مثقفون عرب يحيون ذكرى محمد مندور.. ويستعيدون أفكاره

بمناسبة مرور 50 عامًا على رحيله وبحضور 60 باحثًا من 5 دول عربية

من ندوات الاحتفالية
من ندوات الاحتفالية
TT

مثقفون عرب يحيون ذكرى محمد مندور.. ويستعيدون أفكاره

من ندوات الاحتفالية
من ندوات الاحتفالية

احتفى مثقفون مصريون وعرب الأسبوع الماضي بذكرى مرور خمسين عاما على رحيل شيخ النقاد محمد مندور، أحد دعاة التجديد الأدبي، وصاحب «المنهج الآيديولوجي» في النقد، الذي تُوفي عام 1965 عن عمر يناهز اثنين وخمسين عاما، ألّف خلالها أكثر من ثلاثين كتابا في شتى قضايا الفكر والأدب، وترجم ثمانية كتب عن الفرنسية والإنجليزية.
عقدت الاحتفالية على مدار يومين بالمجلس الأعلى للثقافة بدار الأوبرا في القاهرة، وافتتحها وزير الثقافة المصري حلمي النمنم، بمشاركة أدباء ومفكرين وسياسيين من مصر والأردن ولبنان والمغرب وتونس. تضمنت الاحتفالية سبع جلسات وموائد مستديرة لمناقشة كتابات مندور الأدبية والصحفية، التي لا تزال طرية، كما تناول الباحثون أفكاره التقدمية التي سبقت ما نادت به ثورة «25 يناير» من مساواة وعدالة اجتماعية، حيث إنه كان متأثرا بالتيار الاشتراكي الفرنسي، لكنه لم ينبهر بالحضارة الغربية كما حدث مع مبتعثين كثر، بل قام بانتقاد الديمقراطية الغربية في كثير من كتاباته.
وحول أهمية الاحتفالية، قال وزير الثقافة المصري: «مندور مثال للمثقف الشامل الواعي، فلم يكن ناقدا أدبيا فقط، بل سياسيا وصحفيا بامتياز، وله دور رائد في الثقافة المصرية والعربية، فلم يهتم فقط بالأعمال الأدبية، لكنه عمل على نقد كل التخصصات، وهو ما كان جليا واضحا في شخصية محمد مندور الذي لقب بـ(شيخ النقاد)، لما قدمه من إسهامات عظيمة في عالم الفكر والسياسة».
وقالت الدكتورة أمل الصبان، الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة، إن «الاحتفال بمندور إنما يمثل احتفاء بقيم التنوير والحداثة، فقد اعتنق مندور فلسفة النقد الديمقراطي، وكانت فترة بعثته التي بلغت تسع سنوات في فرنسا هي المكون السياسي والعاطفي له، فمارس فور عودته إلى مصر نشاطه الفكري، وكانت تؤرقه الوسيلة التي يطرح بها أفكاره، ووجد أن الصحافة هي السبيل إلى توصيل فكره، كما انضم إلى حزب الوفد».
وأشارت الصبان إلى أن «محمد مندور أعلن إيمانه بضرورة استقلال الأدب بمنهجه عن غيره من العلوم، وألا يأخذ بالنظريات الشكلية عن العلوم الأخرى. وما زالت كتاباته مراجع ودراسات لا يستغني عنها الباحث والأديب والناقد. تجربة مندور تجربة خصبة وتحتاج إلى دراسة ومتابعة».
وحول معاركه الأدبية، خاصة مع طه حسين والمازني، قالت: «كان مندور تلميذا مخلصا لأساتذته، لكنه كان ثائرا عليهم، ناقدا لهم بعد أن كتب تقريرا حول طريقة التدريس في الجامعة، لذلك بقي حيا في تاريخ الأمة من خلال كتاباته، بالإضافة إلى خوضه عديدا من المعارك الأدبية».
وشارك في الاحتفالية نجل المحتفى به، طارق مندور، الذي استهل حديثه قائلا: «كتب محمد مندور في عديد من فنون السرد، لكن لم يسعفه الزمن في نشر ما كتبه، كما أنه جمع في ترجماته بين الشعر والمسرح، والتي ارتبطت بالتنوير الديمقراطي، لمحاولة تصدير فكر مستنير إلى الشعب، ولذلك قمت بنشر بعض هذه الكتابات، عن (هيئة قصور الثقافة)، و(مكتبة الأسرة)».
وأوضح طارق مندور، أن أباه كان ديمقراطيا اشتراكيا وليس ليبراليا، وكانت ثورة «23 يوليو» تعبيرا عن أحلامه. «لقد كان يشارك منذ طفولته في المظاهرات ضد الاحتلال، وتم فصله من المدرسة الثانوية، إلا أن الطابع العسكري للثورة أرهق مندور وفكره، فقد كان يرى في الديمقراطية مدخلا أساسيا لأي تغيير صحيح، لذا تم منع مندور من ممارسة أي دور سياسي بعد ثورة يوليو».
بينما أكد الناقد شعبان يوسف أنه لم تكن هناك خصومة بين مندور و«ثورة يوليو»، كما أنه في الوقت نفسه ليس واحدا من رجال «يوليو»، ولم يكن منشدا خاصا لثورة «يوليو»، بل كان ناصحا رجالها. وقال: «مندور قيمة سياسية وفكرية كبيرة، كتب في النقد القديم والحديث، وتعددت معاركه الأدبية إلى اللغويات، وخاض معارك فكرية مع كثير من مفكري العصر، أمثال عباس العقاد وطه حسين»، مشيرا إلى أن «المعارك لم تكن هي السمة الأساسية التي اتسم بها مندور، لكنه كان معلما بالفعل، متأثرا في ذلك بما حصل عليه من علوم لغوية وفكرية وجمالية في رحلته إلى فرنسا».
وأضاف يوسف: «انشغل مندور بالمسرح فكتب عن توفيق الحكيم كتابا مهما، وعن مسرحيات أحمد شوقي، وكان عضوا في لجان التحكيم المسرحي منذ منتصف الخمسينات».
وقال الناقد والمترجم إبراهيم فتحي إن «مندور كان يعتمد في نقده أساسا على الانطباعات التي تخلفها الأعمال الأدبية في نفسه، وكان يرى أن من أساسيات النقد البحث عن الأصالة الفردية المتميزة للكاتب»، بينما ذهب الناقد الدكتور فتحي أبو العينين، إلى أن «محمد مندور خلال سنواته العشر الأخيرة اتجه إلى صياغة نظرية جديد في حقل النقد الأدبي، وهي (النقد الآيديولوجي)، حيث تكشف كتاباته عن نوع من الجدلية بين النقد الأدبي وممارساته السياسية ونشاطه الحزبي في (الوفد)، والطليعة الوفدية، نظرا لتأثره بالفكر الاشتراكي، والفكر الإصلاحي، ومبادئ الثورة الفرنسية».
وعن محمد مندور السياسي، أشار المفكر اللبناني، كريم مروة، إلى أن «أولى كتاباته في السياسة كانت عام 1936، ونشرها في الصحف الفرنسية. وكانت مقالات مكرسة لدعم حزب الوفد في مواجهة الإنجليز لتهيئة الشروط الضرورية لاستقلال مصر السياسي. لقد وجد نفسه مشدودًا إلى حزب الوفد، فانضم إليه، لكنه سرعان ما اختلف فكريا مع قيادات الحزب، وكانت تلك الركيزة لتأسيس الطليعة الوفدية». ولفت مروة إلى أن مندور ظل ينادي بضرورة قيام دولة مدنية تمارس دورها بشكل ديمقراطي في تحقيق التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، كما كان من أشد المدافعين عن القضية الفلسطينية.
وقال الدكتور عبد الرحمن حجازي، إن «مندور طور النقد من النهج النصي إلى التحليلي، ثم التأثيري، ثم الآيديولوجي»، بينما يرى الدكتور مصطفى ناصف، أن مندور كان «يفض الاشتباك» بين القضايا الأدبية والقضايا التاريخية، وأنه أول من لفت إلى أن النقد الغربي يعود في تطوره إلى التراث العربي. وأشار الباحث الأردني يوسف أبو العدوس، أستاذ اللغة العربية بجامعة اليرموك، إلى أن مندور «كان رائدا في مساره النقدي وتطبيقه النقد المنهجي، داعيا إلى تطبيق فقه اللغة، وكان يرى أن الذوق هو الحكم في كل ما يمت إلى الأدب بصلة، ومجلده عن النقد عند العرب قديما كان يمثل خطا فكريا جديدا وقتها ويربط الحداثة بالتراث».
وقال الدكتور حلمي شعراوي، المدير السابق لمركز البحوث العربية والأفريقية بالقاهرة، إن «محمد مندور كان نموذجا لما يسمى (المثقف العضوي)، والمفكر المنشغل بكيفية توظيف فكره في الحياة الاجتماعية، فقد اشتغل في الأدب والنقد، والسياسة، والحياة الاجتماعية.. قاد مجموعات من اليسار للانضمام إلى حزب الوفد».
وأشار أحمد بهاء الدين شعبان، رئيس حزب الاشتراكي المصري الأسبق، إلى أن «كتابات محمد مندور ما زالت حاضرة بقوة، لأن كل القضايا التي كتب عنها ما زلنا نعاني منها حتى الآن، مما يؤكد جمود الوطن العربي منذ نحو سبعين سنة. فقد نادى بالعدالة الاجتماعية وحرية الصحافة، والنقد الفكري، والنضال من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهي جميعها مشكلات لا يزال يعاني منها الشعب المصري. وكان يرى أن تنظيم السلطات وضمان حقوق المواطنين ضرورتان أساسيتان لبناء الجمهورية المطلوبة».
وعلى هامش المؤتمر، نظم معرض خاص لكتب مندور من إصدارات وزارة الثقافة؛ وأصدر المجلس الأعلى للثقافة عددا من الكتب الخاصة به منها «محمد مندور شيخ النقاد»، و«محمد مندور ذكريات أدبية»، كما أصدر «المركز القومي للترجمة» عددا من ترجمات محمد مندور.
وبالتزامن مع الاحتفالية أصدرت «دار الهلال» كتاب «كتابات لم تُنشر» ضمن سلسلة «كتاب الهلال» الشهرية. ويضم الكتاب بين دفتيه مجموعة من مقالات مندور التي كتبها قبل ثورة 1952، وظلت مبعثرة في مجلات وصحف مختلفة، في فترات متباينة، إلى أن أصدرها الناقد الراحل رجاء النقاش عقب وفاة مندور قبل خمسين عاما. وظل الكتاب بعيدا عن متناول القارئ منذ ذلك الوقت.
صدر الكتاب بمقدمة عنوانها «محمد مندور.. ناقدا ومناضلا وإنسانا» للناقد الراحل محمود أمين العالم، الذي كان يرى أن مندور علم من أبرز أعلام الفكر التنويري المصري والعربي الذي يجمع بين العقلانية والوطنية والرؤية الاجتماعية والإنسانية المتقدمة.. وأن آراءه النظرية تتسق مع مواقفه العملية، وتكاد حياته تكون تجسيدا حيا لفكره، فهو «ابن التراث الإنساني العقلاني عامة، والتراث العربي الإسلامي العقلاني خاصة، والثقافة العربية التقدمية في مصر بوجه أشد خصوصية، وتمكن من توحيد كل ذلك في صيغة متسقة».
وتسجل مقدمة الكتاب أنه «عندما توفي الدكتور مندور في 19 مايو 1965 شعر كثيرون أنهم خسروا رائدا عظيما من رواد النضال المخلص في بلادنا، فلقد كان مندور رائدا في الميدان الأدبي، وكان منذ أن بدأ يكتب داعية من دعاة التجديد الأدبي، وكان التجديد الذي يدعو إليه هو تجديد الأصالة والعمق، وليس تجديد (الموضة) ولا تجديد الذين يحاولون لفت الأنظار إليهم بأي وسيلة ممكنة، على عكس هذا كله كان مندور، فكانت دعوته إلى الشعر المهموس - على سبيل المثال - هي دعوة إلى الصدق.. دعوة إلى العودة بالأدب العربي إلى المنبع الوحيد الأصيل لكل أدب عظيم وهو: النفس الإنسانية».



اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.