امتعاض الكتاب الهنود.. 60 كاتبًا يعيدون جوائز الحكومة

امتعاض الكتاب الهنود.. 60 كاتبًا يعيدون جوائز الحكومة

احتجاجًا على تصاعد مناخ التعصب تحت قيادة رئيس الوزراء مودي
الاثنين - 27 محرم 1437 هـ - 09 نوفمبر 2015 مـ
مجموعة من المثقفين يحتجون على تصاعد مناخ التعصب تحت قيادة رئيس الوزراء نايندرا مودي («الشرق الأوسط»)

يثور القلم والكلمات في الهند، بإعادة 60 من كبار كتاب ومؤلفي الهند الجوائز التي منحتها الحكومة لهم، أو يستقيلون من مناصبهم احتجاجًا على تصاعد مناخ التعصب تحت قيادة رئيس الوزراء نايندرا مودي.
وفي حين أن هؤلاء الأدباء - الذين يعيدون جوائزهم إلى الحكومة - «يتأذون» من انتشار «السم الطائفي» في البلاد، يتردد صدى احتجاج الكلام والكلمات في جميع أنحاء الهند.
وهذه هي المرة الأولى في تاريخ الهند التي يحتج فيها هذا العدد الكبير من الكتاب ضد الحكومة التي تلتزم «صمت الحملان».
وقال الشاعر وسيم باريلفي، أحد المنضمين للمقاومة اللاعنيفة للقلم والكلمات: «لا يمكن للكاتب البقاء على قيد الحياة سوى عندما يتنفس الهواء النقي. ويعتبر الكاتب هو العين التي تذرف الدمع الأول حال اضطرب النسيج الاجتماعي للبلاد».
وتوجد ثلاث حوادث على وجه الخصوص هزت المجتمع الأدبي في الهند. إحداها كانت في أغسطس (آب) لعملية قتل الكاتب حائز جائزة «إم إم كالبورغي»، الذي قيل إنه قُتل رميا بالرصاص لانتقاده علنا الخرافات وعبادة الأوثان الهندوسية. ولا تزال الشرطة تحقق في مقتله، وأصدرت رسوما تقريبية للمشتبه بهم.
والحالة الثانية كانت عملية قتل مسلم على يد حشد من الغوغاء الهندوس بسبب شائعات بأنه ذبح بقرة بغية أكل لحمها. وألقت الشرطة القبض على عشرة أشخاص في هذه القضية.
وينمو تيار المعارضة أكثر من ذلك، لا سيما بعد تعرض المؤلف والسياسي سوديندرا كولكارني لهجوم من أعضاء بحزب «شيف سينا» اليميني الهندوسي، إذ ألقوا حبرا أسود على وجهه، اعتراضا منهم على إقامته حفل تدشين كتاب لوزير الخارجية الباكستاني السابق خورشيد محمود قصوري، مما أجبر أيضا على إلغاء حفل موسيقي باكستاني شهير في مومباي. وتعارض المجموعة الهندوسية استضافة الكتاب والموسيقيين والرياضيين الباكستانيين في الهند، لدعوى رعاية إسلام آباد الإرهاب في دلهي.
وترد كافة هذه الأحداث على وسائل الإعلام المختلفة في جميع أنحاء العالم كأنها نقيض وقح للصورة التي يروج لها رئيس الوزراء الهندي بعناية بأنه رجل دولة يبحث عن الاعتراف العالمي. كما أنها تحفز طوفانًا من احتجاجات الأدباء.
وكتب الأديب الهندي المعروف عدي براكاش - وهو أول من يعيد جائزة «ساهيتيا أكاديمي» (الأكاديمية الوطنية المعنية بتعزيز الأدب بلغات الهند)، التي تحمل اقتباسًا وجائزة مادية قدرها 10 آلاف روبية - على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»: «هذا العمل الإرهابي الجبان (قتل كالبورغي) صدمني. هذا ليس الوقت لالتزام الصمت من أجل حماية أنفسنا. الصمت سوف يشجع فقط مثل هؤلاء الغوغاء».
وأعقبته نايانتارا ساهغال (80 عاما)، ابنة شقيق رئيس الوزراء الهندي السابق «جواهر لال نهرو»، والكاتبة المشهورة، بإعادة جائزتها. وذكرت ساهغال في خطاب احتجاجي عاطفي بعنوان «تدمير الهند: لماذا أعيد جائزة ساهيتيا أكاديمي»: «في ذكرى القتلى الهنود، ودعما لهؤلاء الهنود الذين يؤيدون الحق في الاختلاف، وجميع المعارضين الذين يعيشون الآن في حالة من الخوف وعدم اليقين، قررت إعادة جائزة (ساهيتيا أكاديمي) التي حصلت عليها».
ويتسم الأديبان الهنديان مانغليش دابرال، وراجيش جوشي بالوضوح فيما يعتبرانه مناخًا من الخوف والترهيب.
وأعلن الكاتب التاملي بيرومال موروغان عن «وفاته» كفنان إبداعي على «فيسبوك» عقب تهديدات واحتجاجات نظمتها الجماعات الهندوسية اليمينية. وأوضح موروغان أنه كان يعتزم التوقف عن الكتابة، وطلب من الناشرين سحب كل أعماله الأدبية من البيع.
وقال دابرال: «من الكتابة إلى العادات الغذائية، وفصائل الحزب الحاكم يقذفون السم ضد المسلمين، يجري حاليًا خلق جو خطير في البلاد». وأضاف جوشي: «كانت هناك محاولات لكبح حرية التعبير، لكن مثل هذه الاتجاهات أصبحت أكثر وضوحًا في ظل حكومة مودي».
ومنذ صعود مودي إلى السلطة العام الماضي، دفعت الجماعات القومية الهندية لتنفيذ أجندتها بنشاط أكبر، والتي تتضمن منع ذبح الأبقار، التي يقدسها الهندوس.
ويشعر المثقفون بأن تلك الجماعات عازمة على استقطاب البلاد على أسس دينية، وينتقدون ما يقولون إنها استجابة فاترة من جانب الحكومة. وفي المقابل، تتهم دلهي المؤلفين بأن لديهم دوافع سياسية، ويحاولون اختلاق أزمة لحكومة مودي.
وكتب وزير المالية الهندي أرون جيتلي، في منشور مطول على صفحته بموقع «فيسبوك»، أنه لم يكن هناك جو من التعصب في البلاد، غير أن تصرف الأدباء هذا بإعادة الجوائز هو مجرد احتجاج مصطنع.
ومنذ تنصيب الحكومة الجديدة في مايو (أيار) 2014، من الواضح أن هؤلاء - الذين استمتعوا بالرعاية في ظل الحكومة السابقة - يشعرون بعدم الارتياح حيال الحكومة الحالية. وتعزز هذا الانزعاج من خلال واقع سياسي آخر في الهند، المتمثل في تقلص الثروات، بجانب عدم إظهار الكونغرس أي علامات على الانتعاش. وكذلك يتم تهميش الشيوعيين على نحو متزايد. ويبدو أن هذه الاستراتيجية الجديدة المناهضة لمودي والمناهضة لحزب «بهاراتيا جاناتا» الحاكم تصعد إلى «السياسة بوسائل أخرى.. والطريقة الأسهل هي اختلاق أزمة، وبالتالي اصطناع ورقة تمرد ضد الحكومة في أعقاب الأزمة المختلقة»، بحسب وزير المالية الهندي.
ومما يزيد الطين بلة، قال وزير الثقافة الهندي ماهيش شارما: «إن قالوا إنهم لا يستطيعون الكتابة، دعهم يتركوا الكتابة أولا. وحينها سنرى. هذه جائزة ممنوحة من كتاب إلى كتاب. وليس لها أي علاقة بالحكومة. هذا خيارهم الشخصي بإعادتها. ونحن نقبل ذلك».
وفي غضون ذلك، أعرب نادي القلم الدولي (اتحاد رائد للأدباء في العالم)، عن تضامنه مع الأدباء والفنانين الهنود، الذين أعادوا جوائزهم المرموقة احتجاجًا على «تنامي التعصب» في البلاد، مطالبا حكومة حزب بهاراتيا جاناتا بتوفير حماية أفضل وضمان حرية التعبير.
وكتب جون رالستون، رئيس نادي القلم الدولي، خطابا لرئيس ورئيس وزراء الهند، يحثهما فيه على اتخاذ «خطوات فورية» لحماية حقوق الجميع، بمن فيهم الكتاب والفنانون.
وفي الوقت ذاته، أجرت كل الجماعات الهندوسية طقوس التطهير، لـ«استعادة بعض العقل» لعقول عشرات الكتاب الهنود الذي أعادوا جوائزهم الوطنية.
وقال السكرتير الوطني لحزب «بوجا شاكون باندي»: «جرت طقوس التطهير حتى تعيد القوى الإلهية بعض العقل لمن يدعون المثقفين الهنود الذين يعيدون جوائزهم. وتجلب هذه البادرة العار على الأمة بأسرها. إنهم مدانون بالخيانة».
وبينما يعم الانقسام المجتمع الأدبي بشأن إذا ما كانت إعادة الجوائز هي الطريق الصحيح للاحتجاج أم لا، فإن الكثيرين لا يزالون يلقون باللوم على الحكومة في عدم التحرك بسرعة لإدانة الأحداث الطائفية.
وقالت رنا أيوب، صحافية تحقيقات حائزة على جائزة وكاتبة في السياسية، تؤلف كتابا عن رئيس الوزراء الهندي نايندرا مودي، من المقرر نشره في وقت لاحق من هذا العام: «باعتباري مواطنة هندية، أشعر بالسعادة أنه رغم التعصب، يوجد مقاومة واحتجاج يجب الاحتفال بهما، لأنهما يدلان على أن ضمير الهنود العاديين لم يمت بعد. الكتاب الأعزاء: نعم، سوف تتعرضون للسخرية والانتقاد، لكن التاريخ سيكون موضوعيا وصادقا إلى حد كبير. ونعم، أنتم تخوضون معركة لا تحظى بشعبية، لكن التاريخ والأجيال المقبلة سوف يبرئانكم. نحن أبناء الوطن فخورون بأدبائنا المحتجين».


اختيارات المحرر

فيديو