توتر العلاقات بين موسكو وأنقرة يزيد متاعب تركيا الاقتصادية

في ظل زيادة البطالة واكتظاظ اللاجئين

اتراك يتسوقون في منطقة كاراكوي باسطنبول أمس (غيتي)
اتراك يتسوقون في منطقة كاراكوي باسطنبول أمس (غيتي)
TT

توتر العلاقات بين موسكو وأنقرة يزيد متاعب تركيا الاقتصادية

اتراك يتسوقون في منطقة كاراكوي باسطنبول أمس (غيتي)
اتراك يتسوقون في منطقة كاراكوي باسطنبول أمس (غيتي)

اكتمل تشييد خط سكة حديد جديد عالي السرعة العام الماضي، ويربط الآن مدينة أسكي شهر بإسطنبول ناحية الغرب، وبأنقرة ناحية الشرق. ويمتد نهر ضيق متعرج عبر وسط المدينة، تتخلله جسور جميلة زرقاء اللون أمام كل حي تقريبا، بشكل يجذب السياح. وتنتج المصانع هنا كل شيء، بدءا من الكعك والحلوى إلى الثلاجات والشاحنات الكبيرة من طراز فورد وقطع غيار الطائرات.
ومع ذلك، رغم رخائها وازدهارها الظاهري، تخيم المتاعب على اقتصاد أسكي شهر، واقتصاد تركيا ككل، بسبب تعثر الصادرات إلى الصين وإلى منطقة الشرق الأوسط. وفي ظل وقف روسيا معظم السياحة إلى تركيا، والتهديد بوقف استيرادها الغذاء من الدولة عقب إسقاط مقاتلات تركية من طراز «إف 16» مقاتلة روسية بالقرب من الحدود السورية - التركية يوم الثلاثاء الماضي، أصبح الخطر بالمزيد من المتاعب الاقتصادية لتركيا واضحا.
وقال يلماز بيوكيرسين، عمدة إسكي شهر: «في ظل ارتفاع نسبة البطالة بالفعل هنا، يتباطأ اقتصاد المدينة».
وتعد روسيا إحدى أكبر الأسواق للصادرات التركية، بعد ألمانيا. ويوجد في أسكي شهر معمل لتكرير السكر، يستخدم بنجر السكر من الحقول المجاورة كمادة خام. وتصدر المدينة حلوى وكعكا وبسكويتا وغيرها من منتجات الأغذية بنحو 30 مليون دولار إلى روسيا، وفقا لغرفة التجارة المحلية.
وكانت تركيا تكثف صادراتها من الأغذية إلى تركيا خلال الأشهر الأخيرة، في حين أدى الخلاف السياسي بين روسيا والغرب إلى انخفاض الواردات الروسية من دول الاتحاد الأوروبي.
وكانت روسيا واحدة من أكبر مصادر السياحة لتركيا حتى العام الماضي، عندما تسبب مزيج من انهيار عملة الروبل، وفرض عقوبات من جانب الغرب على روسيا لدعمها المتمردين الأوكرانيين، في تقليص عدد الروس القادرين على السفر. وكان الانخفاض في السياحة مصدر قلق للاقتصاديين هنا، حتى قبل إسقاط المقاتلة الروسية.
وقال إرينغ يلدان، عميد كلية الاقتصاد بجامعة بلكنت قرب أنقرة: «أصبح العجز التجاري خارج نطاق السيطرة، حيث لا يمكن للصادرات أن تضاهي قيمة الواردات، لذلك كانت عائدات السياحة عنصرا رئيسيا في ميزانيتنا».
ورغم ذلك، ذكر غنكيز كامل فرات، نائب المدير العام للشؤون الاقتصادية العامة والثنائية في وزارة الخارجية التركية، أن اقتصاد البلاد كان في وضع أفضل مما يبدو عليه.
وجاء قرار روسيا بالحد من السياحة - على سبيل المثال - في بداية موسم هادئ لزوار تركيا، حيث تعتبر الدولة مقصدا رئيسيا للسياح خلال الصيف، ولم تكن تتوقع تدفقا آخر كبيرا للزوار حتى يونيو (حزيران) المقبل. وأضاف السيد فرات: «ربما تهدأ الأمور قبل ذلك».
وعلى الجانب الآخر، يوجد الغاز الطبيعي على قمة الصادرات الروسية، بإمدادها 60 في المائة من احتياجات تركيا. ولا تحاول روسيا الحد من هذا التدفق، لأنه يزود موسكو بالعائدات الأجنبية ذات القيمة في وقت تخضع فيه لعقوبات غربية. وحتى لم يعترض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكبر فئة من الصادرات التركية لبلاده - السلع المصنعة.
وبلغ إجمالي الصادرات التركية إلى روسيا 0.8 في المائة من ناتجها الاقتصادي خلال العام الماضي. لكن السيد يلدن قال إن ما يزيد أهمية على القيمة الدولارية للعقوبات التجارية هو إذا ما كان الخلاف مع روسيا سيؤثر على الثقة الدولية بأن تركيا تحتاج لمواصلة جذب ما يكفي من الاستثمارات الأجنبية لتعويض عجزها التجاري المزمن أم لا.
وتعد الصعوبات الاقتصادية في تركيا مصدر قلق محتمل للغرب. ويسعى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة للمزيد من المساعدة من جانب تركيا من أجل القضاء على عدد الأوروبيين الذين يستخدمون تركيا للسفر إلى ومن المناطق السورية والعراقية الخاضعة لسيطرة تنظيم داعش.
ويكمن مصدر قلق آخر في التطرف السياسي المحتمل لتركيا نفسها إذا ساءت أوضاعها الاقتصادية. فقد وجد استطلاع رأي نشره مركز بيو للأبحاث يوم 17 نوفمبر (تشرين الثاني) - قائما على مسح أجراه خلال الربيع الماضي - أن 8 في المائة من الأتراك يحملون آراء إيجابية تجاه «داعش»، رغم أن 73 في المائة يحملون آراء سلبية حيال التنظيم.
ويقول الكثيرون هنا في أسكي شهر إن تدفق اللاجئين من روسيا والآخرين الذين لا يحملون أوراق عمل تركية يزيد الأوضاع الاقتصادية سوءا، رغم أن أسكي شهر تبعد نحو 400 ميل عن الحدود السورية. وذكر العمدة بيوكيرسين: «هذا يمثل مشكلة كبيرة، حيث يزداد عدد اللاجئين يوما بعد يوم، ويضيفون إلى مشكلة البطالة لدينا».
وينتظر العمال العاطلون كل يوم على أمل مقابلة أرباب العمل أمام مسجد أسكي شهر المركزي - وهو عبارة عن نسخة مصغرة من مسجد آيا صوفيا الشهير في إسطنبول. وقال عثمان بوياغي، عمره 50 عاما، ولديه طفلان، إنه وزملاءه العاملين يكسبون في العادة 20 دولارا مقابل عمل يوم واحد في موقع البناء، لكنهم يخسرون عملهم أمام العدد الهائل من المهاجرين السوريين الذين يقبلون بـ6 دولارات فقط في اليوم.
وصرح السيد فرات بأن اللاجئين السوريين تسببوا في شعور بالاستياء في بعض الأماكن، لكنهم أيضا وفروا عمالة رخيصة قد تساعد بعض الشركات على الاستمرار في المنافسة.
وتتجاوز صعوبات أسكي شهر الاقتصادية، وصعوبات اقتصاد تركيا، مسألة التأقلم مع المهاجرين، أو الانقطاع في السياحة، حيث يواجه الكثير من الأسواق الناشئة صعوبات من جراء تباطؤ التجارة العالمية، من بينها تركيا.
وتعتمد تركيا منذ فترة طويلة على تصدير السلع المصنعة إلى أوروبا وإلى منطقة الشرق الأوسط، وهما إقليمان يضعف فيهما الطلب في الوقت الراهن. ويعود ذلك جزئيا إلى الجغرافيا السياسية، ومن ناحية أخرى بسبب تصدير الصناعات الصينية بأسعار منخفضة إلى الشرق الأوسط وأوروبا وأفريقيا.
وقد دمرت الحروب في سوريا والعراق الطلب على الصناعات التركية، في خضم إرسالها أكثر من مليوني لاجئ إلى تركيا.
ومن الناحية التقليدية، يعد العراق ثاني أكبر سوق تصديرية لتركيا، بعد ألمانيا، بيد أن سنوات الحرب قلصت المبيعات هناك. كما انهارت سوريا - سوق كبيرة أخرى - بسبب الحرب الأهلية الدائرة هناك، وأصبح مرور الشاحنات المحملة بالبضائع جنوبا عبر سوريا أو العراق إلى الأسواق التركية التقليدية في الخليج العربي محفوفا بالمخاطر وصعبا.
وقالت «سافاس أوزايديمير»، شركة رائدة في مجال الصناعات بمدينة أسكي شهر، لديها أسهم في تصنيع البلاط والأسلاك والعقارات: «هذه الطرق غير مغلقة، هناك الكثير من عمليات التهريب، فلا بد أن يعيش الناس في سوريا. لكن بالطبع، تقلصت نسبة المرور بنسبة 30 في المائة عما كان عليه الحال قبل ذلك».
ويعتبر الطريق حول العراق وسوريا عبر إيران أطول بكثير وأكثر تكلفة، كما فرضت إيران رسوما باهظة على الشاحنات التركية، والسبب ظاهريا هو أن الشاحنات تملأ خزاناتها بوقود الديزل المدعوم وهي في إيران. ولم يفلح دعم تركيا القوي للديمقراطية في سوريا وللإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد - حليف إيران.
وباعتبارها واحدة من عدد قليل من الديمقراطيات في منطقة الشرق الأوسط، أثارت تركيا أيضا غضب الحكومة المصرية من خلال انتقادها. وفي المقابل، حظر المصريون الكثير من الشاحنات التركية التي كانت تصل في العادة على عبارات إلى ميناء بورسعيد لنقل البضائع إلى الأسواق في شبه الجزيرة العربية، وهو ما قيد حركة الصادرات المصرية من تركيا.
وتعتمد تركيا أيضا على تصدير مواد البناء إلى الصين، غير أن تراجع العقارات هناك أعاق عملية بناء مساكن جديدة، وعرقل الحاجة إلى الواردات التركية.
وتعد الصين أكبر سوق في العالم حتى الآن على مدى السنوات الأخيرة للرخام، نظرا لتركيبه على نطاق واسع في الفنادق والمباني السكنية وأبراج المكاتب وحتى طوابق حمامات السباحة الجديدة، رغم استخدام التشطيبات غير المكلفة التي قد تجعل الرخام زلقا تقريبا مثل الزجاج.
تحتوي تركيا على 40 في المائة من احتياطات الرخام التجاري في العالم، ولا تزال حتى الآن الموردة المهيمنة للصين، حيث يميل الرخام المحلي للتصدع بشدة، وغالبا ما يتغير لونه إلى اللون الأصفر غير الجذاب. لكن قيمة وحمولة الواردات الصينية من الرخام انخفضت بنسبة الثلث تقريبا خلال العام الماضي فقط، بالتوازي مع الانخفاض الحاد في بناء المساكن الجديدة هناك.
وبالنسبة لشركة «غيكيغلر ماربل» في أسكي شهر، كان ذلك يعني إغلاق ثلاثة محاجر من أصل تسعة محاجر للرخام تابعة للشركة، وتسريح نسبة الثلث من 450 عاملا. وكانت الشركة صممت خط إنتاج آليا للبيع إلى الصين بتكلفة 550 ألف دولار، ويساعد ذلك على تحويل كتل وزنها 25 طنا من الرخام التركي إلى بلاط نحيف. لكن بعد التوقع ببيع 10 كتل في العام، باعت الشركة فعليا كتلة واحدة فقط العام الماضي، ولم تبع شيئا هذا العام، مع تنبؤات ببيع اثنتين العام المقبل.
وقال يافوز غيكيغ، مدير التسويق في الشركة: «لم نرغب في بيع الكتل، إنما نريد بيع المنتجات النهائية فقط. لكن لا يمكننا المنافسة مع الشركات الأخرى التي فتحت محاجر مؤخرا وتشحن الكتل لتصديرها».
وكان هناك عدد قليل من النقاط المضيئة للصناعة التركية، ومن المتوقع الحفاظ على معدل النمو الاقتصادي في البلاد حول 3 في المائة خلال السنوات القليلة المقبلة - أضعف من نسبة 5 في المائة للنمو التي أصبحت تركيا معتادة عليها خلال العقد الماضي، لكن النسبة لا تزال أكبر من عدة بلدان أخرى.
ويكمن أحد مجالات القوة في تركيا في بناء المنازل. فبدافع الخوف من المزيد من عدم الاستقرار في العالم العربي، تشتري الأسر من منطقة الشرق الأوسط شققا في تركيا. وبالاقتران مع انخفاض أسعار الفائدة، أحدث ذلك طفرة في البناء في أنقرة وإسطنبول.
وهنا في أسكي شهر، أنتجت خدمة خط السكة الحديدية السريع، إلى جانب قرار العمدة بيوكيرسين بإعادة تخصيص أرض مصنع في وسط المدينة لتصبح أبراجا سكنية، سلسلة من مشاريع البناء الجديدة.
لكن في الوقت الراهن، يشعر الكثير من أصحاب الأعمال بالقلق. وقال سينان أتينار، صاحب متجر يبيع ساندويتشات محشوة بشطائر اللحم في ساحة وسط المدينة: «أعيش في أسكي شهر منذ 15 عاما. ولم أرها بطيئة أبدا مثل الآن».

* خدمة «نيويورك تايمز»



صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.