طرابلس لبنان في مواجهة انهيار اقتصادي

صورة أرشيفية للبناني يركض مسرعا لتفادي نيران القناصة في أحد شوارع طرابلس (أ.ب)
صورة أرشيفية للبناني يركض مسرعا لتفادي نيران القناصة في أحد شوارع طرابلس (أ.ب)
TT

طرابلس لبنان في مواجهة انهيار اقتصادي

صورة أرشيفية للبناني يركض مسرعا لتفادي نيران القناصة في أحد شوارع طرابلس (أ.ب)
صورة أرشيفية للبناني يركض مسرعا لتفادي نيران القناصة في أحد شوارع طرابلس (أ.ب)

لم تطأ قدما ألان جرجس طرابلس منذ ستة أشهر، على الرغم من أن منزله في الكورة لا يبعد سوى 20 دقيقة بالسيارة عن قلب المدينة. أقلع الشاب عن زيارة أصدقائه في المدينة، التي تقع شمال لبنان، ونزهاته وتسوقه، بعد أن كاد يذهب ضحية تفجير مسجد السلام الذي أودى بحياة 52 قتيلا، في أغسطس (آب) العام الماضي، وصادف أنه كان يجلس لحظتها في مطعم قريب جدا مع أحد أصدقائه. يقول: «الرعب الذي عشته والدماء التي شاهدتها جعلتني لا أفكر أبدا بالعودة، في الوقت الحالي، إلى طرابلس».
جومانا، تسكن في بلدة أنفه التي تبعد 15 دقيقة بالسيارة عن طرابلس، حيث ترعرعت وتعلمت في مدارسها، وترى أن زيارة المدينة صارت مجازفة. تقول: «لا أستغني كليا عن طرابلس، فهي المدينة الأساسية للشمال كله، لكنني لم أعد آتيها إلا للضرورة القصوى. أخشى أن يباغتني رصاص أو اشتباك، أنا بغنى عنه».
على منوال آلان وجومانا، آلاف من سكان القرى والبلدات المحيطة بالعاصمة اللبنانية الثانية، غيروا عاداتهم، وصاروا يتدبرون أمرهم بما حولهم، والنتيجة أن طرابلس تموت تدريجيا، وتئن تحت وطأة حصار قصري تفرضه عليها مجموعة من المسلحين المتفلتين من أي ضوابط، يرعبون المقيمين والزائرين على السواء.
بدأ وضع طرابلس يتأزم أمنيا منذ عام 2008، مع اندلاع اشتباكات متقطعة لكنها دموية، في ضاحيتها الشمالية بين منطقتي جبل محسن وباب التبانة، لم يوضع لها حد. لكن الأمر ازداد سوءا مع بدء الأزمة السورية، وعدّ البعض أنفسهم معنيين بالصراع، وانتشار السلاح بين أيدي أشخاص لا وازع لهم، مما صعّد وتيرة الاشتباكات التي وصلت حتى اليوم إلى جولتها رقم 19 ولا شيء يشير إلى أن الجولة 20 ليست على الأبواب.
«نحن لا نتحدث عن قرب الانهيار والإفلاس، لأن الانهيار حصل بالفعل، والصامدون، لغاية اللحظة، يتسترون بورقة توت»، يقول أمين سر جمعية تجار طرابلس، غسان حسامي لـ«الشرق الأوسط»، شارحا: «مدينتنا فقدت مركزيتها كعاصمة تجارية، ومركزيتها المصرفية، كما مدارسها وجامعاتها التي هجرت. صارت المناطق المحيطة مكتفية ذاتيا. أهالي زغرتا ليس عندهم بحر ابتكروا بحيرة، وربما قريبا يستطيعون إنشاء مرفأ.. من يدري؟ لا أحد يريد أن يغامر بحياته من أجل قضاء أشغاله في طرابلس».
ويجمع عدد من التجار على أن مبيعاتهم انخفضت عن السنوات الماضية بنسبة أكثر من 50 في المائة مما يمكن وصفه بالكارثة الاقتصادية لمدينة يقطنها نحو نصف مليون نسمة. أما حسامي الذي يمتلك أرقاما أكثر دقة فيقول: «انخفضت المبيعات التجارية عام 2011 بنسبة 50 في المائة عن السنة التي سبقتها، ثم عادت وانخفضت عام 2012 بنسبة 70 في المائة عن السنة التي قبلها. إنها انهيارات كبرى وساحقة، والمحلات تغلق واحدا بعد الآخر».
يشكو صاحب أحد المطاعم، متحفظا على ذكر اسمه، من زبائنه الذين اختفوا، لأن أكثر من نصفهم ليسوا من سكان طرابلس. يقول: «كانوا يتسوقون في العادة، ثم يأتون ليأكلوا قبل العودة إلى مناطقهم، من منهم يجرؤ اليوم على المجيء؟». ويتابع: «بالأمس جاءني أحدهم، وقال إنه لم يأتِ إلى طرابلس منذ شهرين، لكنه جازف هذه المرة، لأنه اشتاق لأطباقي. طرابلس من دون محيطها مدينة ميتة، ولا قيمة لها. نحن نبكي مدينتنا، ولا نرى سببا لما أوصلونا إليه». يضيف صاحب المطعم: «أهالي الكورة وزغرتا وعكار صاروا يخافون. أسوأ أيامنا، على الإطلاق، هو يوم الجمعة، منذ حولوه إلى موعد للمظاهرات المناصرة؛ الثورة السورية أو مناصرة المعتقلين الإسلاميين». ويشير إلى أن «الناس تلزم بيوتها يوم الخميس خشية أن يكون تحضيرا لمشاغبات يوم الجمعة، وإذا لم يحدث أمر جلل في هذين اليومين، يخرج الناس من بيوتهم بتخوف يوم السبت».
كمال محيي الدين، تاجر، هو الآخر يعلق غاضبا: «يوما يشتبكون ويطلقون الصواريخ، ويوما آخر يقطعون الطريق، ومرة يطلقون الرصاص بسبب تشييع قتيل أو خروج أحد الزعران من السجن، أو زواج أحدهم، أو لأن زعيمهم تحدث على التلفزيون، هذا عدا الحوادث الفردية التي يمكن أن تباغت المارة. وساعة تصريح سياسي ناري، وساعة أخرى إشاعة. الناس خائفة».
من جهته، يشير أحد تجار بيع الملابس في شارع عزمي في طرابلس إلى أنه «توقف عن شراء البضائع، إذ يفضل أن يترك في جيبه مبلغا نقديا إن اضطر للهرب مع عائلته في حال اندلعت معارك كبيرة».
محمد ياسين يعمل في تصليح السيارات، كان مرأبه في منطقة باب التبانة الأسوأ أمنيا. وبعد أن أحرقوا سيارة أحد زبائنه، انتقل إلى باب الرمل، ليفاجأ أن المنطقة هناك تكاد تنزلق أيضا. ويقول: «الوضع سيئ والخسائر كبيرة، وأتخذ دائما احتياطاتي تحسبا للأسوأ، استأجرت بيتا في الجبل، كي نهرب إليه في حال تأزمت الأمور». ويتابع: «لا تزال لوعة الحرب الأهلية ماثلة في ذهني. بمجرد أن تبدأ اشتباكات أضع عائلتي في السيارة ونصعد إلى الضنية. لست مضطرا للعيش مع مجانين».
في شارع نديم الجسر، حيث توجد فروع لمحلات ألبسة عالمية، تبدو الحركة خفيفة وبطيئة. داخل أحد أشهر هذه المحال، المؤلف من طابقين، لا يلوح أحد. تقول إحدى البائعات: «منذ ساعتين لم يدخل أحد. بالكاد يأتينا عدد قليل جدا من الزبائن بين الثالثة والرابعة بعد الظهر، ثم يختفون. هذه حالنا منذ أشهر طويلة، وإذا استمر الأمر على هذا المنوال، فسيسرّح نصف الموظفين». ولا يختلف الحال في المحال المجاورة على الرغم من أن غالبيتها تقدم حسوما تصل إلى 70 في المائة.
لا يخفي أحد الباعة خشيته بالقول: «نحن هنا متروكون لقدرنا، لو دخل مسلح وطلب مني ما في الصندوق فسأعطيه ما معي، وسأسأله إن كان يرغب ببنطلون جينز وقميص معه». يستطرد البائع: «ماذا نفعل في مواجهة مسلحين فالتين على هواهم. من يحمينا منهم؟». ولا يتردد في مخاطبة سيدة تخرج من المحل، وقد مال الوقت إلى الغروب، قائلا بجدية: «انتبهي على نفسك. لا تخرجي مرة ثانية من المنزل في هذا الوقت. لا أمان».
ليس بعيدا عن المحال التجارية، توصد إحدى الصيدليات بابها الحديدي في وضح النهار فيما تركت نافذة صغيرة مفتوحة، تطل سيدة لتسأل القادم إلى الصيدلية عما يريد، بينما يسألها الجميع عن سبب إغلاق الباب. وتجيب: «هذا ما أفعله حين أكون وحدي في الصيدلية. يأتينا أشخاص، بينهم مسلحون أحيانا، يصرون على الحصول على أدوية ممنوعة ومخدرة، ويهددونا إن لم يتمكنوا من الحصول عليها».
الوضع يصبح أسوأ حالا حين تقترب من الأسواق الأثرية القديمة، التي شهدت تكرار اشتباكات مسلحة عنيفة. أنت هنا في قلب مدينة مملوكية هي الثانية في مساحتها بعد القاهرة. المحلات التجارية مفتوحة، لكن الزبائن باتوا يفضلون التسوق في أماكن أكثر أمنا. سوق الذهب والعطارين والنحاسين والكندرجية التي كانت تعج بالرواد، صارت تفتح على استحياء، ولا يعرف تجارها في أي لحظة يضطرون للهرب. يقول أحدهم: «منذ أيام فقط جاء مسلحون، وأطلقوا النار على جاري جهاد عمران وأحد العاملين عنده. صار هؤلاء يتحكمون بنا، يتجولون حين يستنفرون، بقنابلهم بين المارة». ويشدد على أن هذا «الأمر لا يمكن احتماله»، معربا عن اعتقاده وتأكيده «أن أسبوعا واحدا من الهدوء كفيل بإعادة الحركة. ثم إن منطقة عكار خزان بشري، ينعش طرابلس. أهالي عكار والبداوي باتت حياتهم مهددة بالقنص، وهم يعبرون باب التبانة إلى طرابلس، لذلك لم نعد نراهم إلا نادرا».
بدوره، يتخوف غسان حسامي من أن «المدينة القديمة التي هي العمود الفقري الاجتماعي والتاريخي مهددة بشكل جدي». ويبرر ذلك بالقول: «أخشى أنه بحجة مطاردة مخلين بالأمن أن نصل إلى هدم الأسواق، فسوق الذهب على سبيل المثال شاغلوه ورثوا محلاتهم وحرفتهم عن آبائهم وأجدادهم. هذا تراث المدينة، والقضاء عليه بمثابة جريمة». ويذكّر حسامي بأن منطقة باب التبانة هي التي كان يطلق عليها اسم «سوق الذهب»، والآن صارت أسوأ من «التنك» ومهددة بأن تُدكّ في أي لحظة لمكافحة الإرهاب، ولا شيء يمنع أن يتكرر السيناريو نفسه في الأسواق الأثرية».
ويكمل: «ما أقوله ليس بعيدا عن الواقع، فأين أسواق بيروت القديمة؟ لقد دمرت سوق الطويلة وسوق إياس وسوق سرسق. الخوف أن تلقى أسواق طرابلس التاريخية المصير نفسه. أنبّه الجميع إلى أن قذيفة تحرق محلا واحدا في السوق القديم يمكنها أن تشعل المنطقة كلها، فهذه أزقة ضيقة ومكتظة، مما يرفع نسبة الخطر».
وكان تجار طرابلس أطلقوا صرختهم منذ عدة أشهر، محتجين على ما آلت إليه حال مدينتهم، وجمعوا مفاتيح محلاتهم في صندوق وذهبوا به إلى القصر الجمهوري وسلموه إلى رئيس الجمهورية ميشال سليمان. «لكن الرئيس لم يفعل شيئا، لم نر أي ردة فعل، حتى إن القصر الجمهوري لم يدرج الخبر ضمن النشرة الإعلامية التي يصدرها»، يقول حسامي. ويشدد: «إننا لم نقصّر في التواصل مع المسؤولين، ورفع الصوت، وشرح المعاناة. طرابلس لها مرافق مشلولة يمكن تحريكها، منها معرض رشيد كرامي الدولي والمرفأ وغيرها، لكنه العجز التام، بما في ذلك العجز عن معاقبة من يهددون أمن الناس وحياتهم اليومية».



الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد

الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد
TT

الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد

الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد

في أول مقابلة له بعد أدائه اليمين الدستورية رئيساً للحكومة اليمنية، أعلن رئيس مجلس الوزراء، شائع الزنداني، أن حكومته ستنتقل قريباً إلى عدن، مؤكداً أن الوجود داخل البلاد ليس خطوة رمزية، بل هو شرط لفاعلية القرار واستعادة انتظام مؤسسات الدولة.

وقال الزنداني، خلال اللقاء الذي أجرته معه «الشرق الأوسط» في استوديوهات قناة «الشرق» بمقر «المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)» في «مركز الملك عبد الله المالي (KAFD)» في الرياض، إن المرحلة «لا تحتمل خطاباً واسعاً»، وإنما تتطلب عملاً متدرجاً يعيد بناء الثقة ويثبت الإيقاع المؤسسي، مشدداً على أن تحسين المعيشة والخدمات والتعافي الاقتصادي تمثل أولويات عاجلة.

وبرر رئيس الوزراء اليمني احتفاظه بحقيبة «الخارجية» بالحاجة إلى استكمال إصلاحات تنظيمية ودبلوماسية بدأها سابقاًً.

وأوضح الزنداني أن تشكيل حكومته استند إلى معايير مهنية بعيداً عن المحاصصة، مع التركيز على الكفاءة، والتخصص، والتوازن الوطني.

اقتصادياً؛ تبنّى رئيس الحكومة اليمنية خطاباً واقعياً، متجنباً الوعود السريعة، مؤكداً أن التعافي يتطلب إعادة هيكلة الإدارة المالية، وضبط الموارد، وتعزيز الشفافية، وتفعيل الرقابة.

وشدد على أن توحيد القرارين السياسي والعسكري يمكن مؤسسات الدولة من تطبيق القانون، ويجعل مبدأ المحاسبة ممكناً، كما يمنح الحكومة موقعاً تفاوضياً أشد تماسكاً في أي مسار سلام مقبل مع الحوثيين.


رئيس الصومال: نسعى لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

رئيس الصومال: نسعى لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»
TT

رئيس الصومال: نسعى لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

رئيس الصومال: نسعى لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

أكّد الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود أن بلاده تنسق مع شركائها، بقيادة السعودية، لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال»، وتحييد القرن الأفريقي عن أي تصعيد غير محسوب العواقب.

وكشف الرئيس حسن شيخ محمود، في حوار مع «الشرق الأوسط»، عن حزمة من 3 خطوات سياسية وقانونية، تتخذها بلاده حالياً، لإبطال هذا الاعتراف الإسرائيلي.

وتحدث عن وجود دول في المنطقة لها مصلحة في هذا الاعتراف الإسرائيلي، قائلاً: «لا أودّ تسمية دولة أو دول بعينها، لكن من الواضح أن البعض ربما يرى في هذا الاعتراف فرصة لتحقيق مصالح ضيقة وقصيرة الأمد على حساب وحدة الصومال واستقرار المنطقة».


قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
TT

قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)

دخلت قوات حفظ السلام المصرية، المنتظر أن تشارك في الصومال مرحلة جديدة، بعد اصطفاف عسكري حضره الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بالقاهرة.

تلك القوات التي أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أنها أمام مشاركة «مرتقبة» في الصومال، تواجه تحديات عديدة منها، وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، رد فعل «حركة الشباب» المتشددة، وإثيوبيا التي وجهت اعتراضات علنية لهذا الوجود المصري على خلفية خلافات البلدين.

وأفاد الجيش المصري، في بيان نقلته «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية، الأربعاء، بأن «رئيس الصومال شهد اصطفاف القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وحدة الصومال وأمنه وسلامة أراضيه، وذلك في إطار الدور المصري الريادي الداعم للجهود الدولية في حفظ السلام، وتعزيز ركائز الأمن والاستقرار بالقارة الأفريقية».

ووفق البيان، «أتمت القوات المشاركة أعلى درجات الجاهزية من خلال مستوى تدريبي احترافي يُمكّن من تنفيذ المهام الموكلة إليها بكفاءة واقتدار تحت مختلف الظروف».

وكان الرئيس المصري قد قال في مؤتمر صحافي، الأحد، بالقاهرة مع نظيره الصومالي: «تناولت محادثاتنا مشاركة مصر المرتقبة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم والاستقرار في الصومال، حيث أكدتُ أن مصر ماضية في استكمال نشر قواتها ضمن البعثة، في إطار التزامها تجاه القارة الأفريقية، وفي ظل حرصها على تحقيق الأمن والاستقرار في كافة ربوع الصومال».

الخبير العسكري والاستراتيجي والمستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، اللواء عادل العمدة، قال إن مشاركة مصر المرتقبة تأتي بطلب من الصومال وموافقة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، لافتاً إلى أن «الاصطفاف» يعني عسكرياً قرب المغادرة، وأن القوات جاهزة لإتمام المهمة المكلفة بها.

القوات المصرية المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ووفقاً للخبير في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، تشير المعطيات المتداولة منذ فترة إلى أن مشاركة القوات المصرية ضمن بعثة حفظ السلام المرتقبة في الصومال «لم تكن فكرة طارئة، بل خياراً مطروحاً بجدية ظل مرهوناً بالحصول على الضوء الأخضر من قيادتي البلدين في القاهرة ومقديشو»، متوقعاً انتشارها قريباً.

ويأتي هذا الاصطفاف بعد نحو شهرين من إعلان إسرائيل في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، الاعتراف بإقليم أرض الصومال «دولة مستقلة ذات سيادة»، وحدوث مواجهات بالصومال، وهجمات من جانب «حركة الشباب».

وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد أعلن في ديسمبر 2024 أن بلاده ستشارك في قوة حفظ السلام الجديدة التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال، المعروفة باسم «أوصوم»، التي حلت محل مهمة لمكافحة الإرهاب انتهت أواخر 2024.

وواجهت بعثة مصر منذ إعلان المشاركة تحديات. وفي يوليو (تموز) 2025، دعت الرئاسة المصرية المجتمع الدولي إلى توفير «تمويل كافٍ» لبعثة السلام في الصومال، بما يضمن استدامتها، ويساعدها على تنفيذ ولايتها بفاعلية.

وجاء نداء الرئاسة المصرية بعد دعوة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، في اجتماع للبعثة في أوغندا خلال أبريل (نيسان) 2025، إلى ضرورة «توفير التمويل اللازم لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال بما يصل إلى 190 مليون دولار».

جانب من القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ويرى العمدة أن أبرز التحديات تكمن في المهمة الموكلة إليها، وهي مكافحة الإرهاب والعناصر الخارجية على القانون، وتحديداً «حركة الشباب»، مستبعداً أن تكون هناك تحديات من الجانب الإثيوبي تجاه قوات مصر، «خاصة أن مصر دولة قوية وملتزمة بالإجراءات والمهام»، على حد قوله.

ويعتقد كلني أن احتمال وصول القوات المصرية لا يُنظر إليه بمعزل عن التوازنات الإقليمية الدقيقة؛ إذ يُرجَّح أن يثير قلق بعض دول الجوار، وفي مقدمتها إثيوبيا، في ظل استمرار ملفات خلافية عالقة بين القاهرة وأديس أبابا، وعلى رأسها أزمة سدّ النهضة.

ويضيف أن هذا التطور «يتقاطع مع شبكة من الترتيبات الأمنية والعلاقات المتشابكة التي تربط مصر بكلٍّ من إريتريا والسودان والصومال، فضلاً عن شبهات تتعلق بأدوار إسرائيلية غير مباشرة يُعتقد أن لإثيوبيا اطلاعاً عليها، وربما إسهاماً في تسهيل بعض مساراتها».

وعلى الرغم من وضوح دلالات هذا الحراك العسكري والسياسي، فإن تقدير حجم تأثير وصول القوات المصرية إلى الصومال لا يزال سابقاً لأوانه، وفق كلني الذي قال إن ردود فعل بعض دول القرن الأفريقي تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة، لا سيما في ظل مخاوف معلنة من تنامي قدرات الجيش الصومالي تدريباً وتسليحاً.