التحقيقات تكشف عن أدلة متزايدة على علاقة {داعش} في سوريا بهجمات باريس

تدقيق مكثف في 3 أشقاء يعيشون في بلجيكا كمشتبه بهم أساسيين في المؤامرة

ضباط الشرطة الفرنسية يحرسون قطارات العاصمة الفرنسية باريس بعد الهجمات (نيويورك تايمز)
ضباط الشرطة الفرنسية يحرسون قطارات العاصمة الفرنسية باريس بعد الهجمات (نيويورك تايمز)
TT

التحقيقات تكشف عن أدلة متزايدة على علاقة {داعش} في سوريا بهجمات باريس

ضباط الشرطة الفرنسية يحرسون قطارات العاصمة الفرنسية باريس بعد الهجمات (نيويورك تايمز)
ضباط الشرطة الفرنسية يحرسون قطارات العاصمة الفرنسية باريس بعد الهجمات (نيويورك تايمز)

على جانبي المحيط الأطلسي، جمّع التحقيق السريع في الهجمات الإرهابية الدامية على باريس أدلة يوم الأحد: اكتشاف سيارة محملة بالأسلحة في إحدى ضواحي باريس، ودليل متزايد على وجود علاقات بين تنظيم داعش في سوريا والمهاجمين، وتدقيق مكثف في ثلاثة أشقاء يعيشون في بلجيكا كمشتبه بهم أساسيين في المؤامرة المتقنة.
ومع تحرك المحققين على أصعدة متعددة، والمطاردة الجارية لمشتبه به مصنف بأنه خطير، في ظل بقاء أشياء كثيرة غامضة، تشير الأدلة على نحو متزايد إلى زيارة واحد على الأقل من المهاجمين الثمانية سوريا، حيث يمتلك تنظيم داعش معقله الرئيسي.
وقال المحققون إن المهاجمين الآخرين تواصلوا مع أعضاء معروفين في «داعش» قبل الهجوم المروع على باريس. ويحقق المسؤولون أيضا في إمكانية إرسال مواطن سوري للانضمام للمهاجمين، وأنه دخل أوروبا جنبا إلى جنب مع آلاف اللاجئين.
وذكر المسؤولون الفرنسيون أن أجهزة الأمن الأميركية نبهتهم في سبتمبر (أيلول) بمعلومات غامضة ولكن موثوق بها تفيد بأن الجهاديين الفرنسيين في سوريا كانوا يخططون لمثل هذا النوع من الهجوم.
وحفز هذا التنبيه – وفقا للمسؤولين – قرار فرنسا بشن ما أملت في أن تكون ضربات جوية استباقية يوم 8 أكتوبر (تشرين الأول) ضد الرقة، عاصمة «داعش» المزعومة في سوريا، حيث أطلقت فرنسا جولة جديدة وأكبر بكثير من الضربات الجوية ليل يوم الأحد – لكن هذه المرة على سبيل الانتقام.
وتمثل المذبحة التي خلفتها الهجمات في باريس - والتي أسفرت حتى الآن في مقتل 129 شخصا وإصابة المئات الآخرين - ثاني أكبر انهيار أمني لفرنسا في أقل من عام، بعد الهجوم الإرهابي في يناير (كانون الثاني) على مقر مجلة «شارلي إيبدو» الساخرة ومتجر كوشير.
لكن شدة التعقيد والتنسيق في الهجمات الأخيرة تشير إلى النمو والتطور المشؤوم بين الشبكات الإرهابية، بحسب مسؤولين أميركيين وفرنسيين.
وتوضح الهجمات أيضا كيف أن مثل تلك الشبكات العاملة في أوروبا تتغاضى عن الحدود الوطنية، ما يمثل تحديا آخر. ولفتت السلطات إلى أن معظم المهاجمين كانوا يعيشون حياة هادئة في بلجيكا حتى وهم يستعدون لضرب فرنسا.
وقال مسؤولون في الاستخبارات الأوروبية إن أحد المهاجمين الذين يعتقدون أنه سافر إلى سوريا هو إسماعيل عمر مصطفاي، مواطن فرنسي. فقد سافر إلى تركيا في عام 2012، وربما تسلل بعدها إلى سوريا.
وأعرب مسؤولون أوروبيون عن اعتقادهم أن مهاجمي باريس استخدموا نوعا من الاتصال المشفر، دون أن يقدموا أي أدلة على ذلك. وقال مسؤول أوروبي كبير مختص بشؤون مكافحة الإرهاب، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، لمناقشة معلومات سرية: «الافتراض العملي هو أن هؤلاء المهاجمين كانوا على علم تام بمسألة الأمن، ووضعوا في حسبانهم تعرضهم لمستوى معين من المراقبة، وتصرفوا وفقا لذلك».
وقال مسؤول فرنسي إن بعض هؤلاء المهاجمين أظهروا اتباعهم منهجا تدريبيا على غرار التدريبات العسكرية، وإن المؤامرة تضمنت تخطيطا كبيرا وإسهامات من جماعة منظمة.
لكن بعض المحللين أشاروا إلى فشل بعض جوانب الهجوم. فلم يتسبب الانتحاريون المرسلون للهجوم على استاد فرنسا - الذي كان يستضيف مباراة كرة قدم بين فرنسا وألمانيا في باريس – في وقوع أي ضحايا. وتفاخر تنظيم داعش أيضا بأنه نفذ هجوما في الحي الـ18، لكن ذلك لم يحدث قط. ولم تكن التفجيرات الانتحارية المستخدمة بواسطة ستة مهاجمين على الأقل متطورة، وفقا لبعض المحللين. ففي هجوم على مقهى في باريس، لم يفعل مهاجم أي شيء سوى قتل نفسه. وبالفعل، انفجر حزامه الناسف قبل الأوان وهو في طريقه لاستهداف الحي الـ18، بحسب مسؤولين.
وعلى الرغم من ذلك، اتفق المحللون ومسؤولو الأمن على أن استعداد المهاجمين لتنفيذ التفجيرات الانتحارية وللقتل باستخدام البنادق بلا هوادة يشير إلى مستوى جديد من الالتزام بتنفيذ هجمات في أوروبا. وقال آلان بوير، متخصص فرنسي في علم الإجرام، ويعمل في مجلس استشاري للحكومة: «هذه الهجمات منسقة». وأضاف: «لكن الشيء الكبير يتمثل في عزم المهاجمين. وهذا جديد على فرنسا وأوروبا». وصرح وزير الداخلية الفرنسي برنارد كازينوف بأن المهاجمين «تم إعدادهم في الخارج، وحشدوا فريقا من المشاركين في بلجيكا، والذين قد استفادوا – وسوف يخبرنا التحقيق المزيد عن ذلك – من التواطؤ في فرنسا».
ويكمن التحدي المباشر للمحققين في تحديد كافة المهاجمين، والتوصل إلى كيفية تنفيذهم هذه المؤامرة. ويقول المسؤولون الفرنسيون إن ستة مهاجمين ماتوا من جراء التفجيرات الانتحارية، والسابع مات في تبادل إطلاق نار مع الشرطة.
وتعرفت السلطات على أحد هؤلاء المهاجمين الذي مات عقب تفجير نفسه في قاعة الحفل الموسيقي «باتاكلان»، الذي أسفر عن مقتل 89 شخصا، وذلك بعد أن عثرت على إصبعه وطابقت بصماته بملف يدرجه كمتطرف وتهديد أمني محتمل. وكان المهاجم يدعى إسماعيل عمر مصطفاي، وهو مواطن من بلدة كوركورونيه في فرنسا، وكان يعيش في قرية شارتر التي تبعد نحو 60 ميلا جنوب غربي العاصمة باريس.
كان مصطفاي هو الأوسط بين خمسة أطفال مولودين لأب جزائري وأم برتغالية، وعمل ذات مرة في مخبز، وفقا لأحد الجيران السابقين في التنمية الإسكانية خارج شارتر.
وقال الجار، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته: «كان مصطفاي يعيش حياة عادية، مثل أي شخص آخر». وأضاف: «كان يلعب مع أطفالي. لم يتحدث أبدا عن الدين. كان شخصا عاديا. وكان يستمتع بحياته. وكان يضحك كثيرا».
ولأسباب غير واضحة، تغير مصطفاي. «كان ذلك في عام 2010. عندما بدأ في التطرف. لم نفهم ما حدث»، بحسب الجار.
وذكر المسؤولون الأوروبيون أن مصطفاي سافر إلى تركيا في عام 2012، وربما تسلل إلى سوريا. لم يكن من الواضح بالضبط أين ذهب خلال رحلته، أو المدة التي قضاها هناك، أو الأشخاص الذين التقى بهم، لكن المسؤولين واثقون من أنه دخل سوريا.
ومنذ استيلاء تنظيم داعش على مساحات شاسعة من سوريا والعراق في عام 2014، رصدت وكالات الاستخبارات مجموعة واسعة من الأحاديث عن مؤامرات محتملة، لكن الكثير منها لم يؤت ثماره. وذكر أحد المسؤولين: «كان لدينا بعض المؤشرات عن حدوث شيء ما، لكننا لم نمتلك معلومات كافية لاتخاذ إجراء لعرقلته. لم نكن نعرف موعد ومكان حدوث ذلك». وقال مسؤول آخر إنه كان واضحا أن «شيئا ما كان في مهب الريح، لكن لم تكن هناك تفاصيل».
* خدمة «نيويورك تايمز»



شرطة باريس: حركة احتجاج الطلاب خرجت عن السيطرة وأدعو للاحتجاج السلمي

شخص يمر بجوار آثار الدمار الذي لحق بالمنطقة في أعقاب الاشتباكات التي وقعت بين الشرطة والمتظاهرين خلال احتجاج طلاب المدارس الثانوية في باريس (إ.ب.أ)
شخص يمر بجوار آثار الدمار الذي لحق بالمنطقة في أعقاب الاشتباكات التي وقعت بين الشرطة والمتظاهرين خلال احتجاج طلاب المدارس الثانوية في باريس (إ.ب.أ)
TT

شرطة باريس: حركة احتجاج الطلاب خرجت عن السيطرة وأدعو للاحتجاج السلمي

شخص يمر بجوار آثار الدمار الذي لحق بالمنطقة في أعقاب الاشتباكات التي وقعت بين الشرطة والمتظاهرين خلال احتجاج طلاب المدارس الثانوية في باريس (إ.ب.أ)
شخص يمر بجوار آثار الدمار الذي لحق بالمنطقة في أعقاب الاشتباكات التي وقعت بين الشرطة والمتظاهرين خلال احتجاج طلاب المدارس الثانوية في باريس (إ.ب.أ)

قال قائد شرطة باريس، اليوم السبت، إن حركة الاحتجاج الطلابية التي انتشرت في أنحاء فرنسا أصبحت الآن «خارجة عن السيطرة» وحث المحتجين على العودة إلى الأساليب السلمية، محذراً من أن السلطات سترد بحزم على أعمال العنف والتخريب.

واشتبكت شرطة مكافحة الشغب مع طلاب المدارس الثانوية في أنحاء فرنسا أمس الجمعة، ودعت النقابات المعلمين إلى الإضراب في وقت تكافح فيه حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون لاحتواء الاحتجاجات متزايدة العنف بسبب أوضاع الفصول الدراسية والتمويل.

ومنذ يوم الاثنين، اعتقلت السلطات نحو خمسة آلاف شخص، معظمهم من المراهقين، في أنحاء البلاد وأصيب العشرات بجروح.

وقالت أجات فوكو، المتحدثة باسم الشرطة الوطنية، لمحطة (آر.تي.إل) الإذاعية اليوم السبت إن أكثر من 600 من أفراد الشرطة أصيبوا أيضاً.

وتعرض معلمون ومواطنون لهجمات في حين تقدر الأضرار التي لحقت بالممتلكات بعشرات الملايين من اليورو.

وقال باتريس فور قائد شرطة باريس في رسالة منشورة على منصة «إكس» قبل الاحتجاجات الجديدة المقررة ابتداء من الثلاثاء المقبل إن من أطلقوا هذه الحركة لم يعودوا يسيطرون عليها، ودعا الطلاب إلى التخلي عن إغلاق المدارس ووقف أعمال الشغب وتبني أشكال سلمية من الاحتجاج.

وكتب فور: «حان الوقت للعودة إلى أشكال العمل السلمي»، مشيراً إلى أن الآباء يتحملون أيضاً مسؤولية إبعاد أبنائهم عما وصفه بتأثير «المشاغبين المحترفين» ومؤيديهم.

ودعت النقابات الطلابية إلى تنظيم يوم وطني للاحتجاجات يوم الثلاثاء. ويخشى مسؤولو الأمن من أن تؤدي الاحتجاجات المنظمة في وسط باريس على وجه الخصوص إلى مزيد من العنف، وسط مخاوف من أن تستولي الجماعات الفوضوية المنتمية إلى تيار اليسار المتطرف على زمام الحركة.

وعبر الطلاب الذين يقيمون حواجز أمام المدارس الثانوية عن غضبهم من اكتظاظ الفصول الدراسية، والنقص المستمر في المعلمين، وتدهور حالة المباني، وأنحوا باللائمة في ذلك على نقص الاستثمار المستمر منذ سنوات.


أمطار غزيرة في كريت اليونانية تتسبب بفيضانات وأضرار

تغطي مياه الفيضانات سيارة وساحات منازل في قرية ميلينا بمنطقة بيليون وسط اليونان (أرشيفية_أ.ب)
تغطي مياه الفيضانات سيارة وساحات منازل في قرية ميلينا بمنطقة بيليون وسط اليونان (أرشيفية_أ.ب)
TT

أمطار غزيرة في كريت اليونانية تتسبب بفيضانات وأضرار

تغطي مياه الفيضانات سيارة وساحات منازل في قرية ميلينا بمنطقة بيليون وسط اليونان (أرشيفية_أ.ب)
تغطي مياه الفيضانات سيارة وساحات منازل في قرية ميلينا بمنطقة بيليون وسط اليونان (أرشيفية_أ.ب)

تسببت أمطار غزيرة وعواصف رعدية بفيضانات وأضرار جسيمة في كريت، ما استدعى إجلاء عدد من السياح من هذه الجزيرة اليونانية الشهيرة، وفق ما أعلنت السلطات السبت.

وقال إيمانويل فراغكوليس، رئيس بلدية إيرابيترا الواقعة على الساحل الجنوبي الشرقي لكريت التي تعرضت لأمطار غزيرة الجمعة والسبت: «اضطررنا لإجلاء بعض السياح، ونُقلت امرأة إلى المستشفى كإجراء احترازي».

وأضاف «نواجه مشاكل خطرة، فقد تراكمت كميات هائلة من المياه. وانقطعت الطرق وامتلأت بالحطام».

وفي خانيا التي تستقطب أعدادا كبيرة من السياح، تعرض الميناء الفينيسي القديم لأمواج عاتية، ما أدى إلى أضرار وتسبب بتعطيل نشاط المطاعم والمنشآت السياحية.

رجل يحمل أغراضاً شخصية في قرية بالاماس التي غمرتها الفيضانات بالقرب من مدينة كارديتسا بوسط اليونان (أرشيفية_أ.ف.ب)

ودعت أجهزة الحماية المدنية سكان عدد من المناطق بينها ميلوبوتاموس، وهي منطقة ريفية جبلية بالقرب من ريثيمنو (شمال غربي الجزيرة)، إلى الحد من تحركاتهم واللجوء إلى مناطق مرتفعة.

وذكرت هيئة الإذاعة والتلفزيون اليونانية أن 23 شخصاً حوصروا داخل سياراتهم على الطريق بين إيرابيترا وسيتيا، على الساحل الشمالي الشرقي.

وأعلنت هيئة الأرصاد الجوية اليونانية تفعيل «الإنذار الأحمر» في جزيرة كريت، وهو أعلى مستوى للإنذار، مع توقع استمرار هطول أمطار غزيرة وتسجيل عواصف رعدية في بعض المناطق.


تصريحات «معادية للسامية» تهزّ «التجمع الوطني» وتهدّد رهان لوبن الرئاسي

مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» مع جوردان بارديلا رئيسه خلال مشاركتهما في مسيرة ضد معاداة السامية بباريس في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» مع جوردان بارديلا رئيسه خلال مشاركتهما في مسيرة ضد معاداة السامية بباريس في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
TT

تصريحات «معادية للسامية» تهزّ «التجمع الوطني» وتهدّد رهان لوبن الرئاسي

مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» مع جوردان بارديلا رئيسه خلال مشاركتهما في مسيرة ضد معاداة السامية بباريس في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» مع جوردان بارديلا رئيسه خلال مشاركتهما في مسيرة ضد معاداة السامية بباريس في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)

يعيش حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف أزمة وجودية لم يكن يتوقعها أحد. فمارين لوبن، مرشحته إلى الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في الربيع المقبل، آخذة في صقل صورتها «الرئاسية» رغم الحكمين القضائيين اللذين صدرا بحقها وبحق حزبها، وآخرهما عن محكمة الاستئناف في 7 يوليو (تموز) الماضي. واستطلاعات الرأي المتواترة منذ أشهر تضعها في مقدمة المرشحين، لا بل تُرجّح فوزها برئاسة الجمهورية. وتفيد المعلومات المتوافرة بأن «التجمع الوطني» الذي يرأسه جوردان بارديلا، 31 عاماً، بصدد وضع اللمسات الأخيرة على برنامج الحكم وعلى توزيع المناصب الحكومية.

والمنصب الأول؛ أي رئاسة الحكومة، محصور في بارديلا. وسبق لمارين لوبن أن أكّدت مراراً أنها ستعينه رئيساً لأولى حكوماتها عند دخولها قصر الإليزيه. بيد أن الأخير أصيب بخيبة عندما أتاحت محكمة الاستئناف الترشح لزعيمة الحزب المطلقة، في حين كان يمنّي النفس بأن يكون هو المرشح بسبب متاعبها القضائية الثقيلة. غير أنه استدرك الأمر وعاد ليؤكد دعمه المطلق لزعيمته، وأنه بصدد التحضير للميزانية المقبلة في الوقت الذي تعاني فيه فرنسا من مديونية ساحقة تبلغ 3600 مليار يورو، ومن سعي الحكومة الحالية لتمرير ميزانية تقشفية. ولأن الحراك الطلابي قد انطلق في 21 من الشهر الماضي، ولأن الوسط واليمين التقليدي واليمين المتطرف دأبوا على اتهام حزب «فرنسا الأبية» وجان لوك ميلونشون، مرشحه الرئاسي، بدعم التصعيد الطلابي وما يصاحبه من عنف واشتباكات وحرائق... فإن لوبن وبارديلا وجدا في ذلك فرصة ذهبية لحملة سياسية محمومة ضد ميلونشون، المرشح لمواجهة لوبن في الجولة الرئاسية الحاسمة التي ستجرى يوم 2 مايو (أيار) المقبل.

الصاعقة غير المنتظرة

هذه كانت حالة المشهد السياسي حتى يوم الاثنين الماضي، عندما نشرت مجلة «ميديا بارت» الاستقصائية مقاطع من مراسلات جوردان بارديلا على منصة «ميسنجر» عندما كان عمره 17 و18 عاماً، والتي كتبها ما بين عامَي 2013 و2015.

مارين لوبن وجوردان بارديلا يشاركان في تجمّع انتخابي بليفان شمال فرنسا يوم 4 يوليو (أ.ب)

وما نُشر كان أثره كوقع الصاعقة على بارديلا ولوبن واليمين المتطرف؛ لأن المقتطفات تبرز بشكل واضح ميول بارديلا المزعوم لمعاداة السامية. بيد أن بارديلا سارع إلى نفي ما نُشر؛ لأنه «ملفّق»، وأنه «لم يكتبه بتاتاً»، وأن «(ميديا بارت) اليسارية ركبتها» للإساءة إليه، وهدفها «القضاء على مستقبله السياسي». وأفاد بارديلا، الذي نشرت لوبن مظلتها الواقية فوقه، بأنه تقدم «بشكل عاجل» بدعوى قضائية ضد المجلة المذكورة. بيد أن «ميديا بارت» عادت بعد ثلاثة أيام إلى نشر صور محادثات بارديلا وأكدت أنه تم التصديق عليها من قبل كاتب العدل.

ما جاء في المقتطفات، التي تقول عنها «ميديا بارت» إنها مأخوذة «من عشرات المحادثات المكتوبة»، والتي «جرى التحقق منها بشكل مستقل»، يعكس استعادة بارديلا لصور نمطية مسيئة لليهود.

مارين لوبن... ماذا بعد؟

منذ أن نشرت «ميديا بارت» مقتطفاتها، وبعد الإفصاح عن طريقة حصولها عليها والتأكد من صحتها، انصبت التحليلات على استشراف تبعاتها على حزب «التجمع الوطني»، وعلى مرشحته. ولكن قبل كل ذلك على مصير بارديلا نفسه.

ليس سراً أن مارين لوبن ورثت عن والدها جان ماري لوبن زعامة الحزب الذي كان يجر وراءه ذيول معاداة السامية والعنصرية. لوبن الأب كان معروفاً بعنصريته وبمعاداته للسامية. فمن تصريحاته مثلاً أن «محرقة اليهود كانت تفصيلاً» مما جرى في الحرب العالمية الثانية. وعندما اقتنعت مارين لوبن أن والدها سيكون عقبة كبرى في مسارها السياسي، فإنها لم تتردد في إخراجه من الحزب الذي عملت على تنظيفه من قدامى محازبيه وضخّ دماء جديدة إليه.

مارين لوبن وجوردان بارديلا يشاركان في مراسم استقبال البابا ليو في باريس يوم 26 سبتمبر (أ.ب)

هنا، جاء دور بارديلا الذي كان لفترة طويلة رفيق درب ابنة أخت مارين لوبن، ما سهّل له تسلق المناصب الحزبية سريعاً. وفي عام 2021 كلّفته لوبن برئاسة الحزب بالوكالة بسبب خوضها الانتخابات الرئاسية السابقة.

وفي العام التالي، تمّ انتخابه رئيساً أصيلاً بنسبة ساحقة؛ إذ حصل على 84.84 في المائة من أصوات أعضائه. وبارديلا هو أول رئيس لا ينتمي لعائلة لوبن يرأس الحزب الذي كان يسمى سابقاً «الجبهة الوطنية». ومن المعروف أن لوبن «استثمرت» في شخص بارديلا من خلال دورات تدريبية، وراهنت عليه لتحديث صورة حزبها. وعندما كانت تعتبر أنها ستُمنع قضائياً من الترشح للرئاسة، اختارته بديلاً عنها.

من هنا، يمكن فهم مسارعتها لمساندته وتسخير كل قدرات شخصيات حزبها للوقوف إلى جانبه. ويهدّد ما نشرته «ميديا بارت» بهدم كل العمل الذي قامت به لوبن لـ«تطبيع» حزبها ونزع صفة التطرف ومعاداة السامية عنه، وبالتالي يمكن أن ينعكس على نتائج حملتها الرئاسية.

والرأي الشائع لدى المحللين أن لوبن لن تستطيع، مستقبلاً وقبل حلول موعد الانتخابات، الاحتفاظ ببارديلا إلى جانبها، وأن ورقة الأخير قد «احترقت». ويتعين ترقب ما سيحصل خلال المؤتمر العام للحزب يومَي 24 و25 من الشهر الحالي في مدينة أورليان، حيث كان من المنتظر إعادة انتخاب بارديلا رئيساً.

صمت وانتقادات

ثمة تاريخ يتعين التوقف عنده، وهو 26 مارس (آذار) الماضي، حيث قام بارديلا بزيارة لإسرائيل بدعوة من حكومتها، وتحديداً من وزير شؤون الشتات أميخاي شيكلي بحجة المشاركة في مؤتمر دولي حول محاربة معاداة السامية.

جوردان بارديلا عند وصوله إلى ساحة «لا كونكورد» في باريس لحضور قداس البابا ليو الرابع عشر يوم 26 سبتمبر (رويترز)

وكانت المرة الأولى التي يزور فيها مسؤول حزبي من «التجمع الوطني» إسرائيل. واستفاد بارديلا من الزيارة للقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ورئيس الكنيست أمير أوحانا، وزار نصب «ياد فاشم» التذكاري للمحرقة اليهودية. واستفاد بارديلا من المناسبة ليعلن أن حزبه «أفضل درع حامٍ لليهود» في فرنسا، رابطاً بين «صعود تيار الإسلاموية في فرنسا وانتشار معاداة السامية»، ومعتبراً أن «كره اليهود ودولة إسرائيل يعد وبالاً عالمياً يتعين محاربته».

وقال بارديلا لصحيفة «جيروزاليم بوست»، خلال زيارته، إن فرنسا «تقف إلى جانب إسرائيل في حربها ضد الإرهاب الإسلاموي»، كما أعلن معارضته العام الماضي اعتراف باريس بـ«دولة فلسطين». ورأت الصحافة الفرنسية في زيارة بارديلا «خطوة استراتيجية» على درب التطبيع بين «التجمع الوطني» وإسرائيل.

كل ما سبق قد يذهب هباءً. فجوناتان عارفي، رئيس المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا، رأى أنه «إذا صحّت» التصريحات المنسوبة لبارديلا، فإن ذلك يُعدّ «نفياً ساطعاً» لاستراتيجية التطبيع بين «التجمع الوطني» والمجتمع اليهودي في فرنسا.

وبشكل عام، بقيت ردود فعلها محصورة وحذرة بعكس ما صدر عن الرئيس إيمانويل ماكرون، وعن أحزاب الوسط واليسار واليسار المتشدّد، الذين ندّدوا جميعهم بـ«نزعة بارديلا في معاداة السامية».

وكان لافتاً أن قادة حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي بقوا صامتين لحسابات محض انتخابية. ورئيسه ومرشحه للرئاسة الوزير السابق برونو روتايو غاب عن المشهد، والمرجح أنه لا يريد القطيعة مع اليمين المتطرف وهو طامع، على ما يبدو، في أن يجتذب أصوات بعض منتسبيه. ومن أشدّ المنتقدين إلى جانب اليسار بجناحَيه، المرشح الرئاسي أدورا فيليب، ووزير العدل جيرالد دارمانان، وكلاهما ندّد بقوة بتصريحات بارديلا، ولكن أيضاً باعتماده «الكذب» من خلال نفي صحة ما جاءت به «ميديا بارت».

وحتى الرئيس ماكرون علق على ذلك، خلال مؤتمر صحافي في مدريد يوم 30 سبتمبر (أيلول)، بقوله إن «التصريحات المذكورة بالطبع خطيرة للغاية وغير مقبولة، ولا تترك مجالاً للتعليق. إنها تتطلب أقوى إدانة ممكنة». وأضاف أنه «يتعين على الزعماء السياسيين توضيح الخطّ السياسي الذي يتخذونه، والتصريحات التي يعتبرونها مقبولة، والأفراد داخل حزبهم الذين قد يدلون بمثل هذه التصريحات».