قبل أربع سنوات، عندما عُرضت للبيع العمارة السكنية رقم 1921 في شارع كالوراما، بحي كالوراما شمال غربي العاصمة الأميركية واشنطن، أصرت ناتالي مارا، التي تقطن في العمارة منذ أكثر من 30 سنة، على البقاء في شقتها التي تحبها.
وقالت مارا: «استغرق الأمر ما يقرب من عامين من التفاوض الشاق، لكن كانت هناك مجموعة أساسية مكونة من سبعة أفراد منا في جمعية المستأجر التي عملت مع محامٍ لضمان حماية حقوقنا». وأضافت: «تفاوضنا على حق العيش في شققنا بموجب حماية المستأجرين طوال حياتنا. صدقيني، لم يخطط أحد منا أبدًا للانتقال الآن. لمَ عسانا نفعل ذلك؟ فلدينا شقق مجددة ورائعة وبإيجار منخفض».
استفادت مارا وجيرانها من قانون يتيح للمستأجر إمكانية الشراء، وهو بند متعارف عليه في الحي يوفر الحماية القوية للمستأجرين لتجنب الانتقال القسري. ويتلقى المستأجرون المسنون والمعوقون الحماية الإضافية بموجب القوانين المحلية لحمايتهم من الطرد أو الزيادات المفرطة في الإيجار.
وقال ستيف شوات، وهو مدير في شركة «إربان إنفستمينت بارتنرز» في واشنطن: «تعود صياغة قانون فرصة المستأجر للشراء إلى سبعينات القرن الماضي، بغية حماية المستأجرين من التشرد في ظل توجه المطورين لتحويل الشقق إلى وحدات سكنية خاصة فاخرة». وتابع: «يعطي القانون المستأجرين الحق في شراء عماراتهم أو إسناد حقهم إلى طرف ثالث».
ويمكن للمستأجرين التقرير بأنفسهم إذا ما كانوا يريدون شراء عمارتهم، حتى قبل عرضها للبيع، لكن الأكثر شيوعًا أن يتم تقديم إشعار لكل المستأجرين في حال إذا رغب المطورون في شراء عمارتهم. وترسل حكومة واشنطن العاصمة إخطارًا للمنظمات غير الربحية التي تساعد المستأجرين منخفضي ومتوسطي الدخل الذين يسعون للحفاظ على تسكينهم بأسعار معقولة، وذلك بالتزامن مع إرسال الإشعار للمستأجرين.
وأوضحت أنيتا بالانتين، مديرة برنامج خدمات الإيجار للأسر المتعددة بإدارة إرشاد الإسكان في واشنطن: «يتجاهل الكثير من المستأجرين هذه الإشعارات، لذلك فإننا نقوم بتوزيع منشورات، ونعقد اجتماع، حتى يفهموا حقوق الشراء المتاحة أمامهم».
وأشارت بالانتين إلى أن المستأجرين الذين لا يفعلون شيئًا حيال الإشعار المقدم لهم بخصوص إمكانية الشراء لن يفقدوا بالضرورة منازلهم. وتابعت: «لا يتعين على المستأجرين الانتقال في العاصمة عندما تنتقل ملكية عمارتهم، لكن يتم تحويل عقودهم إلى المالك الجديد».
وأوضح ويليام ريتش، نائب الرئيس الأول لشركة «دلتا وشركاؤها»، المتخصصة في تعقب مبيعات العقارات التجارية، أنه جرى تغيير ملكية إجمالي 218 عمارة سكنية في المدينة منذ يناير (كانون الثاني) 2010. لكن الشركة لا تتعقب عدد العمارات التي تحولت إلى وحدات سكنية خاصة فاخرة منذ عام 2014. وارتفعت المبيعات السنوية إلى 43 وحدة في عام 2013، من عدد 29 في 2010، وبعدها انخفضت المبيعات إلى 35 في عام 2014. وفي الفترة ما بين يناير وسبتمبر (أيلول) هذا العام، تم بيع 31 عمارة سكنية، بحسب ريتش.
وقال مات ديوي، نائب رئيس المبيعات في شركة «إربان بيس» في واشنطن: «نرى حالات تغيير الكثير من العمارات السكنية في العاصمة واشنطن، لكن جميعها لا تتحول إلى وحدات سكنية خاصة». وأضاف: «انهارت سوق العمارات السكنية في الفترة ما بين عامي 2008 و2011، لكننا شاهدنا زيادة عدد المبيعات غالية الثمن خلال السنوات الأخيرة، بسبب ارتفاع الطلب على الإيجارات والشقق السكنية الخاصة هناك. ويستطيع المطورون أيضًا الحصول على المال الآن بسهولة أكثر مما كانت عليه الأوضاع أثناء الركود».
ولفت ديوي إلى أن الكثير من المطورين يجدون من السهل ماليًا إبقاء الشقق سكنية، مع تجديدها وزيادة إيجارها، بدلاً من تحويلها إلى وحدات سكنية خاصة.
وتختلف قواعد القانون وفقًا لحجم العمارة، رغم أن كل المستأجرين لديهم الحق في الرفض الأولي بموجب القانون. ويكمن الاختلاف الرئيسي في أن العمارات التي تبلغ وحداتها خمسة فما أكثر تستغرق وقتًا إضافيًا في التفاوض قبل البيع.
وقال إريك روم، محامٍ بوكالة «إيست وروم» العقارية في واشنطن: «إذا تلقيت إشعارًا بأن العمارة معروضة للبيع، تكون الخطوة الأولى هي تشكيل جمعية مستأجرين وتسجيلها في حكومة العاصمة». ويجب توقيع ما لا يقل عن 51 في المائة من مستأجري العمارة على اتفاق لتشكيل جمعية.
وأوضحت بالانتين أن المستأجرين يكون أمامهم 45 يومًا عقب الإشعار بالبيع لتشكيل جمعيتهم وتسجيل نيتهم لشراء العمارة. ويكون أمام جمعيات المستأجرين المشكلة بالفعل 30 يومًا لتسجيل نيتها بالشراء.
وذكرت بالانتين أنه «لا يصبح تسجيل المستأجرين نيتهم في شراء العمارة بمثابة إلزامًا بالشراء الفعلي.. لكنها خطوة أساسية للبدء في عملية التفاوض مع الشخص أو الشركة التي تقدمت بعرض للعمارة ومع المشترين المحتملين الآخرين».
ورأت بالانتين أنه ينبغي على جمعية المستأجرين توكيل محامٍ أو منظمة غير ربحية بمجرد تسجيل نيتها في الشراء. ويكون أمام جمعية المستأجرين أربعة أشهر من تاريخ تسجيل نية شراء العمارة لتوقيع عقد البيع وإيداع مبلغ قيمته 5 في المائة أو أقل من سعر الشراء. ونوهت بأن الأموال يمكن أن تأتي من المطور الذي تعاقد المستأجرون معه أو من منظمة غير ربحية.
وعادة ما تكون الرسوم القانونية جزءًا من المساومة بين جمعية المستأجر والمطور.
وقالت مارا: «أجرينا مقابلات مع أربعة أو خمسة مطورين، واخترنا شركة (إربان إنفستمينت بارتنرز)، لأنها بدت أكثر استعدادًا للعمل معنا». وتابعت: «كنا ديمقراطيين بقدر الإمكان، وأجرينا تصويتًا على كل شيء».
وذكر روم أن معظم جمعيات المستأجرين تجري مقابلات مع عدد من اثنين إلى خمسة مطورين مرشحين، وتختار أحدهم في مدة من أربعة إلى ستة أشهر.
ويقول شوات، من شركة «إربان إنفستمينت بارتنرز»: «يمتلك المستأجرون خيار المطالبة بالتحسينات التي يودونها، ويمكنهم دعوة المزيد من المشترين المحتملين». وتابع: «بُنيت الكثير من الشقق القديمة في العاصمة واشنطن قبل أو مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية، ولا تزال تمتلك نوافذها الأصلية وأجهزة التدفئة والأسلاك الكهربائية القديمة، وبذلك فإنها لا تلبي معايير قواعد السلامة من الحرائق والإنشاء الحديثة».
وأقنعت مارا وجيرانها شركة «إربان إنفستمينت بارتنرز» بالحفاظ على تصاميم شققهم سليمة بدلاً من ترك التصاميم الداخلية للدور مفتوحة للتعديل. وقالت إن المستأجرين أصروا أيضًا على إبقاء غرفة الغسيل، بالإضافة إلى أجهزة تجفيف الغسيل المثبتة في كل شقة، وحتى إنهم تفاوضوا بشكل فردي على التخصيصات مثل حجم جهاز الاستحمام بدلاً من تركيب الأحواض وأجهزة الاستحمام.
وعادة ما يوكل المستأجرون محاميًا أو شركة إدارة لتمثيل مصالحهم، لكن يمكنهم أيضًا العمل بشكل مباشر مع المطور، بحسب ديوي.
وتابع ديوي: «يكون من الأفضل – إن أمكن - أن يكون موقف الشخص مثل جيرانه، لأنه إذا قرر شخص واحد التمسك وحده بمبلغ أو اتفاق معين، يمكنه حينها تدمير الصفقة كلها».
وفي بعض الحالات، يتطلب التجديد واسع النطاق انتقال السكان إلى وحدات أخرى أو خارج المبنى بأكمله، وفقًا لديوي. وفي هذه الحالة، يوفر المطور عادة مساعدة للسكن المؤقت.
وتعني قوانين حماية المستأجرين في الحي أن الإيجارات يمكن أن تزداد فوق النسبة المتفق عليها؛ فقط في حالة إذا قدم المالك التماسات من أجل الزيادة على أساس التحسينات الرأسمالية. لكن شوات يقول إنه بسبب إمكانية المستأجرين الطعن على التماس المالك، تكون النتيجة في الغالب سنة أو سنتين من التقاضي.
وتكون إحدى الوسائل التي يتجنب بها المالك تقديم التماس إلى الحكومة من خلال الاتفاق الطوعي المبرم مع 70 في المائة من المستأجرين. ويسمح الاتفاق الطوعي بشكل تقليدي للملاك الجدد بزيادة الإيجار على وحدات معينة، عادة عندما تصبح تلك الوحدات شاغرة فقط، على حد قول شوات.
وذكر روم أنه «يمكن للاتفاق الطوعي أن يضيف قيمة للمستأجرين أثناء التفاوض، وبخاصة إذا كان المبنى قديمًا وإيجاراته مخفضة جدًا». وأضاف: «يمكن أن تكون أداة مساومة للمستأجرين، وتجعل من السهل للمطور الحصول على التمويل للبيع والتجديدات بناء على الإيجارات في المستقبل».
وتابع روم أن هناك نقاشًا حول إذا ما كانت الاتفاقات الطوعية جيدة أم سيئة للمدينة، لكنه لفت إلى أنه من مصلحة المستأجرين التوقيع على مثل هذا الاتفاق. وأردفت بالانتين بالقول إن المدينة فقدت بعض وحدات التسكين بأسعار معقولة بسبب الاتفاقات الطوعية، لكنها أشارت إلى أن الاتفاق أحيانًا يكون هو الخيار الصحيح لبعض المستأجرين.
وقالت بالانتين: «نقدم المشورة والمعلومات والدعم للمستأجرين، حتى يتسنى لهم اتخاذ القرار الأفضل لأنفسهم». وتابعت: «يكمن النقاش النفسي في إذا ما كان ينبغي للمستأجرين الحاليين امتلاك القدرة على دفع الوحدات الشاغرة إلى خارج نطاق السيطرة عن طريق الاتفاق الطوعي».
وعلى الرغم من أن القانون يطالب 70 في المائة من المستأجرين بالتوقيع على الاتفاق الطوعي، فإن شركة «إربان إنفستمينت بارتنرز» تتطلب توقيع 75 في المائة من المستأجرين على الاتفاق قبل المضي قدمًا في الصفقة، بحسب شوات.
وقال روم: «لا يستفيد المطورون فعليًا من المستأجرين طالما أن المستأجرين يمارسون حقوقهم بشكل صحيح». وأوضح: «هناك تزامن للمصالح بين المستأجرين والمطورين. ويعلم المطورون الجيدون أن بإمكانهم إبرام اتفاق أفضل بالتعاون مع المستأجرين بدلاً من إظهار العداء لهم».
وفي الماضي، كان بإمكان المستأجرين التفاوض للحصول على وحدات التأجير والشقق الخاصة في نفس المبنى، لكن القواعد الجديدة لتمويل الشقق الخاصة تحدد عدد وحدات التأجير المتاحة في المبنى، وفقًا لروم. وأضاف أن سعر الشراء للمبنى بجانب تكاليف التجديد تجعل التحويل إلى شقق خاصة فاخرة مكلفة للغاية. ومع ذلك، ذكر روم أن تحويل العمارات الصغيرة – تلك التي تحتوي على عدد من 12 إلى 40 وحدة – إلى وحدات سكنية يكون أسهل من بناء عمارة عدد وحداتها من 80 إلى 200 وحدة، نظرًا لأن معظم المستأجرين يحتاجون لأن يكونوا قادرين على ومستعدين لشراء الوحدات.
وأوضح روم: «يفضل معظم المستأجرين على المدى الطويل البقاء في وحدة منخفضة التكاليف وتخضع لحماية المستأجرين، فيما يفضل الكثير من الشباب والسكان الجدد الحصول على مبالغ مالية والانتقال إلى إيجار آخر ما لم يكن السعر قليلاً بشكل لا يتيح الحصول على وحدة سكنية أخرى».
وتختار جمعيات المستأجر في العادة أحد الخيارات التالية:
* تجديد التأجير في ظل قانون حماية المستأجرين: حيث يمكن للمستأجرين أن ينتهي بهم المطاف في شقق أفضل بنفس المبلغ الذي يدفعونه حاليًا للإيجار. وقال شوات: «يرجح المستأجرون منذ فترة طويلة البقاء أثناء التجديد، لأن تلك الشقق التي تخضع لحماية المستهلكين تكون أقل تكلفة بشكل كبير من أي وحدة سكنية أخرى يمكنهم العثور عليها في سوق الإيجارات الحالي».
* تحويل الوحدة السكنية: حيث يمكن للمستأجرين أن يصبحوا أصحاب منازل إن كان بإمكانهم الحصول على قروض لشراء وحدات في العمارات التي يقطنوها. وذكر ديوي أن «بعض الأشخاص يفصلون شراء الشقق التي يستأجرونها؛ ففي العادة، يكون الخصم للمستأجرين الحاليين في شراء الشقق الخاصة جيدًا».
* شراء الإيجار: حيث يمكن للمطور عرض شراء عقد الإيجار مقابل إعطاء المستأجرين المال، الذي يمكن استخدامه لدعم الانتقال إلى شقق إيجار أخرى أو دفعه كقسط أول لشراء منزل. ويعتمد حجم شراء الإيجار على عدة عوامل، تشمل حجم الوحدة. يكون المبلغ في العادة من 15 ألف دولار إلى 25 ألف دولار، لكن أحيانًا يمكن أن ينخفض المبلغ إلى 2500 دولار أو يرتفع إلى 50 ألف دولار أو حتى 100 ألف دولار، وفقًا لروم.
ويقول ديوي إنه «سواء قررت البقاء كمستأجر أو أن تشتري وحدة خاصة أو تأخذ مالاً مقابل ترك الوحدة، ينبغي عليك أن تنظر إلى شراء العمارة كفرصة فريدة من نوعها».
* خدمة «واشنطن بوست» خاص بـ«الشرق الأوسط»
