وزير الخارجية الليبي: طموح إيراني سياسي ومذهبي وعسكري لإيجاد موطئ قدم في ليبيا

الداير قال لـ {الشرق الأوسط} إن مجموعات مسلحة وصلت إلى بلادنا عبر الجو بعد الضربات الروسية في سوريا

وزير الخارجية الليبي محمد الداير
وزير الخارجية الليبي محمد الداير
TT

وزير الخارجية الليبي: طموح إيراني سياسي ومذهبي وعسكري لإيجاد موطئ قدم في ليبيا

وزير الخارجية الليبي محمد الداير
وزير الخارجية الليبي محمد الداير

قال محمد الداير، وزير الخارجية الليبي، إن الدبلوماسية السعودية، ساهمت في رفع التحفظات بعض دول أميركا الجنوبية خلال القمة الرابعة للدول العربية ودول أميركا الجنوبية، حول دعم المؤسسات العسكرية والأمنية الخاضعة للحكومة المعترف بها من الأمم المتحدة، مؤكدًا أن الرياض تؤيد عملية الاستقرار السياسي واستتباب الأمن في ليبيا.
وأوضح الداير في حوار لـ«الشرق الأوسط» عقب اختتام قمة الرياض، أن هناك طموحا إيرانيا، سياسيا ومذهبيا وعسكريا منذ 2011، للوجود في ليبيا، والبحث عن موطئ قدم لطهران في طرابلس، لكن هذا الوجود انحسر بعد ذلك، لكن الدور الإيراني في سوريا واليمن والعراق يقلق بلادنا.
وأكد الداير، أن هناك معلومات دقيقة عن تدفق مجموعات مسلحة خلال الفترة الأخيرة، خرجت من سوريا ووصلت إلى ليبيا، بعد الضربات الروسية في سوريا، وذلك عن طريق الجو، وأن تنظيم داعش يريد جعل ليبيا ملاذا آمنا لهذه الجماعات الإرهابية، التي تواجه تحديات مطردة في سوريا والعراق.
وأضاف: «هناك معلومات تحصلنا عليها، عن وجود معسكرات تدريب في غرب ليبيا، تقوم بتدريب التونسيين للقيام بعد ذلك بعمليات إرهابية، على الأراضي التونسية، حيث إن (داعش) يمثل خطرا داهما ويبعث على قلقنا». وأشار وزير الخارجية الليبي إلى أن استمرار الأزمة الاقتصادية الحالية في ليبيا، يمثل خطرا كبيرا.
* أصر المجتمعون في اختتام أعمال القمة الرابعة للدول العربية ودول أميركا الجنوبية على وجود ليبيا ضمن القضايا العربية، ما رد الفعل الشارع الليبي حول ذلك؟
- البيان الختامي لأعمال القمة الرابعة للدول العربية ودول أميركا الجنوبية، أشار إلى عدد من القضايا المهمة، مثل القضية الفلسطينية، وهي قضيتنا العربية، وكذلك سوريا، وأيضا الجزر الثلاث في الإمارات، كما تضمن إشارة إلى الوضع في ليبيا، ونثمن عاليا إصرار المجتمعين في البيان الختامي، على دعم المسار التفاوضي الذي تقوده الأمم المتحدة للخروج بليبيا من أزمتها السياسية، والانفلات الأمني الذي تعاني منه، ومن أزمة اقتصادية حادة، ومن انتشار مطرد لـ«داعش» في ليبيا.
* ولكن كانت هناك تحفظات من قبل بعض دول أميركا الجنوبية على ليبيا؟
- بعد الانتهاء من كلمات الوفود في اجتماع وزراء خارجية الدول العربية ودول أميركا الجنوبية، علمنا بوجود تحفظ فنزويلي بالنسبة إلى الإشارة إلى ليبيا، خصوصا في دعم المؤسسات العسكرية والأمنية الخاضعة للحكومة المعترف بها من الأمم المتحدة، وهي الحكومة المؤقتة المنبثقة عن مجلس النواب الذي أنتمي إليها.
وعقدت مشاورات مكثفة قادها عادل الجبير، وزير الخارجية السعودي، بمهنية، وكياسة دبلوماسية رائعة، عندما تحدث مع مندوبي أميركا الجنوبية، فيما يخص تحفظاتهم حول سوريا، والإمارات، وليبيا، لا سيما أن الوزير الجبير، أكد بالجلسة العامة أن القضايا الثلاث، تمثل خطوطا حمراء بالنسبة للعرب، وخلال رفع الجلسة، تمكنا بمساعدة وزير الخارجية السعودي، من رفع التحفظات والدفع قدمًا بإعلان الرياض، دون أي تحفظات، الأمر الذي يعد انتصارًا للدبلوماسية العربية، خصوصا الدبلوماسية السعودية.
* وما نوعية تحفظات فنزويلا على ليبيا؟
- تحفظات على ما جرى في ليبيا منذ 2011، والجميع يعلم أن فنزويلا كانت لديها علاقات متميزة مع نظام القذافي، وكانت لديها أيضًا تحفظات ضد التدخل الدولي في ليبيا في ذلك الوقت، الذي مكّن الثوار من الانتصار على نظام العقيد معمر القذافي، فلم ترد فنزويلا أن تسجل دعمًا لمؤسسات عسكرية وأمنية، لحكومة جاءت لتسقط نظام القذافي، وهذا هو بعض التحفظ الذي جاء، وقد جلست مع زميلتي وزيرة خارجية فنزويلا، وشكرتها على رفع التحفظ، وسردت لها ما يتم في ليبيا منذ 2011 وحتى هذا اليوم، والتحديات التي نواجهها وضرورة تكاتف الجهود العربية، وكذلك دول أميركا الجنوبية، من أجل مساندة ليبيا في أزمتها السياسية والأمنية الراهنة.
* هل أبدت فنزويلا مجالا للتعاون بين البلدين في أي من القطاعات؟
- هذا الموضوع لم يطرح بهذا الشكل في الوقت الراهن، ولكن نأمل أن نتمكن في المستقبل من مد جسور مع دول أميركا الجنوبية، خصوصا فنزويلا، لكي نبدد الغيوم التي سادت علاقتنا في السنوات الأربع الماضية عقب انتصار ثورة 17 فبراير في ليبيا.
* ما الدول التي وقفت إلى جانب فنزويلا حينما أبدت تحفظها على ليبيا؟
- أعتقد أن التحفظ كان محصورا على فنزويلا، وكان وضع الإكوادور مترددا بين هذا وذاك، لكن عملية المفاوضات أزالت التحفظات، ولم تأخذ وقتا طويلا.
* أجريتم لقاءات سياسية على هامش القمة، هل هناك تعاونات مستقبلية مع الدول الذين التقيتم بوزرائها؟
- كان هناك لقاء مع سامح شكري، وزير الخارجية المصري، وتضمن اللقاء تدارس كيفية الوصول إلى إقرار الاتفاق النهائي للوفاق الوطني خلال الأيام المقبلة، الذي تقوده الأمم المتحدة، ويتم في الصخيرات في المغرب، وكل محاور هذه الاجتماعات، ونأمل أيضا أن نستمر في هذه الوتيرة التي يؤكد عليها الأشقاء العرب، قبل أن يؤكد عليها شركاء آخرون في المجتمع الدولي، ونحن نثمن هذا الاهتمام العربي.
وكان من المفترض أن ينضم إلينا في هذا الاجتماع الثنائي، عادل الجبير، وزير الخارجية السعودي، وناصر جودة، وزير الخارجية الأردني، إلا أنه نظرًا لانشغالهما في التحضير للجلسة الافتتاحية، للقمة العربية ودول أميركا الجنوبية، لم يتمكنا، ونحن على يقين أن السعودية والأردن، يؤيدان المواقف العربية التي تم التعبير عنها، من قبل الإمارات ومصر.
* هل هناك تطمينات سعودية للاستقرار السياسي في ليبيا؟
- خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، التقى مع المستشار عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، وكنت حاضرا بالاجتماع، وسمعنا تطمينات واضحة، وأبدينا الارتياح لما ذكره الملك سلمان بن عبد العزيز، من ناحية تأييد السعودية لعملية الاستقرار السياسي واستتباب الأمن في ليبيا، بحيث تستطيع ليبيا أن تقوم من جديد بتحمل أعبائها وترجع الأوضاع سليمة سلمية، وليس كما هي الآن، من الانقسام والتشرذم السياسي، الموجود في ليبيا حاليا، إضافة إلى التحديات الأخرى التي نعانيها من جراء انتشار تنظيم داعش.
* هل كمية السلاح الموجودة على الأرض في ليبيا كبيرة؟
- للأسف، كمية السلاح كانت كثيرة منذ 2011، وهي تشكل أحد التحديات الكبيرة التي تواجهنا في الشق الأمني، والقضايا التي تعالجها حكومة الوفاق الوطني مستقبلاً.
* متى تتوقعون السيطرة عليها؟
- بعد تشكيل الحكومة وعودتها إلى العاصمة طرابلس، ستكون هناك تحديات فورية وآنية، وهي الترتيبات الأمنية في العاصمة الليبية، ولكن بعد ذلك هناك ضرورة ملحة للتعرض إلى هذا الشق الأمني، من ناحية حمل السلاح، وتفكيك الجماعات المسلحة الخارجة عن إطار القانون والشرعية، وهذا جهد أساسي، ينبغي أن تبذله حكومة الوفاق الوطني، وهناك تطمينات جاءتنا من المجتمع الدولي، خصوصا الأشقاء العرب، على التأكيد على وجود هذا الجهد المتميز الذي ينبغي بذله بالتعاون مع المجتمع الدولي، من أجل جمع السلاح.
* كيف تقيم الوضع الأمني في بلادكم؟
- شديد الخطورة، خصوصا أن هناك تشكيلات مسلحة خارجة عن إطار القانون من ناحية، ولكن الخطر هو تمدد «داعش» في مناطق جديدة في ليبيا، تقليديًا كان تنظيم داعش موجودا في مدينتي درنة، وبنغازي، والآن للأسف يوجد في مدينة سرت، ومنذ أسابيع يحاول التنظيم التمدد في إجدابيا في شرق ليبيا، فضلا عن وجود بؤر لـ«داعش» قرب مدينة طرابلس، ومدينة سبراطة في غرب ليبيا، وهو ما يشتكي منه الأشقاء في تونس.
وهناك معلومات تحصلنا عليها، عن وجود معسكرات تدريب في غرب ليبيا، تقوم بتدريب التونسيين للقيام بعد ذلك بعمليات إرهابية على الأراضي التونسية، فـ«داعش» يمثل خطرا داهما ويبعث على قلقنا، لا سيما أن هذا هو قلق إقليمي مصري جزائري تونسي، وكذلك أوروبي، حيث تخشى بعض الدول الأوروبية انعكاسات وتداعيات سلبية من هذا الوجود الداعشي في ليبيا على أمنها مستقبلاً.
* هناك هجرة معاكسة لـ«داعش» إلى ليبيا..؟
- مقاطعًا.. هذه الهجرة تهدد دول الجوار، ما يدعو إلى قلقنا المتزايد، هو أن هناك معلومات دقيقة عن تدفق مجموعات مسلحة خلال الفترة الأخيرة، خرجت من سوريا ووصلت إلى ليبيا، وذلك بعد الضربات الروسية، عن طريق الجو، كما يتزايد القلق من بعض التصريحات من تنظيم داعش في سوريا والعراق، مفادها جعل ليبيا ملاذا آمنا لهذه الجماعات الإرهابية، التي تواجه تحديات مطردة في سوريا والعراق.
والانفلات الأمني وعدم الاستقرار في ليبيا يجعلان – للأسف - من أراضينا مرتعًا لهذه الجماعات التي تأتي، وتتمركز عدة جماعات في أراضينا الشاسعة، ومن ثم فإن الوفاق الوطني وحكومة الوفاق يمثلان في نظرنا أولية ليبية، حكومة واحدة تستطيع الحصول على دعم دولي من ناحية العتاد العسكري والسلاح اللازم لمحاربة الإرهاب.
وكما تعلم فإن مجلس الأمن، أصدر القرار رقم 2214 في مارس (آذار) الماضي، وتضمن رفع القيود على تسليح الجيش الليبي، ولكن المجتمع الدولي يربط هذا القرار بتشكيل حكومة وفاق وطني، فهناك حكومة في طرابلس تدعي الشرعية من أطراف معارضة لنا، وهي حكومة الإنقاذ الوطني، وهناك حكومة شرعية معترف بها دوليًا في البيضاء في شرق ليبيا التي أنتمي إليها، والمنبثقة عن مجلس النواب، فالمجتمع الدولي يقول حان الوقت أن تكون هناك حكومة واحدة (وفاق وطني) بحيث يمكننا أن نساند هذه الحكومة، وأن نعطي لها السلاح والتدريب اللازم لمحاربة الإرهاب خصوصا «داعش».
* ما جنسيات تنظيم داعش التي توجد على الأراضي الليبية؟
- هناك جنسيات، الأغلبية من الجنسيتين التونسية والجزائرية، وهناك آخرون من الجنسية السعودية، والبحرين، والسودان، واليمن، حيث علمنا أن زعيم التنظيم في ليبيا من الجنسية البحرينية.
* ماذا عن التهديد الاقتصادي الذي يتمدد في ليبيا؟
- استمرار الأزمة الحالية يمثل خطرا كبيرا، فالبنك المركزي لا يزال في العاصمة طرابلس، وتسيطر عليه المعارضة بما يسمى حكومة الإنقاذ الوطني، وعوائد النفط تذهب إلى هناك، إضافة إلى وجود هذا الانقسام والتشرذم السياسي، وعلينا أن نستمع إلى أصوات أبناء شعبنا، ونبض الشارع الليبي الذي يطالب بوفاق وطني، وتشكيل حكومة.
وهناك تحديات أخرى وهي زيادة الأسعار، وارتفاع سعر الدولار إلى 4 دينارات ليبية، بينما كان منذ 6 أشهر 1.8 فقط، وهناك نقص في السيولة المحلية في البنوك، وكذلك عجز في تسديد المرتبات للكثير من الموظفين، وأصبحت الأزمة الاقتصادية خانقة، إضافة إلى حمامات الدم بين الأشقاء الليبيين بين الفينة والأخرى، حيث كانت هناك معارك بيننا وبين المعارضة، إلا أنها هدأت خلال الفترة الماضية، ولكن الفرقة بين أبناء الشعب الواحد، لا تزال مستمرة.
* غياب مؤسسات الدولة كليًا هل يعرقل عملك كدبلوماسي؟
- لدينا سفارات ووزارة بإمكانات بشرية ومادية محدودة، حيث أوجد في مدينة البيضاء، صحيح أن هناك تحديات كبيرة تطرحها هذه الإمكانات المحدودة، أما عن سفاراتنا في الخارج، هناك تحديات نطرحها عندما لا ينضوي سفراء وكذلك القائمون بالأعمال تحت لواء الشرعية، والبعض منهم في سفارات ليبيا في بعض العواصم العربية والدولية، انضموا إلى المعارضة، منهم في ماليزيا، وتركيا، وروسيا، وإيطاليا، والجزائر، والمغرب.
* منذ سنة 2011 والحديث يدور عن أن كل ما مر بليبيا من عدم استقرار، بسبب أطراف خارجية، لعبت بورقة الانقسام والقبلية لتحرك مجموعة من الموالين لهم ضد أي حكومة تشكل، ما مدى صحة هذا؟
- صحيح أن ليبيا كانت مسرحا لتجاذبات إقليمية، والجميع يعلم أن هناك جهدا عربيا وإقليميا يتم الآن من أجل تجاوز هذه التجاذبات الإقليمية، بحيث نصل إلى توافق وطني في ليبيا، يسعى إلى التوافق وليس التناحر، والانضواء تحت التأثيرات الإقليمية.
* هل صحيح أن الجزائر غير راضية عن طريقة تعامل تونس مع الحكومة الليبية؟ وما تقييمكم للموقف الجزائري؟
- نحن نتعاطى مع أشقائنا في تونس والجزائر، فلهما مشاغل وهموم بشأن الوضع الأمني في ليبيا وانعكاساته السلبية على أمنهما، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، لا أعتقد أن العلاقات التونسية قد تغيرت كثيرًا معنا، فالحكومة التونسية كانت ولا تزال تتعامل مع السلطات الشرعية في ليبيا، وفي نفس الوقت لها أيضا تواصل مع أطراف معارضة لنا.
لا أعتقد أن هناك تغيرا في السياسة العامة تجاه ليبيا، وبالتالي لا أرى أي سبب لوجود قلق جزائري إلا هذه السياسة التونسية تجاه ليبيا.
* هناك مجموعة من الإيرانيين يخططون لإدارة العمل بطريقة غير مباشرة على الأراضي الليبية؟
- هناك طموح إيراني سياسي ومذهبي وعسكري منذ 2011، من الوجود في ليبيا، والبحث عن موطئ قدم لإيران في ليبيا، لكن الوجود انحسر بعد ذلك، ولا نعتقد أن لإيران أي تأثير كبير على الوضع السياسي والعسكري في ليبيا، لكن الدور الإيراني في سوريا واليمن والعراق، يقلقنا.



اليمن: سجون الضبة السرية… احتجاز وتعذيب خارج سلطة الدولة

أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)
أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)
TT

اليمن: سجون الضبة السرية… احتجاز وتعذيب خارج سلطة الدولة

أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)
أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)

على جدرانٍ حاويات حديدة داخل سجنٍ غير معلن، كُتبت حكايات لا تُروى حفرها معتقلون بأظافر الخوف وطول الانتظار: «ارحموني... يكفي ظلم»، «فرجك يا رب»، «أمي»، «أنا مظلوم والله شاهدٌ عليّ».

لم تكن هذه الكلمات زينة حائط، بل شهادات إنسانية معلّقة بين اليأس والرجاء، تركها سجناء سجن الضبة غير الشرعي، الذي أدارته القوات الإماراتية سنوات، لتكشف وجهاً خفياً لمعاناة ظلت طويلاً خلف الأسوار.

أكد الإرياني أن الدولة لم تفوّض أي طرف خارجياً كان أو محلياً بإنشاء مراكز احتجاز (الشرق الأوسط)

«الشرق الأوسط» زارت السجن الواقع في ميناء الضبة النفطي بمدينة المكلا (شرق البلاد)، ضمن وفدٍ صحافي وحقوقي، واطّلعت ميدانياً على وجود عدة سجون غير قانونية أنشأتها الإمارات على مدى سنوات، من دون أي تنسيق مع السلطات اليمنية، في مشهدٍ يكشف اتساع شبكة احتجاز خارج إطار القانون، وما رافقها من انتهاكات ظلت طيّ الكتمان.

وبحسب معمر الإرياني وزير الإعلام والسياحة والثقافة اليمني، فإن هذه السجون «لا تندرج ضمن أي منظومة قانونية أو أمنية تابعة للدولة»، موضحاً أنها «معتقلات خارج إطار سلطة الدولة والقانون والدستور اليمني».

وزير الإعلام والثقافة والسياحي اليمني معمر الإرياني من موقع الضبة بالمكلا (الشرق الأوسط)

وأشار الإرياني، في حديثه أمام 12 معتقلاً سرياً في موقع الضبة، إلى أن «هذا المكان يجسّد ممارسات جرت خارج مؤسسات الدولة الشرعية، ومن دون أي رقابة قانونية أو إدارية»، مؤكداً أن «الدولة لم تفوّض أي طرف، خارجياً كان أو محلياً، بإنشاء مراكز احتجاز أو تعذيب خارج إطار القانون».

ووصف الوزير هذه الممارسات بأنها «تمثّل انتهاكاً صريحاً للدستور اليمني الذي يحصر صلاحيات الاعتقال والتحقيق والاحتجاز في مؤسسات الدولة القانونية والأمنية»، مؤكداً أنها «تشكل أيضاً خرقاً للقانون الدولي والقانون الإنساني».

ووثّقت عدسة «الشرق الأوسط» مشاهد صادمة داخل الموقع، حيث تبيّن أن عدداً من السجون عبارة عن حاويات حديدية مغلقة، متفاوتة الأحجام، في حين لا تتجاوز مساحة بعض الزنازين متراً واحداً في خمسين سنتيمتراً. وعلى جدران تلك الحاويات، ازدحمت كتابات المعتقلين التي اختزلت تفاصيل حياتهم اليومية ومعاناتهم خلف القضبان.

كتابات السجناء ركزت على إبراز كلمة (مظلوم) شعوراً منهم بأن هذه السجون غير شرعية (الشرق الأوسط)

وبدا أن بعض المحتجزين حرصوا على تدوين عدد الأيام التي قضوها في الاعتقال ضمن جداول مرتبة، كأنهم يعدّون الزمن يوماً بيوم، بينما لجأ آخرون إلى كتابة أدعية يتضرعون فيها إلى الله بالتعجيل بالفرج. وفي إحدى الزوايا، لم يجد أحدهم سوى كلمة واحدة يختصر بها ألمه وحنينه: «أمي».

كما بدت على جدران الزنازين آثار دماء وعلامات سياط، في مشاهد تعكس ما تعرّض له المحتجزون داخل تلك الغرف الضيقة. وبين الخوف والأمل، كتب أحدهم بيدٍ مرتجفة: «شهر و10 أيام... وبعدها الفرج»، بينما ترك آخر صرخته محفورة على الجدار: «أنا مظلوم والله شاهد عليَّ... ارحموني يكفي ظلم».

بالعودة للوزير معمر الإرياني أكد أن «ما تقوم به الدولة اليوم هو استعادة سيادة القانون، وليس تصفية حسابات سياسية»، موضحاً أن «فتح هذه المواقع أمام الإعلام المحلي والدولي يأتي في إطار الشفافية، ورسالة واضحة بأن الدولة لا تخشى الحقيقة، بل تسعى إلى توثيقها ومعالجتها قانونياً».

أحدهم كتب كلمة «أمي» في تعبير عاطفي عن شوقه لعائلته في أثناء وجوده في السجن (الشرق الأوسط)

وأضاف الإرياني: «نحن لا نطلب تغطية سياسية، بل دعماً لمسار دولة القانون. لا نقدّم رؤية سياسية، وإنما نعرض مواقع ووقائع ومسؤوليات قانونية».

وفي سياق متصل، كشف مصدر عسكري يمني لـ«الشرق الأوسط» أن معسكر الضبة الواقع في أعلى الجبل، المعروف سابقاً بمعسكر الدفاع الجوي، جرى تسليمه بالكامل إلى قوات الدعم الأمني بقيادة أبو علي الحضرمي.

وأوضح المصدر، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته، أن «مجرد توجيه اتهام إلى أي شخص، من دون الاستناد إلى أدلة، كان كفيلاً بزجّه في السجن»، لافتاً إلى أن «من يخرج من تلك المعتقلات لا يعود إلى حالته الطبيعية، بل يكون شخصاً مختلفاً تماماً عمّا كان عليه».

وأضاف المصدر أن «الأمر الأكثر خطورة تمثّل في إطلاق سراح بعض السجناء الذين ثبت تورطهم في عدة جرائم، حيث فوجئنا بتحول بعضهم إلى عملاء مزدوجين بعد الإفراج عنهم من الجانب الإماراتي»، مشيراً إلى أن من بين هؤلاء «عناصر ينتمون إلى تنظيم (القاعدة)».


دبلوماسي سوري: سيادة البلاد ووحدتها لا تقبلان المساومة

محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)
محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)
TT

دبلوماسي سوري: سيادة البلاد ووحدتها لا تقبلان المساومة

محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)
محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)

أكد دبلوماسي سوري أن تعامل بلاده مع ملف الشمال والشرق جاء انطلاقاً من مبدأ راسخ لا يقبل المساومة يتمثل في وحدة أراضيها وسيادتها، واحتكارها الشرعي لاستخدام السلاح، ومسؤوليتها الكاملة عن حماية المواطنين ومكافحة الإرهاب، بالتوازي مع التزامها الدائم بالحلول السياسية والحوار الوطني خياراً أول لمعالجة جميع القضايا الداخلية.

وقال محسن مهباش، رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض، إن الحكومة اختارت منذ البداية مسار التهدئة والتفاهم مع «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، ووقّعت عدة اتفاقيات واضحة نصّت على وقف إطلاق النار، وعودة مؤسسات الدولة، وتسليم الموارد والمعابر، ودمج المقاتلين ضمن الجيش. وأردف أن هذه الاتفاقيات قوبلت بالمماطلة والنقض المتكرر من قِبل قيادة «قسد»، رغم التزام الدولة الكامل ببنودها، الأمر الذي فاقم حالة عدم الاستقرار وهدَّد أمن المدنيين.

وأضاف الدبلوماسي السوري، في تصريحات صحافية، أنه «في ظل التصعيد الميداني الذي أقدمت عليه (قسد)، بما في ذلك حشدها العسكري شرق حلب، واستهدافها المدن بالمسيّرات، ورفضها الاستجابة للإنذارات الرسمية؛ اضطرت الدولة، وبعد استنفاد جميع السبل السياسية لممارسة حقها السيادي في الدفاع عن أراضيها وأمن شعبها، عبر عملية عسكرية محدودة هدفت حصراً إلى حماية الاستقرار، ومنع تمدد الفوضى والإرهاب، مع الالتزام الكامل بحماية المدنيين، وعدم تهجير أي مكوّن سوري».

وشدَّد على أن ملف سجناء تنظيم «داعش» جرى توظيفه بشكل خطير من قِبل «قسد» بصفته ورقة ابتزاز سياسي وأمني، وصل إلى حد إطلاق سراح عناصر إرهابية، في انتهاك صارخ لمسؤوليات مكافحة الإرهاب، مؤكداً جاهزية الدولة السورية الكاملة لتسلّم هذا الملف، وتأمين مراكز الاحتجاز وفق المعايير الدولية، مُحمّلة «قسد» المسؤولية الكاملة عن أي خرق أمني أو تهديد ناتج عن هذه الممارسات.

وجدّد مهباش تأكيد أن الدولة السورية كانت ولا تزال في مواجهة مباشرة مع «داعش» منذ أكثر من عقد، وخبرتها في مكافحة الإرهاب ميدانية وحقيقية، وليست إدارة أزمات أو تفاهمات ظرفية، مشدداً على أن الجيش العربي السوري هو الضامن الوحيد لوحدة البلاد وأمنها، وسوريا ستواصل بسط سيادتها على كامل أراضيها، وحماية جميع مواطنيها دون تمييز، بما يرسخ الأمن الوطني والإقليمي والدولي على حد سواء.

وأشار إلى أنه جرى الاتفاق بين الرئيس السوري أحمد الشرع و«قسد» على مهلة أربعة أيام أمام الأخيرة لوضع آلية دمج عملية، وعدم دخول القوات الحكومية مراكز الحسكة والقامشلي أو القرى الكردية، مع اعتماد أمن محلي، ودمج قوات «قسد» عسكرياً وأمنياً ومدنياً ضمن مؤسسات الدولة، وترشيح ممثلين عنها لمناصب رسمية، بالإضافة لتنفيذ المرسوم رقم 13 لضمان حقوق الكرد، وبدء تنفيذ التفاهم في الساعة الثامنة مساءً، منوهاً بأن ذلك جاء «انطلاقاً من حرص الدولة على وحدة البلاد، وكانت استجابة الحكومة لا مثيل لها».


السيسي يلتقي ⁠ترمب في «دافوس» بعد إشارات ودية متبادلة

لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)
لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يلتقي ⁠ترمب في «دافوس» بعد إشارات ودية متبادلة

لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)
لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)

يلتقي الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في مدينة دافوس السويسرية، بعد «إشارات ودية» متبادلة بين الجانبين بالفترة الأخيرة.

وأعلنت الرئاسة المصرية، الثلاثاء، أن السيسي وترمب سيعقدان جلسة محادثات على هامش أعمال «منتدى دافوس»، للتباحث بشأن آخر المستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، إلى جانب «بحث سبل تعزيز التعاون والتنسيق بين مصر والولايات المتحدة، بما يخدم مصالح البلدين، ويعزّز الاستقرار الإقليمي والدولي».

وتوجه الرئيس المصري، الثلاثاء، إلى مدينة دافوس، للمشاركة في أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي يُعقد في الفترة من 19 حتى 23 يناير (كانون الثاني) الحالي، تحت شعار «روح الحوار».

وسيتضمن جدول مشاركة الرئيس المصري، بـ«منتدى دافوس»، لقاءً مع نظيره الأميركي، للتباحث حول آخر المستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وفق الرئاسة المصرية.

ويعد هذا اللقاء الثاني لمحادثات مباشرة تجمع السيسي وترمب، منذ عودة الرئيس الأميركي للبيت الأبيض قبل عام، وذلك بعد المحادثات التي جمعتهما في مدينة شرم الشيخ المصرية، في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، على هامش «قمة السلام» بشأن وقف الحرب في غزة.

ويأتي لقاء القمة المرتقب بين الرئيسين المصري والأميركي، بعد إشارات ودية متبادلة في الفترة الأخيرة، حيث بعث ترمب برسالة تقدير إلى السيسي أخيراً، على جهوده الناجحة في الوساطة بين حركة «حماس» وإسرائيل، للوصول لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتضمنت الرسالة رغبة من جانب ترمب لإطلاق وساطة أميركية بين مصر وإثيوبيا «من أجل التوصل إلى حل لأزمة السد الإثيوبي، بما يحقق تسوية عادلة ونهائية لمسألة تقسيم مياه النيل».

وفي المقابل، أشاد الرئيس المصري، برسالة نظيره الأميركي، وقال في تدوينة عبر حسابه الرسمي السبت: «أثمن رسالة الرئيس دونالد ترمب، وجهوده المقدرة في ترسيخ دعائم السلام والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي، وما تضمنته من تقدير لدور مصر المحوري في دعم الأمن والاستقرار بالمنطقة»، كما ثمّن السيسي «اهتمام ترمب بمحورية قضية نهر النيل لمصر».

محادثات السيسي وترمب في شرم الشيخ بشهر أكتوبر الماضي (الرئاسة المصرية)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير حسين هريدي، أن لقاء السيسي وترمب في «دافوس»، «يأتي في توقيت مهم وضروري، ويعكس الشراكة الاستراتيجية بين البلدين»، وقال إن «المحادثات تتزامن مع بدء تنفيذ المرحلة الثانية من (اتفاق غزة)»، مشيراً إلى أن «هذه المرحلة تعوّل عليها القاهرة، على أساس أن نجاحها، سيفتح الباب للتعامل الإيجابي مع القضية الفلسطينية، وإيجاد حلول عادلة لها».

وهناك تقدير أميركي متواصل للدور الذي تقوم به مصر للتهدئة في الإقليم، وفق تقدير هريدي، مشيراً إلى أن «واشنطن خلال العامين الماضيين، سواء وقت إدارة جو بايدن، أو مع إدارة ترمب الحالية، تدرك مركزية الدور المصري في التعامل مع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وفي تسوية الأزمات الإقليمية».

وفي عدة مناسبات، أطلق ترمب تصريحات ودية تجاه السيسي ومصر التي وصفها بأنها «دولة تسيطر على أمورها جيداً»، واستثناها من زيادة الجمارك التي فرضها على دول أخرى، كما تحدثت تقارير كثيرة موثوقة عن ضغطه على إسرائيل لتمرير صفقة الغاز الأخيرة معها.

وتجاوب ترمب مع رفض مصر تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، دون أن يتخذ موقفاً عدائياً ضد القاهرة، حيث لبى دعوة السيسي للمشاركة في قمة «شرم الشيخ للسلام»، للتوقيع على اتفاق لإنهاء الحرب في غزة.

ويرى السفير حسين هريدي، أن «الولايات المتحدة تعول على السياسة المصرية للتسوية في المنطقة»، مشيراً إلى أن «مصر لا تدعم أي ميليشيا مسلحة تعمل في دول بالمنطقة»، كما أن التحركات المصرية للتهدئة «تمتد إلى منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي أيضاً».

وفي أكثر من مناسبة، تؤكد مصر على استراتيجية علاقاتها مع الولايات المتحدة، وتحصل القاهرة على مساعدات عسكرية أميركية بقيمة 1.3 مليار دولار، منذ توقيع اتفاق السلام بينها وبين إسرائيل، وأعلنت الخارجية الأميركية، في سبتمبر (أيلول) 2024، عن «موافقة واشنطن على تقديم قيمة المساعدات كاملة» إلى القاهرة.

وهذا هو اللقاء الثاني الذي يجمع السيسي وترمب خلال ثلاثة أشهر، وفق أستاذ السياسات الدولية، أشرف سنجر، الذي قال إن «لقاء (دافوس)، سيكون مهماً للتأكيد على أهمية تنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام في غزة».

ويرى سنجر، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الترتيبات الأمنية والإقليمية التي تقوم بها واشنطن، من الصعب أن تديرها بمفردها، بسبب تعقد المشاكل الإقليمية وتعدد أطرافها»، مشيراً إلى أن «التعاطي مع تلك المشكلات يتطلب تنسيقاً مع أطراف فاعلة في المنطقة مثل مصر».