حماية البيانات الشخصية من انتهاك الأطراف الداخلية

إساءة استخدام الجهات المشرفة على المعلومات لها أكثر خطورة من اختراق القراصنة

كورتني بومان من مكاتب شركته
كورتني بومان من مكاتب شركته
TT

حماية البيانات الشخصية من انتهاك الأطراف الداخلية

كورتني بومان من مكاتب شركته
كورتني بومان من مكاتب شركته

كورتني بومان هو عضو في مجموعة الخصوصية والحريات المدنية في شركة التقنية الخاصة «بالانتر تكنولوجيز» Palantir Technologies. وعرفت الشركة، ومقرها في بالو ألتو بولاية كاليفورنيا الأميركية، في البداية من خلال عملها لصالح عدد من أجهزة الشرطة والجيش والاستخبارات داخل الولايات المتحدة وخارجها.
والآن تنفذ «بالانتر» أكثر من نصف أعمالها مع شركات من القطاع الخاص، والتي تستعين بها لإنجاز مهام متنوعة مثل تحسين كفاءة التنقيب عن النفط، كما أنها تعمل مع وكالات الإغاثة من الكوارث.
تأتي البرمجيات مصحوبة بإمكانية للمراجعة، بحيث يتسنى معرفة هوية مستخدميها وطبيعة المعلومات التي اطلعوا عليها. ولا يتضح ما إذا كانت هذه الإمكانية تستخدم أم لا، لا سيما من قبل الشركات، لكن بالانتر تقول إنها «تحاول إيجاد سبل للحفاظ على الحريات المدنية الشخصية في عصر تتعقب فيه الكومبيوترات كل شيء».
السيد بومان الذي يمتلك درجات علمية في الفيزياء والفلسفة من جامعة ستانفورد، هو أحد مؤلفي كتاب يتناول موضوع تصميم أنظمة الكومبيوتر بهدف ضمان الخصوصية، وقد تحدث مؤخرًا مع «نيويورك تايمز». والمحادثة جرى اختزالها وتحريرها.

الأمن والخصوصية

> ما العلاقة بين الأمن والخصوصية؟
- أمن المعلومات يعد مكونًا رئيسيًا من مكونات الخصوصية، وينبغي تخزين المعلومات على نحو آمن، ولا يحقق ذلك كل المراد، إلا أن هناك كثيرا من الاستمرارية في هذه الإطار.
> هل يبحث القراصنة عادة عن المعلومات الشخصية؟
- الخصوصية والأمن يستخدمان كثيرا من التقنيات المتشابهة، مثل التشفير، وتدقيق قواعد البيانات، وتسجيل ما تم استخدامه، وتحديد الشخصيات التي يحق لها الوصول إلى المعلومات، وإطلاق الإنذارات في حال حدوث خرق ما.
بالنسبة إلى الخصوصية، ربما لا يكون مصدر القلق الرئيسي القراصنة مقارنة بالضرر الكبير الذي يمكن أن يحدثه المستخدمون المصرح لهم بالاطلاع على البيانات. وتعتبر مراقبة المساءلة مفهومًا مفيدًا في تصميم أنظمة المعلومات، علاوة على رصد الأشخاص الذين يسيئون استغلال المعلومات، والكشف التدريجي للبيانات الشخصية، وتطبيق ضوابط على الوصول إلى المعلومات.
> يبدو ذلك كأنه تطبيق لنظام أساسي من القواعد على البيانات؟
- للوهلة الأولى، قد يبدو ذلك مباشرًا، لكنه قد يصبح أيضًا أمرًا معقدًا، وقد يتوقف استخدام البيانات وما يسعك معرفته من خلالها على السياق، إذ لا يتطلب إيجاد البيانات الشخصية، التي كان من المفترض أن تكون سرية، كثيرًا من الجهد.
> هل يمكن إعادة تهيئة قواعد جديدة لتناسب أنظمة كومبيوترية قديمة؟
- يصمم الناس الأنظمة ثم يرجئون التعاطي مع حماية البيانات إلى وقت لاحق، ويعتقدون أن إجراءات مثل تقييد الوصول إلى المعلومات ومراجعة المستخدمين وحفظ البيانات يمكن تهيئتها بعد إنشاء النظام، لكن ذلك يضر بالقدرة على تطبيق إجراءات احترازية جيدة.
إن أنظمة الخصوصية الجيدة تعمل على توقع ومقاومة المخاطر مثل القرصنة، أو تسريب المعلومات السرية، لكن ينبغي إنشاؤها من الأساس مع وضع اعتبارات الخصوصية في الحسبان. ولا بد أن تكون امتدادا لسلسة وظائف التشغيل الأساسية.
من الأفضل بناء نظام مرن من البداية، ضع تصورًا للمخاطر الأساسية التي تواجه المعلومات الحساسة، وحاول أن تتحسب لجميع نقاط الضعف ذات الصلة، استقر على أسلوب التغلب على أي نقطة إخفاق، وتوقع الإخفاقات الأمنية بحيث يتسنى لك الحد من الأضرار المحتملة.

قلق الجمهور

> في ظل ظهور أنماط بيانات جديدة على الإنترنت، هل تخشى من دمج عدة أنماط متاحة من البيانات من أجل التوصل إلى معلومات خاصة؟
- إن هذه الأمور تحد ضخم، لكن هناك سبل للتعامل معها. ويوفر منح أشخاص معتمدين إمكانات للوصول المتناسب للبيانات بعض الحماية في ما يتعلق بالكيفية التي سوف تستخدم بها تلك البيانات. يمكنك أيضًا أن تطبق قواعد للتشفير المؤقت لبعض عناصر البيانات، ويمكنك أن تعد بيان مخاطر لما تكشف عنه أحيانا يكون ذلك ممكنًا أيضًا، لكنه ليس بالأمر السهل. يمكنك كذلك أن تقيد الوجهات التي يمكن أن تذهب إليها البيانات.
المشكلة تكمن في أنك إذا عمدت إلى السرية التامة للبيانات الشخصية، فإنك تفقد أيضًا نفعها.
> إزاء من ينبغي على الناس أن يشعروا بقلق أكبر، الشركات أم الحكومات؟
- المؤسسات الحكومية لديها قدر كبير من القواعد التنظيمية، لكن كثيرًا من هذه القواعد صيغت في ثمانينات القرن الماضي وتحتاج إلى تعديلها لتواكب المرحلة الحالية. البعض يعمل على إنجاز ذلك. تسمع كثيرًا عن الحاجة إلى المعرفة، ما يمكنك أن تراه تحت ظروف معينة، في مقابل الحق في المعرفة.
> هل هناك خطر من أن تتحايل الحكومات على قواعدها عبر الاستعانة بمرتزقة من القطاع الخاص يعملون خارج الحدود حيث تكون القواعد مختلفة؟
- هل تقصد موازنة تحليل البيانات؟ إننا في ذلك العالم بالفعل، وسترى أطرافا ثالثة تقوم بهذه العمل لصالح حكومات تحظره، ومن ثم تبيع النتائج. نأمل أن يطبق الناس روح القانون ونصه على حد سواء.
> ماذا عن القطاع الخاص؟
- لا توجد كثير من القواعد التي تحدد المسموح والممنوع للشركات، إنها تكرر التقنية أسرع من السياسات.
وتترك القرارات التي تنظم كيفية بناء نظام أثرًا بالغًا على قواعد الخصوصية. على سبيل المثال، هناك مشكلات كثيرة تتعلق بالخصوصية وأسلوب تصميم «فيسبوك».
إن إطار العمل القائم في «الشخصنة» هو إعطاء التصاريح، وأنت توافق على ذلك، لكن الأسلوب التقليدي لتطبيق ذلك يتمثل في تقديم مذكرة من 50 صفحة تتطلب موافقة المستخدم، ولكن أحدا لا يقرأها.
> أيهما ينبغي أن يثير فزعًا أكبر في نفسي، عملية قرصنة صينية كبرى أم إصرار الشركات على محاولة متابعتي ومعرفة سلوكي على الإنترنت؟
- عندما يتم الكشف عن خرق للبيانات الشخصية، فإن ذلك يصبح حدثًا متفردًا، وتعرف ماذا سيحدث في الغالب، فالتسويق يستهدف نمط حياة الأشخاص.
المجال الخاص هو الحيز الذي نطرح فيه شخصيتنا، وهناك دائمًا فرصة لتراكم الضغوط التي تجلبها سلسلة الإعلانات المصممة، خصيصًا لتناسب المستخدم و«الشخصنة» التي تقوض المجال الخاص. وعلى المدى الطويل، سيصبح ذلك عملا خبيثًا وضارًا أكثر منه مجرد قرصنة على البيانات الشخصية.
> على الأرجح ستتزايد عمليات الاطلاع على بياناتنا الشخصية، هل يعد ذلك مصدر قلق أمني آخر؟
- مصدر القلق يكمن في التحليلات التنبؤية للبيانات، وهي إمكانيات تحمل في طياتها خطر النكوص على سنوات سادت فيها الحقوق المدنية، عبر التأثير في النتائج الاقتصادية واستهداف الناس لأسباب محددة.
هذا الخطر دقيق وخفي، لكن تلك الخوارزميات للبرمجيات تمتلك تأثيرات مركبة، حيث قد تطرح فرص عمل محددة عليك دون الآخرين، أو قد يتم إغفالك في عرض على معدل الفائدة على قرض ما، لا لشيء إلا الكيفية التي صيغت بها بياناتك الشخصية. إنها لن تغير سلوكياتنا فحسب، ولكنها ستغير العواقب التي نتحملها أيضًا.
> كيف يؤثر عليك مثل هذا النوع من العمل؟
- إنني لا أنخرط في مواقع التواصل الاجتماعي، وأضع حدودا لحضوري على الإنترنت. أنا وزملائي من نوعية الناس الذين يقرأون شروط الاستخدام المدرجة في 50 صفحة قبل أن نوافق على الاشتراك في أمر ما، وهكذا لا أنفك أرفض ميزات التتبع على أجهزتي.

* خدمة «نيويورك تايمز»



دراسة من ستانفورد: الذكاء الاصطناعي قد يعزز التفكير الوهمي

الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
TT

دراسة من ستانفورد: الذكاء الاصطناعي قد يعزز التفكير الوهمي

الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)

مع ازدياد استخدام روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في المحادثة وتقديم النصائح وحتى الدعم العاطفي، بدأت أبحاث جديدة تدرس تأثير هذه الأنظمة على المستخدمين مع مرور الوقت. وتكشف دراسة حديثة لباحثين مرتبطين بجامعة ستانفورد الأميركية عن خطر أقل وضوحاً، يتمثل في ميل هذه الأنظمة إلى تعزيز بعض المعتقدات بدلاً من تحديها.

تعتمد الدراسة على تحليل واسع لتفاعلات حقيقية، بهدف فهم كيفية استجابة نماذج اللغة في المحادثات الممتدة، وما الذي قد تعنيه هذه الاستجابات على إدراك المستخدم وصحته النفسية.

تحليل واسع النطاق

استندت الدراسة إلى تحليل أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة مع روبوتات الدردشة. ويتيح هذا الحجم الكبير من البيانات رصد أنماط متكررة، بدلاً من الاكتفاء بحالات فردية. وضمن هذه البيانات، حدد الباحثون نسبة من المحادثات التي تضمنت مؤشرات على تفكير وهمي. ووفقاً للدراسة، فإن نحو 15.5في المائة من رسائل المستخدمين أظهرت هذه الخصائص، ما أتاح فرصة لفهم كيفية استجابة الأنظمة لهذه الحالات.

التحدي يكمن في تحقيق توازن بين دعم المستخدم وتعزيز التفكير النقدي دون ترسيخ معلومات مضللة (أدوبي)

أنماط تأكيد متكررة

أحد أبرز النتائج يتمثل في تكرار ميل روبوتات الدردشة إلى تأكيد ما يقوله المستخدم. فقد أظهرت البيانات أن الأنظمة غالباً ما تستجيب بطريقة داعمة أو متوافقة مع طرح المستخدم، بدلاً من التشكيك فيه. ورغم أن هذا الأسلوب قد يكون مفيداً في سياقات الدعم، فإنه يصبح إشكالياً عندما يتعلق الأمر بمعتقدات غير دقيقة أو وهمية، حيث قد يؤدي إلى تعزيز هذه الأفكار بدلاً من تصحيحها.

دوامات وهمية متصاعدة

يصف الباحثون هذه الظاهرة بمصطلح «الدوامات الوهمية»، حيث تؤدي التفاعلات المتكررة بين المستخدم والنظام إلى ترسيخ المعتقدات الخاطئة تدريجياً. ولا يحدث التأثير نتيجة استجابة واحدة، بل يتشكل مع مرور الوقت. فكلما استمر النظام في تأكيد وجهة نظر المستخدم، زادت قوة هذا الاعتقاد. وتتيح طبيعة المحادثة المستمرة لهذا النمط أن يتطور بشكل تدريجي دون انقطاع واضح.

تشير الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يخلق هذه المعتقدات من الصفر، بل يتفاعل مع أفكار موجودة مسبقاً لدى المستخدم.

وتزداد المخاطر في المحادثات الطويلة، حيث تتراكم أنماط التأكيد عبر الزمن. وفي هذه الحالة، يتحول النظام من مجرد أداة استجابة إلى عنصر مؤثر في توجيه مسار الحوار.

نحو 15.5 % من رسائل المستخدمين أظهرت مؤشرات على تفكير وهمي أو معتقدات غير دقيقة (غيتي)

تحديات في التصميم

تعكس هذه النتائج تحدياً أساسياً في تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي. إذ يتم تطوير كثير من روبوتات الدردشة لتكون مفيدة ومهذبة وداعمة، ما يدفعها إلى تبني أسلوب قائم على التوافق مع المستخدم. لكن هذه الخصائص نفسها قد تقلل من قدرتها على تصحيح الأخطاء أو تقديم وجهات نظر نقدية. ويظل تحقيق التوازن بين الدعم والتفكير النقدي تحدياً رئيسياً.

تتجاوز دلالات هذه الدراسة الجانب التقني لتصل إلى قضايا تتعلق بالسلامة. فمع استخدام هذه الأنظمة في مجالات تتضمن تقديم نصائح أو دعم شخصي، تصبح طريقة استجابتها أكثر حساسية.

وفي بعض الحالات، قد يؤدي تعزيز المعتقدات غير الدقيقة إلى تأثيرات فعلية على قرارات المستخدم أو حالته النفسية، ما يطرح تساؤلات حول كيفية تصميم هذه الأنظمة ومراقبتها.

نحو استخدام مسؤول

تشير الدراسة إلى ضرورة تطوير آليات أفضل للتقييم والضبط. فبدلاً من التركيز فقط على دقة الإجابات، ينبغي أيضاً فهم كيفية تصرف الأنظمة في المحادثات الطويلة والمعقدة.

ويشمل ذلك تحديد متى يجب على النظام التشكيك في بعض الطروحات أو تقديم توضيحات أو تجنب تأكيد معلومات غير موثوقة. ويعد تحقيق هذا التوازن خطوة أساسية في تطور الذكاء الاصطناعي.

الحاجة لمزيد من البحث

رغم أهمية النتائج، تؤكد الدراسة الحاجة إلى مزيد من الأبحاث لفهم تأثير هذه التفاعلات على المستخدمين على المدى الطويل.

فمع تحول الذكاء الاصطناعي من أداة تقدم معلومات إلى نظام يشارك في الحوار، يصبح من الضروري ضمان أن هذه التفاعلات تدعم الفهم ولا تعزز أنماطاً ضارة. وفي هذا السياق، لم يعد التحدي مقتصراً على تطوير أنظمة أكثر ذكاءً، بل يشمل أيضاً ضمان أن تكون أكثر وعياً بتأثيرها على الإنسان.


نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
TT

نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)

مع تزايد اندماج أنظمة الذكاء الاصطناعي في قطاعات حساسة، مثل الرعاية الصحية والأنظمة ذاتية القيادة، يبرز سؤال أساسي: هل يمكن الوثوق بقراراتها؟

فعلى الرغم من أن النماذج الحديثة تحقق دقة عالية، فإن طريقة تفكيرها تظل في كثير من الأحيان غير واضحة. هذه «الصندوق الأسود» أصبحت واحدة من أبرز التحديات في هذا المجال. يقدّم باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) نهجاً جديداً يهدف إلى معالجة هذه المشكلة، من خلال تمكين أنظمة الذكاء الاصطناعي من تفسير قراراتها بطريقة مفهومة للبشر.

ما وراء الصندوق

في التطبيقات الواقعية، لا تكفي الدقة وحدها. فعندما يحدد نظام ذكاء اصطناعي مرضاً من صورة طبية أو يتخذ قراراً مرتبطاً بالسلامة، يحتاج المستخدم إلى فهم الأسباب التي قادت إلى هذا القرار. ومن دون هذه الشفافية، قد تفشل الأنظمة الدقيقة في كسب الثقة. وقد سعت تقنيات سابقة إلى فتح هذا «الصندوق الأسود»، لكنها غالباً ما قدّمت تفسيرات معقدة أو يصعب فهمها لغير المتخصصين. وهنا يكمن التحدي في تقديم تفسيرات دقيقة وفي الوقت نفسه واضحة.

الطريقة الجديدة تحسن التفسير دون التضحية بدقة الأداء بل قد تعززها (شاترستوك)

تفكير واعد

أحد الاتجاهات الواعدة يُعرف بنماذج «عنق الزجاجة المفاهيمي». في هذا النهج، يُجبر النظام على بناء قراراته على مفاهيم يمكن للبشر فهمها. فبدلاً من الانتقال مباشرة من البيانات الخام إلى النتيجة، يمرّ النموذج بمرحلة وسيطة يحدد فيها خصائص أو مفاهيم محددة قبل الوصول إلى القرار. لكن هذا الأسلوب واجه سابقاً بعض التحديات، إذ إن تحسين قابلية التفسير كان أحياناً يأتي على حساب الدقة، أو يؤدي إلى تفسيرات غير واضحة بما يكفي.

نهج جديد

طوّر فريق «MIT» طريقة محسّنة تهدف إلى تجاوز هذه القيود. يعتمد النظام على مكونين من التعلم الآلي يعملان معاً. الأول يستخرج المعرفة من نموذج موجود، والثاني يحول هذه المعرفة إلى مفاهيم مفهومة للبشر. يتيح هذا الإطار المزدوج «ترجمة آلية» لآلية عمل النماذج المعقدة إلى صيغة قابلة للفهم. والأهم أن هذه التقنية يمكن تطبيقها على نماذج رؤية حاسوبية مدرّبة مسبقاً، ما يجعلها قابلة للتعميم على نطاق واسع.

ومن أبرز ما يميز هذا النهج أنه لا يضحي بالأداء من أجل الشفافية. بل تشير النتائج إلى أنه يمكن أن يحسن دقة التنبؤ وجودة التفسير في الوقت نفسه. وهذا يتحدى افتراضاً شائعاً في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو أن التفسير يأتي دائماً على حساب الأداء. يمثل الجمع بين الاثنين خطوة مهمة نحو تطبيقات عملية موثوقة.

باحثو جامعة «MIT» يطورون نهجاً جديداً يمكّن النماذج من تفسير تنبؤاتها بطريقة مفهومة (شاترستوك)

تفسيرات أوضح

يتميز النظام بجودة التفسيرات التي يقدمها. فبدلاً من مخرجات تقنية معقدة، ينتج أوصافاً مبنية على مفاهيم واضحة يمكن للمستخدم فهمها بسهولة. وتكتسب هذه الميزة أهمية خاصة في البيئات الحساسة، حيث تحتاج القرارات إلى مراجعة وتقييم. فالتفسير الواضح يتيح للمستخدم التأكد من منطق القرار.

الهدف الأوسع لهذا البحث هو تعزيز الثقة في أنظمة الذكاء الاصطناعي. فعندما يتمكن المستخدم من فهم كيفية اتخاذ القرار، يصبح أكثر قدرة على تقييم دقته واكتشاف الأخطاء المحتملة. ويبرز هذا الأمر بشكل خاص في مجالات، مثل الرعاية الصحية، حيث قد تكون لأي خطأ عواقب كبيرة. فالتفسير لا يعزز الفهم فقط، بل يدعم الاستخدام المسؤول للتقنية.

أثر عملي واسع

تمتد آثار هذا التطور إلى ما هو أبعد من تطبيق واحد. مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، تتزايد الحاجة إلى الشفافية من قبل المستخدمين والجهات التنظيمية على حد سواء. وقد تلعب هذه التقنيات دوراً محورياً في تلبية هذه المتطلبات، من خلال جعل قرارات الذكاء الاصطناعي أكثر وضوحاً وقابلية للمساءلة.

يعكس هذا النهج خطوة ضمن اتجاه أوسع في أبحاث الذكاء الاصطناعي. فلم يعد التركيز مقتصراً على بناء نماذج عالية الأداء، بل يتجه نحو تطوير أنظمة قادرة على تفسير قراراتها. هذا التحول يعكس فهماً أعمق لدور الذكاء الاصطناعي في الواقع. فالأداء وحده لم يعد كافياً، بل يجب أن تكون الأنظمة مفهومة وموثوقة ومتوافقة مع التوقعات البشرية. وفي هذا السياق، تصبح القدرة على تفسير القرارات ليست مجرد ميزة إضافية، بل شرطاً أساسياً للجيل القادم من أنظمة الذكاء الاصطناعي.


«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
TT

«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)

أعلنت شركة «غوغل» عن توسع جديد في قدرات الذكاء الاصطناعي لديها تحت مفهوم أطلقت عليه «الذكاء الشخصي» (Personal Intelligence) في خطوة تهدف إلى جعل أنظمة البحث والمساعدات الرقمية أكثر فهماً للسياق الفردي لكل مستخدم، بدلاً من الاكتفاء بإجابات عامة. هذا التوجه الذي جاء في مدونة رسمية عبر موقع الشركة يمثل تحولاً في طريقة عمل الذكاء الاصطناعي، من تقديم معلومات موحدة إلى تقديم استجابات مخصصة تستند إلى بيانات المستخدم ونشاطه عبر خدمات «غوغل» المختلفة.

تحول في البحث

لطالما اعتمدت محركات البحث على مطابقة الكلمات المفتاحية لتقديم نتائج ذات صلة. إلا أن «غوغل» ترى أن هذا النموذج لم يعد كافياً في ظل تنوع احتياجات المستخدمين. وبحسب ما أوضحته الشركة، فإن «الذكاء الشخصي» يهدف إلى تقديم إجابات تأخذ في الاعتبار السياق الفردي، بحيث يحصل كل مستخدم على نتائج تتناسب مع اهتماماته وتاريخه الرقمي.

يعتمد هذا النهج على ربط المعلومات بين عدد من تطبيقات «غوغل»، مثل «جيميل» و«صور غوغل» و«يوتيوب» وسجل البحث، وذلك في حال موافقة المستخدم على تفعيل هذه الميزة. ويتيح هذا التكامل لأنظمة الذكاء الاصطناعي، مثل (جيميناي) «Gemini» ووضع الذكاء الاصطناعي في البحث، الاستفادة من هذا السياق لتقديم إجابات أكثر دقة وارتباطاً باحتياجات المستخدم.

«غوغل» تطلق مفهوم «الذكاء الشخصي» لتقديم استجابات تعتمد على السياق الفردي لكل مستخدم (أ.ف.ب)

تجربة أكثر تخصيصاً

وفقاً لـ«غوغل»، يمكن للنظام الجديد «ربط النقاط» بين بيانات المستخدم المختلفة، ما يسمح بتقديم توصيات وملخصات واقتراحات أكثر تخصيصاً. فعلى سبيل المثال، بدلاً من تقديم اقتراحات عامة للسفر، يمكن للنظام الاستناد إلى اهتمامات المستخدم السابقة أو نشاطه الرقمي لتقديم خيارات أكثر ملاءمة. ويمثل ذلك انتقالاً من الذكاء الاصطناعي كأداة عامة إلى ما يشبه المساعد الشخصي الذي يتكيف مع المستخدم بمرور الوقت.

التحكم بيد المستخدم

أكدت «غوغل» أن استخدام هذه الميزة يعتمد على موافقة المستخدم، حيث يمكنه اختيار التطبيقات التي يرغب في ربطها، أو إيقاف الميزة بالكامل. وأوضحت الشركة أن البيانات الشخصية من خدمات مثل «جيميل» و«صور غوغل» لا تُستخدم لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، بل تُستعمل لتوفير سياق ضمن التفاعل مع المستخدم فقط.

توازن مع الخصوصية

يبرز هذا التوجه تحدياً معروفاً في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو تحقيق التوازن بين التخصيص والخصوصية. فكلما زادت قدرة النظام على الوصول إلى البيانات، زادت دقة التوصيات، لكن ذلك يثير في الوقت نفسه تساؤلات حول حدود استخدام البيانات الشخصية. وتحاول «غوغل» معالجة هذا التحدي من خلال نموذج يعتمد على الشفافية ومنح المستخدم تحكماً أكبر في بياناته.

التحدي الرئيسي يتمثل في تحقيق توازن بين التخصيص العميق وحماية الخصوصية (شاترستوك)

ما بعد الإجابات

يعكس إطلاق «الذكاء الشخصي» توجهاً أوسع في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد الهدف مجرد الإجابة عن الأسئلة، بل فهم نية المستخدم والسياق المحيط به. ومن خلال دمج البيانات الشخصية، يمكن للأنظمة الانتقال من تقديم إجابات ثابتة إلى تفاعلات أكثر ديناميكية. من المتوقع أن ينعكس هذا التطور على الاستخدام اليومي للتكنولوجيا، حيث يمكن للأنظمة المخصصة أن تسهم في تسريع إنجاز المهام مثل التخطيط للسفر، أو العثور على معلومات سابقة، أو اتخاذ قرارات مبنية على بيانات شخصية. كما قد تقل الحاجة إلى إدخال نفس المعلومات بشكل متكرر، إذ يصبح النظام قادراً على استنتاج السياق من التفاعلات السابقة.

اتجاه مستقبلي

يمثل «الذكاء الشخصي» خطوة أولى نحو جيل جديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تجمع بين البحث والمساعدة الرقمية والتخصيص العميق. ومع ذلك، يبقى نجاح هذا النهج مرتبطاً بمدى ثقة المستخدمين، إذ ستلعب الشفافية والتحكم في البيانات دوراً حاسماً في تبني هذه التقنيات. في المحصلة، لا يتعلق هذا التوجه بجعل الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاءً فحسب، بل بجعله أكثر ارتباطاً بالمستخدم نفسه، في تحول قد يعيد تعريف كيفية تفاعل الأفراد مع التكنولوجيا في حياتهم اليومية.