أفلام عربية قصيرة جيدة بلا مستقبل

من الفيلم المصري «ما بعد وضع حجر الأساس»: حالة تشيخوفية
من الفيلم المصري «ما بعد وضع حجر الأساس»: حالة تشيخوفية
TT

أفلام عربية قصيرة جيدة بلا مستقبل

من الفيلم المصري «ما بعد وضع حجر الأساس»: حالة تشيخوفية
من الفيلم المصري «ما بعد وضع حجر الأساس»: حالة تشيخوفية

الكثير من الجهد الفني يتم صرفه منذ سنوات على نوع من السينما العربية المنتمية إلى ما يعرف بـ«الفيلم القصير». ذلك التسجيلي أو الروائي أو التجريبي أو الرسوم الذي لا تزيد مدة عرضه عن 40 دقيقة ولا تقل، في بعض الحالات، عن دقيقة واحدة.
من خلال الفيلم القصير، يهدف المخرج لأن يقول أشياء كثيرة، وفي بعض الأحيان، كبيرة أيضًا. هذا حال فيلمين حديثين شوهدا مؤخرًا أحدهما للمخرج السعودي توفيق الزايدي بعنوان «أربع ألوان» والثاني للمخرج العراقي سرمد ياسين تحت عنوان «غير المُسمى». في كل هذين العملين لمخرجين شابين كل الرغبة في إنجاز آمال كبيرة من خلال مدد عرض قصيرة (خمس دقائق و19 دقيقة) تنضم إلى كل تلك الآمال المبثوثة عام بعد عام عبر قافلة من المخرجين الذين ينظرون إلى الأفلام القصيرة على إنها إما مقدّمة ضرورية للانتقال إلى السينما الطويلة، أو على أنها المستوطن الذي يريدون الإقامة به طويلاً بمنأى عن هموم الإنتاجات الكبيرة التي عادة ما تصطدم بعوائق متعددة معظمها تمويلي.
مبررات
الواقع أن عراقيل أخرى مرصوفة أمام الفيلم القصير ولو كانت مختلفة. بالطبع لا يوجد جهاز إنتاجي كبير يغري السينمائيين (وجلهم من الشباب) بالعمل في هذا الحقل وبلورة مفاهيمه وآفاقه، لكن بعض مهرجانات السينما العربية، مثل دبي وقمرة وأبوظبي والخليج (قبل توقف الأخيرين) سعت لتشجيع هذا المنحى من السينما عبر أفراد مسابقات خاصة بها بجوائز تزيد حجمًا عما تكلفته معظم تلك الأفلام فعليًا.
هذا السعي نتج عن غياب البديل. فمشكلة الفيلم القصير هو أنه حالة فنية تبدأ بتصويره وتنتهي بانتهاء تصويره وقد تمتد لتشمل فترة عرضه (ليوم أو يومين) في أحد المهرجانات. مستقبله شبه معدوم فباستثناء فرصة اشتراكه بمهرجان أو اثنين، وإرسال «اللينكات» الخاصة به إلى بعض الأشخاص المنتقين لمشاهدته، فإنه لا حياة له على الإطلاق.
الواقع هو أن أصحاب صالات السينما في العالم العربي لا يرونه ضرورة. وكما قال لهذا الناقد أحد مديري شبكة من الصالات تمتد من بيروت إلى الدوحة وتمر بعمان ودبي وأبوظبي والشارقة، الذي أوضح «نعم. آفاق هذه الأفلام مسدودة عندما يأتي الأمر إلى عروضها في صالات السينما. لا يوجد جمهور».
حين واجهه الناقد بأنه لا أحد يرغب في تخصيص عرض لفيلم لأنه بالتأكيد سيخسر، بل المطلوب وضع فيلم قصير قبل العرض الأول، أعرب عن رأي الغالبية من الموزّعين وأصحاب الصالات بقوله:
«هذا مستحيل لأنه سيؤخر ذلك من وقت عرض الفيلم الذي دفع فيه الجمهور ثمن تذاكره. ولو كنت مكاني لأهملت الموضوع من أساسه». إذا ما كان هذا السبب يحمل في طياته تبريرًا مقبولاً وضروريا لدى أصحاب دور العرض، فإن إغفال المحطات التلفزيونية العربية عن شراء هذه الأفلام لا عذر له على الإطلاق. طبعًا، هي بدورها سيكون لديها ما تبرر عبره إحجامها عن ذلك، لكن هذا التبرير لن يستطيع الوقوف على قدميه لأن لا شيء عمليًا يمنع من تقديم فيلم قصير بين كل فيلمين أو ثلاثة يتم عرضها في المحطات المتخصصة بعرض الأفلام، ولا يمنع من ملء فراغ من خمس دقائق أو عشر دقائق بفيلم قصير في أي من المحطات العامة غير المتخصصة.
ما يمنع هو أنه لا أحد جلس ليبرمج هذا النوع من الأفلام علمًا بأن تكلفة شرائها لا تشكل إلا عشرة في المائة من كلفة شراء أي فيلم حديث عربيًا كان أم أجنبيًا.
أسماء مرموقة
في السنوات الأخيرة، ورغم كل الصعاب، ارتفعت نسبة الأفلام القصيرة الجيدة عما كانت عليه من قبل. في مسابقة العام الماضي من مهرجان دبي السينمائي مثلاً كانت هناك عدة اكتشافات جديرة بالاهتمام والتقدير. من بينها الفيلم التونسي «فتتزوج روميو وجولييت» لهند بو جمعة: دراما حياة رائعة من بطولة زوجين فوق الخمسين تحوّل حبهما الرومانسي إلى وضع روتيني يومي جامد لا يتغير.
الفيلم المصري «ما بعد وضع حجر الأساس لمشروع الحمامات بالكيلو 375» لعمر الزهيري حالة تشيخوفية - سوريالية أخاذة لموظف أخطأ فكسب عداوة مديره الأبدية. وفي الفيلم اللبناني «ومع روحك» لكريم الرحباني إدارة فنية وإتقان حرفي رائع لحكاية خوري قتل بائع خضرة من دون قصد وكيف سيحاول ردم الجريمة التي وقعت في دير مسكون برهبان آخرين.
هذه الإنجازات، وسواها، لم تقع في إطار عروض السنة الماضية فقط، بل هي حال سنوات قريبة سابقة بدا فيها أن الفيلم القصير لم يعد مجرد مطية وصول لغاية أخرى بل صنعة فنية قائمة بحد ذاتها. يعبر عن ذلك أيما تعبير الجهد الذي بذلته ولا تزال المخرجة الإماراتية نايلة الخاجا التي حققت نجاحات فنية رائعة عبر سلسلة أفلام قصيرة كان آخرها «ملل» و«الجارة» من بين أفضل من تخصص في مجال الفيلم القصير في الإمارات ومنطقة الخليج عمومًا. كذلك حال كثيرين آخرين بينهم وليد الشحي وخالد المحمود وهاني الشيباني ونواف الجناحي وناصر اليعقوبي وخالد علي ونادية فارس وخالد العبد الله.
ما يتميز به كل من هؤلاء هو المثابرة رغم إدراكهم أن الآفاق العملية في نهاية المطاف ليست مواتية على الإطلاق.
بالعودة إلى آخر ما شوهد من هذه الأفلام الطموحة وهما «أربع ألوان» للسعودي توفيق الزايدي و«غير المُسمى» للعراقي سرمد ياسين، يجد المرء امتدادًا لذلك الطموح ورغبة في إنجاز فيلم لا يمكن تقويضه بحجة استحالة وصوله إلى قاعدة جماهيرية ما. الأول حول فتاة مختلفة من بين أربع فتيات يطلقن أربع بالونات يقتنصها أولاد صغار باستثناء بالونها وحده وذلك تعبيرًا عن الانتصار لفرديتها ورغبتها المستقلة.
أما «غير المسمى» فهو فيلم تجريبي ينضح بالأفكار الرمزية المثيرة للاهتمام ولو أن معظمها لن يجد إجاباته لدى المشاهدين بل تبقى داخل عقل المخرج ومراميه. لكن ذلك ليس بالضرورة أمرًا سلبيًا كون ذلك من شروط الفيلم التجريبي المتفق عليه.



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز