حزب ساويرس يسعى لحصد أغلبية البرلمان بإثارة الجدل حول «الهوية الإسلامية وأوضاع المسيحيين»

مسؤول بالأزهر لـ {الشرق الأوسط}: المادة الثانية بالدستور «خط أحمر».. و«الدعوة السلفية»: لن نسمح بذلك

حزب ساويرس يسعى لحصد أغلبية البرلمان بإثارة الجدل حول «الهوية الإسلامية وأوضاع المسيحيين»
TT

حزب ساويرس يسعى لحصد أغلبية البرلمان بإثارة الجدل حول «الهوية الإسلامية وأوضاع المسيحيين»

حزب ساويرس يسعى لحصد أغلبية البرلمان بإثارة الجدل حول «الهوية الإسلامية وأوضاع المسيحيين»

استبق مراقبون أجندة البرلمان المصري المزمع انعقاد أولى جلساته مطلع العام الجديد، التي تنتظرها العديد من القضايا الملحّة اقتصاديًا واجتماعيًا، وأشار المراقبون إلى أن المعركة الأكثر قوة داخل مجلس النواب ستكون بين الدعوة السلفية وذراعها السياسية، حزب النور، وحزب المصريين الأحرار الذي يرأسه رجل الأعمال الشهير نجيب ساويرس، لافتين إلى أن حزب ساويرس جدد اتجاهه لحصد أغلبية البرلمان بإثارة الجدل حول الهوية الإسلامية وأوضاع المسيحيين في الدستور المصري.
وكشفت قيادات سلفية عن أن «المصريين الأحرار» سوف يتجه لإجراء تعديل على المادة الثانية «هوية مصر»، والثالثة «أهل الكتاب».. وأن مجلس النواب سوف يوافق على التعديل، لكن لن نسمح بذلك، بينما جاء رد «المصريين الأحرار» على لسان متحدثه الإعلامي أنهم «يحترمون كل مواد الدستور».
في غضون ذلك، قال قيادي مسؤول في مشيخة الأزهر لـ«الشرق الأوسط» إن المادة الثانية «خط أحمر»، والثالثة تضمن حقوق المسيحيين واليهود.
وتنص المادة الثانية الخاصة بهوية مصر في الدستور الذي جرى الاستفتاء عليه مطلع يناير (كانون الثاني) عام 2014، على أن «الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع». بينما تنص المادة الثالثة على أن «مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية، وشؤونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية».
من جانبه، قال ياسر برهامي نائب رئيس الدعوة السلفية في مصر لـ«الشرق الأوسط» إن «ساويرس، وحزبه، يريد تغيير المادة الثانية.. والتعديل مسألة وقت، ومجلس النواب سيوافق عليه»، مشددا بقوله: «لن نسمح بذلك»، وأضاف: «إنني عندما قلت إن الدعوة السلفية مستعدة للتعاون مع (المصريين الأحرار) قصدت من ذلك وفقا للدستور.. لأننا ندعو للمشاركة وليس للمغالبة».
في حين قال الشيخ محمود عبد الحميد مسؤول «الدعوة السلفية» بالإسكندرية، عضو شيوخ حزب النور لـ«الشرق الأوسط» إن «المادة الثانية لها رأي عام يحرسها»، مؤكدا أنه «لا يستبعد أن يحارب ساويرس المادة الثانية من الدستور محاربة شديدة، لو حصل على أغلبية في البرلمان وشكّل الحكومة الجديدة».
وفاز حزب المصريين الأحرار بالمركز الأول متصدرًا جميع الأحزاب السياسية المصرية خلال انتخابات المرحلة الأولى التي جرت الشهر الماضي، وحصد 41 مقعدًا، وعقب حصوله على أعلى نسبة من المقاعد البرلمانية تردد بقوة أن «المصريين الأحرار» ذا التوجه الليبرالي يسعى لتشكيل الحكومة الجديدة عقب إتمام الاستحقاق الأخير لخريطة طريق المستقبل. ويرى مراقبون أن «الدعوة السلفية» تلعب بورقة مواد الهوية لكسب أرضية كبيرة في الشارع تمكّنها من ضرب «المصريين الأحرار».. فضلا عن سعيها لاستغلال العداء الكبير الذي يكنّه تيار الإسلام السياسي لحزب ساويرس لدعوة المصريين لانتخاب مرشحي «النور» خلال المرحلة الثانية من الانتخابات التي ستبدأ يومي 21 و22 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي بالنسبة لخارج مصر، ويومي 22 و23 نوفمبر داخل مصر.
وقال الدكتور شعبان عبد العليم الأمين العام المساعد لحزب النور: «سوف نحذر المصريين من سيطرة حزب ساويرس على الحياة البرلمانية من أجل مستقبل الهوية الدينية»، لافتا إلى أن «(النور) سوف يستخدم جميع حقوقه الدستورية للوقوف ضد أي محاولات من حزب ساويرس لتعديل المادة الثانية، والشعب المصري لن يقبل هذا الكلام الذي يردده رجل الأعمال بقوة الآن»، موضحا أنه «سمع ساويرس أكثر من مرة يتحدث عن نيته لتعديل، بل لإلغاء المادة الثانية».
وأكد عبد العليم، وهو أحد المتحدثين الرسميين لـ«النور» أنه وارد جدا حدوث توافق على تعديل المادة الثانية في ظل حصول حزب «المصريين الأحرار» على الأغلبية داخل البرلمان، مضيفا لـ«الشرق الأوسط» أن «النور» لا يمانع التعاون مع ساويرس في حال التزامه بمواد الدستور تحت قبة البرلمان.
في السياق ذاته، قال قيادي مسؤول بالأزهر (إحدى أكبر المؤسسات الدينية الإسلامية في العالم) إن «الأزهر معروف بمواقفه الثابتة في مسألة تعديل المادة الثانية، التي عبر عنها أحمد الطيب شيخ الأزهر عندما أعلن في أول بيان له بعد ثورة 25 يناير 2011 مباشرة، أن المادة الثانية من الدستور خط أحمر.. وأن المساس بها مساس بهوية الأمة».
يُشار إلى أن المادة الثانية من الدستور قد أثارت الكثير من الجدل منذ ثورة 25 يناير، التي أطاحت بنظام حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، إذ طالبت قوى مسيحية وعلمانية باعتماد صيغة مغايرة يتم من خلالها التأكيد على دور مبادئ الشريعة دون أن تُعتبر «المصدر الرئيسي» للتشريع، واقترحت عدة صيغ لذلك، لكنها رُفضت من قبل القوى الإسلامية والأزهر وقتها.
وأضاف المسؤول، الذي رفض ذكر اسمه، أن «أي محاولة للاقتراب من المادة الثانية ستواجَه بكل قوة»، لافتا إلى أن «الأزهر يهيب بالجميع عدم الحديث عن المادة الثانية لأنها تمثل عقيدة الأمة والمصدر الأهم لهويتها ومبادئها وأصولها وهي المصدر الرئيسي لتشريعاتها.. والمادة الثالثة تضمن حقوق المسيحيين واليهود».
وتابع بقوله: «الأزهر من موقعه لا يقبل الجدل، ولن يسمح لأحد بأن يجر الأمة عقب اكتمال آخر استحقاقات خريطة طريق المستقبل باسم خلافات لفظية، لخلافات تثير المخاوف وتفتح أبواب الفرقة والفتنة التي تشغلنا عن الالتفات إلى عظائم الأمور».
وكان الأزهر قد خاض حربًا في الدستور «المعدل» الذي وضعته جماعة الإخوان عام 2012، رافضًا المساس بالمادة الثانية، وأصر أن تكون كما وردت في دستور عام 1971، لأنها تمثل عقيدة الأمة والمصدر الأهم لهويتها.
وتؤكد مشيخة الأزهر أن المادة الثانية بصياغتها الحالية هي عنوان توافق بين جميع القوى السياسية في مصر، وتوجه أكثر من خطاب؛ الأول خطاب إلى المشرع المصري للعمل على صناعة القوانين المصرية في كل فروع القانون، على أن تكون مستمدة من الشريعة الإسلامية، بمذاهبها المعتبرة أو مستفيدة من التراث القانوني العالمي، شريطة ألا يتعارض مع الشريعة، وبما يحقق مصالح الناس.. والثاني خطاب إلى القضاء المصري ممثلا في المحكمة الدستورية العليا باعتبارها الجهة الوحيدة المنوط بها أمانة النظر في دستورية القوانين وإلغاء كل نص قانوني يخالف الشريعة الإسلامية.
وشهدت لجنة الخمسين التي عدّلت دستور جماعة الإخوان عام 2014، محاولات حسم الخلاف بين «النور» والأزهر من ناحية، والكنيسة المصرية من ناحية أخرى، فيما يتعلق بمواد الهوية.. وكان هناك اختلاف في وجهات النظر بشأن المواد «الثانية والثالثة» و219 المفسرة لمبادئ الشريعة الإسلامية، التي وضعها إسلاميون في دستور عام 2012 لتفسير المادة الثانية بشكل أكثر تشددًا، وتم إلغاؤها من ديباجة الدستور الحالي. فضلا على إصرار ممثلي الكنائس المصرية الثلاث (الأرثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية) على تغيير كلمة في المادة الثالثة من دستور «الإخوان»، وهي «غير المسلمين»، واعتماد «المسيحيين واليهود»، وتم الاستجابة لهم واستبدالها، مدللين بأن «عدم استبدالها من الإخوان يميل إلى الطائفية».
واشتكى المسيحيون المصريون من إجراءات تمييزية بحقهم خلال عهد مبارك، وفي عهد جماعة الإخوان، رغم أن الدستور والقانون في البلاد يتيحان حرية الاعتقاد، ويجرمان التمييز على أساس الدين.
إلى ذلك، قال نادر الصيرفي، المسيحي، عضو بحزب النور، إن الخلاف بين النور والمصريين الأحرار على الوثيقة الدستورية الحالية، مؤكدا أن «(المصريين الأحرار) لديه اتجاه واضح ومعلن لرفض المادة الثانية»، لافتا إلى أن «ساويرس أكد أكثر من مرة للمسيحيين أنه ليس هناك مادة ثانية.. ونريد مصر دولة علمانية»، مضيفا لـ«الشرق الأوسط» أن المسيحيين لا يجدون غضاضة في المادة الثالثة التي أصر عليها الأزهر في الدستور المصري، وأي محاولات للمساس بوحدة المسيحيين والمسلمين ستُقابل بحزم.
ويرى مراقبون أن مادتي «الهوية الإسلامية وأوضاع المسيحيين سوف تجدد الخلاف بين تيار الإسلام السياسي والكنيسة المصرية، وهي المعركة المؤجلة بين الطرفين».
وتعليقا على ادعاءات «النور»، قال شهاب وجيه المتحدث الرسمي لـ«المصريين الأحرار»، إن حزبه يحترم بشدة الدستور المصري الذي وضعته لجنة الخمسين، ووافق عليه الشعب المصري بأغلبية ساحقة، رغم التحفظ على بعض النقاط فيه.. رافضا الحديث عن هذه المواد، مؤكدا أن «الحديث عن تعديل مواد الدستور ليس وقته الآن».
وقال وجيه لـ«الشرق الأوسط» إن «(النور) فقد القاعدة الأكبر له وفقد عددًا كبيرًا من مؤيديه في الشارع؛ هناك انقسام كبير داخل (النور) بشأن الاستمرار في الانتخابات، حتى بعد فوزه بعدد من المقاعد»، لافتًا إلى أن «(النور) خسائره في المرحلة الثانية ستكون أكثر من الأولى، والانقسامات سوف تزداد داخله.. وهو يروج لأي شيء الآن من أجل كسب أرضية جديدة».
وحزب المصريين الأحرار ذو مرجعية ليبرالية أعلن عن تأسيسه ساويرس في 13 أبريل (نيسان) عام 2011، عقب ثورة 25 يناير، وضم نخبة من المفكرين والنشطاء السياسيين.
وسبق أن تداول أنصار لحزب ساويرس مطبوعًا منسوبًا لـ«المصريين الأحرار» في أحياء باب الشعرية والحسين والأزهر بوسط القاهرة خلال المرحلة الأولى من الانتخابات، تفيد برغبة مؤسس «المصريين الأحرار» في تولي رئاسة الحكومة المصرية بعد انتخاب مجلس النواب وحصول حزبه على الأغلبية التي تمكّنه من تشكيل الحكومة، لكن شهاب وجيه قال إنه من «المبكر جدًا الحديث عن تشكيل الحكومة الآن».



الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».


الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)

كشف تقرير دولي حديث عن تصاعد مقلق في وتيرة النزاعات المحلية داخل محافظة إب اليمنية، مرجعاً ذلك إلى سياسة ممنهجة تتبعها الجماعة الحوثية تقوم على تغذية الصراعات القبلية والتدخل المباشر فيها، بهدف إحكام السيطرة على المحافظة ومنع تحولها إلى بؤرة مقاومة مجتمعية.

وحسب التقرير الصادر عن مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة، فإن الجماعة تعتمد استراتيجية «إدارة الفوضى» أداةً للضبط الأمني والسياسي، عبر تأجيج النزاعات المحلية بدلاً من احتوائها، وهو ما أدى إلى تحويل إب، الواقعة على بُعد نحو 192 كيلومتراً جنوب صنعاء، إلى واحدة من أكثر المحافظات اضطراباً في مناطق سيطرتها.

وأشار التقرير إلى أن محافظة إب تصدرت قائمة مناطق الاقتتال الداخلي، إذ سجلت نحو 40 في المائة من إجمالي النزاعات المحلية في مناطق سيطرة الحوثيين خلال الفترة بين 2022 و2025، في مؤشر يعكس حجم الاستهداف الذي تتعرض له المحافظة ذات الكثافة السكانية العالية والثقل القبلي المؤثر.

ويوثق التقرير انخراط قيادات ومشرفين حوثيين بشكل مباشر في تأجيج النزاعات القبلية، من خلال دعم أطراف معينة بالسلاح والمال، أو عرقلة مسارات الحلول القضائية والقبلية التي لطالما شكلت آلية تقليدية لاحتواء الخلافات في المجتمع اليمني.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

ويرى معدّو التقرير أن هذه السياسة تهدف إلى تحقيق جملة من الأهداف، أبرزها إضعاف البنية القبلية وتفكيك تماسكها، وتحويل طاقاتها نحو صراعات داخلية تستنزف قدراتها البشرية والمادية. كما تسعى الجماعة، وفق التقرير، إلى إبقاء المجتمع في حالة انشغال دائم بالنزاعات، بما يحد من قدرته على تنظيم أي حراك موحد ضد سلطتها.

ولا تقتصر هذه الاستراتيجية على إشعال الصراعات، بل تمتد إلى التدخل لاحقاً كـ«وسيط»، مما يمنح الحوثيين فرصة فرض شروطهم وإخضاع شيوخ القبائل والوجاهات الاجتماعية لسلطتهم مقابل ترتيبات صلح توصف بأنها شكلية، تعزز نفوذ الجماعة أكثر مما تُنهي النزاع.

مركز ثقل مقاوم

وتكتسب محافظة إب أهمية خاصة في الحسابات الحوثية، كونها تمثل مركز ثقل سكاني ومدني، فضلاً عن موقعها الجغرافي الذي يربط بين عدة محافظات استراتيجية. ويشير مراقبون إلى أن هذه العوامل تجعل من إب نقطة حساسة قد تتحول إلى جبهة مقاومة مؤثرة في حال توحدت القوى المجتمعية داخلها.

ويؤكد التقرير أن الجماعة كثفت من سياساتها في المحافظة خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تنامي المعارضة الشعبية لمشروعها، ورفض محاولات التغيير المذهبي. كما أن أي اختراق عسكري أو شعبي في إب قد ينعكس على محافظات مجاورة مثل تعز والضالع والبيضاء، ويمتد تأثيره إلى ذمار، التي تعد البوابة الجنوبية للعاصمة صنعاء.

خلال السنوات الأخيرة تحولت إب إلى معقل للمعارضة المناهضة للحوثيين (رويترز)

ويرى محللون أن إب تمثل «خاصرة رخوة» نسبياً في خريطة سيطرة الحوثيين، وهو ما يفسر الحرص على إبقائها في حالة اضطراب دائم، بما يمنع تبلور أي حراك منظم قد يهدد نفوذ الجماعة في المنطقة.

وعلى الرغم من الضغوط الأمنية وتغذية الصراعات، يؤكد ناشطون أن المجتمع في إب لا يزال يبدي أشكالاً من المقاومة السلمية، من خلال رفضه السياسات المفروضة عليه، ومحاولاته الحفاظ على تماسكه الاجتماعي.

ويشير التقرير إلى أن استمرار هذه الروح الرافضة يمثل تحدياً حقيقياً للجماعة، التي تسعى بكل الوسائل إلى تفكيك أي بنية مجتمعية قد تشكل نواة لمعارضة منظمة. ومع ذلك، فإن تراكم المظالم والانتهاكات قد يدفع باتجاه انفجار اجتماعي في حال توفرت الظروف المناسبة لذلك.

تصاعد الانتهاكات

بالتوازي مع تغذية النزاعات، يشير التقرير ومصادر محلية إلى تصاعد ملحوظ في الانتهاكات الأمنية، بما في ذلك حملات الاعتقال الواسعة التي استهدفت شرائح مختلفة من المجتمع، من بينهم سياسيون وأكاديميون ونشطاء وأطباء.

ويؤكد مراقبون أن تعيين شخصيات أمنية مرتبطة بقيادة الجماعة في مواقع حساسة داخل المحافظة ترافق مع ارتفاع غير مسبوق في معدلات العنف والاقتتال الداخلي، مما جعل إب في صدارة المحافظات من حيث مستوى الانفلات الأمني.

في سياق متصل، أثارت حادثة وفاة أحد السجناء، ويدعى حسن اليافعي، جدلاً واسعاً في الأوساط المحلية، بعد العثور عليه مشنوقاً داخل زنزانته في ظروف غامضة، رغم انتهاء مدة محكوميته.

ألف سجين غادروا سجون الحوثيين في إب خلال شهر واحد (أ.ف.ب)

وتشير مصادر إلى أن إدارة السجن الحوثية أبقته محتجزاً لفترة إضافية بسبب عجزه عن دفع غرامة مالية، رغم معاناته من اضطرابات نفسية.

ودعا ناشطون إلى فتح تحقيق مستقل في ملابسات الحادثة، في ظل تكرار حالات وفاة مشابهة داخل السجون، غالباً ما يتم تسجيلها كحالات انتحار، وسط اتهامات بإهمال طبي متعمد أو سوء معاملة قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

ويرى حقوقيون أن هذه الحوادث تعكس نمطاً أوسع من الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز الحوثية، حيث يواجه السجناء ظروفاً قاسية تشمل الحرمان من الرعاية الصحية والتغذية الكافية، مما يزيد من المخاوف بشأن أوضاع حقوق الإنسان في مناطق سيطرة الجماعة.


العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
TT

العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

على وقع الحصار الذي أمر به الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الموانئ الإيرانية ابتداءً من الاثنين، هددت الجماعة الحوثية في اليمن بالعودة إلى مساندة طهران عسكرياً إذا ما تجددت الحرب، في حين طالب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بردع حازم لإنهاء خطر الجماعة والنظام الإيراني.

وخلال استقباله سفير الولايات المتحدة، ستيفن فاجن، شدد العليمي على أن التهدئة الراهنة التي أعقبت الضغوط على إيران قد تتحول فرصةً لإعادة تموضع الميليشيات الحوثية، بما يسمح لها باستعادة قدراتها واستغلال المرحلة أداةَ ابتزازٍ سياسي وعسكري لتحسين شروطها التفاوضية.

وأكد العليمي أن الخطر لا يكمن فقط في استمرار الدعم الإيراني، بل في قدرة هذه الجماعات على إعادة صياغة هزائمها بوصفها انتصارات، مستفيدة من الخطاب الآيديولوجي المرتبط بالعقيدة الإيرانية؛ وهو ما يتطلب – حسب تعبيره – تفكيك هذه السرديات وفضح أهدافها الحقيقية.

وركز رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني في تصريحاته التي نقلها الإعلام الرسمي، على البعد الاستراتيجي لدور الحوثيين، عادَّاً أنهم جزء من منظومة إيرانية أوسع تسعى لزعزعة استقرار المنطقة وتهديد المصالح الدولية، وفي مقدمتها أمن الملاحة البحرية.

العليمي استقبل في مقر إقامته بالرياض السفير الأميركي لدى اليمن (سبأ)

وأشار إلى أن استمرار التعامل مع هذه الجماعات دون حزم سيؤدي إلى تكريس نمط من السلوك القائم على استغلال فترات التهدئة لإعادة التموضع، وليس لتغيير النهج العدائي؛ ما يعزز الحاجة إلى موقف دولي أكثر صرامة.

كما أشاد العليمي بالدعم الأميركي، خصوصاً قرار تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، والإجراءات اللاحقة التي استهدفت شبكات التمويل والتهريب، عادَّاً ذلك خطوة مهمة في مسار تقويض قدراتها.

ولم يغفل رئيس مجلس القيادة اليمني الإشارة إلى الدور المحوري للسعودية، التي وصف مواقفها بأنها داعمة بشكل حاسم للشعب اليمني وقيادته، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الإنساني.

جاهزية عسكرية

على الصعيد الميداني، عكست تصريحات وزير الدفاع اليمني، الفريق الركن طاهر العقيلي، توجهاً واضحاً نحو رفع مستوى الجاهزية العسكرية، في ظل احتمالات التصعيد.

وخلال اجتماع موسع في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، استعرض العقيلي نتائج زياراته الميدانية، مشيراً إلى وجود انضباط عالٍ ومعنويات مرتفعة لدى القوات المسلحة، مع تأكيده على ضرورة الحفاظ على هذا المستوى من الاستعداد لمواجهة أي تحديات.

وأكد أن التنسيق بين مختلف التشكيلات العسكرية يشهد تطوراً ملحوظاً، خاصة في ظل العمل ضمن غرفة عمليات موحدة بقيادة رئيس مجلس القيادة الرئاسي؛ وهو ما يعزز فاعلية الأداء العسكري.

وزير الدفاع اليمني يرأس في عدن اجتماعاً لكبار القادة العسكريين (سبأ)

وشدد وزير الدفاع على أن الهدف الاستراتيجي المتمثل في استعادة العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي لا رجعة عنه، وعدّ أن تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن يظل مرهوناً بالقضاء على المشروع المدعوم من إيران.

في موازاة المواقف الرسمية، برزت موجة تضامن واسعة من قِبل منظمات المجتمع المدني اليمنية مع السعودية، في مواجهة ما وصفته بالاعتداءات الإيرانية المتكررة.

فقد أدانت نحو 200 منظمة ومؤسسة مدنية هذه الهجمات، مؤكدة أنها تستهدف أمن واستقرار دول الخليج، وتمثل امتداداً مباشراً للسياسات الإيرانية في اليمن.

وعدّت هذه المنظمات أن السعودية تمثل «صمام أمان» للمنطقة، وركيزة أساسية في دعم الشعب اليمني، مشددة على أن أي محاولات لزعزعة استقرارها لن تؤدي إلا إلى تعزيز التلاحم بين الشعبين.

كما دعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى اتخاذ موقف حازم يستند إلى القانون الدولي الإنساني، لوضع حد لهذه الاعتداءات، خاصة تلك التي تستهدف الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية.

تهديد حوثي

في المقابل، جاء موقف الحوثيين ليعكس تصعيداً في الخطاب، حيث زعموا أن صمود إيران على طاولة المفاوضات مع أميركا يمثل «انتصاراً» لمحور المقاومة، في إشارة إلى ما يعرف بـ«وحدة الساحات» التي تضم بقيادة إيران «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية، بالإضافة إلى الحوثيين.

وفي بيان لخارجية الجماعة الانقلابية، حذَّر من أن أي تصعيد أميركي جديد، سواء ضد إيران أو في البحر، ستكون له تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك سلاسل التوريد وأسعار الطاقة.

زعيم الحوثيين أمر جماعته بالاحتفال مدعياً انتصار إيران في الحرب على أميركا وإسرائيل (إ.ب.أ)

والأكثر أهمية كان تهديدهم الصريح بالعودة إلى المشاركة العسكرية الفاعلة إلى جانب إيران، في حال استئناف الضربات الأميركية أو الإسرائيلية، مشيرين إلى أن ذلك سيتم ضمن مسار تصاعدي في العمليات، حسب ما جاء في بيانهم.

كما أبدى الحوثيون رفضهم لما وصفوه بمحاولات فرض شروط سياسية عبر القوة العسكرية، عادّين أن هذه الاستراتيجية فشلت في السابق ولن تحقق أهدافها مستقبلاً.

وخلال الجولة السابقة من الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، انتظرت الجماعة الحوثية شهراً كاملاً قبل أن تبدأ العمليات المساندة لإيران من خلال تبني خمس عمليات إطلاق للصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل.