الوصاية الأردنية على المقدسات الإسلامية.. «مفاوضات الظل»

الكنيست يدرس ضمها.. ورام الله اعترفت بحق عمان.. ولكن ماذا بعد قيام الدولة الفلسطينية

الوصاية الأردنية على المقدسات الإسلامية.. «مفاوضات الظل»
TT

الوصاية الأردنية على المقدسات الإسلامية.. «مفاوضات الظل»

الوصاية الأردنية على المقدسات الإسلامية.. «مفاوضات الظل»

«الحرم القدسي الشريف بأيدينا»، هذا ما أعلنه، موتيه غور، قائد اللواء 55، مباشرة بعد اقتحام الجيش الإسرائيلي للمسجد الأقصى في يونيو (حزيران) عام 1967. لكن عمليا، بعد 47 عاما، تشرف المملكة الأردنية الهاشمية، على كل كبيرة وصغيرة ضمن 144 دونما، تضم الجامع القبلي ومسجد قبة الصخرة، وجميع مساجده ومبانيه وجدرانه وساحاته وتوابعه فوق الأرض وتحتها والأوقاف الموقوفة عليه أو على زواره.
ومنذ مبايعة مسؤولين فلسطينيين وعرب، للشريف الحسين بن علي الهاشمي، عام 1924، بالوصاية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في مدينة القدس، رفضت المملكة الأردنية كل طلب أو محاولة أو سعي للتخلي عن هذا الدور، بل ظلت رعاية المملكة للمقدسات مطلبا ثابتا على الدوام؛ في ظل الحرب مع إسرائيل، وأثناء معاهدة السلام معها، وقبل وبعد فك الارتباط مع الفلسطينيين، وحتى بعد الاعتراف بالدولة الفلسطينية من الأمم المتحدة.
هذا الأسبوع فقط، أطلق نواب في الكنيست الإسرائيلي (البرلمان)، تصريحات تهدد هذا الوضع، لأول مرة بشكل مباشر ومستفز، في خطوة قد تؤدي إلى تدهور كبير في العلاقات الأردنية الإسرائيلية التي ظلت على المستوى الرسمي فاترة وعلى المستوى الشعبي باردة.
صحيح أن الكنيست لم تصوت على قرار قدمه النائب اليميني المتطرف موشيه فيغلين، لنقل السيادة على المسجد الأقصى من الحكومة الأردنية إلى الحكومة الإسرائيلية، لكنه على الأقل أخضع الأمر للنقاش، ووعد رئيس الكنيست يولي أدلشتين بالتصويت على الأمر مرة ثانية في وقت غير محدد، لحين التوصل إلى صيغة متفق عليها.
وأعطى النقاش في الكنيست مؤشرا لما يفكر فيه كثير من المسؤولين الإسرائيليين، «حين نهرب عن جبل الهيكل (الأقصى) فإننا نفقد شرعية وجودنا في تل أبيب، لا معنى لوجودنا هنا من دون هذا المكان»، قال فيغلين الذي طالب بفرض سيطرة إسرائيلية كاملة على الأقصى بدل السيادة الأردنية عليه، والسماح لليهود بالوصول إلى المكان والصلاة فيه في أي وقت ودون رادع. أيد أعضاء كنيست مقترح فيغلين، ورد عليه آخرون باتهامه أنه يخرب العلاقات بين إسرائيل والعرب.
وقالت النائبة في الكنيست، والناطقة السابقة بلسان الجيش الإسرائيلي، ميري ريغيف، «مصير الأقصى يجب أن يكون مثل مصير الحرم الإبراهيمي في الخليل، يجب تقسيم المكان بين المسلمين واليهود».
وتساءلت «لماذا يستطيع المسلمون الصعود إلى هناك والمناداة باسم الله ولا نستطيع نحن اليهود». وأردفت «سنجد أنفسنا من دون بيت إذا استمر ذلك».
هذا ما يريده الإسرائيليون في هذه المرحلة، الصلاة في المسجد الأقصى، وعلى المدى البعيد لا يخفون أن مكان المسجد يجب أن يعيدوا بناء «الهيكل»، لكن للأردن حسابات أخرى، فالمسألة ليست صلاة وحسب، وإنما دينية وتاريخية وسيادية وسياسية ومالية كذلك.
لكن لماذا الأردن تحديدا؟
قد يكون من البديهي أن تصبح الدولة التي تحتل القدس (إسرائيل) هي المسؤولة المباشرة عن المقدسات التي تقع تحت سيطرتها، وربما يعتقد البعض أن ذلك الدور منوط الآن بالسلطة الفلسطينية التي تشرف على باقي المساجد والمؤسسات في المدينة المقدسة والضفة الغربية، لكن واقع الأمر مختلف تماما، فالذراع الطولى للمملكة (الأوقاف الإسلامية) هي التي تقرر في كل كبيرة وصغيرة داخل أسوار المسجد الأقصى.
بدأت السيادة الأردنية على الأقصى منذ بيعة الشريف، عام 1924، وتنقلت في سنوات لاحقة لقيادات محلية فلسطينية، لكن بعد حرب عام 1948، وعندما أصبحت الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية تابعة للحكم الأردني، عادت الوصاية أردنية بلا منازع، وأعلن الحاكم العسكري الأردني استمرار سريان القوانين والتشريعات الأخرى المطبقة في فلسطين دون أن تتعارض مع قانون الدفاع عن شرق الأردن لعام 1935.
وبعد عام واحد، في 1949، أعادت الإدارة المدنية الأردنية نظام الحكم المدني إلى الضفة الغربية بموجب قانون الإدارة العامة على فلسطين، وفي عام 1950، تم توحيد الضفتين الغربية والشرقية لنهر الأردن رسميا، كما تم التأكيد على استمرار سريان القوانين السارية المفعول في الضفة الغربية في نهاية فترة الانتداب البريطاني إلى حين استبدالها بقوانين أردنية.
وظل ذلك ساريا حتى 1967، عندما احتلت إسرائيل القدس (الشرقية). غير أن هذا الاحتلال لم يمنح إسرائيل أي حقوق ملكية، لأن القاعدة المؤسسة جيدا في القانون الدولي تنص على أن الاحتلال لا يستطيع منح حقوق للملكية، ولمبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة ووجوب انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في حرب يونيو (حزيران) 1967 كما ورد في قرار مجلس الأمن رقم 242، وبناء عليه، وبعد مرور مدة قصيرة من سيطرة إسرائيل على الحرم القدسي الشريف، تم نقل السيطرة إلى الأردن مجددا.
ولم يتخل الأردن أصلا عن دوره التاريخي، ولم يسلم بالاحتلال على المدينة، ولا بحقه في السيادة على المقدسات، بل أكد على دوره في رعاية هذه المقدسات، في معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية التي وقعت في 26 أكتوبر (تشرين الأول) 1994، لكن الصراع الخفي على المقدسات والقدس، والضفة الغربية كلها، كان قد اشتعل قبل ذلك بكثير، بين الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية، التي ناضلت لعشرات السنين من أجل فك الارتباط مع الأردن باعتبارها ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني في كل أماكن وجوده، الضفة، القدس، قطاع غزة، والشتات.
قاوم الأردن ذلك بكل قوة، حتى اتخذ الملك الراحل حسين بن طلال قرارا كان مؤلما له شخصيا، بفك الارتباط عام 1988 مع الضفة الغربية إداريا وقانونيا، وتم ذلك بطلب من الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات الذي أعلن في نفس الوقت قيام دولة فلسطين، لكن العاهل الأردني صعب المراس، لم يفك الارتباط أبدا مع المقدسات.
أعطى عرفات للملك حسين حق الوصاية على المقدسات بشكل شفوي، قبل أن يعطي الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن)، العاهل الأردني عبد الله الثاني هذا الحق باتفاقية مكتوبة في نهاية مارس (آذار) من العام الماضي.
وقالت مصادر فلسطينية واسعة الاطلاع لـ«الشرق الأوسط» إن «اتفاقية الدفاع عن المقدسات كانت بطلب مباشر من العاهل الأردني الملك عبد الله شخصيا للرئيس الفلسطيني». وأضافت «طلب العاهل الأردني توقيع صك مكتوب بعد قليل من حصول فلسطين على اعتراف أممي بالدولة الفلسطينية». وربما أراد الملك الأردني قطع الشك باليقين وتأكيد أن لا تغيير قانونيا حصل أو سيحصل على وضع المقدسات.
كيف وقع أبو مازن
في 31 مارس (آذار) عام 2013، حطت طائرة أردنية خاصة بشكل فجائي في مقر الرئاسة الفلسطينية في رام الله، وكان الهدف نقل الرئيس الفلسطيني إلى عمان ليوقع اتفاقا مهما، ثم إعادته إلى رام الله بعد ساعات قليلة.
حصل ذلك من قبل مرة واحدة عندما هدد أبو مازن بحل السلطة، فوصلت طائرة عسكرية أردنية على عجل من أجل مباحثات مصيرية.
ذهب عباس وعاد في نفس اليوم بعد توقيع اتفاق يفوض الأردن في رعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية بالقدس الشرقية المحتلة، التي تنادي بها السلطة عاصمة للدولة الفلسطينية.
في ذلك الوقت أثارت هذه العجالة في التوقيع، تساؤلات شتى حول أهمية هذا الاتفاق وتوقيته وتبعاته القانونية والسياسية، خصوصا بعد حصول فلسطين على دولة غير عضو في الأمم المتحدة، ولأنها تحول اتفاقا شفويا سابقا إلى اتفاق مكتوب للمرة الأولى.
يقول وزير الأوقاف الفلسطيني، محمود الهباش، إن الاتفاق كان دينيا صرفا ولا يحمل أي أبعاد سياسية مطلقا. وأضاف، لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق أكد شيئا كان قائما منذ سنوات. منذ عام 1967 منذ احتلت إسرائيل القدس، احتفظ الأردن بمسؤوليته عن الأوقاف الإسلامية والمقدسات، وعندما قرر الملك الراحل الحسين بن طلال فك الارتباط (في عام 1988)، ظل (هذا الأمر) قائما، وبموافقة منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها ممثل الشعب الفلسطيني، والاتفاق الأخير يؤكد ذات المضامين وذات الإبعاد. لم تغير شيئا ولم تضف شيئا جديدا».
أما لماذا مكتوب، فقال الهباش «إن الاتفاق كتب من أجل تشكيل غطاء قانوني للطرفين وحتى يتمكن الطرفان من التحرك معا، وبشكل مشترك، لحماية القدس عبر المؤسسات الدولية».
وردا على سؤال لماذا بعدما تحولت فلسطين إلى دولة قادرة على التحرك، أوضح الهباش: «للأردن وضع مختلف، نحن لا نتحرك في ظروف طبيعية مواتية، صحيح الدولة اعترف بها العالم، لكنها لم تتجسد على الأرض، ولا نريد أن نعطي ذرائع للاحتلال بالتنكر للحق الفلسطيني مثلما يتنكر للدولة».
ولم يجد الهباش تناقضا بين مبايعة الملك الأردني مجددا على المقدسات، والقول إن السيادة على المكان، فلسطينية، وقال: «الاتفاق ضمنيا يؤكد روح ما اتفق عليه عام 1988 باستمرار الإشراف الأردني على القدس، حتى تحرير فلسطين وإقامة دولة فلسطين لترد هذه الأمانة إلى الدولة الفلسطينية».
لم يسلم الأمر من انتقادات فلسطينية داخلية، واتهامات لأبو مازن بالتخلي عن دوره في المكان الأهم على الإطلاق «العاصمة»، لكنه عقب لاحقا بشكل مختصر، «منذ عام 1988، اتفقنا على أن مسؤولية الأوقاف الإسلامية تتبع الأردن، وهي في الأصل كذلك، وإن الأردن سيستمر في تحمل مسؤولياته وهو مستمر في ذلك إلى الآن، والسيادة لنا على كامل الأرض الفلسطينية، وهذا لا نقاش فيه».
لم تعقب إسرائيل التي كانت على علم بالاتفاق وكأن الأمر لا يعنيها آنذاك. لكن مسؤولين أعادوا التركيز مؤخرا على ما وصفوه بـ«سياسة الصمت والتستّر في جميع أروقة الجهات الرسمية تجاه الوضع القائم في المسجد الأقصى».
وترجم ذلك بنقاش الكنيست الأخير والمتواصل الذي رد عليه البرلمان الأردني بالتوصية بالإجماع على طرد السفير الإسرائيلي من عمان في الوقت الذي هدد فيه رئيس الوزراء الأردني عبد الله النسور بإلغاء معاهدة السلام بين البلدين.
صحيح أن ثمة أطماعا ورغبات مختلفة تجاه الأقصى، ولكن على الأرض، يضع الأردن اليوم قوانينه الخاصة التي لا يخرقها سوى القوة الإسرائيلية عبر اقتحامات متكررة للمكان. يكلف المسجد الأقصى، وزارة الأوقاف الأردنية، كل عام نحو سبعة ملايين دينار أردني، إضافة إلى تكلفة مشاريع المبادرات الملكية التي يتم تنفيذها لإعمار وترميم المسجد الأقصى المبارك ومرافقه المختلفة والتي تزيد على 3.5 مليون دولار بتبرع شخصي من الملك عبد الله الثاني، ومن بين الأماكن التي تشرف عليها الأوقاف الأردنية، عشرات المدارس التابعة للمسجد.
«لا أحد يمكن له أن يغير الأمر الواقع في هذه المرحلة» قال مسؤول فلسطيني لـ«الشرق الأوسط». وأضاف «وحده قيام دولة فلسطينية بشكل واقعي يمكن أن يغير هذه الأمر». لكن شكل الاتفاق بين الأردن والسلطة في حال قيام الدولة حول المسجد يبقى غامضا. وقال المسؤول إن ثمة سيناريوهات مختلفة للتعاون، أهمها قيام كونفيدرالية بين فلسطين والأردن.
وفي مرات سابقة، ناقش الرئيس الفلسطيني محمود عباس مع العاهل الأردني مسألة الكونفيدرالية هذه، ورد الملك «في حالة قيام الدولة الفلسطينية لكل حادث حديث».
لمحات تاريخية:
حول تاريخ هذه الوصاية، يقول الأمين العام للجنة الملكية لشؤون القدس، عبد الله كنعان، إنها انطلقت عام 1924، حينما أرسل رئيس المجلس الإسلامي الأعلى في فلسطين الحاج أمين الحسيني رسالة إلى الأمير عبد الله بن حسين طالبا منه أن يكون وصيا ومشرفا على عمارة المقدسات الإسلامية في القدس، وصيانته من الأخطار المتراكمة من جراء طول الزمن وغياب الأسس الهندسية الصحيحة في الإعمارات السابقة حيث تبرع بـ38 ألف ليرة ذهبية من ماله الخاص إضافة إلى تبرعات قدمت من العراق والهند وعدد من الدول الإسلامية.
ويشير كنعان لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنه كان يجري التنسيق في أعمال الإعمار بين الحاج أمين الحسيني والأمير عبد الله بن الحسين الذي كان أميرا على إمارة شرق الأردن من خلال رسائل متبادلة بين الطرفين، ويوجد بعض هذه الرسائل في أرشيف لجنة إعمار المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة.. ثم انتقل هذا الدور من الشريف الحسين بن علي إلى ابنه الملك عبد الله ثم إلى الملك الراحل الحسين بن طلال واستمر إلى عهد الملك عبد الله الثاني بن الحسين.
فالدور الأردني الهاشمي في الحفاظ على المسجد الأقصى المبارك وحماية مقدساته وإعمارها وصيانتها قد مرّ بمراحل طويلة زادت على الثمانية عقود، وهو مستمر رغم الظروف السياسية الصعبة والمعقدة. أما بالنسبة إلى المقدسات المسيحية فقد منح الهاشميون خلال فترة حكمهم للضفة الغربية من 1967 - 1952 الحرية المطلقة للطوائف المسيحية المختلفة لصيانة وإعمار كنائسهم وأديرتهم. وتم إعمار كنيسة القيامة خلال العهد الهاشمي وقبل الاحتلال الإسرائيلي في عام 1967 إعمارا شاملا شمل القبة والجدران.
ويقول مراقبون إن الأردن لا ينظر للقضية الفلسطينية والقدس على أنها قضية قومية أو قضية تخص طرفا دون آخر، فهي قضية وطنية أردنية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالأمن الوطني الأردني. ولم يكن قرار الأردن بفك الارتباط الإداري والقانوني مع الضفة الغربية باستثناء القدس والأماكن والمقدسات الإسلامية في الضفة الغربية إلا لسحب البساط من تحت أقدام جميع الراغبين في اللعب على التناقض الفلسطيني - الأردني، بشأن السيادة على الضفة الغربية والقدس وصد الأبواب أمام كل الساعين إلى توريط الأردن في تسويات بدلا من الفلسطينيين، ويعزز الثقة بين القيادتين الأردنية والفلسطينية ويؤسس لعلاقات أردنية - فلسطينية متكافئة وأخوية لها صفة الديمومة والسعي نحو علاقة مؤسسية مستقبلية بين شعبي البلدين وبملء إرادتهما الحرة، ويلغي إلى الأبد فكرة الوطن البديل. وقد استثنيت القدس من قرار فك الارتباط القانوني والإداري حفاظا على أماكنها المقدسة الإسلامية والمسيحية وتجاوبا مع واجب الهاشميين التاريخي في الوصاية على هذه المقدسات ورعايتها وهو ما كرسته اتفاقية الوصاية التي وقعها العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني والرئيس الفلسطيني محمود عباس في مارس العام الماضي لتكريس شرعية وقانونية هذه الوصاية الممتدة عبر التاريخ.
وقد حظيت القدس والمسجد الأقصى المبارك برعاية خاصة من الهاشميين من خلال أربعة إعمارات متميزة وعظيمة للمسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة في إطار عنايتهم الشاملة للمدينة المقدسة. ويعزز الإعمار الهاشمي في المدينة الهوية العربية الإسلامية لها في شقيها العمراني بإعادة بناء واستدامة المقدسات فيها وتقديم الدعم المالي والمعنوي بما يسهم في الإبقاء على أهلها صامدين.
فكانت الصناديق الهاشمية ولجان الإعمار الموجهة لهذه الغاية دلائل على نهوض القيادة الهاشمية بدورها الديني والتاريخي في استكمال مسيرة العهد والولاء لمدينة المساجد.
ويرى كنعان أن الدوافع الداخلية الأردنية والفلسطينية التي أملت هذه الاتفاقية من خلال تبديد الشكوك المتبادلة لدى الطرف الفلسطيني والأردني من خلال ضم كل منهما عضوا من الطرف الآخر في مفاوضاته مع إسرائيل التي كانت تعمل على الدوام على زرع الشكوك واستنبات عدم ثقة كل طرف بالآخر.
- رفض الأردن أن يكون بديلا للفلسطينيين في مفاوضات السلام ومقاومته بنجاح لكل محاولات استدراجه إلى الفخ الإسرائيلي بإغرائه باستعدادها لإعادة أجزاء من الضفة الغربية إليه ليكون الدرع الأمني لها في مواجهة الفلسطينيين.
- رفض الطرف الفلسطيني شعبا ومنظمة وفصائل كل محاولات إسرائيل لاستدراجه إلى الفخ الإسرائيلي من خلال مغريات الوطن البديل.
- امتناع الأردن على اللعب على الخلافات الفلسطينية الفلسطينية وانتهاجه سياسة تصالحية على صعيد الداخل الفلسطيني والعمل على إقناع الوسيط الأميركي والإدارات الأميركية المتعاقبة بأن مصالحها الحيوية الإقليمية والدولية تقتضي منها الضغط على إسرائيل لتمرير حل الدولتين بدولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة كاملة وقابلة للحياة على حدود الرابع من يونيو عام 1967م وعاصمتها القدس الشرقية، وهو ما نجح فيه إلى حد كبير. إذ إن الإدارات الأميركية على قناعة تامة بتشخيص الملك عبد الله الثاني لأم المشكلات وهي القضية الفلسطينية والطريق الموصل إلى حلها لا يمكن له أن يتعدى إقامة الدولة الفلسطينية بعاصمتها القدس الشرقية. كل هذه العوامل ساهمت في تبديد شكوك كل طرف بالآخر وعززت الثقة المتبادلة بين الطرفين وفتحت الطريق أمام تنسيق كامل لسياسة البلدين تجاه القضية الفلسطينية ودولتها المنتظرة، الأمر الذي بلغ قمته في توقيع هذه الاتفاقية.
ويضيف كنعان أن الأردن أثبت من خلال استثنائه للمقدسات الإسلامية وفي مقدمته المسجد الأقصى بمساحته الكاملة (144) دونما بأنه قادر على الحيلولة دون تمكن إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، من وضع يدها على الأقصى والمقدسات الإسلامية وإلحاقها بوزارة الأديان الإسرائيلية. وهو قادر على الاستمرار في أداء واجبه الوطني والقومي والإسلامي نحوها لا سيما إذا تلقى الدعم اللازم من الأشقاء العرب والمسلمين ومن محبي السلام على الصعيد الدولي.
ويرى كنعان أن تراجع الكنيست عن مناقشة سحب الوصاية الأردنية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، جنب إسرائيل ليس غضب المسلمين والمسيحيين فقط بل غضب المجتمع الدولي والدول الكبرى بالذات التي تحاول جاهدة عقد اتفاقية سلام دائم بين العرب وبينها من خلال قيام دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
وأعرب كنعان عن أسفه بسبب التقصير العربي والإسلامي تجاه القدس وفلسطين.. متسائلا: أين تنفيذ قرارات القمم العربية والإسلامية فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وبالقدس والمقدسات بالذات، مشيرا إلى أن الملايين التي تم تخصيصها من أجل القدس في قمة سرت والبالغة 500 مليون دولار لم يصل منها إلا نحو 40 مليون دولار أما المليار دولار التي خصصتها قمة الدوحة الأخيرة «فلا ندري كم وصل منها».

* نص اتفاقية الدفاع عن القدس
* نص اتفاقية الدفاع عن القدس والمقدسات بين رئيس دولة فلسطين محمود عباس، والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، في 31 مارس (آذار) 2013:
يعمل جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين بصفته صاحب الوصاية وخادم الأماكن المقدسة في القدس على بذل الجهود الممكنة لرعاية والحفاظ على الأماكن المقدسة في القدس وبشكل خاص الحرم القدسي الشريف وتمثيل مصالحها في سبيل:
(‌أ) تأكيد احترام الأماكن المقدسة في القدس.
(‌ب) تأكيد حرية جميع المسلمين في الانتقال إلى الأماكن المقدسة الإسلامية ومنها وأداء العبادة فيها بما يتفق وحرية العبادة.
(‌ج) إدارة الأماكن المقدسة الإسلامية وصيانتها بهدف:
(1) احترام مكانتها وأهميتها الدينية والمحافظة عليهما.
(2) تأكيد الهوية الإسلامية الصحيحة والمحافظة على الطابع المقدس للأماكن المقدسة.
(3) احترام أهميتها التاريخية والثقافية والمعمارية وكيانها المادي والمحافظة على ذلك كله.
(‌د) متابعة مصالح الأماكن المقدسة وقضاياها في المحافل الدولية ولدى المنظمات الدولية المختصة بالوسائل القانونية المتاحة.
(‌هـ) الإشراف على مؤسسة الوقف في القدس وممتلكاتها وإدارتها وفقا لقوانين المملكة الأردنية الهاشمية.
2 - 2 يستمر ملك المملكة الأردنية الهاشمية، بصفته صاحب الوصاية وخادم الأماكن المقدسة في القدس ببذل المساعي للتوصل إلى تنفيذ المهام المشار إليها في المادة 2 - 1 من هذه الاتفاقية.
2 - 3 تعترف منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية بدور ملك المملكة الأردنية الهاشمية المبين في الفقرتين (1) و(2) من هذه المادة الثانية وتلتزمان باحترامه.
المادة الثالثة:
3 - 1 لحكومة دولة فلسطين، باعتبارها المجسدة لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ممارسة السيادة على جميع أجزاء إقليمها بما في ذلك القدس.
3 - 2 يسعى ملك المملكة الأردنية الهاشمية، والرئيس الفلسطيني للتنسيق والتشاور حول موضوع الأماكن المقدسة كلما دعت الضرورة.
تم تحرير هذه الاتفاقية باللغة العربية وتوقيعها في العاصمة الأردنية عمان هذا اليوم الواقع في 19 جمادى الأول 1434 للهجرة الموافق لـ31 آذار 2013 ميلادية



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».