خريطة مصادر أموال «داعش» ونظامه المالي

الخزانة الأميركية: أكثر التنظيمات الإرهابية ثراء.. وعوائده من النفط والضرائب تقارب ملياري دولار

خريطة مصادر أموال «داعش» ونظامه المالي
TT

خريطة مصادر أموال «داعش» ونظامه المالي

خريطة مصادر أموال «داعش» ونظامه المالي

رَسَمت تقارير ومعلومات لوزارتي الخارجية الأميركية والخزانة وأجهزة الاستخبارات الأميركية «خريطة» لما يمكن أن يُطلق عليه اسم «النظام المالي لتنظيم داعش». وقدرت الأموال التي حصل عليها التنظيم من بيع النفط وفرض الضرائب ونهب البنوك (المصارف) وغيرها بما يقترب من ملياري دولار. ولقد رصدت التقارير الوسائل التي يجني بها «داعش» مئات الملايين من الدولارات، وتعاملاته بالأموال السائلة في دفع الرواتب، والإنفاق على توفير الخدمات في المناطق التي يسيطر عليها، وأيضًا طرق تهريب تلك الأموال السائلة عبر الحدود، بعيدًا عن الطرق التقليدية للنظم المالية الرسمية، بما يجعل تعقب وملاحقة العمليات المالية للتنظيم أمرًا صعبًا. وتضع هذه الخريطة لعوائد التنظيم ونفقاته ونظامه المالي المجتمع الدولي بأسره أمام تحدي كيفية مواجهة تنظيم إرهابي بهذا القدر من الثراء والقدرة على التخطيط، وكيفية اختراق نظمه المالية وقطع مصادر تمويله.
وصف ديفيد كوهين، وكيل وزارة الخزانة الأميركية لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية، تنظيم داعش بأنه «قد يكون أكثر المنظمات الإرهابية تمويلاً وثراء»، مشيرًا إلى أن التنظيم يملك ثورة مالية طائلة ولديه معدات عسكرية وأسلحة، ويعمل بنظام مالي لدفع رواتب الموظفين والإنفاق على إنتاج الأشرطة الدعائية، وعلى شن العمليات الانتحارية، والهجمات الإرهابية، كتلك التي استهدفت العاصمة الفرنسية باريس، وأيضًا تجنيد واستقدام الشباب من المقاتلين الأجانب إلى سوريا.
في تقرير لوزارة الخزانة الأميركية تبين أنه «خلافًا للكثير من الجماعات الإرهابية التي تموّل نفسها، فإن (داعش) يحصل على عشرات الملايين من تبرّعات تأتيه من عدة دول في الشرق الأوسط»، وقدّرت الوزارة أن ما حصل عليه التنظيم المتطرّف من تبرّعات خاصة من أشخاص بلغ 40 مليون دولار أميركي خلال العام الماضي وحده، إضافة إلى ما حصل عليه من أموال من خلال نشاطاته الإجرامية الأخرى مثل تهريب الآثار وبيع المقتنيات الفنية إلى تجّار السوق السوداء والمهرّبين في المنطقة، وكذلك بيع النفط بأسعار أقل من السوق، والاتجار بالفتيات والنساء، والابتزاز لحصول على فديات لقاء الإفراج عن الأسرى والرهائن. ووفق التقديرات المتوافرة فإن عوائد «داعش» تصل إلى ما بين مليون إلى ثلاثة ملايين دولار في اليوم الواحد.
* النفط.. أكبر مصادر الدخل
من جهة ثانية، صرّح مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأميركية خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، قائلاً: «إن أهم مصادر دخل (داعش) بيع النفط، تضاف إليه بصورة جزئية مبيعات الغاز الطبيعي. ونحن نعتقد أن هذا المصدر يدرّ على (داعش) دخلا بمقدار 40 مليون دولار شهريًا، أي أكثر من مليون دولار يوميًا بإجمالي دخل سنوي يقترب من 500 مليون دولار. أما المصدر الثاني من حيث الأهمية بالنسبة لتغذية مداخيل التنظيم ما يفرضه (داعش) من ضرائب ومكوس على السكان في المناطق التي يسيطر عليها، فهو يفرض ضرائب على السلع والخدمات العامة كتوفير المياه والكهرباء وعلى التبادلات التجارية، كما يفرض جزية (إتاوات) على الأقليات الدينية، وتوفر هذه الضرائب بشتى صورها دخلاً يتجاوز 500 مليون دولار في العام».
وأوضح المسؤول الرفيع بالخارجية الأميركية أن التقييمات المتوافرة حول ثروة «داعش» الإجمالية حاليًا هي مليار دولار من بيع النفط وفرض الضرائب، بالإضافة إلى ما استولى عليه التنظيم من أموال تصل إلى حدود 500 مليون دولار من البنوك العراقية التي هاجمها ونهبها، ثم هناك مصادر دخل الأخرى. واستطرد: «حسب تقديراتنا تقسّم إلى نحو مليار دولار من عوائد النفط ونهب ودائع البنوك، و750 مليون من عوائد الضرائب ومصادر الدخل الأخرى».
ثم أوضح متابعًا ومفصلاً: «أدخلنا تحت بند المصادر الأخرى الحصول على فديات مقابل إطلاق الرهائن، وتلقّي تبرعات من الأفراد المناصرين، وعوائد جرائم نهب المقتنيات الأثرية وتهريبها وبيعها، إضافة إلى عمليات النهب عمومًا، إلا أن كل هذه المصادر أصبحت تشكل جانبًا صغيرًا من إجمالي دخل التنظيم». وأضاف المسؤول الأميركي: «حسب تقييمنا فإن التبّرعات لا تشكّل مصدرًا كبيرًا من الموارد المالية لـ(داعش)، ولا نستطيع أن نقول إننا استطعنا قطع تلك المصادر تمامًا، لكن ثمة تعاونًا كبيرًا ونشطًا مع الدول الأعضاء في التحالف الدولي، مما أدى إلى تضييق قدرة (داعش) على الحصول على أموال من تلك المصادر».
* سُبُل مكافحة التنظيم ماليًا
وحول مكافحة «داعش» ماليًا، والجهود التي تبذلها الولايات المتحدة، وبقية دول التحالف لقطع مصادر تمويل «داعش» ومدى النجاح في تلك الجهود، قال لنا مسؤول الخارجية الأميركية: «لقد تمكّنت الولايات المتحدة، بالتعاون مع التحالف الدولي لمكافحة (داعش) ومجموعة الدول لمكافحة (داعش) ماليًا التي تضم 29 دولة، من بذل جهد كبير، فلقد تحرّكت الولايات المتحدة منفردة، وأيضًا بمشاركة دول عدة في وضع قادة (داعش) والموظفين الماليين على قوائم العقوبات. ومنها، على سبيل المثال، ما أعلنته الولايات المتحدة في 29 سبتمبر (أيلول) الماضي عن وضع 25 شخصًا من قادة (داعش) وخمسة كيانات مالية على قائمة العقوبات، كما تعاونت الولايات المتحدة مع الحكومة العراقية لقطع فروع البنوك التي تقع داخل المناطق الواقعة تحت سيطرة (داعش) عن النظام المالي العالمي». وأضاف: «وعقدت مجموعة مكافحة (داعش) ماليًا ثلاثة اجتماعات في العاصمة الإيطالية روما في مارس (آذار) الماضي، وفي جدة بالسعودية في مايو (أيار)، وأخيرًا في العاصمة الأميركية واشنطن في أوائل أكتوبر (تشرين الأول)، وذلك لمناقشة خطط وجهود قطع مصادر تمويل التنظيم. وبالفعل، أُنشئت مجموعات صغيرة لإعداد مقترحات حول مزيد من الخطوات الهادفة لضرب مصادر تمويل (داعش) من النفط، ومقترحات أخرى لمنع (داعش) من الاستفادة من الجماعات الإرهابية الأخرى، وإقرار إجراءات قوية ضد جريمة تهريب الآثار، وتضييق قدرات (داعش) في الحصول على فديات، بالإضافة إلى تضييق قدرة (داعش) على الحصول على تبرّعات وتمويل عبر الحدود، وأخيرًا، تعزيز التعاون مع الشركاء في الإقليم كي لا تتمكّن (داعش) من شن عمليات إرهابية وهجمات عبر الحدود. ولقد أوفى عدد كبير من الدول بالتزاماته، كما أن الضربات الجوية لقوات التحالف استهدفت مواقع وحقول استخراج النفط التابعة لـ(داعش)، وكثفت تلك الضربات في غضون الأسابيع الماضية».
وتحدث عن محاولات «داعش» لاستقدام وتوظيف خبراء في استخراج النفط واستقدام معدات لاستخدامها في علميات استخراج النفط.
وعلى صعيد الاتجار بالآثار، أشار المسؤول الأميركي إلى تحقيق نجاحات وتقدّم في مجال مكافحة جرائم تهريب الآثار وتهريبها، شارحًا: «لقد عملنا مع اليونيسكو ومن خلال قنوات قانونية ولقاءات في نيويورك وباريس لرفع مستوى الوعي حول الآثار المحتمل أن يُقدم (داعش) على تهريبها، ومخاطر التورّط في شراء تلك الآثار».
وهنا اعترف المسؤول الأميركي بإقدام «داعش» إلى عقد عمليات تجارية عبر الحدود مع تجار داخل الأردن وتركيا وغيرها من الدول المُجاورة، وفصّل: «نعم، هناك عمليات تجارية لـ(داعش) عبر الحدود، لكن الشركاء في التحالف الدولي يبذلون كل الجهد لمنع تلك العمليات».
بالعودة إلى ديفيد كوهين، فإن وكيل وزارة الخزانة الأميركي لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية، ذكر في خطابه أمام مركز كارنيغي بواشنطن خلال أكتوبر الماضي أن «(داعش) جمع ثروة غير مسبوقة من مصادر مختلفة عن الكثير من المنظمات الإرهابية الأخرى، إذ لا يعتمد (داعش) على نقل الأموال عبر الحدود الدولية، بل يحصل على الغالبية العظمى من أمواله من الأنشطة الإجرامية والإرهابية الداخلية». ويشكل هذا الواقع عقبة أمام وزارة الخزانة الأميركية التي تعمل على ملاحقة أعدائها من خلال الضغط على البنوك لقطع التعاملات المالية. في حين يقوم «داعش» باستخدام وسطاء لتهريب الأموال داخل وخارج الأراضي التي يسيطر عليها، من خلال طرق تهريب سرية قديمة لا يعرفها سوى المهربين الذين عملوا في تهريب النفط للكويت وإيران لعقود خلال حكم الرئيس العراقي صدام حسين، بعد فرض عقوبات اقتصادية غربية على العراق.
* المعابر الحدودية
ومن جانبها، تفيد مجلة «نيوزويك» الأميركية بأن معظم عمليات تهريب الأموال يجري عبر المعابر الحدودية بين تركيا وسوريا - بصفة خاصة مدينة غازي عنتاب، بجنوب تركيا، القريبة من حدود سوريا - وتنقل المجلة عن مسؤولين بوزارة الأمن الداخلي الأميركية أن «داعش» يستخدم تقنيات متقدمة لكنها في معاملاتها المالية لا تستخدم نظام «بيتكوين»Bitcoin وهو نظام للتبادل المالي باستخدام عملات افتراضية، كي تتجنب التعامل مع النظام المالي العالمي. وحسب مصادر مسؤولة، يلجأ أفراد «داعش» إلى وضع الأموال في حقائب بحيث يسهل تهريب مليون إلى مليوني دولار في حقيبة سفر واحدة. وحسب كلام «نيوزويك» استولى «داعش» على 12 بنكًا في مدينتي الموصل وتكريت ونهب خزائن البنوك بما يقرب من 1.5 مليار دولار، في حين أشار شهود عيان إلى أن مقاتلي التنظيم عندما استولوا على الموصل «أخذوا القلائد من النساء والأقراط من آذانهم ونهبوا الأثاث والسيارات وأخذوا الماشية».
والواقع أن «داعش» يفرض ضرائب عالية على السلع والرواتب والشاحنات التي تمر في المناطق التي يسيطر عليها، كما يفرض ضرائب على حاصلات القمح والشعير وغيرها من المحاصيل الزراعية. وتقدر بعض التقارير حصول «داعش» على 200 مليون دولار من صوامع القمح العراقية وحدها، إضافة إلى نهب ممتلكات أبناء الطوائف المسيحية والإيزيديين، وتصل عوائد الضرائب ونهب الممتلكات إلى ما يزيد عن 360 مليون دولار سنويًا.
ويشير تقرير لـ«منتدى الشرق الأوسط» إلى أن «(داعش) يفرض ضرائب في شكل بطاقة هوية لمنح الصفح عن السكان الذين عملوا في أنظمة لا يعتبرها التنظيم أنظمة تتبع تعاليم الإسلام، وتصل تلك الضريبة إلى 2500 دولار». وفي المقابل، تشير تقارير الاستخبارات الأميركية إلى أن التنظيم استحوذ على سيارات وأسلحة وذخائر أميركية الصنع استطاع استخدامها أحيانًا، وعمد إلى بيعها في أحيان أخرى، إضافة إلى مولدات وكابلات كهربائية وعقارات تعود ملكيتها للجيش العراقي والمسؤولين والسياسيين والعائلات الغنية.
وفي أعقاب ما قام به «داعش» من تدمير ممنهج للمواقع الأثرية المهمة، فإنه ربح كثيرًا من وراء بيع تلك الآثار وتهريبها إلى تجار الآثار عبر تركيا والأردن ومنها إلى الدول الأوروبية. وفي هذا المجال تقول التقديرات الأميركية إن تجارة الآثار وفرت لـ«داعش» دخلاً إجماليًا يربو على 100 مليون دولار سنويًا.
وعلى صعيد التبرعات الفردية والشخصية، كما سبقت الإشارة، تشكل التبرعات التي يحصل عليها التنظيم من مناصرين ومتعاطفين من رجال أعمال أغنياء من بعض الدول الخليجية جانبًا مهمًا من عوائد التنظيم، وقدّرت وزارة الخزانة الأميركية أن ما تلقاه «داعش» من تبرعات خلال عامي 2013 و2014 بلغ 40 مليون دولار، حصل عليها التنظيم من خلال جمعيات خيرية ومؤسسات لتقديم الإغاثة الإنسانية ومساعدة الأيتام. ولقد رصد معهد بروكينغز في تقرير مفصل أسماء الشخصيات المتبرّعة وطرق جمع الأموال وإرسالها لـ«داعش». بينما تحدث تقرير للأمم المتحدة عن أن «داعش» حصل ما بين 35 مليون دولار و45 مليون دولار من خلال عمليات خطف الرهائن والحصول على فدية مقابل إطلاق سراح كل منهم.
* دور نظام الأسد
وبخصوص قدرة «داعش» على الحصول على الأسلحة والذخائر، يقول مسؤول في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) لـ«الشرق الأوسط» إن «عمليات تهريب الأسلحة منتشرة بكثرة في دول منطقة البلقان في أعقاب انهيار يوغوسلافيا، إضافة إلى ما استولى عليه (داعش) من كميات كبيرة من الأسلحة والذخيرة، بما في ذلك الدبابات وقاذفات الصواريخ ومدافع الهاوتزر (الميدان) من المخازن والثكنات العسكرية التي كانت تابعة للحكومة العراقية».
ويقول الدكتور ماثيو ليفيت، مدير برنامج الاستخبارات ومكافحة الإرهاب في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، والخبير السابق بوزارة الخزانة الأميركية ومكتب التحقيقات الفيدرالي: «كل التسميات، مثل (داعش)، وتنظيم القاعدة في العراق وشبكة الزرقاوي كلها تصب في بوتقة واحدة، وجميعها تحصل على الأموال من خلال القيام بأنشطة إجرامية». ويتابع: «يعمل (داعش) مثل جماعات المافيا، ومجموعات الجريمة المنظمة ويضع قواعده الخاصة مثل فرض الإتاوات على السكان وابتزازهم، فعلى من يريد قيادة شاحنة لنقل البضائع، أن يدفع مقابل استخدام الطريق الذي يسيطر عليه التنظيم. ويتحكم (داعش) أيضًا في محاصيل المزارعين في الرقة من القمح والقطن وفي صوامع الحبوب، وكل هذا يوفر لهم قوة اقتصادية وتمويلا ماليًا كبيرًا».
ويستطرد الخبير في مكافحة الإرهاب فيقول: «رغم ابتعاد (داعش) عن النظام المالي الرسمي فإن لديه مجموعة من الطرق للوصول إلى النظام البنكي لتسهيل نقل كميات صغيرة من الأموال السائلة وتمويل هجمات إرهابية». ويشير إلى أن هناك أكثر من 20 مؤسسة مالية سورية تعمل مع «داعش»، ويشجع نظام الأسد تلك المؤسسات لتعزيز مصالحها التجارية الخاصة مع التنظيم. ومع انخفاض أسعار النفط العالمية، يرى الخبراء أنه من المرجح أن يضطر «داعش» إلى خفض أسعار بيع النفط. وبالتالي التحسب انخفاض عوائده الضخمة من هذا المصدر. وحسب الخبراء فإن «داعش» يفتقر إلى الخبرة والمعدات اللازمة لإنتاج النفط، وهو يستخرج النفط الخام فقط، وبالتالي يستفيد جزئيًا من الإنتاج المحتمل لحقول النفط الواقعة تحت سيطرة التنظيم.
وعلى الرغم مما قد يبدو من إمكانات لدى «داعش» لإدارة نظام مالي فريد، تشكّك صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية في قدرات «داعش» على الاستمرار على المدى الطويل اعتمادًا على نظامه المالي الحالي. وترى أنه ليس لدى التنظيم المتطرّف أي نموذج مالي مستدام على المدى الطويل يتيح له القدرة على الوصول للأسواق الدولية الرسمية، إلا أنها تؤكد أن المجتمع الدولي لا يملك ترف الانتظار حتى يتعرض التنظيم لخراب مالي. ومن هذا المنطلق يتفاءل الخبراء بأن تكثيف الضربات الجوية للتحالف واستهداف حقول النفط والمنشآت النفطية التابعة لـ«داعش» سيقلص تدريجيًا من إمكانياته المالية. وحقًا، يشير تقرير لوكالة «بلومبيرغ» إلى أن الضربات الجوية الأميركية ضد مواقع «داعش» ومنشآت النفط التي يسيطر عليها قد تكلفت 2.44 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من بدء الغارات الجوية لقوات التحالف.
من ناحية ثانية، يلحظ تقرير صادر عن خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي أن مبيعات «داعش» النفطية انخفضت بشكل كبير منذ بداية الحملة الجوية للتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد مواقع التنظيم في سوريا والعراق. ويذكر التقرير أن الولايات المتحدة دمّرت ما يقرب من نصف الطاقة التكريرية للنفط للتنظيم، وأسفرت الضربات عن مقتل عدد من موظفيه وعامليه من ذوي الخبرة النفطية، إضافة إلى ملاحقة وسطاء وتجار السوق السواء، وتشجيع تركيا للقضاء على عمليات التهريب التي تتم عبر حدودها.



واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
TT

واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)

مع تراجع فرص التوصل إلى اتفاق يعيد إطلاق المفاوضات الأميركية - الإيرانية لوقف الحرب، عاد الكلام في واشنطن وطهران عن احتمال تصاعد الخيار العسكري، ولو تحت عناوين مختلفة عن الحملة السابقة التي بدأت يوم 28 فبراير (شباط) الماضي. لم يعد النقاش محصوراً في مصير البرنامج النووي أو حجم الأضرار التي لحقت بالقدرات العسكرية الإيرانية، بل انتقل إلى سؤال أوسع: من يملك الوقت فعلاً، ومن يستطيع تحويله إلى ورقة ضغط؟ وهنا يقول محللون إن إيران تراهن على أن إطالة الأزمة، وتعطيل مضيق هرمز، وتوسيع الألم الاقتصادي العالمي، والتعويل على الصين وروسيا و«بريكس»، عوامل قد تدفع الرئيس دونالد ترمب إلى تليين شروطه. غير أن هذا الرهان يصطدم بوقائع قوة وجغرافيا وعلاقات دولية لا تبدو في مصلحة طهران. فإيران التي تتكلّم عن «مكسب استراتيجي» في هرمز، وعن إدارة جديدة للممر البحري، تعاني عزلة إقليمية ودولية عميقة. وظهر هذا لا في تعاملها العدواني مع دول الخليج فحسب، بل أيضاً في «الصمت الدولي» الذي لم يتحوّل إلى موجة غضب واسعة ضد الولايات المتحدة، في حربها على ما يعدّه كثيرون في الغرب والمنطقة «نظاماً مارقاً» وداعماً للإرهاب والتطرّف والقلاقل.

لدى التمعّن في الوضع الراهن في الشرق الأوسط، ينبغي القول إنه لا يكفي أن تمتلك طهران أدوات تعطيل مؤلمة كي تصبح صاحبة اليد العليا. فالقوة لا تُقاس فقط بالقدرة على الإرباك، بل أيضاً بالقدرة على بناء تحالفات، وتحمّل الكلفة، ومنع الضغوط الخارجية من التحوّل إلى انفجار داخلي.

في المقابل، يدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذه المرحلة مستنداً إلى رصيد أوسع من عناصر القوة التي راكمتها إدارته منذ عودته إلى البيت الأبيض يوم 20 يناير (كانون الثاني) 2025: من الحرب التجارية والجمركية وإعادة رسم خريطة التوازن الدولي، إلى العملية العسكرية في فنزويلا، مروراً برعاية «وقف النار» في غزة، ووصولاً إلى قراره الاستراتيجي بإنهاء الدور الإقليمي الذي لعبته إيران لعقود. ولذا، قد لا تكون «لعبة الوقت» في يد طهران بالقدر الذي تفترضه.

«هرمز»: ورقة قوة أم فخ استراتيجي؟

يعلن الإيرانيون أنهم يتعاملون مع مضيق هرمز بعَدِّه الورقة الأكثر إيلاماً في يدهم. فالمضيق، الذي كان يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية، تحوّل بعد الحرب، إلى بؤرة صراع سياسي واقتصادي وعسكري.

ولم تكتفِ طهران بتعطيل جزء كبير من حركة الملاحة، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك عبر كلامها عن «إدارة استراتيجية» للمضيق، وفرض رسوم على السفن العابرة، وربط إعادة فتحه بإنهاء الحصار الأميركي، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، والاعتراف بما تعدّه حقوقاً سيادية جديدة.

لكن البعض يرى أن قوة هذه الورقة تحمل خطراً على إيران نفسها؛ إذ كلما حاولت طهران تحويل هرمز إلى أداة ابتزاز عالمي، زادت قناعة خصومها بأن النظام الإيراني لم يعد مشكلة نووية أو صاروخية فحسب، بل غدا مصدر تهديد مباشر لأمن الطاقة والتجارة الدولية. وهذا يفسر، جزئياً، غياب التعاطف الدولي الواسع مع إيران، رغم الكلفة الاقتصادية للحرب. فالعالم قد يتضرّر من إغلاق هرمز، لكنه لا يرى بالضرورة في طهران ضحية، بل طرفاً يستخدم الجغرافيا لابتزاز الاقتصاد العالمي.

من جهة أخرى، الرهان على الصين لا يبدو مضموناً؛ فصحيح أن بكين هي المستورد الأكبر للنفط الإيراني، وأن زيارة ترمب إلى الصين جعلت ملف إيران حاضراً في مباحثاته مع شي جينبينغ، لكن بكين ليست حليفاً عقائدياً لطهران، بل قوة كبرى تقيس مصالحها بميزان التجارة والطاقة والاستقرار. بالتالي إذا كان تعطيل هرمز يهدّد النمو الصيني وسلاسل الإمداد، فإن بكين قد تمارس ضغطاً على إيران، لا دعماً مفتوحاً لها. أما عبور ناقلة صينية للمضيق بالتزامن مع زيارة ترمب، فيوضح أن طهران قد تمنح استثناءات، لكنه يوضح أيضاً أنها تحتاج للصين أكثر مما تحتاج الصين إليها.

إقليمياً، تبدو عزلة إيران أشد وضوحاً؛ فدول الخليج، التي دفعت أثماناً متكرّرة من سياسات إيران ووكلائها، لا تنظر إلى تشديد قبضتها على هرمز بوصفه دفاعاً مشروعاً، بل تهديداً مباشراً لأمنها الاقتصادي والسيادي. ولئن كانت بعض العواصم تتحفظ عن حرب مفتوحة أو طويلة، فهذا لا يعني أنها مستعدة لمنح طهران «شرعية» لإدارة المضيق أو مكافأتها على تعطيله.

الصواريخ الباقية لا تصنع نصراً

في المقابل، التقديرات الاستخباراتية الأميركية التي كشفت عنها الـ«نيويورك تايمز» عن بقاء نحو 70 في المائة من المخزون الصاروخي الإيراني، واستعادة طهران الوصول إلى معظم مواقعها عند مضيق هرمز، شكّلت ضربة للرواية الأميركية الرسمية التي تكلمت عن «تدمير» الجيش الإيراني، لكنها مع هذا لا تمنح طهران، تلقائياً، موقع المنتصر. فالاحتفاظ بقدرات عسكرية مهمة شيء، وتحويلها إلى استراتيجية رابحة شيء آخر.

تلك التقديرات كشفت عن أن الحملة الأميركية - الإسرائيلية لم تحقق كل أهدافها العسكرية، وأن الضربات على المنشآت المدفونة لم تكن حاسمة. لكنها كشفت أيضاً عن أن إيران خرجت من الحرب وهي مضطرة لاستخدام ما تبقى لديها من أوراق في ظروف أكثر صعوبة كاقتصاد منهك، وبنية تحتية متضررة، وقيادات مقتولة، وصادرات نفطية مضغوطة، وشارع داخلي مرشح للانفجار. وهكذا، فقدرة إيران على إطلاق الصواريخ، أو تهديد السفن، لا تعني أنها تستطيع تحمل حرب استنزاف مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ولا تعني أن «الصمود» سيتحول إلى نصر سياسي.

في أي حال، طهران ستحاول استثمار هذه التسريبات نفسياً وسياسياً. فهي تريد إقناع الداخل بأنها لم تُهزم، وإقناع الخارج بأن أي ضربة جديدة ستكون مُكلفة، وإقناع واشنطن بأن الحصار لا يكفي لإخضاعها. لكن السؤال الذي يتجنّبه الخطاب الإيراني هو: ماذا بعد؟ هل تستطيع إيران أن تعيش طويلاً في حالة «لا حرب ولا سلم»؟ وهل تستطيع إدارة مضيق هرمز كأداة ضغط من دون أن تدفع القوى الكبرى إلى التوافق ضدها؟ وهل تملك القدرة على منع الأزمة الاقتصادية من التحوّل إلى أزمة شرعية داخلية؟

من هنا، لا يبدو الكلام عن تدريبات «الحرس الثوري» و«الباسيج» في طهران مجرد رسالة ردع خارجية؛ فمشاركة «الباسيج»، بوصفه ذراعاً أمنية داخلية، توحي بأن النظام يستعد أيضاً لاحتمالات اضطراب داخلي أشدّ من الاحتجاجات التي شهدتها إيران في يناير الماضي. وهذا البُعد مُهم؛ لأن أخطر ما تواجهه طهران قد لا يكون ضربة أميركية جديدة، بل تزامن الضغط الخارجي مع انفجار اجتماعي نابع من الفقر والتضخم والقمع وفقدان الأفق.

أخطر ما تواجهه طهران قد لا يكون ضربة أميركية جديدة

بل تزامُن الضغط الخارجي مع انفجار اجتماعي داخلي



ضغوط الداخل لا تكفي لإرباك ترمب

اليوم تراهن إيران، كما فعلت قوى أخرى في مواجهات سابقة مع واشنطن، على أن الضغوط الداخلية الأميركية على ترمب، وبالذات ارتفاع أسعار الطاقة، واستنزاف الاحتياطي الاستراتيجي، وكلفة الحرب التي وصلت إلى عشرات المليارات، وتراجع شعبية الحرب في استطلاعات الرأي. هذه ضغوط حقيقية... لكن تحويلها إلى رهان على تراجع أميركي سريع قد يكون قراءة مبالغاً فيها.

فالانتخابات النصفية لا تشكل، حتى الآن، عاملاً حاسماً يُجبر ترمب على الانكفاء. وصحيح أن التقديرات قبل الحرب كانت تشير إلى «صعوبات» جمهورية، لكنها لم تكن حاسمة في القول إن الحزب سيخسر الكونغرس. ثم إن معركة إعادة رسم الخرائط الانتخابية الجارية في ولايات عدة - التي يخوضها الجمهوريون لتعزيز قدرتهم على الاحتفاظ بسيطرة مريحة أو منع تراجع موقعهم - تمنح الحزب هامشاً سياسياً إضافياً. وفوق ذلك، لا تزال سطوة ترمب على الجمهوريين قويّة بما يكفي لمنع تمرد واسع ضده في لحظة مواجهة كبرى مع إيران.

لقد ظهر هذا في فشل مجلس الشيوخ، للمرة السابعة، في تمرير إجراء يقيّد صلاحيات الرئيس العسكرية تجاه إيران، رغم انضمام بعض الجمهوريين إلى الديمقراطيين في التصويت. هذا لا يعني غياب القلق داخل الحزب الجمهوري، خصوصاً لدى التيار الانعزالي أو الأكثر تشدداً في مسائل صلاحيات الحرب. لكنه يعني أن المؤسسات السياسية لم تنتج بعد كتلة قادرة على إجبار ترمب على التراجع.

بل حتى في أسوأ السيناريوهات الانتخابية، يستطيع ترمب التعايش مع كونغرس معارض، كما فعل في ولايته الأولى. والأهم أنه يرى نفسه قد أنجز معظم وعوده الكبرى منذ عودته إلى البيت الأبيض: كتشديد الحدود، وإعادة هندسة التجارة، وفرض الرسوم، واستعادة صورة الردع، والتحرّك عسكرياً خارج النمط التقليدي. بالتالي، قد يكون مستعداً لتحمل بعض الكلفة السياسية، كما صرح أخيراً، إذا كان البديل هو الظهور بمظهر مَن تراجع أمام إيران، خصوصاً أن خطابه يختزل المسألة في هدف واحد: منع طهران من امتلاك سلاح نووي.

الوقت يميل لصالح واشنطن لا طهران

جوهر المأزق أن كل طرف يعتقد أن الوقت يعمل لمصلحته. إيران ترى أن إطالة الأزمة سترفع أسعار الطاقة، وتزيد تململ الناخب الأميركي، وتدفع قوى دولية إلى توفير مظلة سياسية، وتثبت أن الحرب لم تكسر النظام. بينما ترى واشنطن أن الوقت يكشف عن العكس: إيران لا تزداد قوة، بل عزلة؛ اقتصادها لا يتعافى، بل يضيق؛ وأدواتها الإقليمية لا تمنحها شبكة حماية، بل ترسخ صورتها كقوة فوضى.

في هذا المعنى، قد تكون «لعبة الوقت» في يد ترمب - كما كرّر مراراً - أكثر مما هي في يد «المرشد» والمؤسسة الحاكمة في طهران. فواشنطن تستطيع إدامة الحصار البحري، وتشديد العقوبات، ومنع تعافي الصادرات النفطية، واستخدام الوجود العسكري في الخليج لرفع كلفة أي تحرك إيراني. كما تستطيع، عند الحاجة، تنفيذ ضربات محددة تحت عنوان عملية جديدة، سواء سُميت «التحرير بلَس» أو غير ذلك، لتأكيد أن مهلة «الغضب الملحمي» السياسية والقانونية انتهت، وأن واشنطن دخلت مرحلة أخرى، لتحقيق شرط مركزي: أن تقبل طهران بتقليص دورها النووي والإقليمي، أو تواجه جولة ضغط أشد.مع هذا لا يبدو أن خيارات ترمب خالية من الأخطار. فالذخائر الأميركية تعرّضت لاستنزاف كبير، وأي ضربة واسعة جديدة ستطرح أسئلة عن الجاهزية لمسرح آسيا وعن القدرة الصناعية على التعويض. ثم إن انفجاراً كبيراً في الخليج قد يدفع أسعار الطاقة إلى مستويات يصعب سياسياً تجاهلها. لكن الفارق بين الطرفين أن واشنطن تدير «أزمة مُكلفة»، بينما تدير طهران «أزمة وجودية»؛ الأولى تخشى الاستنزاف وفوضى الأسواق، والثانية تخشى أن يؤدي الضغط الخارجي إلى تفكّك داخلي يهدد النظام، وربما وحدة الكيان نفسه إذا اتسعت التصدّعات القومية والاجتماعية والاقتصادية معاً.


باكستان بين الوساطة والشكوك

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
TT

باكستان بين الوساطة والشكوك

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

*تقاطعت آخر أوراق التفاوض التي تبادلتها طهران وواشنطن عبر الوسيط الباكستاني حول فجوة أساسية: فواشنطن تريد اتفاقاً يثبت نتائج الحرب ويحوّلها إلى قيود طويلة الأمد على البرنامج النووي الإيراني، بينما تريد طهران اتفاقاً يبدأ بوقف الحرب والحصار، ثم تُترك القضايا النووية الأكثر حساسية لمسار تفاوضي لاحق. هنا دور إسلام آباد نفسه لم يبقَ خارج الجدل. إذ أثارت تسريبات عن إقدام طهران على نقل عدد من طائراتها إلى باكستان، تلافياً لتدميرها في الضربات الأميركية - الإسرائيلية، عدة أسئلة داخل واشنطن حول ما إذا كان الوسيط الباكستاني قادراً فعلاً على لعب دور محايد، أم إنه بات أقرب إلى قناة اضطرارية بين طرفين لا يثقان أحدهما بالآخر.

وفق ما تسرّب عن الورقة الأميركية، حملت واشنطن تصوّراً من 14 بنداً يطلب وقفاً طويلاً لتخصيب اليورانيوم قد يمتد إلى 20 سنة، وإخراج أو تفكيك مخزون اليورانيوم العالي التخصيب، وتفكيك منشآت نووية رئيسية، إلى جانب إعادة فتح مضيق هرمز ووقف استخدامه ورقة ضغط.

أما الرد الإيراني، الذي سُلّم عبر باكستان، فركّز على إنهاء الحرب أولاً، ورفع الحصار البحري والعقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، وضمان وقف الهجمات، مع استعداد محدود لبحث ترتيبات تتعلق باليورانيوم خلال نافذة تفاوضية قصيرة، من دون قبول تفكيك المنشآت أو التخلي الدائم عن حق التخصيب.

هذا التباعد دفع ترمب إلى اتهام طهران بالمماطلة وتضييع الوقت. فالإدارة الأميركية رأت في الرد الإيراني محاولة لقلب ترتيب الأولويات: وقف إطلاق النار والحصار أولاً، ثم التفاوض لاحقاً على جوهر الملف النووي. وبالنسبة إلى ترمب، يعني ذلك أن إيران تريد شراء الوقت، وترميم قدراتها، وتثبيت مكسبها في «هرمز»، لا تقديم تنازل استراتيجي.

مع ذلك يمكن توقع تجدد الاتصالات عبر الوسيط الباكستاني، لكن على الأرجح بصيغة «إدارة أزمة» لا مفاوضات حاسمة. فواشنطن لا تزال تحتاج إلى قناة مع طهران تمنع انهيار وقف النار كلياً، وتختبر إمكان انتزاع تنازلات نووية وأمنية، في حين تحتاج إيران إلى إبقاء المسار مفتوحاً لتخفيف تكلفة الحصار وتجنب ضربة جديدة. وبالفعل، أشار نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس إلى وجود «تقدّم» في الاتصالات، رغم رفض ترمب الرد الإيراني الأخير بوصفه غير مقبول، ما يعني أن الباب لم يُغلق تماماً أمام القناة التفاوضية.


سيمون كرم... رجل المرحلة بين الحرب والسلام؟

كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
TT

سيمون كرم... رجل المرحلة بين الحرب والسلام؟

كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»

تحوّل السفير اللبناني السابق في واشنطن سيمون كرم خلال الأشهر الأخيرة من شخصية سياسية - دبلوماسية تنتمي إلى «الخط السيادي»، إلى رجل يقف في قلب واحدة من أكثر اللحظات مفصلية في تاريخ لبنان الحديث. ذلك أن الرجل الذي عُيّن أولاً رئيساً للوفد اللبناني في لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية «الميكانيزم» بعد حرب «إسناد غزة» عام 2024، عاد رئيس الجمهورية جوزيف عون وكلّفه لاحقاً برئاسة الوفد اللبناني في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. جاءت هذه الخطوة لدى انتقال لبنان من مرحلة تثبيت وقف إطلاق النار في حرب «إسناد إيران» التي فتح جبهتها «حزب الله» إلى مرحلة التفاوض السياسي المباشر تحت ضغط التهديدات الإسرائيلية والضغوط الأميركية.

في بلد لطالما كان ملف العلاقة مع إسرائيل أحد أكثر الملفات حساسيةً وانقساماً، يبدو السفير السابق سيمون كرم اليوم بالنسبة إلى كثيرين «رجل المرحلة»، ليس فقط لأنه يقود أول «مفاوضات مباشرة» مع إسرائيل يرأسها مدني لبناني منذ عام 1983، بل لأن مهمته قد تقود إلى إعادة رسم موقع لبنان السياسي بالكامل، وربما إلى اتفاق سلام أو ترتيبات طويلة الأمد تنهي عقوداً من الصراع المفتوح على الحدود الجنوبية.

من بلدة جزّين إلى مفاوضات واشنطن

وُلد سيمون كرم عام 1950 في بلدة جزّين بأقصى شمال جنوب لبنان، ودرس الحقوق في جامعة القديس يوسف (اليسوعية) قبل أن يمارس المحاماة. أما على صعيد الوظيفة العامة، فقد تولّى منصبَي محافظ البقاع ومحافظ بيروت مطلع عقد التسعينات، ثم عُيّن سفيراً للبنان لدى الولايات المتحدة عام 1992، حيث قدّم أوراق اعتماده للرئيس الأميركي جورج بوش «الأب»، قبل أن يستقيل بعد أقل من سنتين اعتراضاً على التدخلات السورية في القرار اللبناني.

وخلال عقد التسعينات أيضاً شارك السفير سيمون كرم مع الوزير السابق إدمون رزق - ونائب جزّين السابق - في تأسيس «لقاء جزّين أولاً»، الذي دعا إلى انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، في وقت كانت القوات الإسرائيلية تسيطر على الشريط الحدودي وصولاً إلى مداخل جزّين، قبل انسحابها عام 2000.

اليوم، يجد سيمون كرم - وهو مسيحي ماروني طائفياً وجنوبي جغرافياً - نفسه في قلب واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ لبنان الحديث، حاملاً مهمة التفاوض مع إسرائيل وسط نار الحرب والانقسام الداخلي والضغوط الدولية. وللعلم، فإن كرم اليوم، في نظر لبنانيين كثر، «رجل سيادة» من منطلق اعتباره عنواناً لتحوّل سياسي كبير في لبنان. غير أن مهمته الجديدة تبدو أبعد بكثير وأهم بكثير من مجرّد رئاسة وفد تفاوضي.

وحقاً، في حال نجحت المفاوضات الحالية بالوصول إلى تفاهمات طويلة الأمد، قد يصبح كرم أحد أبرز الوجوه المرتبطة بتحول تاريخي في لبنان، وذلك عبر نقله البلاد من مرحلة الحروب المفتوحة إلى مرحلة التسويات وربما السلام. أما إذا فشلت، فقد يجد لبنان نفسه أمام جولة بل جولات جديدة من الصراع المفتوح، في منطقة تبدو على أبواب إعادة رسم كاملة لتوازناتها السياسية والأمنية.

من «الميكانيزم» إلى مفاوضات السلام

عندما عُيّن السفير سيمون كرم رئيساً للوفد اللبناني في لجنة «الميكانيزم» في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2025، كان الهدف المعلن متابعة تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية، لا سيما ما يتعلق بحصرية السلاح جنوب الليطاني. وجاء اختياره يومذاك بناءً على رغبة أميركية بإدخال شخصية مدنية إلى رئاسة الوفد اللبناني، في خطوة عكست اقتناعاً أميركياً بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مقاربة «سياسية - دبلوماسية» تتجاوز الإطار العسكري التقليدي.

إلا أن حرب «إسناد إيران» دفعت الأمور إلى مسار مختلف تماماً، بحيث لم يعُد أمام لبنان - حسب كثيرين - إلا خيار التفاوض المباشر الذي طرحه الرئيس جوزيف عون، ولاقى تجاوباً في وقت لاحق من واشنطن وتل أبيب.

بالفعل، بدأت المفاوضات باجتماعات لسفراء لبنان وأميركا وإسرائيل، وحضر الجلسة الثانية منها الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية بمشاركة رئيس الوفد السفير كرم، وسط كلام مزداد عن «ترتيبات» قد تتجاوز الجانب الأمني إلى تفاهمات سياسية أوسع، وربما إلى اتفاق سلام أو التهدئة طويلة الأمد التي تغيّر شكل العلاقة بين البلدين.

من هنا، لم يعُد كرم مجرّد رئيس لجنة تقنية لمراقبة وقف إطلاق النار، بل صار عنواناً لمرحلة سياسية كاملة، وإن كان وسط انقسامات داخلية في مقاربة المفاوضات المباشرة. فقد أعلن رئيس مجلس النواب نبيه برّي معارضته لها، على الرغم من تأكيد رئيس الجمهورية أن قراره اتُّخذ بعد التشاور معه ومع رئيس الحكومة نواف سلام، في حين لا يزال «حزب الله» يهاجم المفاوضات ويهدّد بأنه لن يكون معنياً بأي نتائج تصدر عنها.

هجوم «حزب الله»

بالفعل، منذ اللحظة الأولى لتعيين كرم رئيساً لوفد لبنان في «الميكانيزم»، شنّ «حزب الله» هجوماً شديداً عليه، معتبراً أن تعيين دبلوماسي مدني لرئاسة الوفد «خطيئة ثانية»... بعد قرار «حصرية السلاح».

ولكن بالنسبة إلى خصوم الحزب، فإن اختيار كرم لم يأت تفصيلاً إدارياً، بل جاء إشارةً واضحةً إلى طبيعة المرحلة الجديدة التي دخلها لبنان، ومحاولة لإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية بعد سنوات طويلة من ربط «حزب الله» قرار الحرب بـ«المحور الإيراني».

«سيادي» من زمن «الوصاية السورية»

في واقع الأمر، لا يمكن فصل الدور الذي يلعبه سيمون كرم اليوم من دون العودة إلى خلفيته السياسية. فهو من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات، وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان» عام 1999، إلى جانب شخصيات مثل النائبين السابقين فارس سُعَيد وسمير فرنجية والشيخ هاني فحص، قبل أن يصبح أحد مؤسسي «قرنة شهوان» عام 2000، ثم ينخرط لاحقاً في «حركة 14 آذار» التي رفعت شعار «لبنان السيّد الحرّ المستقل».

ويقول فارس سُعيد إن تعيين كرم الذي بدأ في لجنة «الميكانيزم»، «يمثّل محطة سياسية غير عادية»، ثم يشير إلى أن «الخلفية السياسية المتراكمة للرجل جعلت اختياره للمفاوضات يلامس أكثر من مجرد دور تقني... وهو الذي ينتمي إلى بيت ماروني تاريخي خرّج شخصيات وطنية، وغلب فيه الخيار اللبناني على أي عصبية طائفية، وتميّز بالاستقامة الأخلاقية والصلابة الوطنية».

ويلفت سُعيد إلى «تميّز كرم خلال مسيرته الإدارية والدبلوماسية بمواقف حازمة»، مستذكراً عدة مواقف له، منها أنه «بعدما عين عام 1991 محافظاً للبقاع، اصطدم بسطوة غازي كنعان (رئيس فرع الأمن والاستطلاع في القوات السورية، آنذاك) ورفض لقاءه في عزّ أيام الوصاية السورية». ثم بعدما تولّى لاحقاً منصب سفير لبنان في واشنطن، اصطدم أيضاً في العاصمة الأميركية بمحاولات السفير السوري - حينذاك - وليد المعلّم (الذي أصبح وزير الخارجية لاحقاً) التأثير على قرار السفارة اللبنانية هناك، فما كان لكرم إلا أن اختار العودة إلى بيروت والاستقالة من مهامه والعودة إلى ممارسة مهنة المحاماة».

موقفه من إيران و«وحدة الساحات»

من ناحية أخرى، تكاد تكون تصريحات كرم وإطلالاته الإعلامية محدودة في الفترة الأخيرة باستثناء الصورة الانطباعية التي يوزّعها مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية بعد كل لقاء مع الرئيس عون منذ تعيينه رئيساً للوفد. وهي تظهر خلفية كرم السياسية بوضوح في مقاربته للحرب الأخيرة ولدور إيران في لبنان عبر مواقف سابقة له.

وفي مقال نشره كرم، بعد اندلاع حرب «إسناد غزة»، في صحيفة «نداء الوطن»، كتب متوجهاً إلى رئيسي الحكومة والنواب في ظل الفراغ الرئاسي آنذاك: «ماضياً تذرّعتم بوحدة المسار والمصير لتفويض سوريا، واليوم تتذرّعون بوقف العدوان على غزّة لتفويض إيران، تقرير مصير البلاد والعباد».

وأردف: «سياسة محور الممانعة منذ الانسحاب الإسرائيلي في ربيع 2000، ثمّ بعد حرب 2006، هي أنّ دور الدولة يجب أن يبقى شكليّاً في معادلة الحدود، وأن لا يقترب ولو قليلاً من الصلاحيات التي تتيح لهذه الدولة الالتزام بالمعاهدات الدولية». وواصل متابعاً: «ثمّ دار الزمن دورة، فثقلت وطأة وأثمان وحدة الساحات، وبانت استحالة أن تصل بالمنادين والعاملين بها سوى إلى ما وصلت إليه في غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن، فيما إيران مردوعة، تتفرّج على هذا الخراب العميم، فإذا بهم يدفعون ما تبقى من الدولة اللبنانية إلى المطالبة بالعودة إلى (اتفاقية الهدنة)، غير الممكنة التطبيق، إلا بامتلاك الجمهورية اللبنانية السلطة الكاملة والحصرية على كامل أرضها وعلى كل حدودها».

هذا، وسبق لكرم عن أعرب عن موقف مشابه في رفضه «زجّ لبنان في الحرب»، عندما ألقى كلمة خلال يوليو (تموز) 2025 خلال احتفال تكريم النائب الراحل حبيب صادق في إحدى قاعات جامعة القديس يوسف ببيروت. ولقد أزعجت الكلمة عدداً من الحاضرين المؤيدين لـ«حزب الله» ما أدى إلى انسحابهم من القاعة.

كرم قال في حينه: «إن شروط إنهاء الحرب (إسناد غزة) جاءت أفدح من الحرب، وما يزيد الأمور بشاعة أن الذين أذعنوا لوقف إطلاق نار من طرف واحد مع إسرائيل، يطلقون ناراً سياسية وأمنية كثيفة على الداخل».

ثم أضاف: «يهاجمون الدولة لاعتمادها الخيار الدبلوماسي، وهو الوحيد المتاح بعد النكبة، ويهاجمون الجيش بحجة أنه عاجز عن حماية البلاد والناس، والقوات الدولية لسعيها تنفيذ القرارات الدولية، وسائر اللبنانيين إذا قالوا لهم: كفى!».

وطني رافض لأي احتلال أو وصاية

وفيما تكشف هذه المواقف طبيعة المقاربة التي يحملها كرم في مهمته التفاوضية اليوم، والتي يرى البعض أنه سيتعامل معها كجزء من معركة أوسع تتعلق بإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية ومؤسساتها، يؤكد الوزير السابق بطرس حرب، الذي كان أحد أعضاء «قرنة شهوان» إلى جانب سيمون كرم، أن خلفية كرم السيادية ومعارضته لـ«حزب الله» قد تشكل عنصر قوة في المفاوضات الحالية، لا نقطة ضعف.

ويوضح حرب لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «يتمتع كرم بثقافة عالية جداً، ويفهم جيداً عقلية الإدارة الأميركية نتيجة تجربته السابقة كسفير للبنان في واشنطن، وهذا قد يساعده كثيراً في مفاوضات تحصل برعاية أميركية». ويتابع حرب: «وفي الوقت نفسه لا يوجد أي شك بوطنيته وتمسكه برؤية لبنان الرافضة لأي احتلال أو وصاية».

وعن تأثير مواقف كرم المعارضة لـ«حزب الله» على المفاوضات، يرر حرب بأن «هذا الأمر سيلعب دوراً إيجابياً في مهمة إعادة لبنان إلى مرحلة السلم وإنهاء الصراعات التي دفع لبنان ثمنها غالياً»، معتبراً أن «المشكلة ليست مع (حزب الله) بحد ذاته، بل مع خروجه عن الشرعية وجرّه لبنان إلى حروب لا قرار للبنانيين فيها ولا مصلحة لهم بها».