تابعنا خلال الأسبوعين الماضيين كيف استطاع جورج واشنطن أن يقود الجيش الأميركي المعروف بالجيش القاري ويحميه من بطش الجيوش الإنجليزية في حرب الاستقلال الأميركية، وكيف أنه استطاع أن يمد في أمد المعارك حتى يستطيع بناء جيشه للمواجهات النهائية مع أقوى الجيوش العالمية في ذلك الوقت، وهو ما استطاع فعله مع مرور الوقت خاصة بعد تدخل فرنسا إلى جانب الولايات الأميركية التي قدمت لهم بجيوشها وأسطولها كل الدعم خاصة في مجال تدريب الجيش الأميركي الوليد على الأساليب القتالية الحديثة، وهو ما كفل النصر في النهاية للجيش الأميركي، واستسلمت الجيوش الإنجليزية الواحد تلو الآخر واستقر الأمر للكونغرس الأميركي الذي قاد هذه الحرب سياسيًا، وقد ترك جورج واشنطن قيادة الجيش الأميركي وعاد إلى ضيعته في «مونت فيرنون» في ولاية فيرجينيا ليعيد بناءها مرة أخرى بعد آثار الحرب، وركز جهده خلال السنوات التالية في الزراعة والتجارة وتوسيع ممتلكاته.
تشير كثير من المصادر التاريخية أن «واشنطن» لم يكن على استعداد للدخول في العمل السياسي العام لإدراكه الكامل بأنه وصل إلى قمة المجد السياسي بقيادة الجيش الأميركي للاستقلال، ولكن الظروف بدأت تدفع به مرة أخرى إلى العمل العام بعد استقلال البلاد، حيث وجد نفسه في مقدمة الساسة لتنظيم الدولة الجديدة التي باتت في حالة اضطراب حقيقي، فتحقيق الاستقلال كان حلمًا يراود الجميع، ولكن مع الاستقلال جاءت مشكلات أخرى لا تقل تعقيدًا، فكيف ستدار سياسة موحدة لثلاث عشرة ولاية لكل منها توجهاتها، فضلاً عن عدم وجود نظام سياسي موحد يستطيع أن يلم شمل الدولة بعدما بدأ الكونغرس يفقد تحمس الناس له، وهو ما أدي إلى تبني ما هو معروف بوثيقة «مواد الكونفدرالية» لصيانة هذا الكيان الهش، والتي سرعان ما أدرك الجميع أنها ستؤدي إلى انهيار الكيان الأميركي الوليد وبداية تفككه؛ لأنها منحت الولايات سلطات شبه مطلقة في إدارة كل شيء بما في ذلك صك العملة، وقد عبر جورج واشنطن عن مخاوفه الشديدة من استمرار هذا الوضع بجملته الشهيرة «.. أغلب الظن أنه كان لدينا تفاؤل أكثر من المطلوب في ما يتعلق بالطبيعة البشرية» في تلميح مباشر إلى سيطرة المصالح الشخصية على أمور الدولة الوليدة التي حارب كثيرًا من أجل أن تنال استقلالها.
لقد ولدت فكرة صياغة الدستور الأميركي بدلاً من وثيقة «مواد الكونفدرالية» بعد اجتماع عقد بين ممثلي ولايتي فيرجينيا وماريلاند في بيت جورج واشنطن ذاته لتنظيم الأمور العالقة بينهما خاصة مسألة الملاحة في النهر وغيرها من مسائل ترسيم الحدود، وهو ما دفع الدولة للنظر في توسيع قاعدة هذا الاجتماع ليشمل ثلاث عشرة ولاية، وبعد عناء شديد عقد الاجتماع في مدينة «أنابوليس» والذي تحول فيما بعد للمطالبة بصياغة دستور للبلاد ينهي النزعات الفردية للولايات ويخلق الكيانات المختلفة لإدارة الدولة بعدما ثبت صعوبة استمرار الكونغرس في إدارة مناحي الحياة كافة، وبالفعل تشكلت لجنة لصياغة الدستور الأميركي وتم اختيار جورج واشنطن رئيسيًا لها، وعلى الرغم من حرص واشنطن على عدم الخوض في مناقشات موسعة والتزامه الصمت في الجلسات العامة، فإن دوره كان هامًا للغاية في التوصل للحلول الوسط والموائمات لصياغة كيان فدرالي على أساس مبدئي فصل وتوازن السلطات، فاستقر الرأي على إنشاء الكيانات الثلاثة القضائية والتشريعية والتنفيذية، وعلى الرغم من تخوف الجميع من إسناد السلطة التنفيذية لزعيم يمكن يصبح بعد ذلك ملكًا أو ديكتاتورًا، فإن صياغة الدستور سمحت بنوع من التوازن والذي بمقتضاه لا تستطيع أي سلطة من الثلاث السيطرة على مقاليد الأمور.
وبمجرد أن تمت صياغة الدستور أصبح على الولايات أن تختار أول رئيس أميركي يقود البلاد ويبنى مؤسسات حكمها، وهنا تم طرح اسم جورج واشنطن مرة أخرى، وبدأت عملية الاقتراع عليه، ففاز جورج واشنطن فوزًا لم يشهده أي رئيس أميركي آخر فهو بطل الحرب وبطل الدستور، والآن أصبح المسؤول الأول عن الدولة الجديدة، ولكن الظروف كانت صعبة للغاية، فالدولة مثقلة بالديون وعلاقاتها الخارجية غير منضبطة، والعلاقات بين الولايات التي تكون الفدرالية أقل ما توصف به أنها كانت غير مستقرة، كما أنه أصبح عليه أن ينشئ النظام القضائي في البلاد وغيرها من المهام الصعبة التي كانت كفيلة بتحطيم فرص نجاح أي رئيس للبلاد.
على الفور استعان جورج واشنطن بكثير من الذين كانوا معه خلال قيادته للجيش وعلى رأسهم «ألكسندر هاميليون» الذي أصبح وزيرًا للخزانة، و«توماس جيفرسون» الذي أصبح وزيرًا للخارجية، ثم تم تعيين القانوني «جون جاي» ليصبح كبير القضاة، وقد أقر الكونغرس هذه التعيينات بلا صعوبة تذكر، وعلى الفور بدأت آثار القيادة والدستور الجديدين تظهر فسرعان ما تم إقرار «وثيقة الحقوق Bill of Rights»، والذي صاغ الدستور هو القانوني العريق «جيمس ماديسون»، ولكن في التقدير أن أهم إنجاز لرئاسة واشنطن كان ترتيب الأوضاع الاقتصادية والمالية في البلاد، وهنا برز دور وزير الخزانة الأميركي «هاميلتون» الذي استطاع بصعوبة بالغة تحقيق هدفين أساسيين كانا سببًا مباشرًا في إخراج الولايات المتحدة من أزمتها الاقتصادية وتنظيم الأوضاع المالية بها، فقد ضمنت الخزانة الأميركية كل الصكوك التي منحها الكونغرس خلال الحرب واستبدلتها بصكوك فدرالية بفائدة معقولة منحت للخزانة الأميركية متنفسا كبيرا، كما أنه ألزم الحكومة الأميركية بسداد كل الديون المتراكمة عليها من جراء الحرب، ويضاف إلى ذلك أنه استطاع أن يُقر إقامة بنك مركزي تكون مسؤوليته صك العملة الموحدة وتوفير القروض الميسرة لدفع عجلة الاقتصاد للتحرك قدمًا، وذلك وسط معارضة لا بأس بها من بعض الولايات، والتي رأت في تركيز السلطة النقدية والمالية في أيدي الحكومة الفدرالية أمرًا محفوفا بالمخاطر، وهنا كان دور واشنطن في دعم هاميلتون، ولولا رباطة جأش الرئيس لما استطاعت الولايات المتحدة أن تعبر التوابع الاقتصادية والمالية للاستقلال.
أما في مجال العلاقات الخارجية، فقد استطاع واشنطن أن يحافظ على التوازن المطلوب في علاقته بالقارة الأوروبية والتي دخلت في سلسلة من الحروب بسبب الثورة الفرنسية، حيث استطاع واشنطن أن يضمن نوعًا من الحياد في هذه الحرب حتى لا يقحم بلاده في صراعات لا ضرورة لها، ولكن الصعوبة الحقيقية تركزت في وجود اتفاقية دفاع مشترك مع فرنسا والتي بمقتضاها ساعدت الأخيرة الأولى في حرب الاستقلال، ولكن إدارته للسياسة الخارجية كانت حكيمة للغاية؛ إذ إنه استطاع أن يوقع اتفاقا مع بريطانيا حصلت بمقتضاه الولايات المتحدة على كثير من المزايا التجارية وإخلاء كل القوات البريطانية من الأراضي الأميركية، وقد استطاع واشنطن أن يتفادى مشكلات الصراع في أوروبا بجدارة شديدة بفضل وزير خارجيته المتمرس.
وعلى الصعيد الداخلي فقد استطاع واشنطن أن يحسم عددًا من القضايا الهامة على رأسها تنظيم العلاقة مع قبائل السكان الأصليين (الهنود الحمر) وحسم قضايا ترسيم الحدود بين بعض الولايات، وفي عهده انضمت ثلاث ولايات جدد إلى الفدرالية، وهي ولايات «كنتاكي» و«فيرمونت» و«تينيسيي»، إضافة إلى تنظيم بيع الأراضي الجديدة للمستوطنين الأميركيين في الغرب، كما استطاع أن يصل إلى نوع من التوازن في سياساته تجاه الولايات المختلفة لتثبيت الكيان الفدرالي الناشئ، وفي السابع عشر من سبتمبر (أيلول) عام 1796 ألقى جورج واشنطن خطبة الوداع تاركًا منصب رئيس الدولة ليتم انتخاب «جون آدامز» خليفة له.
حقيقة الأمر أن جورج واشنطن لعب دوره الهام بوصفه أول رئيس للكيان الفدرالي الجديد على أفضل ما يكون، فهو الذي استطاع بحق قيادة دفة الأمور بهدوء وسط تقلبات كثيرة ما بين ولايات تخشى الذوبان في الحكومة الفدرالية، وبين تباين الآراء المختلفة لرجال مشهود لهم بالكفاءة وأزمات متعاقبة سواء في الهيكل السياسي للدولة الوليدة أو تراكم المشكلات، والمؤكد أن عظمة القيادة السياسية كثيرًا ما تقاس بقدرتها على التغلب على مشكلات الدولة، ولكن تقديري أن أقوى مقياس يظل يتمحور حول قدرة القائد على إنشاء الدولة وبناء كيانها، وهو معيار قليل من القادة العظماء يستطيعون العبور من بوابته، من ثم لا مجال للاستغراب في تلقيب جورج واشنطن بأنه «أب الأمة الأميركية».
جورج واشنطن أول رئيس أميركي
د. محمد عبد الستار البدري
جورج واشنطن أول رئيس أميركي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

