وشبه الرسمية، التي أعلنتها لجنة الانتخابات، خسر خُمس قوته، ولن يكون بمقدوره العودة إلى الحكم بحكومة يمين كامل.

وهذه النتائج تشير بوضوح إلى أن الجمهور الإسرائيلي يريد بغالبيته تغيير هذه الحكومة؛ إذ منح أكثرية 67 مقعداً من مجموع 120 مقعداً للمعسكر المناوئ بقيادة غادي آيزنكوت.

جبارين (الأناضول)

النتائج التفصيلية

بعد فرز 100 بالمائة من مجمل أصوات انتخابات الكنيست، بما يشمل المغلفات المزدوجة، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية النتائج شبه الرسمية (النتائج الرسمية تسلّم لرئيس الدولة يوم الأربعاء المقبل)، ويتّضح منها أن معسكر نتنياهو استقر عند 53 مقعداً، في حين استقر معسكر أحزاب المعارضة الصهيونية عند 48 مقعداً، بالإضافة إلى 19 مقعداً للقائمتين العربيتين («المشتركة» بـ11 مقعداً، و«الموحّدة» بـ8 مقاعد).

من جهة ثانية، تبين أن أصوات الجنود والمرضى في المستشفيات أحدثت تغييرات طفيفة داخل المعسكرات؛ فبسببها خسرت «القائمة العربية المشتركة» مقعداً واحداً ربحته «القائمة العربية الموحّدة»، وخسر حزب «شاس» الحريدي الشرقي مقعداً ربحه «الليكود». وبناء عليه، ستتوزّع المقاعد كما يلي: «الليكود» بقيادة نتنياهو 27 مقعداً (1.16 مليون صوت)، و«يشار» بقيادة آيزنكوت 21 مقعداً (910 آلاف صوت)، و«بياحد» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد 12 مقعداً (529 ألفاً)، و«القائمة المشتركة» بقيادة يوسف جبارين وأحمد الطيبي وسامي أبو شحادة 11 مقعداً (499 ألفاً)، و«الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان 8 مقاعد (458 ألفاً)، و«القائمة الموحّدة» بقيادة منصور عباس 8 مقاعد (336 ألفاً)، و«يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان 7 مقاعد (322 ألفاً)، و«يهدوت هتوراه» للحريديم الأشكناز 7 مقاعد (311 ألفاً)، و«عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير 7 مقاعد (325 ألفاً)، و«شاس» بقيادة أرييه درعي 6 مقاعد (298 ألفاً)، و«الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش 6 مقاعد (288 ألف صوت).

بحسب لجنة الانتخابات، بلغت نسبة التصويت 77.7 بالمائة؛ إذ كان عدد المقترعين 5.697.290 مقترعاً (من مجموع 7.3 مليون صاحب حق اقتراع)، وعدد صناديق الاقتراع 12.884 صندوقاً. وقد أُلغي 25 ألفاً و756 صوتاً، وبقي 5.671.534 صوتاً صحيحاً.

وفي قراءة أولية لهذه النتائج، يتضح أن حزب نتنياهو زاد عدد أصواته من 1.11 مليون صوت عام 2022 إلى 1.16 ألف؛ أي بزيادة 48 ألف صوت جديد. لكن عدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات السابقة بلغ 32 مقعداً (لا تشمل 4 مقاعد جلبها إليه جدعون ساعر عندما انشق عن بيني غانتس)، وهبط في هذه الانتخابات إلى 27 مقعداً. والسبب في هذا الهبوط يعود إلى الارتفاع الكبير في نسبة التصويت. وحصل هذا الارتفاع بسبب التجنيد الكبير للقوى التي قرّرت إسقاط نتنياهو، وفي مقدمتهم العرب، الذين ارتفعت نسبة التصويت لديهم من 53 بالمائة في 2022 إلى 80 بالمائة هذه المرة.

الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق.. ونتنياهو ليس المفضّل لكنه يتمتع بجوانب يتمسكون بها

حصة نتنياهو

عملياً، كانت خسارة نتنياهو كبيرة على صعيد الحصص في معسكره (من 68 إلى 53 مقعداً). وأيضاً تراجع حزب «شاس» من 11 مقعداً إلى 6 مقاعد، ما يعد انهياراً؛ فهذا الحزب، الذي استقطب سابقاً معظم أصوات اليهود الشرقيين، ووصل إلى 17 مقعداً، يعاني اليوم من أزمة ثقة مع القيادة. وهو حزب فقر وفقراء، يعمل في مدارسه عشرات الألوف، لكن لا توجد مراقبة على حساباته. وجمهوره يتهم القيادات بالفساد (يحصل هذا الحزب مع حزب الحريديم الأشكناز على 11 مليار شيقل)؛ لأن المواطنين، بمن فيهم أعضاء الحزب، لا يشعرون بهذه الأموال.

الجناحان المتطرفان للمستوطنين خسرا أيضاً بعض قوتَيهما؛ إذ حصلا معاً على 14 مقعداً في الانتخابات السابقة، وهبطا حالياً إلى 13 (سموتريتش هبط من 8 إلى 6 مقاعد، وبن غفير ارتفع من 6 إلى 7 مقاعد، مع العلم أن الاستطلاعات كانت تمنح بن غفير 9 و10 مقاعد قبل شهرين).

وتتهم أحزاب اليمين نتنياهو بإدارة حملة منظّمة في الأسبوع الأخير من المعركة الانتخابية هدفها أن يصبح أكبر حزب، ولهذا الغرض «شفط» منها عشرات ألوف الأصوات وتسبب في تقليص قوتها.

معسكر آيزنكوت

في المقابل، تمكن آيزنكوت من إقناع الجمهور، ولو جزئياً، بأنه أفضل مَن يهزم نتنياهو. ومع أن حزبه يبلغ من العمر 13 شهراً فقط، وهو شخصياً يفتقر للكاريزما المطلوبة للشارع الإسرائيلي، تمكن من اقتحام معاقل «الليكود» وبعض قلاع الأحزاب الدينية، وحصل على 21 مقعداً، ورسّخ مكانته كأكبر أحزاب المعارضة، رغم أن حلفاءه في المعسكر (نفتالي بينيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان) رفضوا قبوله رئيساً للمعسكر، ومنعوه من الظهور كمرشح عنه لرئاسة الحكومة. وحتى بعد ظهور النتائج شبه الرسمية لا يعلن هؤلاء أنهم سيوصون رئيس الدولة بتكليفه بتشكيل الحكومة. وسيضطر إلى إدارة مفاوضات معهم في الموضوع.

وأما حزب «بياحد»، الذي كان يتمثل بـ24 مقعداً، فقد هبط إلى 12 مقعداً فقط، مع أن الاستطلاعات منحته 14 مقعداً في الأسبوع الأخير. في حين حصل ليبرمان على 7 مقاعد (كان لديه 6 مقاعد)، بعدما حصل في الشهور الأخيرة على 12 مقعداً في الاستطلاعات.

آيزنكوت (أ.ف.ب)

مفاجأة الانتخابات

في المقابل، كان العرب مفاجأة الانتخابات، أكان ذلك بنسبة التصويت (التي بلغت 80 بالمائة)، أم عدد المقاعد (إذ قفزوا من 10 مقاعد إلى 19 مقعداً). وهكذا ساهموا بقوة في إسقاط حكومة نتنياهو، والرد على محاولات القمع والكبت والتهميش والعنصرية، وأظهروا حضوراً لافتاً في الساحة السياسية.

وأيضاً، بخوضهم المعركة الانتخابية بقائمتين؛ «المشتركة» (التي تضم ثلاثة أحزاب)، و«الموحّدة» (التي تضم «الحركة الإسلامية» التي تحالفت مع ضابط شرطة كبير سابق)، تمكنوا من تجنّب إضاعة أي صوت. وحقاً، أوصلوا رسالة مجلجلة للمجتمع اليهودي بأنهم يواجهون بلا خوف الخطاب العنصري ضدهم، مؤكدين أنهم لا يضعون شروطاً قاسية على آيزنكوت.

من جهة ثانية، لم يُعرف بعد كيف رد منصور عباس على مقترح نتنياهو، لكنه اجتمع مع يائير غولان وتحدث إلى لبيد ومقربين من آيزنكوت. وأكد التزامه بالخطوات المقررة لإقالة رئيس الكنيست. فإذا تمكن من عقد لقاء مع نتنياهو أو مقرب منه، وكُشف الأمر للإعلام، سيساعد آيزنكوت على تشكيل حكومة تستند إلى العرب (قسم من داخل الحكومة وقسم من خارجها).

وما يُذكر هنا أن حزب «الديمقراطيين» - مع أنه حصل على 8 مقاعد فقط - خرج بقوة إلى العمل، واجتمع مع لبيد وعباس في محاولة للتقدّم نحو تشكيل حكومة أقلية، تضم «القائمة العربية الموحّدة». ويقول: «نحن مع (القائمة الموحّدة) 55 نائباً، مقابل معسكر نتنياهو المؤلف من 53 نائباً. ولدينا احتياطي ممثل في (القائمة المشتركة)، بـ11 نائباً؛ أي إنها تقف جسماً مانعاً أمام أي محاولة لنتنياهو لإسقاط الحكومة».

وهكذا، باختصار، أظهرت نتائج الانتخابات ما يلي:

أولاً: فشل الاستطلاعات.

ثانياً: فشل نتنياهو؛ إذ خسر خُمس قوة معسكره اليميني المتطرف، وليس بمقدوره العودة لتشكيل حكومة يمين خالص.

ثالثاً: ما زالت إسرائيل تعاني من أزمة قيادة؛ إذ لا وجود لزعيم «كاريزمي» يستطيع جرف الجمهور إلى جانبه، مثل بن غوريون أو مناحيم بيغن أو أرئيل شارون، أو حتى إيهود باراك.

رابعاً: ينتظر الجمهور اليميني اليوم أن ينجح نتنياهو في حملته ضد العرب ليمنع آيزنكوت من تشكيل حكومة معهم. وفي المقابل، ينتظر جمهور اليمين الوسط والليبراليون أن يشد آيزنكوت أزره ويشكّل حكومة مستقرة؛ إذ يوجد لديه الآن 67 نائباً مستعدون لتتويجه رئيس حكومة.


رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
TT

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام الدولة العبرية، جرت عدة مداولات، كشف عنها النقاب بعد عدة عقود، موضوعها هل بقاء عرب في إسرائيل كان صحيحاً أم خطأ فاحشاً؟ كان هناك من قرر أنه خطأ جسيم. كما وضعت عدة خطط لترحيلهم، من بينها ارتكاب مجزرة كفر قاسم عام 1956.

وعام 1973، كشف الجنرال أهارون يريف، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، عن مخطط لدى الجيش الإسرائيلي لترحيل 600 – 700 فلسطيني من الضفة الغربية ومن الجليل في أول حرب تواجه إسرائيل.

لكن عام 1993، عندما احتاج إسحاق رابين إلى العرب لحماية حكومته من السقوط، تحالف مع الحزبين العربيين («الجبهة» بقيادة توفيق زياد و«الحزب الديمقراطي العربي» بقيادة عبد الوهاب دراوشة) اللذين تحوّلا إلى جسم مانع في وجه اليمين، ودعماه من خارج الحكومة.

في حينه أيضاً، تعرض رابين إلى هجمة شبيهة بالهجمة التي يواجهها آيزنكوت اليوم لاستناده إلى العرب. وفي تلك الفترة أيضاً، قاد الهجمة العنصرية نتنياهو نفسه. لكن رابين واجه تلك الهجمة بقوة، وقال: «عار ألا يتعامل اليهود مع العرب بمساواة... نحن اليهود عشنا تحت الظلم والتمييز والعنصرية مئات السنين في أوروبا. ولا يجوز لنا أن ننبذ العرب خارج الصفوف، ونتعامل معهم بعنصرية».

حتى نتنياهو، عندما احتاج إلى العرب لتثبيت حكومته عام 2015، تكلم عن العرب بطريقة مختلفة. واعتذر لهم على أنه تكلم يوم الانتخابات ضد تدفقهم إلى الصناديق. وبثّ شريط فيديو يقول فيه ما يلي: «مواطنينا العرب الأعزاء (بعدما قالها بالعبرية، أعادها بالعربية المكسّرة: مواتنونا العرب الأعزاء)، قبل أن يتم انتخابي قلت إن مواطنينا العرب تدفّقوا بجماهيرهم إلى صناديق الاقتراع. رغم أنني كنت أقصد حزباً سياسياً محدداً، فإن بعض المواطنين العرب شعروا أنني مسست بهم، وأفهم ذلك. اعتذرت عن الشكل الذي فهمت فيه أقوالي. أكثر من 20 في المائة من مواطنينا هم عرب. وأنتم وصلتم إلى إنجازات مذهلة. قضاة في المحكمة العليا وأعضاء كنيست. أدباء ذوو سمعة. أطباء وصيادلة ورجال أعمال وأصحاب شركات في الهايتك وعلماء. أنا أعتز بالدور الذي تقومون به لنجاح إسرائيل. وأريد أن يكبر دوركم أكثر. إن احترام الأقليات ليس الأمر الصحيح فقط، الذي يجب أن نقوم به، بل هو أمر حيوي لنا ولتقدمنا». وبعد هذا الموقف، صادقت حكومته على خطة لتطوير البلدات العربية بقيمة 5 مليارات شيكل (1.5 مليار دولار).

وعام 2021، عاد نتنياهو إلى تصريحات مشابهة، عندما تفاوض مع منصور عباس على التحالف ودعم حكومته، لكنه تراجع لأن حزب سموتريتش فرض «الفيتو» وهدّد بإسقاط الحكومة. فتوجّه عباس إلى بنيت ولبيد وأقام معهما تحالفاً. ويومها رفض عباس أن يكون جزءاً من الحكومة، لكنه كان جزءاً من الائتلاف البرلماني (في الكنيست). ولم تطل هذه التجربة، إذ تمكن نتنياهو من إسقاط الحكومة بعد 1.5 سنة، لكنها اعتبرت تجربة بالغة الأهمية. ويحاول عباس اليوم تكرارها.

كثيرون من أنصار السلام في إسرائيل يعيدون هذه الأيام نشر الفيديوهات الإيجابية التي تظهر تصريحات رابين ونتنياهو المذكورة أعلاه، لغرض تشجيع آيزنكوت على مواصلة هذا التوجه السليم. وفي هذه الأثناء، أجري استطلاع رأي، الخميس، قال فيه 59 في المائة من ناخبي معسكر آيزنكوت إنهم يؤيدون تشكيل حكومة مع العرب.

بالتالي، القضية اليوم المطروحة بعد نشر نتائج الانتخابات هي؛ هل سيتغلب آيزنكوت على حملة نتنياهو العنصرية، ويثبت أنه قائد قوي وجريء، ويقيم التحالف الذي يضمن له احترام إرادة الناخب وإسقاط حكم نتنياهو.

صحيح أن الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق ويهيمن على كل زاوية ويغرقهم في كراهية جنونية للعرب، وصحيح أيضاً أن الجمهور لم يعد يرى في نتنياهو القائد المفضل، لكن نتنياهو يتمتع بجوانب قوة يتمسكون بها، ولا يجدونها بعد لدى آيزنكوت وغيره من الجنرالات الذين اهتزت بهم ثقة الناس.


السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟
TT

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية ميشيغان. في هذا اللقاء بالمدينة - بضواحي مدينة ديترويت - كانت السيناتورة اليهودية ذات الخلفية الاستخباراتية والمواقف الوسطية، تدعم مرشحاً مسلماً تقدمياً تختلف معه في قضايا خارجية، وتتحفظ عليه شخصيات يهودية بسبب مواقفه من إسرائيل. بالنسبة إليها، كان المشهد فرصة لإثبات إمكانية العمل المشترك رغم الخلاف. وبالنسبة إلى حزبها، كان اختباراً لقدرة مكوّناته على البقاء معاً عشية انتخابات قد تعيد توزيع السلطة في واشنطن. ومع أن سلوتكين لا تخوض انتخابات تجديد مقعدها الثلاثاء المقبل، لكن موقعها السياسي يخضع لاختبار من نوع آخر.

السيناتورة إليسا سلوتكين، التي فازت عام 2024 في ولاية ميشيغان بشمال الولايات المتحدة التي اختارت يومذاك دونالد ترمب للرئاسة، تحاول اليوم المساهمة في إنقاذ الائتلاف الذي حملها إلى واشنطن. وهي بين خبرتها الأمنية، وهويّتها اليهودية، وعلاقتها بناخبين عرب ومسلمين، وطموحها الوطني المحتمل، تتشكّل شخصية استثنائية قد يصبح تأثيرها أكبر من عمر تجربتها القصيرة في مجلس الشيوخ.

جذور ومسارات

ولدت إليسا سلوتكين في مدينة نيويورك يوم 10 يوليو (تموز) 1976، ونشأت في ميشيغان حيث ارتبط تاريخ عائلتها بمزرعة في بلدة هولي وبشركة «هايغريد فودز» لتعليب اللحوم. ومن أشهر منتجات الشركة نقانق «بول بارك» التي ارتبطت بمدرّجات ملعب الـ«تايغر» التابع لنادي ديترويت تايغرز لكرة القاعدة (البيسبول) في مدينة ديترويت.

هذه تفاصيل تستحضرها سلوتكين في موقعها الرسمي عن سيرتها، لربط سيرة العائلة بتاريخ الولاية الصناعي وحياتها اليومية، بعيداً عن الصورة المجرّدة لموظفة أمن قومي سابقة آتية من واشنطن.

درست السيناتورة المستقبلية في جامعتين من أرقى جامعات أميركا، فحازت بكالوريوس في علم الاجتماع الريفي من جامعة كورنيل، ثم ماجستير العلاقات الدولية من جامعة كولومبيا عام 2003.

وبين الاختصاصين مسافة تبدو حاضرة في خطابها. اهتمام بالمجتمعات المحلية ومصادر عيشها، وانشغال بموقع الولايات المتحدة وأخطار العالم. لكنها لم تدخل السياسة الانتخابية مباشرة بعد تخرّجها من الجامعة، بل أمضت سنوات في مؤسسات اعتاد أن يعمل موظفوها بعيداً عن الجمهور.

بحسب روايتها، وقعت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) خلال أسبوعها الأول في نيويورك لبدء الدراسات العليا، فدفعتها إلى اختيار العمل الأمني. وبالفعل، التحقت بوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) محللة لشؤون الشرق الأوسط، ثم أرسلت إلى بغداد في أولى 3 مهمات بالعراق.

لم تكن يومذاك عسكرية، بل عملت إلى جانب القوات والدبلوماسيين الأميركيين، في بيئة تداخلت فيها المعلومات الاستخباراتية بالمواجهات المسلحة وصراعات النفوذ.

ومن العراق، انتقلت إلى وظائف في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية و«البنتاغون» (وزارة الحرب)، وخدمت في إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما. ووصلت إلى منصب مساعد وزير الدفاع بالإنابة لشؤون الأمن الدولي.

هذه الخبرة منحت سلوتكين مادة سياسية مميّزة، وبالفعل قدّمت نفسها كموظفة خدمت الدولة تحت رئيسين من حزبين مختلفين، قبل أن تغدو ممثّلة منتخبة لأحدهما. لكنها أيضاً ارتبطت بمؤسّسة أمنية تواجه أسئلة متراكمة عن نتائج الحروب الأميركية وحدودها.

الأم والسياسةإذا كان العراق قد صاغ خبرة إليسا سلوتكين المهنية، فإن مرض والدتها شكّل العامل الشخصي الذي دفعها لدخول السياسة، بحسب روايتها. إذ شُخصت إصابة والدتها بسرطان المبيض في مرحلة متقدمة عام 2009، عندما كانت بلا تأمين صحي، وبعدما جعل تاريخ الإصابة بسرطان الثدي تكلفة التغطية المالية للعلاج مرهقة. وهنا تروي سلوتكين أن الأسرة كانت تبحث عن علاج ينقذ حياة الأم، وتملأ في الوقت نفسه أوراق إشهار إفلاسها.

توفيت والدتها عام 2011، لكن التجربة بقيت أساساً لموقفها من حماية المصابين بأمراض مُزمنة وخفض أسعار الأدوية. وحين حاول الجمهوريون إلغاء الحماية التي أتاحها «قانون الرعاية الصحية»، قرّرت خوض الانتخابات عن الديمقراطيين. وهكذا وجدت مسؤولة الأمن السابقة مدخلها إلى الناخبين في مسألة شخصية يمكن لملايين العائلات فهمها.

عضو مجلس النواب

عام 2018، انتخبت سلوتكين نائبة في مجلس النواب عن ميشيغان بعدما انتزعت مقعداً للجمهوريين، وكرّرت الفوز في عامي 2020 و2022. ثم انتقلت إلى المنافسة على مقعد السيناتورة الديمقراطية المتقاعدة ديبي ستابيناو عام 2024.

يومذاك، لم يكن انتصارها كاسحاً، إذ حصلت على نحو 2.713 مليون صوت متقدّمة بـ19 ألف صوت فقط على الجمهوري مايك روجرز، الذي ينافس اليوم عبدول السيد. بيد أن لهذا الهامش معنى يتجاوز الحساب الانتخابي. فهو يمنحها حجة بأنها تستطيع الفوز في بيئة لا تضمن نجاح الديمقراطيين، لكنه يذكّرها بأن أي خسارة محدودة بين المستقلين أو العمال أو الأقليات قد تقلب النتيجة. في تلك المعركة، ركّزت سلوتكين حملتها على تكاليف المعيشة والأدوية والتعليم، ودافعت عن حقوق الإجهاض، وحصلت على تأييد نقابة عمال السيارات، أي أن خبرتها الخارجية لم تغنها عن بناء صدقية في الشؤون المعيشية. ومن هذه التجربة تستمد اليوم اعتراضها على اختزال السياسة بالتصنيفات الآيديولوجية. فهي ترى أن الناخب الذي يقلقه التأمين الصحي أو استقرار عمله لا يبدأ بالضرورة من السؤال عما إذا كان المرشح وسطياً أو تقدمياً، بل ممّا يستطيع تقديمه.

ائتلاف يهودي - مسلم... تحت الضغط

تجسّد ولاية ميشيغان راهناً الصعوبة التي تواجه هذا المنطق حين تتداخل السياسة الخارجية بالهوية والتجارب العائلية. فالحضور العربي والمسلم واليهودي يضع الحرب في غزة والعلاقة مع إسرائيل في قلب النقاش المحلي، إلى جانب الوظائف والأسعار والسكن. ومن ثم، لا تستطيع سلوتكين التعامل مع هذه القضايا وكأنها ملفات بعيدة تخصّ لجان الكونغرس وحدها.

لكنها بالمقابل ترفض تصوير الجماعات الانتخابية ككتل متجانسة. وفي ظهورها مع السيد، شدّدت على اختلاف أولويات الناخبين اليهود، كما تختلف أولويات المسلمين والسود. ونقل موقع «جويش إنسايدر» عنها رغبتها في تقديم نموذج لامرأة يهودية ورجل مسلم يستطيعان النقاش والعمل معاً. وجاء موقفها هذا بينما تنتقد شخصيات يهودية ديمقراطية السيد، وبعضها يلوّح بحجب التأييد عنه أو دعم منافسه الجمهوري.

لا يعني هذا أن سلوتكين تبنّت برنامجه. ووفق صحيفة «شيكاغو ماروون» أوضحت في نقاش بجامعة شيكاغو هذا الشهر، أنها لم تؤيده في الانتخابات التمهيدية، وأن خلافاتهما مستمرة وبخاصة في السياسة الخارجية. لكنها ترى أرضية مشتركة في حماية الديمقراطية والأمن الاقتصادي، بحسب قولها. ومن هنا تحاول صياغة انقسام بديل داخل الحزب، بين الاستعداد للمواجهة والانسحاب منها، بدلاً من الفصل التقليدي بين المعتدلين والتقدميين.

مع ذلك، يرى البعض أن هذا الاختيار ينطوي على أخطار. فتأييد مرشح مختلف عنها قد يساعد على توحيد الحزب، لكنه قد يضعف صورتها لدى بعض من اختاروها بسبب اعتدالها. وفي المقابل، فإن الابتعاد عنه كان سيجعل خطاب الوحدة أقل اقناعاً لدى التقدميين والناخبين الذين يريدون تغييراً في سياسة إسرائيل. والاختبار هنا ليس لقدرتها على إرضاء الجميع، بل على إقناع المختلفين بأن التعاون لا يستلزم تنازلهم عن جميع مواقفهم. ومن ثمّ، إذا أرادت قيادة وطنية، فهذه مهارة تحتاج إليها في حزب يصعب على أي جناح فيه الفوز منفرداً.

إسرائيل بلا تفويض

تظهر محاولة سلوتكين الموازنة في مواقفها بوضوح في تصويتها يوم 15 أبريل (نيسان) الماضي، لمنع نقل قنابل هجومية تزن ألف رطل وجرّافات عسكرية إلى إسرائيل، مع تأكيد استمرار دعمها أنظمة الدفاع، بينها «القبة الحديدية». وقالت إنها ستراجع الأسلحة الهجومية المموّلة أميركياً، كل حالة على حدة.

بذا وضعت السيناتورة فصلاً عملياً بين حماية إسرائيل وتأييد كل ما تطلبه حكومتها. وفي تفسيرها موقفها، أكدت تمسكها بـ«إسرائيل يهودية ديمقراطية»، لكنها رفضت مساواة تأييدها بالموافقة على أجندة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. وربطت موقفها بحق الأميركي في دعمها وانتقاد قيادتها. وأيضاً، استحضرت خبرتها في العراق لتشدّد على معارضتها النظام الإيراني وحلفائه، بالتزامن مع رفض حرب ترى أن «ترمب بدأها بلا تهديد وشيك مثبت أو أهداف واضحة» أو موافقة الكونغرس.

تتيح هذه الصيغة تصوّر أن تلعب سلوتكين دوراً في محاولة إعادة بناء العلاقة بين الديمقراطيين وإسرائيل. لكن لا توجد أدلة تتيح تقديمها بوصفها صاحبة خطة معلنة للعمل مع جماعات الضغط المحسوبة على اللوبي اليهودي لاستعادة الدعم غير المشروط لإسرائيل. فموقفها الموثّق أقرب إلى «إعادة تعريف التأييد» بحيث يتّسع للقيود والمحاسبة. هذا قد يجعلها محاورة مفيدة لبعض المنظمات والناخبين المؤيدين لإسرائيل، وموضع خلاف مع آخرين. في المقابل، هويّتها اليهودية لا تضمن قبول حجتها، مثلما لا يضمن تصويتها ضد أسلحة هجومية استعادة ثقة العرب والمسلمين. فعليها إقناع الطرفين بأن معاييرها ثابتة، وليست استجابة متغيرة لضغط الانتخابات.

وهنا تضيف الانتخابات الإسرائيلية بعداً جدياً لهذا الاختبار. فالمعطيات حتى الآن لا توضح الطرف الذي يملك غالبية محسومة، ويظل احتمال استمرار بنيامين نتنياهو مطروحاً ضمن مفاوضات الائتلاف. وإذا بقي، فقد يزداد الضغط على سلوتكين لإثبات أن الفصل بين إسرائيل وحكومتها يترجم إلى قرارات، لا لغة مريحة سياسياً فقط.

للعلم، بدأ انتقال سلوتكين إلى الجمهور الوطني مبكراً بعد دخولها مجلس الشيوخ، إذ اختارها الديمقراطيون في مارس (آذار) 2025 للرد على خطاب ترمب أمام الكونغرس. وأدلت بخطاب يستدعي قيماً مشتركة ويتوجّه إلى «الوسط» السياسي، بدليل أنها استعانت بإرث الرئيس الجمهوري الراحل رونالد ريغان لانتقاد مقاربة ترمب للعلاقات الدولية.

لكن نبرتها الأكثر مواجهة اليوم لا تعني تخلّيها عن الأولويات الاقتصادية. فقد طرحت خلال مشاركتها في مناقشات شيكاغو تسريع بناء المساكن والتأمين الصحي العام، منتقدة تقصير الديمقراطيين في مخاطبة مخاوف الأسر خلال انتخابات 2024. وهي بذا تحاول توسيع صورتها من «خبيرة أمن قومي» إلى «سياسية» ترى أن هشاشة الطبقة الوسطى تمسّ استقرار البلاد نفسه. وفي مسألة الإدارة، تدعو سلوتكين إلى تحقيقات محدّدة تستطيع كشف المسؤوليات مع تشريعات تمنع تكرار التجاوزات. وتتحفّظ عن التعويل على تكرار محاولات عزل الرئيس الشكلية من دون أصوات كافية لإدانته في مجلس الشيوخ. وهنا يظهر منطق عملها: «مواجهة أشد لكن بأهداف قابلة للتحقق لا مجرد رفع سقف الوعود».

من ناحية أخرى، أقرت سلوتكين بأنها تفكر في الترشح للرئاسة، من دون إعلان قرار، كما زارت ولاية نيفادا أخيراً وسط تكهنات بطموحها لعام 2028 بحسب موقع «أكسيوس».

ومع ذلك، فالفوز في ميشيغان لا يضمن اجتياز انتخابات تمهيدية وطنية، حيث تحتاج إلى شبكة تنظيمية وتمويل وتعريف أوسع بنفسها، وتواجه منافسين أقوى وأكثر شهرة.

وعشية الانتخابات النصفية، تبدو إليسا سلوتكين أمام اختبار يسبق إعلان أي طموح رئاسي: هل تستطيع مساعدة حزبها على الفوز من دون إخفاء خلافاته وأزماته، ومخاطبة ناخبين لا يثق بعضهم ببعض؟