رحلة 9 شبان من التسكع في مقاهي أوروبا إلى قلب «داعش»

ارتكبوا أسوأ هجمات شهدتها الأراضي الفرنسية منذ الحرب العالمية الثانية

رحلة 9 شبان من التسكع في مقاهي أوروبا إلى قلب «داعش»
TT

رحلة 9 شبان من التسكع في مقاهي أوروبا إلى قلب «داعش»

رحلة 9 شبان من التسكع في مقاهي أوروبا إلى قلب «داعش»

كان الشبان الذين استأجروا ذلك المنزل في حي بوبيني قبل شن هجمات باريس مهذبين وحسني الملبس. وقالوا إنهم قدموا إلى المدينة لغرض العمل. ودفع هؤلاء الشبان مائة يورو في الليلة مقابل استئجار المنزل القرميدي المؤلف من طابقين في الضاحية الباريسية التي يسكنها أبناء الطبقة الوسطى. وعندما وصلوا، قدم أحدهم لمالك المنزل، الذي كان يعيش في الشارع الهادئ نفسه بطاقة هويته التي تحمل اسم: إبراهيم عبد السلام.
وبعد ثلاثة أيام، كان عبد السلام يرقد محتضرًا على أرضية أحد مطاعم باريس، بينما تظهر من تحت قميصه لفة من الأسلاك متعددة الألوان، بعد لحظات من تفجيره حزامه الانتحاري. ويعرف عبد السلام الآن بأنه واحد من مرتكبي أسوأ هجمات تشهدها الأراضي الفرنسية منذ الحرب العالمية الثانية، في اعتداء يكشف عن قدرة «داعش» على ضرب قلب أوروبا.
وما زال المحققون يجمعون أطراف القصة ليقفوا على الكيفية التي تمكن بها 9 شبان على الأقل، يعتقد أن غالبيتهم من حاملي الجنسيتين الفرنسية والبلجيكية الذين تبنوا الفكر المتشدد داخل أوروبا، من رحلة التسكع إلى قلب «داعش» قبل التخطيط لهجومهم وتمويله وتجهيز أنفسهم بالمتفجرات والبنادق الآلية، وتوفير المنازل الآمنة وشن الهجمات المنسقة التي قتلت 130 شخصًا وأصابت أكثر من 350 آخرين في باريس.
ولا تعرف بعد السلطات الأوروبية، التي تراجع حسابات إلكترونية ومصرفية وتستجوب عشرات الأشخاص الذين اعتقلوا في مداهمات خلال الأسبوع الماضي، المدة التي استغرقها الرجال، الذي يعرف عن كثيرين منهم سفرهم إلى سوريا لقتال «داعش»، في الإعداد للهجوم.
لكن المعلومات المستقاة حول الأيام التي سبقت 13 نوفمبر (تشرين الثاني) توفر قرائن وأدلة حول كيفية تدبير هؤلاء الرجال بعناية لهجوم منسق يقول مسؤولون أوروبيون وأميركيون إنه يشي بتدريب وربما إشراف وتوجيه من عملاء «داعش» في قاعدتهم بسوريا والعراق.
ويقول رئيس المركز الأوروبي للاستخبارات الاستراتيجية والأمن، كلود مونيكي، وهو مسؤول سابق في الاستخبارات الفرنسية: «في مثل هذه الهجمات، التي يشارك فيها أناس كثيرون، لا بد أن الأمر صدر عن أعلى المستويات». إن قادة العمليات العسكرية في «داعش» والذين يضمون مسؤولين عسكريين سابقين في العراق، «ما كانوا ليسمحوا قط بأن توجه شخصية أدنى منهم عملية استراتيجية».
وقد تتبدى جذور تلك الهجمات، التي طالت أكبر استاد في فرنسا وقاعة موسيقية مكتظة بالحاضرين وسلسلة من المطاعم والمقاهي، في المسار الذي طرقه هؤلاء المشتبه بهم نحو تبني الفكر الراديكالي.
وبينما تتباين قصصهم، أحدهم كان طالبًا، والآخر سائق حافلة، وآخر صاحب حانة - كثيرون منهم ينحدرون من أسر مسلمة ليست أصولية أو متشددة. لكن هذا التحول إلى الفكر الراديكالي جر على مدار السنوات أو حتى الشهور القليلة الماضية.
وفي قلب المؤامرة تظهر شخصية عبد الحميد أباعود، بلجيكي من أصول مغربية يبلغ من العمر 28 عامًا. وبينما لم يكن أباعود من بين الرجال الذين عرفت هوياتهم من البداية في هجمات 13 نوفمبر، يقول مسؤولون إنه أرفع عضو في الخلية، ربما جرى تكليفه من قبل زعماء «داعش» لتنسيق الهجمات. وتقول الشرطة إن أباعود استخدم إحدى البنادق الآلية الثلاثة التي عثر عليها في سيارة مهجورة عقب الهجوم، فيما يشير إلى أنه ربما ساعد في تخطيط وتنفيذ أعمال العنف.
ولقي حتفه يوم الأربعاء الماضي أثناء مداهمة شرطية لإحدى الشقق في حي سان دوني، خارج العاصمة الفرنسية باريس، حيث كان يختبئ آخرون تردد أنهم كانوا يتآمرون لشن هجوم آخر.
أباعود، الذي أصبح شخصية شهيرة في الدعاية الداعشية حتى من قبل هجمات باريس، تربطه علاقات ببعض من المهاجمين الآخرين، بمن فيهم عبد السلام. لقد قضى أباعود بعض الوقت في أحد السجون البلجيكية مع صلاح، شقيق عبد السلام، والذي ما زال هاربًا من الملاحقة.
لقد كان أباعود أحد سكان مولينيك، وهو حي فقير في العاصمة البلجيكية بروكسل والذي يعرف بأنه أرض خصبة للتطرف. وبحسب المسؤولين البلجيكيين، قدم 48 من أصل 141 من سكان بروكسل معروف ذهابهم إلى سوريا للقتال عامي 2013 و2014 من مولينيك.
ويقول منتصر الذمي، وهو باحث في شؤون التطرف الإسلامي ويدير مركزًا يهدف لإثناء الشبان المسلمين البلجيكيين عن الذهاب إلى سوريا: «كل هؤلاء الشبان يعرفون بعضهم البعض، وعندما يفكر أحدهم في الذهاب إلى سوريا، يفكر الآخرون مثلهم في السفر إليها». ويضيف: «في غضون سنوات قليلة، عاد هؤلاء الشبان الذين لم يكونوا يدرون كيف يصلون، وخلال عام أو عامين أو ثلاثة أصبحوا أكثر الأشخاص المطلوبين في بلجيكا».
ويقال إن أباعود ذهب أولاً إلى سوريا في عام 2013؛ إذ انضم إلى «داعش» هناك، ولا يعرف المسؤولون الفرنسيون بعد متى أو كيف عاد إلى أوروبا قبل الهجمات.
وفي أغسطس (آب) من هذا العام، أبلغ أحد أنصار «داعش» الذي اعتقل عند عودته إلى فرنسا قادمًا من سوريا، السلطات الفرنسية بأن أباعود أمره، في سوريا بضرب مواقع مزدحمة بالناس. وقال الرجل ويدعى رضا حامي إنه كلف بأهداف متعددة في فرنسا، من بينها «قاعات موسيقية» و«أسواق غذائية».
وشأنهم شأن أباعود، كان معظم المهاجمين المشتبه بهم معروفين للسلطات الأوروبية، بعضهم للاشتباه بدعمه للمتشددين، وآخرون في جرائم عادية.
واعتقل أحدهم، ويدعى سامي أميمور، وهو شاب في الثامنة والعشرين من عمره من ضاحية درانسي الباريسية، في 2012 أثناء محاولته السفر إلى اليمن للقتال هناك. وقالت أسرته إنه لم يكن يجيد العربية في ذلك الوقت ولم يبدأ إلا مؤخرًا في متابعة الأئمة المتشددين على الإنترنت، وحث والدته على ارتداء الحجاب.
وفي 2013، انتهك أميمور الرقابة القضائية وغادر فرنسا إلى سوريا، مما دفع الشرطة إلى استصدار مذكرة توقيف دولية بحقه. وسافر والد أميمور إلى سوريا لإقناعه بالعودة إلى الديار في 2014، لكنه عاد إلى درانسي بمفرده. ومات أميمور في قاعة باتاكلان الموسيقية، حيث قتل ومهاجمان آخران ما يربو على 90 شخصًا.
أما بلال حادفي، الذي كان في العشرين وهو أصغر المتآمرين المعروفين، كان يخضع لرقابة الحكومة البلجيكية بعد هجمات يناير (كانون الثاني) في باريس ضد مجلة «شارلي إيبدو» الساخرة ومتجر لبيع الطعام اليهودي الحلال (الكوشير). حادفي الذي ولد في باريس وعاش في وقت لاحق في حي مولينيك في بروكسل، أعرب عن دعمه للمذبحة التي راح ضحيتها 17 شخصًا خلال أحد الصفوف بمدرسته.
ولا تزال السلطات تسعى لتحديد هوية بقية المهاجمين، بمن فيهم اثنان يبدو أنهما دخلا أوروبا وسط المهاجرين القادمين إلى اليونان. وتحقق مع مشتبه بهم آخرين يعتقد في صلتهم بالهجمات.
*خدمة «واشنطن بوست» - خاص بـ «الشرق الأوسط»



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.