توتر العلاقات بين موسكو وأنقرة يزيد متاعب تركيا الاقتصادية

في ظل زيادة البطالة واكتظاظ اللاجئين

اتراك يتسوقون في منطقة كاراكوي باسطنبول أمس (غيتي)
اتراك يتسوقون في منطقة كاراكوي باسطنبول أمس (غيتي)
TT

توتر العلاقات بين موسكو وأنقرة يزيد متاعب تركيا الاقتصادية

اتراك يتسوقون في منطقة كاراكوي باسطنبول أمس (غيتي)
اتراك يتسوقون في منطقة كاراكوي باسطنبول أمس (غيتي)

اكتمل تشييد خط سكة حديد جديد عالي السرعة العام الماضي، ويربط الآن مدينة أسكي شهر بإسطنبول ناحية الغرب، وبأنقرة ناحية الشرق. ويمتد نهر ضيق متعرج عبر وسط المدينة، تتخلله جسور جميلة زرقاء اللون أمام كل حي تقريبا، بشكل يجذب السياح. وتنتج المصانع هنا كل شيء، بدءا من الكعك والحلوى إلى الثلاجات والشاحنات الكبيرة من طراز فورد وقطع غيار الطائرات.
ومع ذلك، رغم رخائها وازدهارها الظاهري، تخيم المتاعب على اقتصاد أسكي شهر، واقتصاد تركيا ككل، بسبب تعثر الصادرات إلى الصين وإلى منطقة الشرق الأوسط. وفي ظل وقف روسيا معظم السياحة إلى تركيا، والتهديد بوقف استيرادها الغذاء من الدولة عقب إسقاط مقاتلات تركية من طراز «إف 16» مقاتلة روسية بالقرب من الحدود السورية - التركية يوم الثلاثاء الماضي، أصبح الخطر بالمزيد من المتاعب الاقتصادية لتركيا واضحا.
وقال يلماز بيوكيرسين، عمدة إسكي شهر: «في ظل ارتفاع نسبة البطالة بالفعل هنا، يتباطأ اقتصاد المدينة».
وتعد روسيا إحدى أكبر الأسواق للصادرات التركية، بعد ألمانيا. ويوجد في أسكي شهر معمل لتكرير السكر، يستخدم بنجر السكر من الحقول المجاورة كمادة خام. وتصدر المدينة حلوى وكعكا وبسكويتا وغيرها من منتجات الأغذية بنحو 30 مليون دولار إلى روسيا، وفقا لغرفة التجارة المحلية.
وكانت تركيا تكثف صادراتها من الأغذية إلى تركيا خلال الأشهر الأخيرة، في حين أدى الخلاف السياسي بين روسيا والغرب إلى انخفاض الواردات الروسية من دول الاتحاد الأوروبي.
وكانت روسيا واحدة من أكبر مصادر السياحة لتركيا حتى العام الماضي، عندما تسبب مزيج من انهيار عملة الروبل، وفرض عقوبات من جانب الغرب على روسيا لدعمها المتمردين الأوكرانيين، في تقليص عدد الروس القادرين على السفر. وكان الانخفاض في السياحة مصدر قلق للاقتصاديين هنا، حتى قبل إسقاط المقاتلة الروسية.
وقال إرينغ يلدان، عميد كلية الاقتصاد بجامعة بلكنت قرب أنقرة: «أصبح العجز التجاري خارج نطاق السيطرة، حيث لا يمكن للصادرات أن تضاهي قيمة الواردات، لذلك كانت عائدات السياحة عنصرا رئيسيا في ميزانيتنا».
ورغم ذلك، ذكر غنكيز كامل فرات، نائب المدير العام للشؤون الاقتصادية العامة والثنائية في وزارة الخارجية التركية، أن اقتصاد البلاد كان في وضع أفضل مما يبدو عليه.
وجاء قرار روسيا بالحد من السياحة - على سبيل المثال - في بداية موسم هادئ لزوار تركيا، حيث تعتبر الدولة مقصدا رئيسيا للسياح خلال الصيف، ولم تكن تتوقع تدفقا آخر كبيرا للزوار حتى يونيو (حزيران) المقبل. وأضاف السيد فرات: «ربما تهدأ الأمور قبل ذلك».
وعلى الجانب الآخر، يوجد الغاز الطبيعي على قمة الصادرات الروسية، بإمدادها 60 في المائة من احتياجات تركيا. ولا تحاول روسيا الحد من هذا التدفق، لأنه يزود موسكو بالعائدات الأجنبية ذات القيمة في وقت تخضع فيه لعقوبات غربية. وحتى لم يعترض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكبر فئة من الصادرات التركية لبلاده - السلع المصنعة.
وبلغ إجمالي الصادرات التركية إلى روسيا 0.8 في المائة من ناتجها الاقتصادي خلال العام الماضي. لكن السيد يلدن قال إن ما يزيد أهمية على القيمة الدولارية للعقوبات التجارية هو إذا ما كان الخلاف مع روسيا سيؤثر على الثقة الدولية بأن تركيا تحتاج لمواصلة جذب ما يكفي من الاستثمارات الأجنبية لتعويض عجزها التجاري المزمن أم لا.
وتعد الصعوبات الاقتصادية في تركيا مصدر قلق محتمل للغرب. ويسعى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة للمزيد من المساعدة من جانب تركيا من أجل القضاء على عدد الأوروبيين الذين يستخدمون تركيا للسفر إلى ومن المناطق السورية والعراقية الخاضعة لسيطرة تنظيم داعش.
ويكمن مصدر قلق آخر في التطرف السياسي المحتمل لتركيا نفسها إذا ساءت أوضاعها الاقتصادية. فقد وجد استطلاع رأي نشره مركز بيو للأبحاث يوم 17 نوفمبر (تشرين الثاني) - قائما على مسح أجراه خلال الربيع الماضي - أن 8 في المائة من الأتراك يحملون آراء إيجابية تجاه «داعش»، رغم أن 73 في المائة يحملون آراء سلبية حيال التنظيم.
ويقول الكثيرون هنا في أسكي شهر إن تدفق اللاجئين من روسيا والآخرين الذين لا يحملون أوراق عمل تركية يزيد الأوضاع الاقتصادية سوءا، رغم أن أسكي شهر تبعد نحو 400 ميل عن الحدود السورية. وذكر العمدة بيوكيرسين: «هذا يمثل مشكلة كبيرة، حيث يزداد عدد اللاجئين يوما بعد يوم، ويضيفون إلى مشكلة البطالة لدينا».
وينتظر العمال العاطلون كل يوم على أمل مقابلة أرباب العمل أمام مسجد أسكي شهر المركزي - وهو عبارة عن نسخة مصغرة من مسجد آيا صوفيا الشهير في إسطنبول. وقال عثمان بوياغي، عمره 50 عاما، ولديه طفلان، إنه وزملاءه العاملين يكسبون في العادة 20 دولارا مقابل عمل يوم واحد في موقع البناء، لكنهم يخسرون عملهم أمام العدد الهائل من المهاجرين السوريين الذين يقبلون بـ6 دولارات فقط في اليوم.
وصرح السيد فرات بأن اللاجئين السوريين تسببوا في شعور بالاستياء في بعض الأماكن، لكنهم أيضا وفروا عمالة رخيصة قد تساعد بعض الشركات على الاستمرار في المنافسة.
وتتجاوز صعوبات أسكي شهر الاقتصادية، وصعوبات اقتصاد تركيا، مسألة التأقلم مع المهاجرين، أو الانقطاع في السياحة، حيث يواجه الكثير من الأسواق الناشئة صعوبات من جراء تباطؤ التجارة العالمية، من بينها تركيا.
وتعتمد تركيا منذ فترة طويلة على تصدير السلع المصنعة إلى أوروبا وإلى منطقة الشرق الأوسط، وهما إقليمان يضعف فيهما الطلب في الوقت الراهن. ويعود ذلك جزئيا إلى الجغرافيا السياسية، ومن ناحية أخرى بسبب تصدير الصناعات الصينية بأسعار منخفضة إلى الشرق الأوسط وأوروبا وأفريقيا.
وقد دمرت الحروب في سوريا والعراق الطلب على الصناعات التركية، في خضم إرسالها أكثر من مليوني لاجئ إلى تركيا.
ومن الناحية التقليدية، يعد العراق ثاني أكبر سوق تصديرية لتركيا، بعد ألمانيا، بيد أن سنوات الحرب قلصت المبيعات هناك. كما انهارت سوريا - سوق كبيرة أخرى - بسبب الحرب الأهلية الدائرة هناك، وأصبح مرور الشاحنات المحملة بالبضائع جنوبا عبر سوريا أو العراق إلى الأسواق التركية التقليدية في الخليج العربي محفوفا بالمخاطر وصعبا.
وقالت «سافاس أوزايديمير»، شركة رائدة في مجال الصناعات بمدينة أسكي شهر، لديها أسهم في تصنيع البلاط والأسلاك والعقارات: «هذه الطرق غير مغلقة، هناك الكثير من عمليات التهريب، فلا بد أن يعيش الناس في سوريا. لكن بالطبع، تقلصت نسبة المرور بنسبة 30 في المائة عما كان عليه الحال قبل ذلك».
ويعتبر الطريق حول العراق وسوريا عبر إيران أطول بكثير وأكثر تكلفة، كما فرضت إيران رسوما باهظة على الشاحنات التركية، والسبب ظاهريا هو أن الشاحنات تملأ خزاناتها بوقود الديزل المدعوم وهي في إيران. ولم يفلح دعم تركيا القوي للديمقراطية في سوريا وللإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد - حليف إيران.
وباعتبارها واحدة من عدد قليل من الديمقراطيات في منطقة الشرق الأوسط، أثارت تركيا أيضا غضب الحكومة المصرية من خلال انتقادها. وفي المقابل، حظر المصريون الكثير من الشاحنات التركية التي كانت تصل في العادة على عبارات إلى ميناء بورسعيد لنقل البضائع إلى الأسواق في شبه الجزيرة العربية، وهو ما قيد حركة الصادرات المصرية من تركيا.
وتعتمد تركيا أيضا على تصدير مواد البناء إلى الصين، غير أن تراجع العقارات هناك أعاق عملية بناء مساكن جديدة، وعرقل الحاجة إلى الواردات التركية.
وتعد الصين أكبر سوق في العالم حتى الآن على مدى السنوات الأخيرة للرخام، نظرا لتركيبه على نطاق واسع في الفنادق والمباني السكنية وأبراج المكاتب وحتى طوابق حمامات السباحة الجديدة، رغم استخدام التشطيبات غير المكلفة التي قد تجعل الرخام زلقا تقريبا مثل الزجاج.
تحتوي تركيا على 40 في المائة من احتياطات الرخام التجاري في العالم، ولا تزال حتى الآن الموردة المهيمنة للصين، حيث يميل الرخام المحلي للتصدع بشدة، وغالبا ما يتغير لونه إلى اللون الأصفر غير الجذاب. لكن قيمة وحمولة الواردات الصينية من الرخام انخفضت بنسبة الثلث تقريبا خلال العام الماضي فقط، بالتوازي مع الانخفاض الحاد في بناء المساكن الجديدة هناك.
وبالنسبة لشركة «غيكيغلر ماربل» في أسكي شهر، كان ذلك يعني إغلاق ثلاثة محاجر من أصل تسعة محاجر للرخام تابعة للشركة، وتسريح نسبة الثلث من 450 عاملا. وكانت الشركة صممت خط إنتاج آليا للبيع إلى الصين بتكلفة 550 ألف دولار، ويساعد ذلك على تحويل كتل وزنها 25 طنا من الرخام التركي إلى بلاط نحيف. لكن بعد التوقع ببيع 10 كتل في العام، باعت الشركة فعليا كتلة واحدة فقط العام الماضي، ولم تبع شيئا هذا العام، مع تنبؤات ببيع اثنتين العام المقبل.
وقال يافوز غيكيغ، مدير التسويق في الشركة: «لم نرغب في بيع الكتل، إنما نريد بيع المنتجات النهائية فقط. لكن لا يمكننا المنافسة مع الشركات الأخرى التي فتحت محاجر مؤخرا وتشحن الكتل لتصديرها».
وكان هناك عدد قليل من النقاط المضيئة للصناعة التركية، ومن المتوقع الحفاظ على معدل النمو الاقتصادي في البلاد حول 3 في المائة خلال السنوات القليلة المقبلة - أضعف من نسبة 5 في المائة للنمو التي أصبحت تركيا معتادة عليها خلال العقد الماضي، لكن النسبة لا تزال أكبر من عدة بلدان أخرى.
ويكمن أحد مجالات القوة في تركيا في بناء المنازل. فبدافع الخوف من المزيد من عدم الاستقرار في العالم العربي، تشتري الأسر من منطقة الشرق الأوسط شققا في تركيا. وبالاقتران مع انخفاض أسعار الفائدة، أحدث ذلك طفرة في البناء في أنقرة وإسطنبول.
وهنا في أسكي شهر، أنتجت خدمة خط السكة الحديدية السريع، إلى جانب قرار العمدة بيوكيرسين بإعادة تخصيص أرض مصنع في وسط المدينة لتصبح أبراجا سكنية، سلسلة من مشاريع البناء الجديدة.
لكن في الوقت الراهن، يشعر الكثير من أصحاب الأعمال بالقلق. وقال سينان أتينار، صاحب متجر يبيع ساندويتشات محشوة بشطائر اللحم في ساحة وسط المدينة: «أعيش في أسكي شهر منذ 15 عاما. ولم أرها بطيئة أبدا مثل الآن».

* خدمة «نيويورك تايمز»



«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.