المشهد الثقافي السعودي.. هل يشهد تراجعًا أم يستعد لقفزة إلى الأمام؟

مع التوجه لإعداد مشروع للنهوض بالثقافة

د. محمد الصفراني  ود. عبد الله الوشمي  ود. معجب العدواني
د. محمد الصفراني ود. عبد الله الوشمي ود. معجب العدواني
TT

المشهد الثقافي السعودي.. هل يشهد تراجعًا أم يستعد لقفزة إلى الأمام؟

د. محمد الصفراني  ود. عبد الله الوشمي  ود. معجب العدواني
د. محمد الصفراني ود. عبد الله الوشمي ود. معجب العدواني

في وقت تتوجه فيه السعودية إلى إعداد مشروع للنهوض بالثقافة يحمل اسم الملك سلمان بن عبد العزيز للوصول إلى منظومة ثقافية متكاملة، بهدف خلق وعي وإيجاد حراك في النسيج الثقافي، وتحقيق التنمية الثقافية الشاملة التي سجلت في البلاد، كما هو في العالم العربي عمومًا، تراجعًا، على الرغم من أن بعض النقاد يتحفظون على استخدام مصطلح التراجع في الشأن الثقافي، انطلاقًا من أن مفهوم الثقافة أصبح واسعًا، وقد طرق مجالات جديدة لم تكن معروفة، مستفيدًا من التحولات الجديدة في عالم المعرفة، وثورة الاتصالات والوصول إلى المعلومة بسهولة.
«الشرق الأوسط» تسلط الضوء على هذا الموضوع الحيوي من خلال رؤى نقاد وأكاديميين ومثقفين ذوي حضور في المشهد الثقافي المحلي والعربي:

تراجع ثقافي

بداية، يؤكد الدكتور معجب العدواني أستاذ النقد والنظرية المشارك في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة الملك سعود، أنه لا ينكر التراجع الثقافي العربي إلا الجاحدون، ولا يؤمن بوجود نقيضه إلا المدعون؛ فالثقافة تعد المبدأ الأساس الذي يحدث التوازن المطلوب في المجتمع مع الفرد، وهذا الدور الذي نتحدث عنه للثقافة يتكشف بمراجعة أولية تستهدف دور الثقافة على امتداد الزمن. وفي تصوره أن «الثقافة العربية منذ بداية التقسيم في البلدان العربية ظلت عاجزة ولا تزال عن إيجاد المدخل الملائم والتركيبة الخاصة لبناء الإنسان العربي، فأوجدت هذا التشتت الذي نلحظه في شتى وجوه الحياة التي يعيشها الإنسان». ويضيف: «ببساطة حينما لا يجد الفرد غايته فيما لديه من ثقافة وموروث فإن ذلك ما يمكن وصفه بالتخلف الثقافي.. الإنسان العربي في العصر الحديث يعيش هذا التمزق الذي نراه نتيجة تضارب تأويله لموروثه والمنجزات الثقافية حوله».
وأشار الدكتور العدواني إلى أن «كل الثقافات تحرص على أن تراعي هذا الخط التعددي وتراعي هذا الاختلاف في وجهات النظر لتخلق من هذا الاختلاف مكسبا مثمرا لها، ولتكون مرفدًا من الروافد في بلد ما، ‎لكن الثقافة العربية مع الأسف وجدت لترسخ من هذا التشرذم ولتجعل منه البيئة الأساسية وليست البيئة الفرعية، وهذا العامل جزء من عوامل كثيرة أدت إلى أمراض ثقافية أخرى؛ ولا يقف الأمر عند هذا الحد! بل توجد علل أخرى تضاف إلى رصيد كل ذلك ولكن هذه العلة بدأت أكثر قربا من الجرح الذي لا يشفى بسبب نتوءات تحدث له من وقت لآخر».
وبين العدواني أنه لا سبيل لإيجاد العلاج لهذا الجرح الذي ينكأ بين فترة وأخرى سوى بخلق مساحات من الوعي الحر الذي يرسخ لكل الأصوات فضاءاتها الملائمة، ولتحقيق ذلك لا بد من تشكيل وعي علمي في كل الحقول السياسية والاجتماعية والتربوية لتوفير التربة الخصبة لاستنبات نبتة النهوض الآني وشجرة المستقبل الوارف.

تغير مواقع لا تراجع

من جانبه، يعلق الدكتور عبد الله الوشمي، الناقد والكاتب، وأمين عام مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز الدولي لخدمة اللغة العربية، بقوله: «لا أشعر بحاجة إلى استخدام مصطلح تراجع في وصف الشأن الثقافي، وأود أن أركز اهتماماتي في الجوانب الأخرى لما يوصف بالتراجع، وذلك ضمن النسيج الثقافي مما يعكس موقفًا مضادًا لهذا الاتجاه، وخصوصًا ما يتكون في مجتمعات الشباب، حيث يتبادل كثيرون اتهامًا دائمًا بأن الشباب لا يُعنون بالثقافة، وأنهم ضعيفو القراءة، أو أنهم لا يتابعون التحولات الثقافية، حتى تحول هذا التوهم إلى تنميط نحاصر به الشباب، ويكونون مضطرين إلى الدفاع عن هذا الموقف، كما يكونون دائمًا في حالة تحفز أو قلق، وكأنهم لا يشاركون صناعة الثقافة، وإنما يستفيدون منها أو يتلقونها من النخبة فحسب! على حين أن الاقتراب من الشريحة الشبابية تعطيك آفاقًا مضيئة من الوعي والنظر؛ بل إن بعضهم صاحب مبادرات نوعية في مجال الثقافة سواءً على مستوى القراءة التي نتذكر بشأنها أندية القراءة المتعددة في بلادنا والمهرجانات النوعية المتخصصة التي أقيم آخرها في (أرامكو). وبعض الشباب له مبادرات على مستوى الترجمة، ويجب أن نتذكر باعتزاز مبادرات الشباب التطوعية في الترجمة لموسوعة الويكيبيديا، كما أن لبعض الشباب جهودًا في تحريك القيم الثقافية العامة من خلال وسائل التواصل».
ويضيف: «نتذكر هنا مواقف تتصل بالجهود التي يكوِّنها بعض الشباب فيما بينهم خاصة في مجال الابتعاث، وكذلك حسابات التطوع اللغوي والاجتماعي والقرائي في (تويتر) التي يقف وراءها شباب متميزون. إنها فعل ثقافي مميز يقوم به الشباب لمقاومة أي تراجع أو انهيار ثقافي».
ويرى الوشمي أن «الثقافة بالمفهوم الواسع والكبير ليست الاقتراب المباشر من قضايا محددة دون غيرها، فليس المثقف هو الذي يكتب القصيدة فحسب، أو يشترك في الصحف، أو ينشر فيها، وإنما المثقف هو الذي يعي موقعه في الحياة، ويفهم متطلباتها وتحولاتها، ويسهم في طريقة فهمها والإيمان بها، ويستطيع أن يقرأ مساراتها وأن يعمل من أجلها إبداعًا ونقدًا وعلمًا، وهو الذي يملك أحقية السؤال الثقافي حول ما يرى ويسمع، ولذلك نجد أن الشباب قد بدأوا يدخلون في هذا المضمار بقوة، فلم يعد هناك سقف لتناولهم وتحليلهم، والدليل على ذلك نشاطهم في وسائل التواصل الاجتماعي خاصة.
ويضيف: «قد تميل النظرة السابقة إلى الجانب التفاؤلي والاستشرافي الذي يحاول النظر إلى الجزء الممتلئ من الكأس، ومع ذلك فإنني لا أهمل الجزء الآخر، حيث نجد فراغًا واضحًا في مجالات ثقافية محددة، وقد نجد ارتباكًا في فهم الهوية الخاصة بين أصالتها وتحررها الإيجابي. نحن نقلق حين نشاهد التحولات العنيفة التي مُنيت بها ثقافتنا العربية، كما يقلقنا تفاوت الأداء والإنجاز في بلدنا بشكل خاص، وقد يتصل السبب في ذلك بطبيعة السجالات النقدية الحادة التي تجرى أحيانًا بين الشرائح المتقابلة في مجتمعنا حول قضايا حسمتها بعض المجتمعات الأخرى، ومهما كان ذلك سببًا في التأخر في بعض القضايا الثقافية؛ إلا أن هذا السجال أعطى فرصة لتحقيق القول وتفتيقه في عدد من المسائل».
وشدد أمين عام مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز الدولي لخدمة اللغة العربية، على أن الوعي بالمنزلة الحقيقية للثقافة لا يتأتى بالانطباعات العامة، وإن كانت تفيد كمؤشرات عامة، ولكنه يحدث من خلال الاستقراء المنهجي الدقيق الذي يجب أن تقوم به الجهات الثقافية لنعرف مقدار الكتلة الثقافية وتحركها بشكل دقيق من خلال أعداد الإصدارات وأعداد الفعاليات وطبيعة التحولات ومواقف المجتمع والإعلام والنخب والشباب منها وغيرها، وأن نفهم أن التثقيف هو دور عام يجب أن تسهم به كل المؤسسات الوطنية.
وقال الوشمي: «أحبُّ كثيرًا أن نصل إلى أعلى درجات الثقافة دون أن نتناسى البدايات التي لا بد أن يعيشها كل فرد من الأفراد، ومن هنا فإن النخبة التي تترقى إلى الدرجات العالية من الثقافة يجب أن تستصحب أن هناك مستويات مختلفة لا بد أن يخترقها الشباب وفقًا لما يناسبهم في مراحلهم بمنهج الترقي. والأهم من ذلك أن مفهوم الثقافة يأخذ بالتزحزح من موقعه إلى مواقع أخرى، فلم تعد الأمية منحصرة بمن لا يكتب أو لا يقرأ، وإنما أصبحت مرتبطة إلى حد كبير بمقياس الوعي بالأجهزة الذكية والبرامج والتطبيقات، ولم يعد المؤثرون هم جيل المشايخ أو نجوم الإعلام أو نخبة المثقفين فقط، وإنما شاركهم، وقد تفوق على بعضهم، أعداد من الشباب الذين يبزغون من خلال مقطع واحد، أو تغريدة سريعة، ونجد لهم آلاف المتابعين الذين يسيرون معهم حيث كانوا، ولذلك فإن تقويم وتقييم المثقفين لحال الثقافة يقابله تقويم آخر يمارسه الشباب لحال المثقفين أنفسهم».

غياب لمعنى الثقافة

بدوره، رأى الدكتور محمد الصفراني، أستاذ النقد الأدبي، أن انتشار القراءة والكتابة لا يعني انتشار الثقافة والوعي، فالثقافة أعمق من مدرسة أو جامعة أو شهادة علمية، الثقافة منظومة متكاملة لخلق الوعي وإدارته واستثماره، وهذا المعنى للثقافة لا أظنه متوافرًا في العالم العربي إجمالا وإن كانت بعض الدول العربية تحظى بالنزر اليسير من هذا المعنى العميق للثقافة.
وقال: «في السعودية تحديدا لم أر سياسة ثقافية واضحة أو استراتيجية تنمية ثقافية لها رؤية ورسالة ومراحل وأهداف، ناهيك بأن وثيقة سياسة التعليم في المملكة لم تتغير منذ 48 عامًا»، مضيفًا: «عالجت هذا الخلل المتمثل في غياب السياسة الثقافية الواضحة في السعودية في كتابي الصادر قبل تسع سنوات بعنوان (نحو مجتمع المعرفة.. متطلبات التنمية الثقافية والأمن الفكري في السعودية) وطرحت فيه تصورا استراتيجيا للنهوض بالشأن الثقافي العام في السعودية التي تعاني من غياب للسياسة الثقافية أفضى إلى فراغ كبير في المشهد الثقافي، وهذا ما خلق لدينا ما يعرف بـ(الشعوب البديلة)». وفي مواجهة اتساع رقعة الفراغ في المشهد الثقافي وتزايد نسبة أبناء الشعوب البديلة اقترحت في كتابي إنشاء بعض المؤسسات الثقافية التي أسميتها بمتطلبات التنمية الثقافية ومنها: المجلس الثقافي الأعلى ويختص برسم السياسات الثقافية، ووزارة مستقلة للثقافة، وإنشاء البنية التحتية للثقافة، والمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، والهيئة السعودية العامة للكتاب، واتحاد الكتاب السعوديين، وصندوق التنمية الثقافية، وغيرها».



العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.