«القمة العالمية الرابعة للكتاب».. تبحث في إشكالية الرقمي والمطبوع

احتضنتها مكتبة الإسكندرية لأول مرة في العالم العربي وأفريقيا

جانب من إحدى ندوات «القمة العالمية الرابعة للكتاب»
جانب من إحدى ندوات «القمة العالمية الرابعة للكتاب»
TT

«القمة العالمية الرابعة للكتاب».. تبحث في إشكالية الرقمي والمطبوع

جانب من إحدى ندوات «القمة العالمية الرابعة للكتاب»
جانب من إحدى ندوات «القمة العالمية الرابعة للكتاب»

«الكتاب والقراءة والتكنولوجيا» والتأكيد على أهمية الكتاب والمكتبات في الحفاظ على الهويات الثقافية الوطنية، والحضارة الإنسانية، وقضايا الكتاب الرقمي والمطبوع، وتغير عادات القراءة وما يرتبط بها من قضايا ثقافية ملحة، شكلت أهم محاور نقاش القمة العالمية الرابعة للكتاب، التي احتضنتها مكتبة الإسكندرية بالتعاون مع مكتبة الكونغرس ومنظمة اليونيسكو، على مدى يومين واختتمت مساء السبت الماضي بمدينة الإسكندرية.
افتتح القمة التي تعقد لأول مرة في مصر، وزير الثقافة المصري حلمي النمنم، ومدير مكتبة الإسكندرية الدكتور إسماعيل سراج الدين، وجنيفر نيكلسون، أمين عام الاتحاد الدولي لجمعيات المكتبات IFLA، والدكتور خالد الحلبي، رئيس الاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات، AFLI، وجون تسيبي، رئيس الاتحاد الأفريقي لجمعيات المكتبات والمعلومات AfLIA، والدكتور رؤوف عبد الحفيظ هلال، رئيس الإدارة المركزية لدار الكتب المصرية.
شهدت بداية القمة تدشين الطبعة العربية الكاملة من (مارك 21) دليل الفهرسة العالمي، الذي بدأته مكتبة الكونغرس عام 1945، ويشمل بيانات الكتب من بيانات النشر ومكان النشر واسم الناشر وتاريخ النشر في كل تسجيل. ويتيح مارك إمكانية تبادل التسجيلات الببليوجرافية بين المكتبات حول العالم.
تناولت القمة عدة محاور هي: التكنولوجيا والمخطوطات، الكتب والتبادل الثقافي، والكتاب الإلكتروني في مقابل الكتاب المطبوع، وأزمة الكتاب في الدول النامية، تباحث حولها عدد من الشخصيات الدولية البارزة والمثقفين، والأكاديميين والمهنيين في مجال الكتاب والمكتبات، والثقافة والنشر والتكنولوجيا.
وقال الدكتور إسماعيل سراج الدين، مدير مكتبة الإسكندرية إن القمة العالمية للكتاب تُعقد لأول مرة في أفريقيا والعالم العربي، بعد أن أطلقتها مكتبة الكونغرس في عام 2012 لمناقشة الكتاب وكل ما يتعلق به من موضوعات، وعقدت في واشنطن وسنغافورة وباريس خلال الأعوام الماضية. وأكد سراج الدين على أهمية الكتاب في كل صوره، سواء المطبوع أو الإلكتروني، كما شدد على أهمية دور المكتبيين في العصر الحالي في تنظيم الكم الهائل من المعرفة المتاح الآن بشكل رقمي.
أما وزير الثقافة المصري حلمي النمنم، فتحدث عن مشكلات الكتاب في العالم العربي، مشددا على خطورة تدني مستويات القراءة، قائلا: «تشير التقارير إلى أن الإنسان المصري والعربي يقرأ لمدة 7 دقائق فقط في السنة، وجزءا كبيرا من ثقافتنا ثقافة شفهية، فالقرآن الكريم على سبيل المثال تربطنا به علاقة سماع لا قراءة وتأمل، كما أن حجم الدراسات التي تناولته لا تتناسب مع أهميته».
وأشار الوزير إلى ظاهرة تزايد رواج الكتب في مصر حاليا، مؤكدا على أهمية «التغلب على فكرة مركزية النشر في القاهرة». وقال: «في العام الماضي تم تسجيل 23 ألف عنوان جديد في دار الكتب، معظمها في التخصصات الأدبية»، مضيفًا أن أحد التحديات التي تواجه القراءة في مصر هي نوعية الكتب التي تنشر، فهناك تركيز على المواد الأدبية مثل دواوين الشعر والقصص، مع قلة النشر في الفنون المعرفية الأخرى ومجالات البحث العلمي المختلفة».
أما اليوم الثاني والختامي للقمة، فحفل بعدد من النقاشات والسجالات الثرية من بينها: جلسة «الكتاب والتبادل الثقافي» برئاسة الدكتورة سهير الشامي، أستاذ بقسم اللغة الفرنسية، كلية الآداب بجامعة الإسكندرية. وتناولت الجلسة في مجملها دور الترجمة في بناء الدولة القومية في مصر الحديثة منذ القرن التاسع عشر، وتحدث فيها الدكتور أحمد يوسف، الكاتب المصري المقيم بفرنسا وعضو المجمع العلمي المصري، عن شخصية الشيخ المسيري السكندري في مراسلات بونابرت في مصر، موضحًا أنه اكتشف هذا الموضوع بالصدفة عندما كان يعمل على رسائل نابليون بونابرت.
وفي جلسة «الكتاب الإلكتروني أم الكتاب المطبوع»، تطرق المشاركون إلى خصائص الكتاب الإلكتروني التفاعلي، وتغيّر واجهات وأساليب وعادات القراءة، وتحدثت فيها الدكتورة إيلينا ريليان، من الجامعة الأوروبية، عن الاعتبارات النفسية والتربوية في استخدام الكتاب الرقمي وتطوره، مشيرة إلى أهمية دعم مبادرات التعليم بالطريقة الرقمية. وأوضحت ريليان أن الكتب الرقمية هي عبارة عن خليط من كتب المراجع وكتب الحالات وكتب التمرين وكتب إعطاء الإرشادات التي تتضمن أنماطا متعددة.
وأشارت إلى أن إحدى المشكلات التي تواجه الكتاب الرقمي هي الكتاب المتعدد الأنماط، فهناك كثير من المصطلحات التي تسبب الالتباس بالنسبة للكتب الإلكترونية يجب إزالتها، وأوصت بتطوير أطوار وأشكال حديثة من الكتب الدراسية، لتأخذ الطابع الرقمي مع الوضع في الاعتبار تدريب الطلاب عليه منذ الطفولة لكي يستطيعوا استخدامه في جميع المراحل التعليمية، وكذلك تدريب المدرسين عليه، وأنه يجب الاهتمام ببعض المبادئ التي تتعلق بتصميم الكتب، والمردود للمحتوى.
وتحت عنوان «قضايا الكتاب في العالم العربي» أُقيمت حلقة نقاشية برئاسة الدكتور عماد أبو غازي، وزير الثقافة السابق، وأستاذ الوثائق، كلية الآداب، جامعة القاهرة. تحدث خلالها الكاتب الصحافي محمد فرحات مشيرا إلى أن الكتاب العربي «نتاج فرد أكثر مما هو نتاج جماعة، فهو كتاب فرد ليقرأه فرد، فإذا قرأته جماعة وأعادت قراءته جيلاً بعد جيل فهي تقدس واضع الكتاب وتمنع نقده، وتضم صاحب الكتاب إلى الأولياء الصالحين الذين لا يأتيهم الخطأ، والذين تصلح أفكارهم للاعتماد في زمان ومكان. وبذلك، كما أضاف، يصير الكتاب كلاسيكيًا في أحسن الأحوال، وفي أسوأها يصير عائقًا أمام وعي الحاضر والتفكير بالمستقبل بدعوى أنه كتاب ما بعده كتاب».
وقال فرحات إن «صناعة الكتاب شكلاً هي مهمة الناشر، ولكن للناشر مهمة أخرى وهي الإشراف اللغوي المعرفي على الكتاب الذي يصدره، ويتم ذلك بالتعاون مع الناشر وبالتراضي بين الطرفين على سيادة الصواب اللغوي والحقيقة المعرفية، وأن هناك دور نشر قليلة لها مستشارون يشرفون على إصدارتها لكن الغالبية لا تعتمد ذلك».
وتناول فرحات قضية الرقابة، موضحا «أن الكتاب العربي يخضع لثلاث جهات رقيبة: رقابة ذاتية من المؤلف والناشر، وحكومية، وشعبية من التيارات الجماهيرية. والأخطر هي الرقابة الذاتية التي تحد من شخصية الكاتب، فيصير محترف تأليف ويتراجع إبداعه ونقده، وقد يتساوى هنا حضوره وغيابه. ورقابة الناشر تراعي شروط توزيع الكتاب وتوصيله إلى القارئ كأنه سلعة لا بد أن تعبر الجمارك لتصل إلى السوق».
وعن صعوبات صناعة الكتاب العربي، تحدث الدكتور خالد عزب، رئيس قطاع المشروعات والخدمات المركزية بمكتبة الإسكندرية، قائلا إن «الصعوبات ظهرت بالتزامن مع الحركات الثورية في العالم العربي وما عرف بـ(الربيع العربي) إذ تفاقمت المشكلة بشكل قوي منذ عام 2011»، مستثنيا دولة الجزائر نتيجة برنامج وزارة الثقافة الجزائرية، لافتا إلى أن الإشكالية في العالم العربي تتمثل في العلاقة بين مضمون ما ينشر وحجم ما ينشر وطبيعة النشر ذاته.
وأشار المحاضر أيضًا إلى طبيعة الحراك الذي حدث مع بداية القرن الحادي والعشرين والمرتكز على الرواية بشكل أساسي بوصفها مصدرا لحراك النشر. وذلك حدث استنادًا إلى عدة معطيات أبرزها التفاعل عبر شبكات التواصل الاجتماعي، فـ«أجيال الكتاب الجدد نجحوا في بناء شبكة للدعاية لهم والترويج لأعمالهم عبر هذه الشبكات، بغض النظر عن مضمون إنتاجهم الذي يصل في بعض الأحيان إلى التعبير عن خواطر شخصية، حتى إن دور النشر العربية الكبرى نشرت مدونات على الإنترنت، واجتذبت شبابًا لهم صفحات رائجة وعدت هذا نجاحًا كبيرًا».
ولفت عزب إلى أن الكتاب الجامعي يمثل النسبة الأكبر من حجم الكتاب العلمي إذ يمثل نحو 90 في المائة، وأشار إلى أن الترجمة تمثل مقياسا لمدى تفاعل أي مجتمع مع العالم المحيط وكذلك مقياسا لمدى طموح هذا المجتمع لنمو المعارف والعلوم فيه، بل وقدرته على ملاحقة الجديد في مجالات العلوم كافة».
وعن وضع الكتاب في المغرب، أشار الدكتور حسن الوزاني، مدير الكتاب والخزانات والمحفوظات بوزارة الثقافة المغربية، إلى أن «الثقل الاقتصادي يظل لقطاع الكتاب بالمغرب محدودًا مقارنة مع القطاعات الاقتصادية الأخرى. وفي هذا الإطار حقق مجمل مكونات مجال النشر والطباعة سنة 2013 إنتاجا يتجاوز 328 مليون دولار، ووصل رقم المعاملات إلى نحو 357 مليون دولار، وذلك من خلال اشتغال 500 مؤسسة نشر ووحدة مطبعية».
وأكد الوزاني أن قطاع توزيع الكتاب بالمغرب يتسم بتوزعه على نظامين أساسين يتجلى الأول في شبكة التوزيع المهني بمحدودية مكوناتها وبغياب المنافسة، وبتركيز اشتغالها على الكتاب المدرسي والأجنبي من جهة، وعلى الصحافة المكتوبة من جهة أخرى. أما الثاني فيتجلى في التوزيع الذاتي المعتمد سواء من طرف الكتاب أو دور النشر.



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.