خمس مراحل تحكم مسار «أوسكار أفضل فيلم أجنبي»

بحريني وأفغاني وصيني لم تدخل السباق المنتظر

من الفيلم البحريني «الشجرة النائمة»
من الفيلم البحريني «الشجرة النائمة»
TT

خمس مراحل تحكم مسار «أوسكار أفضل فيلم أجنبي»

من الفيلم البحريني «الشجرة النائمة»
من الفيلم البحريني «الشجرة النائمة»

لم يعد ممكنًا التنبؤ بمن يخرج بأوسكارات كل عام كما كان من الممكن سابقًا. تكاثرت الأفلام وتكاثرت الشخصيات وتداخلت الشروط الجديدة مع تلك القديمة بحيث أصبح من الصعب تحديد وجهة في أي من مسابقات الأوسكار المتعددة. ومع تعدد ضروب الإنتاج وتنوّع مصادره ازدادت كذلك المشكلات المتعلقة بتحديد الأولوية في هذا الخصوص.
في الوقت ذاته، كانت الأكاديمية ذاتها، تقوم بما يمكن تسميته بإصلاحات داخلية طوال السنوات القريبة الماضية، من توسيع رقعة الأفلام المرشّحة للأوسكار الرئيسي نفسه، إلى تحديد معالم الفيلم القصير على نحو أكثر تحديدًا إلى إدخال أذرع عمل إضافية من شأنها تسهيل المهمّة الشاسعة الملقاة على عاتق الأعضاء المنتخِبين.
مسابقة الأفلام الأجنبية (أي تلك الناطقة باللغة غير الإنجليزية على نحو كامل أو غالب) داخلتها ترميمات جديدة بدورها. من بينها قيام رئيس هذه المسابقة، مارك جونسون، بتخفيض عدد الأفلام التي على الأعضاء مشاهدتها. كذلك تم انتقاء أعضاء دون الخمسين سنة من العمر، بعدما كان الغالب أن يكون الأعضاء فوق ذلك السن، وذلك تجاوبًا مع الطروحات الجديدة والعناصر الإبداعية الأكثر تنوعًا في المواضيع والأساليب حاليًا.

جيل كبير وجيل صغير
ما كان سائدًا حتى عهد قريب، هو قيام فريق من أعضاء الأكاديمية (التي يشارف عددها على 6000 عضو) بالإعلان عن رغبتهم في الانضمام إلى الفريق الذي سيشاهد ويعاين الأفلام المرسلة من قِبل دولها ومؤسساتها الوطنية. كان السائد هو كبر عمر أعضاء هذا القسم وتمتّع معظمهم بشغف نحو الأفلام التاريخية وأفلام الحروب العالمية وتبعاتها، والأفلام المسرودة على نحو كلاسيكي يعكس قربًا من مفاهيم سائدة في هذا الشأن.
في هذا الصدد لا عجب أن الأفلام التسعة التي تم ترشيحها رسميًا للمخرج السويدي إنغمار برغمن من عام 1960 إلى عام 1984 لم يحظ منها أي فيلم بأوسكار أفضل فيلم. تجاوز المصوِّتون عن «فريز برّي» Wild Strawberry و«صرخات وهمسات» و«وجه لوجه» و«سوناتا الخريف» والأوسكار الوحيد الذي ناله برغمن هو أوسكار أفضل إخراج عن «فاني وألكسندرا» (1982) الأسهل سردًا وقبولاً من معظم أعماله الأخرى.
الإيطالي مايكل أنجلو أنطونيوني كان حظّه من ترشيحات الأوسكار فيلمًا واحدًا دخل القائمة الرئيسية، كونه ناطقًا باللغة الإنجليزية، وهو فيلم «انفجار» (1966) في حين لم يتم انتخاب أي من أعماله «الأسلوبية» الصعبة ضمن الأفلام الأجنبية ومنها «الصحراء الحمراء» و«المغامرة» و«الليل» و«الخسوف».
الجيل الأصغر يعرف أكثر في السينما الأجنبية ويقدّر الأوضاع الإنتاجية المحددة في كل بلد ناشئ أو تلك الإنتاجات التي يتم تحقيقها نشازًا عن السائد التجاري ويتعامل معها على نحو أفضل.
في العام الماضي، على سبيل المثال، نلحظ أنه على الرغم من تبوؤ ثلاثة أفلام أوروبية الترشيحات في مسابقة الفيلم الأجنبي، وهي الدنمارك وإيطاليا وبلجيكا، كان هناك مجال لدولتين صغيرتي القدرات تقعان خارج منظومة الإنتاجات المتعددة والسائدة هما كمبوديا التي مثلها فيلم «الصورة المفقودة» وفلسطين التي مثلها فيلم «عمر» لهاني أبو أسعد.
في مطلع هذا العام، تعدد وجود دول أوروبية (ثلاث أيضًا هي روسيا وإستونيا وبولندا، التي خرجت بأوسكار أفضل فيلم أجنبي عن «آيدا») لكن التحق بالترشيحات الرسمية الفيلم الموريتاني «تمبكتو» والأرجنتيني «حكايات خارق».

التجربة البحرينية
منذ سنوات قريبة باتت الخطوات المؤدية إلى إعلان ترشيحات الفيلم الأجنبي الرسمية أوضح من ذي قبل. فهي تنقسم إلى أربع مراحل:
الأولى هي تقدّم الدول بالأفلام التي تمثلها. الثانية: هي قيام نحو 400 عضو بمشاهدة ما تم تقديمه (نحو 70 فيلمًا في المتوسط).
الثالثة: هي تأليف القائمة الرسمية التي تتضمن خمسة أفلام فقط.
المرحلة الرابعة هي قيام كل أعضاء الأكاديمية بانتخاب الفيلم الرابح من بين الخمسة المرشّحة.
المطلوب من كل عضو في هذا النطاق مشاهدة ما لا يقل عن 16 فيلمًا ثم وضع إشارات استحسانه (من سبع درجات وما فوق حتى العشر درجات). ويقوم مارك جونسون وفريقه الصغير بإحصاء الأرقام الأعلى التي حصل عليها كل فيلم وبالتالي يتم الاختيار من بينها.
هذا يؤدي إلى انتخاب تسعة أفلام رسمية والإعلان عنها قبل الوصول إلى مرحلة خامسة لاحقة وهي التصويت على الأفلام التسعة لاختيار الخمسة في القائمة الرئيسية.
وتجدر الإشارة إلى أنه، وفي الأساس، لا يمكن قبول الأفلام المرسلة على هنّاتها، وهناك ما يخفق في دخول المرحلة الثانية منذ البداية. وفي بعض الأحوال لا يتضح السبب مطلقًا، كما حدث هذا العام مع الفيلم البحريني «الشجرة النائمة» للمخرج الشاب محمد راشد بوعلي: دراما اجتماعية حول عائلة من ثلاثة أشخاص تمر بمحنة بسبب ولادة غير صحية لولدها الوحيد نتج عنها نشأته مقعدًا.
الفيلم جيد في الفكرة والجوهر، مع متاعب في السرد والانتقال (غير الضروري) بين الأزمنة، وتم إرساله، حسب كاتبه وفيق رمضان ومخرجه بوعلي ممثلاً البحرين (للمرّة الأولى) في سباق أفضل فيلم أجنبي، لكن قائمة الأفلام التي أعلن عنها قبل أكثر من شهر، وتضم تلك التي تمثل دولها لم تنطوِ على الفيلم البحريني، والغالب أنه وصل متأخرا عن نهاية موعد القبول.
وقبل أيام استبعدت اللجنة الأكاديمية الفيلم الأفغانستاني «المدينة الفاضلة» (Utopia) لمخرجه حسن ناظر من قائمة المسابقة الأولى بسبب خرقه أحد الشروط الرئيسية، وهو أن تكون النسبة الغالبة من الفيلم، تعليقًا أو حوارًا، بلغة غير إنجليزية، في حين أن «المدينة الفاضلة» يستخدم اللغة الإنجليزية بنسبة كبيرة.
هذا أثار حفيظة جوانشير حيدري، رئيس اتحاد المخرجين الأفغانيين، الذي بعث على الفور بإيضاح للأكاديمية يقول فيه إن الفيلم يحتوي على 48 دقيقة ناطقة بالأردية والهندية و37 دقيقة فقط باللغة الإنجليزية.
وقبل ذلك، قامت الأكاديمية برد فيلم «الذئب الوثن» (The Wolf Totem)، بعدما لاحظت أن عددًا كبيرًا من الفنيين العاملين فيه، بينهم المخرج جان - جاك أنو، هم من الفرنسيين وليس من الصينيين. وعليه تم استبعاد الفيلم. لكن الوقت كان لا يزال متاحًا أمام الصينيين للاستبدال بحصانهم المرفوض حصانًا آخر فتم إرسال «ابتعد أيها السرطان»، الذي لم يداخله عنصر أجنبي على الإطلاق، والذي كان نال نجاحًا كبيرًا داخل الصين حين عرضه في أواسط هذه السنة.
هذا لم يتسنَّ للفيلم الأفغاني، إذ ورد الرفض من بعد انتهاء مهلة القبول، وذكر رئيس اتحاد المخرجين حيدري في رسالته أنه يأمل في أن تعيد الأكاديمية النظر في قرارها وقبول الفيلم.
الحال كما هو عليه الآن ومع وجود نخبة كبيرة من الأفلام الجيدة هذه السنة عليه أن ينتظر حتى صدور القائمة بالتسعة الناجحة في الانتقال من المرحلة الثانية إلى الثالثة. لكن المنتظر أن تكون الغالبية أوروبية كما الحال دائمًا.



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز