أفلام كارتون للراشدين تتنافس للفوز بالأوسكار

«النبي» لجبران الفلسفي و«أنوماليزا» عن حياة رجل محبط

مشهد من فيلم «جبران»
مشهد من فيلم «جبران»
TT

أفلام كارتون للراشدين تتنافس للفوز بالأوسكار

مشهد من فيلم «جبران»
مشهد من فيلم «جبران»

حتى عام 2002، كانت هناك جائزة واحدة لأفلام الأنيميشن بين عداد جوائز الأوسكار، أو ما يعرف، بدقّة أقل، أفلام التحريك. هذه الجائزة كانت تمنح لأفضل فيلم «أنيميشن قصير». أما أفلام الرسوم المتحركة الطويلة التي كانت من الجودة بحيث تدخل الأوسكار، فإنها كانت تنضم إلى الأفلام الحيّة، أو المصوّرة بالفيلم (والآن بالفيلم والدجيتال) خصيصًا للسينما.
في عام 2002، تم تخصيص أوسكار خاص للفيلم الطويل من هذا النوع. والفائز الأول كان «Shrek» الذي صنعته وأنتجته شركة «دريمووركس» تأسست سنة 1994 باتحاد بين ثلاثة منتجين هم جفري كاتزبيرغ (ترك «ديزني» للغاية) وستيفن سبيلبرغ و(المنتج الموسيقي) ديفيد غَفن.
من يومها والجائزة المستحدثة تُمنح على هذا النحو. في العام الماضي نالها «مجمّد» (Frozen) لوولت ديزني وفي مطلع هذه السنة حصل عليها «البطل الكبير 6» الذي أنتجته «ديزني» أيضًا.
في الظاهر، وكما يعتقد البعض، فإن أفلام «أنيميشن» متشابهة في كل ملامحها وأساليبها، لكن حتى داخل شركة «ديزني» هناك اليوم مدارس واتجاهات. صحيح أن الغايات التجارية تقضم من الفن للفن ومن نوعية القصص وشخصياتها ونوعية الفانتازيا التي توفرها، إلا أن الاختلافات كبيرة ودالة خصوصًا بين الرسوم التي يتم انتخابها من قبل «أكاديمية العلوم والفنون السينمائية» لدخول المسابقة.
* مشكلة جبران
قدر كبير من الاختلاف يكمن في الأفكار والمناط بها كما في أساليب الرسم والحياكة الدجيتالية التي تنفّذها. وبعض الأفلام الأكثر اقترابًا من ترشيحات الأوسكار الرسمية هذا العام، تعكس هذا التعدد جيّدًا، وبعضها يختلف عن الآخر في فهمه للدور المناط. صحيح أن الغالب هو أفلام أنيميشن عائلية، بينما هناك أفلام أنيميشن للراشدين قلما تصل إلى خطوط النهاية، إلا أن هذه الأفلام العائلية تتعدد وتتنوّع بدورها وليس هناك، هذه السنة، أكثر دلالة على ذلك من فيلم «النبي» لخليل جبران، كما صاغته وأشرفت عليه الممثلة والمنتجة سلمى حايك.
المشروع لا يمكن له أن يلتقي تمامًا ومشاريع أفلام التحريك الأخرى التي في ساحة المنافسة هذا العام، مثل «Inside Out وThe Peanuts Movie» و«شون فيلم الخراف» (Shaun the Sheep Movie)، و«مينيونز» و«Anomalisa»، كبداية، هو فيلم مزدوج التوجه: فلسفي للراشدين وترفيهي للأولاد. في الصعيد الأول، لا يخفي رغبته في بلورة ما ورد في كتاب جبران خليل جبران المعروف من أفكار ومرامٍ وما سطره من أشعار ونثر فلسفي. لا يستطيع أن يفعل ذلك لأنه في النهاية منتج (بتمويل قطري وأميركي مشترك) لكي يعبّر عن عالم جبران ورؤيته. في الصعيد الثاني، هو فيلم يقصد أن يحمل للصغار، دون سن الشباب، مما يدفعهم عادة إلى مشاهدة أفلام التحريك عمومًا: الحكاية ذات الشخصيات الغريبة، المواقف المضحكة بالإضافة هنا (عنوة عن الكثير من الأفلام الأخرى) إلى المضامين الفلسفية عن الحياة.
مشكلة الفيلم هي أيضًا على مستويين: الأول أن التوجه الفلسفي ساد الفيلم والصغار واجهوا ما لا يدركونه من ملامح. هم في نشوة عندما يتابعون الفتاة الصغيرة التي تريد حماية مصطفى (صوت ليام نيسون)، وما يقع لهما عندما يساق بطل الفيلم من حبسه في القلعة البعيدة إلى الساحل حيث ستقله مركبة بعيدًا عن المكان. لكنهم في تساؤل حول تلك الأشعار المسموعة والكتابات الظاهرة والحكايات داخل الحكايات.
المستوى الثاني هو أن الفيلم لا ينتمي إلى شغل طاقم يساعد بعضه بعضًا كما الحال في الأفلام الأخرى، بل إلى طواقم. لقد تمّ الاستعانة بعشرة فناني رسوم (بينهم الإماراتي محمد سعيد حارب) لتنفيذ الفيلم. منحتهم المنتجة الحرية الكاملة ضمن إطار المطلوب بما في ذلك حرية استخدام الأسلوب الخاص بكل منهم. النتيجة هي في الوقت ذاته متعة للعين وتفاوت في الجودة بين فصل وآخر. هناك أرضية واحدة مشتركة للفيلم تروي القصّة الأساسية وتشكل عمود الفيلم الفقري، وفصول عشرة تتفرع مثل أغصن الشجرة، لكنها ليست بلون أو شكل تعبيري واحد.
* بطولة بشرية
الأفلام الأخرى الآيلة إلى التنافس رسميا لا تعمد إلى هذا المنوال قطعًا. لكن أحدها يحمل مضامين مشابهة في رقيها وهو «أنوماليزا» الذي تشارك في تحقيقه دوك جونسون، وهو مخرج أفلام قصيرة، وتشارلي كوفمن، الكاتب الذي نقلت السينما له «أن تكون جون مالكوفيتش» (1999) و«اعترافات عقل خطير» (2002) و«أشعة شمس داخلية على عقل بلا شوائب» (2004) من بين أخرى.
«أنوماليزا» حول البشر بقدر ما هو عن الكيفية التي يمكن فيها تقديم فيلم أنيميشن للراشدين من دون أسف أو اكتراث لما يعنيه ذلك من حجب العمل عن الجمهور الشاسع دون الخامسة عشرة من العمر. على عكس ما ذكره البعض في النقد الغربي، ليس هذا هو الفيلم الأول من هذا النوع في السينما الأميركية لا من حيث تداوله حكايات عن البشر (عوض الحيوانات والمخلوقات الغريبة) ولا من حيث جديّة ما يطرحه. فالمخرج رتشارد لينكلاتر قدّم فيلمين من هذا الطراز هما «حياة يقظة» سنة 2001 و«A Scanner Darkly» سنة 2006. لكن المختلف هو أسلوب العمل.
لينكلاتر قام بتصوير ممثليه لهذين الفيلمين، من بينهم ممثليه المفضلين إيثان هوك وجولي دلبي علاوة على روبرت داوني جونيور وكيانور ريفز ووينونا رايدر وودي هارلسون، عبر كاميرا دجيتال حيّة، ثم أدخلهم إلى الكومبيوتر وصمم أشكالاً متحركة بالدجيتال وشبيهة بهم.
طريقة «أنوماليزا» هي ما يعرف بـ«ستوب - موشن» نوع من تجميع وتركيب صور ملتقطة لدمية تتحرك بأصابع إنسانية وتصوّر حركتها بالتوالي لتدخل جميعها الكومبيوتر ليصار إلى صياغتها على النحو النهائي. يسرد الفيلم لحكاية رجل يعاني من الشعور بأن المجتمع لا يكن له التقدير الذي يستحقه، متبرّم من سلوكيات وثرثرة أي محيط يجد نفسه فيه، يقترب من حال شخص انطوائي لكن يمنحه الحق في انطوائيته هذه كون المجتمع السائد هو المسؤول عنها. المسألة، بالنسبة لهذا الفيلم، هي أن المجتمع هو المخفق وليس الرجل، لكن الأخير هو الضحية بالتأكيد.
باقي الأفلام الأميركية التي ستجد نفسها عرضة للترشيحات هي من النوع الذي لا يقترب «النبي» ولا «أنوماليزا» منه مطلقًا: «مينيون»، على سبيل المثال هو عن مخلوقات مشتقة من البصل، في حين أن «فيلم الفستق السوداني» (The Peanuts Movie)مأخوذ عن الرسوم الكرتونية الصحافية للشخصية الشهيرة. ومع أن «Inside Out» يقدم بشرًا، إلا أنهم ليسوا واقعيي المسلك والحضور، ولو أن هذا الفيلم، وهو من صنع شركة «بيكسار» الشهيرة بنوعية ما تقوم به، هو أفضل أفلام الأنيميشن الخفيفة المذكورة.
بالنتيجة فإن «إنسايد أوت» و«النبي» و«أنوماليزا» هي التي ستقفز فوق الحاجز السباق الأول وتتنافس على أوسكار هذا العام.



«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
TT

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)

أعلنت «استوديوهات MBC»، الذراع الإنتاجية لـ«مجموعة MBC»، اكتمال المراحل الأخيرة من فيلم «جحيم العابرين»، المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب السعودي أسامة المسلم، تمهيداً لعرضه في صالات السينما السعودية اعتباراً من 19 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، على أن يصل لاحقاً إلى عدد من المدن العربية.

وصُوّرت جميع مشاهد الفيلم في السعودية، وتولت إخراجه المخرجة السعودية هناء العمير، فيما كتب أسامة المسلم السيناريو المقتبس من روايته، ويشارك في بطولته أضواء بدر، وباسل الصلي، ومحمد علي، وشجاع نشاط، وعزيز غرباوي.

وينتمي «جحيم العابرين» إلى سينما التشويق والغموض والرعب، مستنداً إلى الأسلوب الذي عُرف به المسلم في أعماله الأدبية، والقائم على مزج الفانتازيا بالإثارة النفسية، وتقديم شخصيات وأحداث غامضة ضمن حبكة متسارعة.

وتبدأ أحداث الفيلم على طريق منعزلة، عندما تصادف فتاة تقود سيارتها بمفردها شاباً تعطلت مركبته، فتقرر مساعدته وإيصاله إلى أقرب محطة، رغم شعورها بالقلق تجاه الموقف. وسرعان ما تتحول الرحلة في عتمة الليل إلى سلسلة من الأحداث الغريبة والمخيفة، لتدخل الشخصيتان في مواجهة متصاعدة مع مخاطر تضع إمكانية نجاتهما موضع تساؤل.

يأتي الفيلم ضمن شراكة أعلنت عنها «استوديوهات MBC» وأسامة المسلم قبل نحو عامين، تستهدف تحويل عدد من روايات الكاتب السعودي إلى أعمال درامية وسينمائية.

ويحمل الفيلم بصمة المنتج محفوظ الزهراني، فيما تولى سفيان الفاني إدارة التصوير، وتولت شركة «Aflam Production» التنفيذ، وهو من إنتاج «استوديوهات MBC»، وإخراج هناء العمير، وقصة وسيناريو أسامة المسلم.


«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
TT

«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)

في عام 1954، وبينما كانت سفينة مدنية تمخر عباب البحر، فوجئ الركاب بوحش يخرج من تحت الماء. وحش ضخم ما لبث أن هاجم السفينة وأطاح بها وبمن فيها، قبل أن يغوص مجدداً في أعماق البحر.

تحرّكت القوات البحرية للتحقيق في الحادث، وأخذت تجمع شهادات بعض من شاهدوه في قرى الساحل، قبل أن يعاود الوحش ظهوره، مطيحاً بمزيد من السفن ومنتقلاً إلى اليابسة، حيث تسبّب في مقتل ضحايا كثيرين. لم يكن هناك ريب في أن مدينة طوكيو ستكون الهدف التالي لهذا الوحش الذي لم تنفع معه جميع الأسلحة. وكان الدمار الذي لحق بطوكيو شبيهاً بذلك الذي لحق بمدينتَي هيروشيما وناغازاكي، خصوصاً أن الوحش كان ملوّثاً بالإشعاع النووي.

قال أحد المسؤولين حينها: «إذا لم تقضِ عليه القنبلة النووية، فكيف سنقضي نحن عليه؟».

سؤال وجيه، لكن ذلك لم يوقف محاولات اليابانيين التصدّي للوحش والقضاء عليه... أو هكذا خُيّل لهم.

«غودزيللا» الأول: الوحش في المدينة (توهو كومباني)

تميُّز

ورد كل ما سبق في فيلم «غودزيللا» الذي أخرجه حينها إيشيرو هوندا. وقد عاد الوحش للظهور 38 مرّة في أفلام يابانية، ثم أميركية - يابانية. وسيحطّ الفيلم الـ39 خلال أيام على الشاشات تحت عنوان «غودزيللا ناقص صفر» (Godzilla Minus Zero)، وسنراه في الشهر الثالث من العام المقبل في فيلم يجمعه مجدداً بكينغ كونغ، عنوانه «Godzilla x Kong: Supernova».

باتت أفلام غودزيللا منذ سنوات عدَّة تقدّمه وحشاً كارثياً يهدّد السلامة البشرية بقوّته الطاغية. وما بات يغيب عن معظم تلك الأفلام هو التعامل مع الدوافع التي وفّرها الفيلم الأول وبعض الأفلام التي تبعته في الخمسينات والستينات؛ وهي أن الوحش لم يكن ليظهر على السطح لولا التجارب النووية التي أجراها الروس والأميركيون، بموافقة اليابان، في البحار القريبة.

بذلك حمل «غودزيللا» وتوابعه الأولى رسائل سياسية تحذّر من مغبّة السلاح النووي. وهو أمر شاركت هوليوود في إثارته في الستينات عبر أفلام لا علاقة لها بالوحوش، مثل «على الشاطئ» لستانلي كرامر، و«دكتور سترانجلف» لستانلي كوبريك، و«لعبة الحرب» لبيتر ووتكنز.

ما ميّز سلسلة «غودزيللا» عن تلك الأفلام الهوليوودية هو أنها دمجت سينما الوحوش الجوراسية بالرسالة السياسية. لاحقاً، جرى تخفيف الرسالة السياسية والدفع باتجاه التقليل من التحذير من الويلات النووية، لصالح إنتاجات ضخمة تحتفي بالوحش بوصفه مصدر خطر بذاته فقط؛ بقوّة بدنية طاغية سيفشل البشر في التصدّي لها، قبل أن يعود إلى أعماق البحر ويتنفّس الناس الصعداء، بانتظار فيلمه المقبل.

وكان على الفيلم المقبل، تبعاً للتقاليد، أن يكون أكبر، والخطر أشدّ. فلمَ لا يُجمع هذا الوحش الأسطوري مع وحش آخر من النوع نفسه وبالضخامة نفسها، مثل كينغ كونغ؟

سبق كينغ كونغ غودزيللا في الظهور على الشاشة، إذ اكتشفه فيلم «كينغ كونغ» لماريون س. كوبر سنة 1933. فيه نتابع سفينة تبحث عن قبيلة على جزيرة مخفية، فتكتشف وجود وحوش ما قبل التاريخ، وفي مقدّمتها تلك الغوريلا الضخمة التي تقع في حب بطلة الفيلم (فاي راي). وعندما يُقبض عليه ويُنقل إلى نيويورك للمتاجرة به، يفكّ قيوده وينطلق باحثاً عن الفتاة الشقراء التي أحبّها من النظرة الأولى، ليحملها إلى سطح مبنى الإمباير ستايت، مواجهاً الطائرات الحربية التي تهاجمه، قبل أن يقضي عليه حبّه.

الفيلم المقبل من السلسلة «غودزيللا ناقص صفر» (روبوت كوميونيكاشن)

استلهام حادثة حقيقية

كان «كينغ كونغ» الأصلي، في الواقع، رومانسياً في الباطن وتشويقياً في الظاهر. وما يجمعه مع «غودزيللا» هو تلك النبرة الحزينة عن حال وحش كان يفضّل البقاء مجهولاً، لولا قيام الإنسان بانتشاله من بيئته.

بدأ الجمع بين «غودزيللا» و«كينغ كونغ» سنة 1963 بفيلم آخر لإيشيرو هوندا، هو «King Kong vs. Godzilla». لكن المخرج، إذ استعار كينغ كونغ من الغرب ليجمعه مع ندّه الشرقي، حافظ على النبرة السياسية وأدان، عبر حكايته، المتاجرة بالوحشين، كما فعل «كينغ كونغ» الأول.

لاحقاً، عندما اندفعت هوليوود لإنتاج «غودزيللا» الخاص بها سنة 1989، بفيلم من إخراج رولاند إيميريش، استغنت عن المعاني التي تداولتها السلسلة اليابانية لصالح الإبهار التقني. وتكرّر ذلك في «غودزيللا» هوليوودي آخر سنة 2014، عبر فيلم لغارث إدواردز. ولم تمضِ إلا بضع سنوات حتى بدأ الجمع بين الوحشين الضخمين على الطريقة الهوليوودية، في فيلمين أخرجهما آدم وينغارد، هما «غودزيللا ضد كينغ كونغ» (2021)، و«غودزيللا ضد كونغ: الإمبراطورية الجديدة» (2023). هذا مع العلم أن السينما اليابانية نفسها جمعت كذلك بين بطلها غودزيللا ووحوش جوراسية أخرى، ضمن الفحوى نفسه الملائم للفيلم الأول من السلسلة.

لكن لا شيء مما يُنتج حالياً يشابه، في فحواه وغاياته، نسخة هوندا سنة 1954. ففيها أمانة في ضمّ البعد السياسي إلى الحكاية الخيالية. وبداية الفيلم، حيث تتعرّض سفينة الصيد لغضب الوحش، تلتقي مع حادثة فعلية لسفينة صيد يابانية تعرّض بحّارتها لإشعاع نووي، بفعل تجربة نووية أجرتها الولايات المتحدة قبل 3 سنوات من إنتاج الفيلم.

مضى «غودزيللا»، كما قدّمه هوندا، إلى أبعد من مجرّد ربط الحادثة ببداية الفيلم؛ فالوحش الذي أُوقظ من سباته في أعماق المحيط بدا غير قادر على استيعاب ما أيقظه. بات الإنسان عدوّاً له. وأكثر من ذلك، يدمّر معظم طوكيو في ثورته، مذكّراً بما حاق بمدينتَي ناغازاكي وهيروشيما. وعندما يعود إلى حيث أتى، يترك بصمته لنا لنتذكّر.

إنها رسالة بالغة الأهمية، ضاعت في طيّات الرغبة في استغلال غودزيللا كوحش مخيف فقط. فالأفلام اللاحقة، في العقدين الأخيرين على الأخص، أبقت على الوحش وأهملت رسالته، في الوقت الذي كان يمكن لها أن تنجز الاثنين معاً، كما فعلت الأفلام الأولى. لم يهتمّ صانعو أفلام «غودزيللا» الحديثة إلا بكيفية تحويل الوحش إلى مصدر مادي، شأنه شأن كل السلاسل الأخرى، من «باتمان» إلى «جوراسيك بارك»، ومن «كوكب القردة» إلى «سبايدر مان» و«ستار وورز».


شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
TT

شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)

مخرج «المواطن أسامة» أحمد حسّونة (حسابه الشخصي)

المواطن أسامة

(جيد)

* إخراج: أحمد حسّونة

* فلسطين (2026) | النوع: تسجيلي

الكاميرا التي تصوّر «كاميرا مان» فلسطينياً ينتقل في الشوارع العارية من الحياة وبين المباني المدمّرة تقول كل شيء عن المصوّر وغزّة. هناك نوع من الإخراج المباشر للواقع لا يحتاج إلى تقنيات عالية، ولا إلى إدخال عناصر تكمّل ما يهدف المخرج إلى إيصاله للمشاهدين.

كل شيء في «المواطن أسامة» واضح. هو عن رجل وكاميرا وأسرته وعلاقاته بالبشر الآخرين. كذلك هو عن غزّة وما كابدته من دمار وإبادة نتج عنهما مقتل قرابة 200 مصوّر وصحافي، من بين العدد الهائل الذي تجاوز 70 ألف ضحية. نشاهد المصوّر الصحافي أسامة العشّي تلازمه أصوات القصف ومشاهد الدمار. أسامة محمّل بالحزن على الواقع وبالخوف على سلامة عائلته. لا يذكر الكثير عن سلامته، لكن الفيلم يوحي دوماً بأنها مهدّدة في أي لحظة. قيمة الفيلم هي أنه لا يطلب منّا أن نشاهد ما يفعله الإسرائيليون بالفلسطينيين، بل أن نشاهد كيف يعيش الفلسطينيون حياتهم، من خلال متابعة شخص واحد لا يريد التوقّف عن عمله.

لا يصف المخرج حسّونة العدوان بالكلام، ولا يهتم بإيراد شهادات ضحايا الوضع أو بتصوير مشاهد العنف لذاتها. هذا كلّه ظهر في أفلام أخرى. رغم ذلك، لا يفتر تأثير الفيلم على مشاهديه؛ لأن موضوعه هو إنسان عليه أن يعمل لينقل إلى العالم صورة، وعليه أن يُعنى بتأمين الطعام والماء لأسرته والتعامل مع ظروف النزوح.

هذا فيلم تسجيلي عارٍ من الإضافات التقنية والتدخّلات الفنية التي نراها في أفلام تسجيلية أخرى. لذا فهو، مثل «صوت هند رجب»، ولو كان بعيداً عنه أسلوباً وموضوعاً، يعرض الحالة جيّداً، ولا يطلب لنفسه أكثر من ذلك.

القضية رقم صفر

(جيد)

* إخراج: كاظم فيّاض

* لبنان/الإمارات (2026) | النوع: دراما نفسية

هناك لقطة خاطفة في الدقائق الأخيرة من الفيلم تصوّر المحامي، محور الفيلم، بكاميرا بعيدة، وهو يتحدّث بصوت عالٍ وحادّ. المشكلة هي أن أحداً ليس موجوداً حوله. اللقطة التالية تعود إلى ما سبقها، حيث يواجه المحامي أسئلة عن الأزمة التي يعاني منها، ما يكشف سرّاً دفيناً يتجاوز الوضع الراهن ليعود إلى أمس بعيد.

في أساسه، «القضية رقم صفر» دراما نفسية ذات عقدة تبحث في العلاقة بين الإنسان ووالديه، وبينه وبين فكرة الموت، باعتبار الحياة فخّاً فُرض عليه العيش فيه. شخصيات الفيلم مجتمعة في مكان واحد، ومتنافرة في الأفكار والمواقف في كل اتجاه.

الطريقة التي صاغ بها المخرج رؤيته هذه مثيرة للاهتمام؛ إذ تدخلنا في واقع، ثم تأخذ هذا الواقع وتدمجه بالخيال، قبل أن تطيح به أيضاً. ليس تنفيذ هذا سهلاً، وفي البال صنع «ثريلر» منه، خصوصاً أن الأحداث تقع غالباً داخل مكان واحد. وعندما تنتقل إلى أماكن أخرى، تبقى في الداخل، باستثناء مشهد واحد يقع في الشارع. فيلم كاظم فيّاض، وهو فيلمه الثاني بعد «يوسف» الذي قدَّمه قبل 3 سنوات، دراما داكنة مع موجات من الكوميديا السوداء، تتجلّى في الفصل الثاني، من أصل 4، عندما يبدو أن جميع من في مكتب المحاماة يعانون من فوضى التواصل. ويتّضح السبب في ذلك في الفصلين التاليين، حيث يُكشف عمّا تؤول إليه أحوال كل هذه الشخصيات. للأسف، هناك بعض التكرار في مشاهد الفصل الرابع، وإن كان لا يؤثر على سياق الفيلم إلا بقدر محدود.

«القضية رقم صفر» عمل جادّ ومختلف عمّا يتوقّعه معظمنا. القصّة نفسها يمكن أن تُروى بأكثر من وسيلة أو أسلوب، لكن اختيار المخرج لوسيلته يعكس رغبته في ذلك الاختلاف ورؤيته الخاصّة لما يطرحه. فيلم طموح بأسلوب يحتاج من المشاهد إلى بعض المثابرة قبل الوصول إلى قاع أزمات أبطاله. والتمثيل ممتاز من الجميع بلا استثناء، ويعود ذلك إلى إدارة محكمة وعلاقة هندسية يرسمها المخرج جيّداً بين المكان واللقطة والشخصية.