الإرهاب يسلط الضوء على انقسامات بلجيكا اللغوية والسياسية

عمدة مولنبيك تسلمت أسماء 80 متطرفًا محتملاً قبل اعتداءات باريس

استمرار الاستنفار الأمني في العاصمة البلجيكية بروكسل رغم إعادة فتح المدارس والمتاجر وقطارات الأنفاق أمس («الشرق الأوسط»)
استمرار الاستنفار الأمني في العاصمة البلجيكية بروكسل رغم إعادة فتح المدارس والمتاجر وقطارات الأنفاق أمس («الشرق الأوسط»)
TT

الإرهاب يسلط الضوء على انقسامات بلجيكا اللغوية والسياسية

استمرار الاستنفار الأمني في العاصمة البلجيكية بروكسل رغم إعادة فتح المدارس والمتاجر وقطارات الأنفاق أمس («الشرق الأوسط»)
استمرار الاستنفار الأمني في العاصمة البلجيكية بروكسل رغم إعادة فتح المدارس والمتاجر وقطارات الأنفاق أمس («الشرق الأوسط»)

قبل شهر من وقوع هجمات باريس الإرهابية، تسلمت فرنسواز شيبمانز، عمدة مولنبيك أحد أحياء العاصمة البلجيكية بروكسل المعروف منذ فترة طويلة بأنه ملاذ المتطرفين، قائمة بأسماء وعناوين أكثر من 80 شخصًا مشتبهًا في أنهم متشددون إسلاميون يعيشون في منطقتها.
وتضمنت القائمة، بناء على معلومات جهاز الأمن البلجيكي، أسماء شقيقين شاركا في هجمات باريس، بالإضافة إلى رجل مشتبه في أنه العقل المدبر للمؤامرة الإرهابية، عبد الحميد أباعود، وهو من سكان مولنبيك، كان قد غادر إلى سوريا للقتال إلى جانب تنظيم داعش في أوائل عام 2014.
وقالت شيبمانز، خلال مقابلة أُجريت معها أخيرًا: «ماذا كان يفترض علي فعله بتلك القائمة؟ فوظيفتي ليست تعقب الإرهابيين المحتملين». وأضافت: «هذه مسؤولية الشرطة الاتحادية».
من جانبه، أرسل جهاز الشرطة الاتحادية تقارير إلى وزير الداخلية البلجيكي، جان جامبون، وهو قومي فلمنكي لديه شكوك حول إذا ما كان ينبغي على بلجيكا، المنقسمة بين المتحدثين الفرنسيين والهولنديين والألمان، البقاء كدولة واحدة.
وظلت بروكسل مغلقة لأربعة أيام لمواجهة ما تصفه السلطات بالتهديد الإرهابي الوشيك. ويسلط إخفاق السلطات في توقيف شقيقين مصنفين بأنهما إرهابيان قبل ارتكاب مجزرة باريس الضوء على الانقسامات «القبلية» في تلك الدولة التي عملت دون حكومة فاعلة لمدة 541 يومًا.
واغتنم القوميون الفلمنكيون التواقون لإظهار أن بلجيكا غير فعالة في شكلها الحالي، الفرصة لانتقاد منافسيهم. وكتب كارل فانلووي، عضو مجلس الشيوخ البلجيكي، مقالا في صحيفة «لو سوار»، يوم الثلاثاء، يقول إن «20 عاما من التراخي» من جانب الحزب الاشتراكي المتحدث باللغة الفرنسية حوّل بروكسل إلى «قاعدة خلفية للبربرية الإسلامية».
ومن المعتاد أن الخلل المزمن في تلك الدولة الصغيرة، البالغ تعداد سكانها 11.2 مليون نسمة فقط، لن يتجاوز حدودها، لكن ساستها يوجهون اللوم الآن لبعضهم البعض في تحويل بلجيكا إلى ملاذ للنشاط الإرهابي الذي يهدد حياة الآخرين والتكامل المتعثر في القارة الأوروبية.
وانتخبت بلجيكا الآن حكومة، على عكس فترة الجمود الطويلة التي أعقبت الانتخابات غير الحاسمة في عام 2010. لكن ومع إصابة عاصمتها بالشلل، وتوجيه النخبة السياسية أصابع الاتهام إلى بعضهم البعض بشأن من سمح للمتطرفين بالتفشي دون رادع، تجري السخرية من البلاد مجددا بأنها الدولة الفاشلة الأكثر ازدهارا في العالم.
وأطلقت صحيفة إيطالية على بلجيكا اسم «بلجيستان»، فيما وصفتها صحيفة ألمانية بأنها غير فعالة. وذكر الكاتب الفرنسي، إريك زيمور، في مقابلة إذاعية أجريت معه أخيرا، أنه بدلا من قصف الرقة، وهو معقل تنظيم داعش سوريا «ينبغي على فرنسا قصف مولنبيك».
ولم تُثِر الانتقادات حفيظة البلجيكيين المعتادين على السخرية، لا سيما من الفرنسيين، رغم أن فرنسيس فان دي ووستين، رئيس تحرير صحيفة «لا ليبر»، اشتكى، أول من أمس (الثلاثاء) من أن «الهبوط بالمستوى الفرنسي ليس له حدود». ويتساءل البلجيكيون أيضًا عن الخلل الذي حدث في مولنبيك، وفي النظام ككل.
ومع اندماج ثلاث مجموعات سكانية مع بعضها بصعوبة، أصبح لدى بلجيكا عدد هائل من المؤسسات والأحزاب السياسية المنقسمة على أسس لغوية أو آيديولوجية أو ببساطة انتهازية، وهو ما يتسبب في عجز الدولة على ما يبدو عن معالجة التهديد الإرهابي.
وكان من الصعب العثور على الشقيقين في مولنبيك قبل مساعدتهما في مقتل 130 شخصا في هجمات باريس. فكانا يعيشان بالقرب من مبنى بلدية مولنبيك، في شقة سكنية يمكن رؤيتها من شرفة الطابق الثاني بمبنى البلدية. وعمل شقيقهما الثالث في إدارة الحي مع العمدة شيبمانز.
وكان من الصعب التفاوض على مسارات تربط، وتقسم، الكثير من الهيئات المسؤولة عن الأمن في بروكسل، وهي عاصمة لديها ست قوات شرطة محلية وجهاز شرطة اتحادية. ولدى بروكسل ثلاثة برلمانات، و19 مجلس بلدية، ومقرات لجهازي مخابرات، أحدها عسكري والثاني مدني، بالإضافة إلى وحدة تقييم التهديد الإرهابي، التي استقال رئيسها، الذي سئم من المعارك الداخلية على النفوذ، في يوليو (تموز)، لكنه ما زال في منصبه.
وفقد وسط هذه المتاهة الشقيقان إبراهيم عبد السلام، الذي فجر حزاما ناسفا في باريس، وصلاح عبد السلام، وهو الهدف من حملة مطاردة واسعة تسبب في إرباك الشرطة أثناء مداهمة المنازل في جميع أنحاء البلاد، دون نتائج حتى الآن.
وبسبب تزايد حدة الانتقاد للنظام، يعتبر حجم الإجراءات الأمنية نفسها، التي شملت التحذير الأمني الذي تسبب في إغلاق المدارس، وكثير من المحلات التجارية، ومترو الأنفاق في بروكسل، انعكاسا لتناسق عشوائي أكثر من إشارته إلى سلطة مركزة واستخبارات عملية.
ومن بين الـ16 شخصا المعتقلين في الحملة الضخمة مساء يوم الأحد، جرى إطلاق سراح 15 منهم. ولم تعثر السلطات على متفجرات أو أسلحة، وهو ما يمثل ضربة للجهود الرامية إلى تجنب ما تؤكد الحكومة الاتحادية أنه تهديد «خطير ووشيك» على غرار الهجمات الإرهابية في باريس.
ولا يحدث تبادل المعلومات بسهولة في دولة لا يمكن للمنافسين الشرسين التحدث مع بعضهم البعض في بعض الحالات، على الأقل بسبب عدم تحدثهم اللغة نفسها. وعلاوة على ذلك، قال سوس فان إلزين، كاتب فلمنكي، ومحرر سابق بمجلة سياسية: «في جيناتنا، نرفض كل سلطة مركزية. وعلى كل جوانب الانقسام اللغوي، هناك عدم ثقة في الغرباء».
وأضاف إلزين أن تاريخ بلجيكا يعد «قصة غير سعيدة» من التراجع المستمر أمام قوات التدخل، لا سيما الإسبانية والفرنسية والألمانية، التي سعت إلى فرض نظام مركزي.
وتشكلت بلجيكا من جزء مما كان معروفًا باسم البلدان المنخفضة، التي خاض دوقات بورغوندي وأباطرة هابسبورغ وحكام فرنسا نزاعات عليها لمدة قرون. وأصبحت اللغتان الرئيسيتان الهولندية والفرنسية السائدتين في السلطة. وعقب هزيمة نابليون في عام 1815، جعل مؤتمر فيينا بلجيكا الكاثوليكية الرومانية الكبيرة جزءا من هولندا، تحت حكم الملك البروتستانتي. وقاد الاتحاد اضطرابات، وفي نهاية المطاف أشعل التمرد. وفي عام 1813، أنشأ تجمع آخر من القوى الأوروبية العظمى مملكة بلجيكا. واليوم، يبدو أن النظام المركزي هو المشكلة، إلا عندما يتعلق الأمر بتعقب الإرهابيين. وحتى إذا تحدث جميع خبراء الاستخبارات اللغتين الرئيسيتين، فجميعهم لا يزالون منقسمين إلى إقطاعيين متناحرين.
وقد لا تمنع الانقسامات اللغوية خبراء الاستخبارات من التواصل، لكنها تشكل البيئة السياسية التي يعمل فيها الخبراء، ويقررون من خلالها من يملأ المناصب الوزارية التي تحدد أولوياتها. وقد أثار جامبون، وزير الداخلية القومي الفلمنكي، غضب كثيرين من متحدثي اللغة الفرنسية البلجيكيين، بسبب ما يعتبرونه تلميحًا إلى أن اللوم يقع عليهم وحدهم في تصاعد التشدد الإسلامي في بلجيكا. وذكر جامبون، بعد يومين من حدوث هجمات باريس: «تجبرنا العلاقات التي تأسست من جديد بين الإرهاب وقواتنا على النظر في المرآة». وتابع: «السؤال الذي أطرحه على نفسي الآن: لماذا نجحنا في القضاء على التطرف في أنتويرب والمدن الفلمنكية الأخرى، ولا ننجح في العمل في بروكسل؟»، في مقارنة واضحة بين منطقته فلاندرز التي تتحدث اللغة الهولندية، مع العاصمة بروكسل التي يتحدث معظمها اللغة الفرنسية.
من جهة أخرى، تعاني أجهزة الاستخبارات البلجيكية أيضًا من الحسابات السياسية والقيود في البلاد. وقال هوبرت فان هومبيك، معلق سياسي بلجيكي: «رغم السخرية في كثير من الأحيان من الفوضى والمشاكسة الموجودة على السلطة، تعد بلجيكا (منظمة للغاية)، مع تداخل الكثير من الهيئات والوكالات التي لا يكون أحد مسؤولا عنها حقا». وأضاف: «إنها تعمل بشكل طبيعي، لكن عندما يحدث شيء غير متوقع مثل الإرهاب، تتضارب كل تلك المؤسسات». وتابع هومبيك: «هنا يكمن مرض بلجيكا. يقول الجميع دائما إن هذا ليس خطأهم، وغالبا ما يكونون على حق».
* خدمة «واشنطن بوست»
(خاص بـ {الشرق الأوسط})



زيلينسكي يأمل أن تؤدي نتائج الانتخابات الأميركية إلى المزيد من الدعم لبلاده

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
TT

زيلينسكي يأمل أن تؤدي نتائج الانتخابات الأميركية إلى المزيد من الدعم لبلاده

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في مقابلة أجريت معه الأربعاء، إنه يأمل في أن تؤدي المكاسب التي حققها الديمقراطيون في انتخابات التجديد النصفي بالولايات المتحدة إلى توفير مزيد من الدعم لأوكرانيا في حربها مع روسيا.

وذكر أنه يأمل في أن تكون التغييرات التي ستنتج عن سيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ العام المقبل في صالح كييف.

وأوضح: «أنا ممتن أيضاً للجمهوريين، لكن الديمقراطيين يتحدثون بمزيد من الوضوح عن دعم أوكرانيا وتقديم المساعدة لها».

وأضاف: «إنهم يتحدثون عن تجديد العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا... ولذلك، هناك أمل في أن يتشكل توازن للقوى وأن نتلقى مزيداً من الدعم».

وقال زيلينسكي إن تلقي المزيد من المساعدات الأميركية ربما يكون له تأثير على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وبذل زيلينسكي جهوداً كبيرة لتعزيز العلاقة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لا سيما بعد اجتماع شهد توتراً في المكتب البيضاوي في فبراير (شباط) 2025، عندما اتُهم الرئيس الأوكراني «بعدم الامتنان» تجاه المساعدات الأميركية.

وفي الأسابيع الماضية، اتخذ ترمب عدة خطوات تظهر محاباة لروسيا، بما في ذلك اتفاق لاستيراد الديزل الروسي وتخفيف العقوبات.

لكن من المقرر أن تُستأنف محادثات ثلاثية تقودها الولايات المتحدة مع أوكرانيا وروسيا الأسبوع المقبل، بعد توقف دام عدة أشهر.


أوروبا تستقبل نتائج «النصفية» بتفاؤل حذر... وتخشى انتقام الرئيس الجريح

السيناتور الديمقراطي جون أوسوف يحتفي بفوزه بولاية جديدة عن ولاية جورجيا فجر 4 نوفمبر (أ.ف.ب)
السيناتور الديمقراطي جون أوسوف يحتفي بفوزه بولاية جديدة عن ولاية جورجيا فجر 4 نوفمبر (أ.ف.ب)
TT

أوروبا تستقبل نتائج «النصفية» بتفاؤل حذر... وتخشى انتقام الرئيس الجريح

السيناتور الديمقراطي جون أوسوف يحتفي بفوزه بولاية جديدة عن ولاية جورجيا فجر 4 نوفمبر (أ.ف.ب)
السيناتور الديمقراطي جون أوسوف يحتفي بفوزه بولاية جديدة عن ولاية جورجيا فجر 4 نوفمبر (أ.ف.ب)

عندما فاز دونالد ترمب بولايته الرئاسية الثانية، استقرَّت في الأوساط الأوروبية موجة من القلق الذي كان يتراكم جراء المخاوف التي تولَّدت من إقامته الأولى في البيت الأبيض، ومن الوعود التي أطلقها خلال حملته الانتخابية وانتهت بوضع الحليف التقليدي في خانة الخصوم، والوعيد المبطّن بتقويض المشروع الأوروبي.

وعندما ظهرت النتائج الأولى للانتخابات النصفية فجر الأربعاء، وتأكدت سيطرة الديمقراطيين على مجلسَي الشيوخ والنواب، سادت في المؤسسات ومعظم العواصم الأوروبية أجواء من الارتياح الحذر؛ خرج عنه رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الذي يلعب بكل أوراقه في انتخابات عامة مسبقة مصيرية أواخر هذا الشهر، إذ قال: «اقترع المجتمع الأميركي، أمس، ضد السياسات التي تتسبب بالفقر، وضد الحقد والذكورية، وضد إنكار التغيُّر المناخي، وضد مزايا النخب»، ثم أضاف: «هذا ما حصل في البرازيل، والآن في الولايات المتحدة، وقريباً في إسبانيا».

ترمب وزيلينسكي على هامش قمة «ناتو» في أنقرة يوم 8 يوليو الماضي (أ.ب)

لكن العواصم الكبرى في الاتحاد اختارت عدم التعليق مباشرة على نتائج الانتخابات النصفية الأميركية، وكذلك فعلت المؤسسات الأوروبية، إدراكاً منها بأن الهزيمة القاسية التي أصابت النهج الترمبي هي رسالة احتجاج شديدة دوافعها محلية بامتياز: ضد غلاء المعيشة المطرد، وطرد مئات الآلاف من المهاجرين وإساءة معاملتهم، وتقليص الخدمات الصحية العامة، والفساد الجامح المتفشي في المحيط العائلي للرئيس، وأن فقدان الأغلبية في الكونغرس لن ينتقص من صلاحياته الواسعة جداً في السياسة الخارجية، لا، بل من المرجح أن يدفعه إلى التركيز عليها أكثر لاستعادة الهيبة التي فقدها داخلياً.

جميع الأوساط الأوروبية التي استمزجتها «الشرق الأوسط» بعد صدور النتائج النهائية للانتخابات النصفية تميل إلى الاعتقاد أن الهزيمة ستحفِّز الرئيس الأميركي على مضاعفة جهوده لإنهاء الحرب في أوكرانيا، وفتح الأبواب أمام أسرته وشركائه لمزيد من الصفقات المجزية في روسيا قبل خروجه من البيت الأبيض.

ويخشى الأوروبيون أنه لن يتردَّد في استخدام الوسائل والأدوات التي في متناوله لدفع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نحو مزيد من التنازلات الاستسلامية، مثل المعلومات الاستخباراتية الحيوية التي تزوِّد بها واشنطن القوات المسلحة الأوكرانية، وخدمة «ستارلينك» الساتلية، والأسلحة التي منذ فترة تبيعها الولايات المتحدة لكييف.

ويستبعد الأوروبيون أن ينجح الكونغرس الأميركي الجديد في دفع ترمب نحو تغيير سياسته من حرب أوكرانيا، خصوصاً ما يتعلق منها بالعقوبات المفروضة على روسيا والتي رفع كثيراً منها مؤخراً، ما لم يخرج من صفوف النواب الجمهوريين العدد الكافي من الرافضين لهذه السياسة، وينضموا إلى الأغلبية الديمقراطية الجديدة التي تعارض التخلي عن أوكرانيا في أحرج مراحل الحرب.

من اليمين: رئيس الوزراء النرويجي والرئيس الأوكراني ونظيره الفنلندي وستيف ويتكوف (أ.ب)

وكان المستشار الألماني فريدريش ميرتس صرَّح مؤخراً بأن روسيا خسرت في الشهر الماضي وحده 52 ألف جندي بين قتيل وجريح، وأن هذا «عدد غير قابل للاحتمال».

على الجبهة الأطلسية، لا يتوقع الأوروبيون مزيداً من الصدمات والمفاجآت بعد فصول الضغط الأخيرة التي تعرَّضوا لها لزيادة الإنفاق العسكري والتَّوصُّل إلى اتفاق جديد مع الدنمارك حول غرونلاند.

لكن يخشى البعض، في حال تجدُّد الهجمات ضد إيران، أن يلجأ ترمب إلى التصعيد في وجه الدول التي امتنعت، في السابق، عن فتح مجالها الجوي، أو استخدام قواعدها المشتركة، أمام المقاتلات الحربية الأميركية.

لكن أكثر ما يبعث على الارتياح في الأوساط التي تخشى من عواقب صعود القوى والأحزاب اليمينية المتطرفة على المشروع الأوروبي، وتماهيها مع أهداف استراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة التي من بينها دعم المقاومة لهذا المشروع، أن دائرة الذين يجنحون نحو الخروج من تحت المظلة الترمبية مرشحة للاتساع في المعسكر اليميني المتطرف، خصوصاً بعد سقوط أوربان في المجر، وبولسونارو في البرازيل، وبعد أن كانت أحزاب يمينية متطرفة وازنة في أوروبا، مثل «التجمع من أجل الجمهورية» في فرنسا، و«إخوان إيطاليا»، قد سلكت هذا الطريق، علماً بأن أحزاباً أخرى مثل «فوكس» الإسباني و «البديل من أجل ألمانيا» ما زالت على ولائها للرئيس الأميركي.

الاشتراكيون الأوروبيون كانوا الأكثر احتفالاً بالنصر الديمقراطي في الانتخابات النصفية الأميركية، إذ صرَّحت رئيسة الكتلة الاشتراكية في البرلمان الأوروبي، إيراتشي غارسي، بقولها: «إنها الموجة الزرقاء، وهي بداية نهاية حروب ترمب، والرسوم الجمركية غير القانونية، والاعتداءات على النظام الديمقراطي». أما الكتلة الشعبية المحافظة في البرلمان الأوروبي، فقد اكتفت بتصريح مقتضب جاء فيه: «نتيجة هذه الانتخابات كانت واضحة، والاتحاد الأوروبي جاهز للتعاون مع الكونغرس الجديد، بجناحيه، الديمقراطي والجمهوري».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبرغ الأربعاء (أ.ب)

العبرة الرئيسية التي يخرج بها المحللون الأوروبيون من هذه الهزيمة المدوية التي مُني بها الجمهوريون وترمب في الانتخابات النصفية الأميركية، هي أن الديمقراطية ما زالت حيّة في الدولة التي احتفلت هذه السنة بمرور 250 عاماً على تأسيسها، وأن النظام الديمقراطي قادر دائماً على احتواء الشطط التوتاليتاري ومنع تفشيه أو رسوخه. لكن ثمة مَن يحذِّر من أن هذه الهزيمة قد تؤجِّج عند الرئيس الجريح نزعته الانتقامية المتأصلة، وتدفعه نحو مزيد من التصعيد على أكثر من جبهة.


الكرملين يأمل في أن يواصل ترمب «جهود إحلال السلام» مع كييف بعد الانتخابات

وزيرا الخارجية الأميركي ماركو روبيو والروسي سيرغي لافروف قبيل مؤتمر ترمب وبوتين الصحافي في أنكوريج يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
وزيرا الخارجية الأميركي ماركو روبيو والروسي سيرغي لافروف قبيل مؤتمر ترمب وبوتين الصحافي في أنكوريج يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
TT

الكرملين يأمل في أن يواصل ترمب «جهود إحلال السلام» مع كييف بعد الانتخابات

وزيرا الخارجية الأميركي ماركو روبيو والروسي سيرغي لافروف قبيل مؤتمر ترمب وبوتين الصحافي في أنكوريج يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
وزيرا الخارجية الأميركي ماركو روبيو والروسي سيرغي لافروف قبيل مؤتمر ترمب وبوتين الصحافي في أنكوريج يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

أعرب الكرملين، الأربعاء، عن أمله في أن يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترمب جهود الوساطة للتوصل إلى حل للنزاع في أوكرانيا، وذلك عقب فوز خصومه الديمقراطيين في انتخابات منتصف الولاية في الولايات المتحدة.

وقال المتحدث باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف «لا يزال الرئيس ترمب يزاول مهامه، ونأمل بصدق أن يواصل أيضاً جهوده لإحلال السلام»، وذلك بحسب مقطع مصوّر نشره الصحافي الروسي المقرب من الكرملين ألكسندر يوناشيف.

بوتين وترمب خلال قمة ألاسكا (أ.ب)

فيما أبدى وزير ​الخارجية الألماني يوهان فاديفول تفاؤله باستمرار الدعم لأوكرانيا داخل ‌الولايات ‌المتحدة، ​بعد ‌أن ⁠سيطر الديمقراطيون ​على مجلسي الشيوخ ⁠والنواب في الانتخابات.

وقال فاديفول للصحافيين في ⁠برلين: «فيما يتعلق ‌بأوكرانيا، أشعر ببعض ‌التفاؤل ​بأنه ‌سيكون هناك ‌الآن المزيد من المناقشات في الكونغرس، بما في ‌ذلك بين الحزبين، حول ما يمكن ⁠التعاون ⁠فيه لدعم أوكرانيا. أعتقد أنهم كانوا يتحفظون بشأن هذه المسألة منذ فترة طويلة خلال الحملة الانتخابية».

بوتين مستقبلاً مبعوثَي ترمب جاريد كوشنر وستيف ويتكوف في الكرملين بموسكو يوم 5 سبتمبر (رويترز)

وقبل أسبوع من الموعد المقرر لاستئناف محادثات السلام الثلاثية التي توسطت فيها الولايات المتحدة وتستضيفها أبوظبي، استمرت الاستهدافات المتبادلة للبنى التحتية بين طرفي النزاع. وقال المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، الاثنين، إن الولايات المتحدة ستجمع وفدين من أوكرانيا وروسيا في ​أبوظبي يومي 10 و11 نوفمبر (​تشرين الثاني) لمناقشة إنهاء الصراع، واتفاقات الأمن بعد الحرب، وتخفيف حدة التوتر.

وقالت السلطات الروسية، الأربعاء، إنها تعمل على إعادة التيار الكهربائي في شبه جزيرة القرم، بعدما أدّت ضربات أوكرانية إلى انقطاعه. وتستهدف أوكرانيا القرم التي ضمّتها موسكو في عام 2014، بانتظام بهجمات جوية تقول كييف إنها تأتي ردّا على الهجوم الروسي على أراضيها.

وقالت وزارة الطاقة الروسية، كما نقلت عنها «وكالة الصحافة الفرنسية»، إن أوكرانيا «شنّت ضربات على منشآت للبنية التحتية للطاقة» خلال الليل، ما أدّى إلى انقطاع الكهرباء عن سكان القرم. وقالت على «تلغرام»: «اعتمدنا جداول لقطع التيار مؤقتاً بهدف معالجة آثار الهجوم في أسرع وقت وإعادة الكهرباء تدريجياً».

وقالت ‌السلطات ​في منطقة ‌بيلغورود ⁠الروسية، ​التي تقع ⁠على الحدود ⁠مع ‌أوكرانيا، ‌الأربعاء، ​إن ‌ثلاثة ‌أشخاص ‌قتلوا في هجمات ⁠بطائرات مسيرة ⁠أوكرانية على المنطقة.

كما أفادت السلطات المحلية بمقتل شخصين على الأقل في هجوم روسي على منطقة زابوريجيا الواقعة جنوب شرقي أوكرانيا. وقال حاكم منطقة زابوريجيا، ميخايلو سيميكين، في منشور على تطبيق «تلغرام»، صباح الأربعاء، إن روسيا هاجمت بلدة فيلنيانسك مرتين. وأدى الهجوم إلى مقتل امرأة تبلغ من العمر 52 عاماً ورجل يبلغ 63 عاماً، كما أُصيب رجل آخر يبلغ من العمر 59 عاماً. ولم يقدم سيميكين تفاصيل عن طبيعة الهجوم، فيما أفادت تقارير بتضرر عدد من المباني السكنية.

من جهتها، تندّد كييف بالقصف الروسي الذي يستهدف شبكة الطاقة في أوكرانيا ويحرم السكان في أنحاء البلاد من الكهرباء، في وقت تنخفض فيه درجات الحرارة مع اقتراب الشتاء.

ترمب وزيلينسكي على هامش قمة «الناتو» في أنقرة يوم 8 يوليو الماضي (أ.ب)

وتنفي كل من ‌روسيا وأوكرانيا استهداف المدنيين عمداً. وجاء الهجوم بعد يوم واحد من انتهاء وقف ⁠إطلاق ⁠النار الذي استمر ستة أيام بهدف إجلاء المدنيين من بلدة أوليشكي الواقعة في جنوب أوكرانيا وتسيطر عليها القوات الروسية.

وأظهر مرسوم صادر في أوكرانيا، ونشر الأربعاء، أن الرئيس ​الأوكراني فولوديمير زيلينسكي منح ميلانيا ترمب السيدة الأولى في الولايات المتحدة وسام شرف رسمياً؛ تقديراً لدورها في المساعدة على تنظيم عملية إجلاء مدنيين من إحدى المدن الواقعة ‌على جبهة ‌القتال الأسبوع ​الماضي. وأشار ‌المرسوم، ⁠المؤرخ ​في الثاني ⁠من نوفمبر، إلى «مساهمتها الشخصية الكبيرة» في الدعم الإنساني لأوكرانيا وعملها لمساعدة الأطفال الأوكرانيين، بما شمل مَن تم ترحيلهم أو نقلهم ⁠قسراً من مناطق تحتلها روسيا.

وأفادت وكالة الأنباء الروسية الرسمية «تاس» بأن أوكرانيا هاجمت مجدداً خلال الليل منشأة تابعة لإحدى كبرى شركات البيع بالتجزئة عبر الإنترنت في روسيا. وقالت شركة «أوزون» الروسية العملاقة للتجارة الإلكترونية، الأربعاء، إن أحد مستودعاتها في جنوب البلاد تعرض لهجوم بطائرة مسيّرة.

واستهدفت كييف سلسلة من المواقع اللوجستية في أنحاء روسيا، بما فيها شركة «أوزون» ومنافستها «وايلدبيريز»، وهي أكبر شركة تجزئة عبر الإنترنت في البلاد، والتي تزعم أوكرانيا أنها زودت مكونات للجيش الروسي.

وتُعد «أوزون» ثاني أكبر منصة للتجارة الإلكترونية في روسيا، وتنتشر نقاط التسلم وخزائن التسليم التابعة لها عبر البلاد. وأفادت الشركة بأن حريقاً اندلع في مستودعها في مدينة أديغيسك في جنوب روسيا، ما استدعى إخلاء الموظفين، مشيرة عبر «تلغرام» إلى أن أحداً لم يصب في الهجوم.

وألحقت ضربات سابقة أضراراً بمركز تابع لشركة «أوزون» في سامارا في جنوب روسيا وبمراكز لوجستية في محج قلعة الواقعة أيضاً في جنوب روسيا، بالإضافة إلى منشأة تابعة للشركة في ضواحي سان بطرسبورغ. وتسببت الهجمات على المستودعات الروسية في تكبيد الجانب الروسي خسائر اقتصادية تقدر بمليارات الدولارات.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبرغ الأربعاء (أ.ب)

وأدى تصاعد القتال بين أوكرانيا وروسيا إلى تضاؤل الآمال في تحقيق تقدم في المفاوضات التي تقودها الولايات المتحدة والمقرر عقدها الأسبوع المقبل.

من جانب آخر، اتهمت السلطات الأوكرانية يوليا مندل، المتحدثة الأولى باسم الرئيس زيلينسكي، بالخيانة بعد أن وجهت انتقادات للرئيس.

ويزعم جهاز الأمن والاستخبارات الداخلية في أوكرانيا أن مندل تمارس «أنشطة إعلامية وتخريبية ضد أوكرانيا». وبعد تحليل ظهورها العلني وتصريحاتها، خلص مكتب المدعي العام وجهاز الأمن الأوكراني إلى أن مندل تضر بسمعة بلادها على الساحة الدولية، وتبرر ممارسات «نظام الكرملين» والحرب الروسية ضد أوكرانيا.

وأشار مكتب المدعي العام إلى مقابلة أجرتها مندل مع المعلق الأميركي المحافظ تاكر كارلسون، كأساس للاشتباه فيها. وتم استخدام تصريحات لمندل، مثل «أعتقد أن أوكرانيا على وشك الاختفاء»، و«انظر، بلادي تشهد تراجعاً»، في الدعاية الروسية.

كما فتحت السلطات الأوكرانية، الثلاثاء، تحقيقاً غداة صدامات اندلعت على خلفية تقارير عن احتجاز عسكريين فارّين من الخدمة في منطقة كييف، واتهامات بتعرّضهم للتعذيب. وتجمّع عشرات الأشخاص أمام مبنى في ضواحي كييف إثر تداول معلومات تفيد باحتجاز أشخاص فيه رغماً عنهم وتعرّضهم للعنف. وشهد التجمّع صدامات مع الشرطة.

وأظهرت مقاطع فيديو نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي شبّاناً يحاولون قلب حافلة للشرطة ويرشقون عناصرها بالبيض، فيما دوّت طلقات تحذيرية. وأظهرت مقاطع أخرى عدداً من الأشخاص يغادرون المبنى باتجاه سيارة إسعاف، بعضهم بوجوه متورّمة أو إصابات ظاهرة، فيما بدا آخرون في حالة صدمة. وندّد رئيس الإدارة الرئاسية كيريلو بودانوف، الذي توجّه إلى المكان ليلاً بـ«أحداث غير مقبولة» تهدف إلى «تقسيم الأوكرانيين»، مؤكداً أنها ما كانت لتحدث «من دون تأثير خارجي»، في إشارة ضمنية إلى روسيا.

وقال المحقّقون في بيان: «بعد تداول معلومات على مواقع التواصل الاجتماعي عن احتجاز عسكريين بصورة يُشتبه أنها غير قانونية (داخل منزل)، تجمّع مواطنون قرب المنزل. وتطوّر الحادث إلى مواجهات أُطلقت خلالها أعيرة نارية وتضرّرت مركبات تابعة للشرطة». وأضافوا أن التحقيق سيركّز على تحديد «ظروف وشروط إقامة العسكريين» في منزل يُستخدم «سكناً مؤقتاً» لهم، والتحقّق ممّا إذا كانوا محتجزين فيه بالفعل رغماً عنهم.

من جهته، أعلن جهاز الأمن الأوكراني «إس بي يو» تحديد هويات «أكثر من مائة شخص» شاركوا في الصدامات، مؤكداً أن المبنى المعني «منشأة تابعة للحرس الوطني».

من اليمين: رئيس الوزراء النرويجي والرئيس الأوكراني ونظيره الفنلندي وستيف ويتكوف (أ.ب)

وطالب مفوّض حقوق الإنسان دميترو لوبينيتس بكشف «المهام التي كان العسكريون وممثّلو الحرس الوطني» يؤدّونها في المكان، والتحقّق «ممّا إذا كانت أحكام القانون قد روعيت». كما دان «اعتداء مدنيين على عسكريين». ويعكس الحادث التوترات المرتبطة بالتعبئة العسكرية التي تلقى معارضة واسعة في أوكرانيا. وفي يوليو (تموز)، اندلعت صدامات شارك فيها نحو مائتي شخص في لفيف، كبرى مدن غرب أوكرانيا، بعدما جنّد عسكريون شاباً.