غوردن لـ «الشرق الأوسط»: الرياض تملك أوراقًا كثيرة ودعم بوتين للأسد أحرج موسكو مع السعودية

مساعد أوباما السابق ومنسق سياسة البيت الأبيض قال إن واشنطن لم تدر ظهرها للشرق الأوسط ولا تريد مواجهة عسكرية مع روسيا

غوردن لـ «الشرق الأوسط»: الرياض تملك أوراقًا كثيرة ودعم بوتين للأسد أحرج موسكو مع السعودية
TT

غوردن لـ «الشرق الأوسط»: الرياض تملك أوراقًا كثيرة ودعم بوتين للأسد أحرج موسكو مع السعودية

غوردن لـ «الشرق الأوسط»: الرياض تملك أوراقًا كثيرة ودعم بوتين للأسد أحرج موسكو مع السعودية

أكد الدكتور فيليب غوردن مساعد الرئيس الأميركي أوباما السابق ومنسق سياسة البيت الأبيض، أن السعودية تستطيع أن تلعب دورًا مهمًا جدًا، لما تملكه من أوراق كثيرة تجعلها تلفت روسيا إلى أهمية السياسة السعودية لا سيما فيما يتعلق بالإنتاج النفطي، وقال «إن هذا سينعكس سلبًا على روسيا إذا لم تعمل مع السعودية وآخرين على انتقال سياسي في سوريا من دون الأسد».
واعترف غوردن في الحوار الذي أجرته معه «الشرق الأوسط» بأنه لا سجل جيدًا لأميركا، يربط النجاح في تدريب أي معارضة بالوصول إلى حكومة استقرار. وأعطى مثلاً تجربتي أفغانستان والعراق. وأضاف أن الصعوبة كانت في إيجاد معارضة سورية معتدلة وقوية لتحل مكان نظام بشار الأسد. لكنه اعترف أيضا، بأن برنامج وزارة الدفاع كان حسب تفويض الكونغرس محصورًا بتدريب من سيقاتل «داعش» وليس من يقاتل نظام الأسد.
ورأى أن احتمال أن يكون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يفكر في استراتيجية خروج، احتمال يستحق البحث، لتكون هنالك استراتيجية لتجنب بوتين توتير علاقاته مع السعودية وتركيا ودول أخرى، «لأن عليه العمل مع هذه الدول لإيجاد طريقة لإنهاء الحرب الأهلية في سوريا وإبعاد الأسد».
وقال غوردن إن الرئيس الأميركي باراك أوباما غير مستعد لمواجهة عسكرية مع روسيا: «إدارة أوباما لا تريد أن تجد نفسها غارقة في حرب إقليمية جديدة معقدة»، وأضاف بقوله «لم يتوقع أحد أن تصبح إيران بعد الاتفاق شريكًا متعاونًا وليس من أحد ساذجًا والاتفاق النووي لم يكن موافقة أميركية على ما تقوم به إيران في سوريا والعراق واليمن».
وقال غوردن إن نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي السابق أراد خروج الأميركيين من العراق، في حين أن الحكومة الأفغانية طالبت ببقائها، «لكن الولايات المتحدة لن تترك الشرق الأوسط، فهي باقية»، فإلى نص الحوار:
* ما الذي حدث وجعل الإدارة الأميركية ترتكب هذا الخطأ الكبير بالنسبة إلى تقييم الأزمة السورية إلى درجة أن استراتيجيتكم فشلت تمامًا؟
- صحيح أن الاستراتيجية لم تنجح. لن أربطها بمسألة أننا في البيت الأبيض أخطأنا. ربما الناس لم تقدر صعوبة إيجاد واختيار المعارضة المعتدلة التي تكون قوية إلى درجة الحلول مكان نظام الأسد وإعادة الاستقرار إلى سوريا.
* لكن برنامجكم حول ذلك، كلفكم 500 مليون دولار وأنتج حفنة قليلة من المقاتلين؟
- هذا صحيح، إننا ولفترة نحاول دعم المعارضة، لكن، كما قلت، لم نقدر صعوبة فعل ذلك في وجه نظام تدعمه قوى كبرى مثل روسيا وإيران. الحدث الأقرب لذلك هو أفغانستان عام 1980، كانت الولايات المتحدة ودول أخرى مصرة على الإطاحة بحكومة أفغانستان المدعومة من الاتحاد السوفياتي، وقد فعلنا هذا إنما بتكلفة باهظة عبر المجاهدين وصواريخ «ستينغر»، صحيح أدى ذلك إلى تغيير النظام إنما إلى الوضع المروع في أفغانستان الذي أوصل إلى طالبان و«القاعدة» وتفجيرات سبتمبر (أيلول) 2001، ليس هناك سجل جيد يربط النجاح في تدريب أي معارضة بالوصول إلى حكومة استقرار.
* تجربتكم في أفغانستان، مع استعمالكم استراتيجية مختلفة انتهت كما انتهت إليه استراتيجيتكم في سوريا، إذ هناك «النصرة» وهي تفريع لـ«القاعدة» و«داعش». لجأتم إلى الجهود والقوة في أفغانستان، ولم تلجأوا إلى أي منهما في سوريا، إنما النتيجة كانت واحدة.
- صحيح أن النتيجة مروعة. لكن من الخطأ الاعتقاد أنه مع بعض البدائل في الاستراتيجية كنا تجنبنا العنف ومآسي اللاجئين في سوريا. تذكري العراق. كان الوضع سيئًا مع الديكتاتور صدام حسين الذي كان يسيء معاملة شعبه ويشكل تهديدًا لجيرانه. هناك حاولنا المقاطعة، وإضافة مناطق آمنة، والعزلة، لكن لم تنجح أي من هذه الإجراءات في التخلص من النظام. عندها رأت الولايات المتحدة أن الطريقة الوحيدة تكون باستعمال القوة الهائلة - كما يطالب الكثيرون باستعمال القوة الهائلة في سوريا اليوم - لجأنا إليها وأطحنا بصدام حسين، لنقع في فوضى أكبر. كلفت تريليون دولار، انتشر العنف، قويت إيران. أنا أشك في أنه لو استعملنا القوة الهائلة في سوريا لكنا حصلنا على نتيجة أفضل.
* هل صحيح أن الكونغرس فوض البنتاغون بتدريب الثوار السوريين من أجل مقاتلة تنظيم داعش فقط وليس مقاتلة الأسد؟
- نعم، برنامج وزارة الدفاع وضع لتدريب الثوار لمقاتلة «داعش»، ولهذا السبب لم ينجح إلا في تجنيد عدد قليل من المعارضة السورية التي كانت تريد مقاتلة الأسد.
* لكن لماذا اخترتم مقاتلة «داعش» فقط وليس «داعش» والأسد معًا؟
- أعتقد، لأنه اخترنا مقاتلة الأشد خطرًا. على الصعيد الإقليمي كان «داعش» المناوئ الأول ومن الضروري أن نعيد التوازن إلى المعارضة بحيث إذا سقط الأسد، تكون هناك معارضة معتدلة في السلطة. وبقدر ما نود التخلص من الأسد، لكن إذا سقط، فإن «داعش» كان سيحل مكانه وليس هذا ما نأمله أو نتطلع إليه.
* هل تعتقد أن الروس هم في الطريق لبناء فقاعة فوق سوريا وتحدي التفوق الجوي الغربي؟
- لا أعتقد أن روسيا تستطيع تحدي التفوق الجوي الغربي عبر الغارات الجوية. لكن من دون شك، فإن الوجود الروسي يعقد الوضع أمام أميركا، ويقلص الخيارات بالنسبة إلى إقامة مناطق لا يسمح بالتحليق فوقها. الحقيقة الآن أن الروس يقومون بالغارات ولديهم دفاعهم الجوي الذي يجعل الأمور أكثر صعوبة أمام الولايات المتحدة.
* قلت إن العرب يمكنهم العمل مع الأسد في أمر واحد هو خروجه. هل يمكن أن تشرح هذه الخطة؟ وهل تعتقد أن الأسد يريد فعلاً تخفيف الصراع أو وقفه؟
- لا أعتقد أنه يريد ذلك. وأظن أن الطريقة الوحيدة لفرض ذلك عليه تكون بضغط من روسيا. فلأكن واضحًا، بالنسبة إلى خروج الأسد. من المؤكد أن النتيجة الأفضل، والوحيدة القابلة للتطبيق على المدى البعيد تكون بخروج الأسد، فهو نفر أغلبية شعبه، ولا يمكن إرضاء الشعب ما دام في السلطة، المشكلة مستمرة طالما الأسد هناك، وبالتالي لا يمكن حل الصراع. لذلك فإن من أولياتنا العمل مع كل الأطراف، بما فيها توجيه رسالة إلى الروس: إذا كنتم تريدون إنقاذ نظام الأسد، فحظًا سعيدًا، لأن العنف سيستمر وستكون هناك عمليات موجهة ضد الروس، وهذه مغامرة معقدة جدًا.
لذلك يجب أن يفهم الروس، أن عليهم تهميش الأسد ومن الممكن تجنب تأزيم الوضع أكثر، لأن هذه الحرب ستبدأ تكلفهم كثيرًا ومباشرة. وأعتقد أنه يجب أن نركز على أن ينضم الروس إلى عملية انتقال السلطة التي يجب العمل عليها.
* هل تعتقد بما يقوله الآن بعض المراقبين الروس من أن الرئيس فلاديمير بوتين قد يكون بصدد البحث عن استراتيجية للخروج بعد ثلاثة أسابيع من الغارات الجوية، لأنه لا يريد أن تتحول لمكاسب إلى مسؤولية يتحملها؟
- نعم، لكن لا أعتقد بوجود أي ضمانات.
* ضمانات لاستراتيجية الخروج أو بأن الأميركيين على استعداد للعمل معه؟
- لا أعتقد أننا يمكن التأكد من أن الروس يريدون مثل هذه الخطة. لكن هذه الخطة تستحق البحث. الآن مع الوجود الروسي في سوريا، من الناحية الأمنية تستطيع روسيا أن تساعد على منع الانهيار الحقيقي للنظام وهذا ما تخاف عليه، يمكنها أن تحيد الأسد، وتبقي النظام مكانه، إنما تدريجيًا تنهي العنف. وأعتقد أنه عندما تبدأ التكاليف بالارتفاع قد تدرك روسيا التكلفة المالية والانعكاسات على الاقتصاد الروسي الذي يعاني، والتكاليف الدبلوماسية من حيث زعزعة العلاقات الروسية مع العالم العربي، وعندما يبدأ سقوط الضحايا، يمكن عندها لروسيا أن تدرك أنه من مصلحتها العمل على فترة انتقالية لا تشمل الأسد.
* هل تعتقد أن وجود استراتيجية خروج قد يساعد بوتين على تجنب توتير علاقاته مع السعودية وتركيا ودول أخرى جعلت الإطاحة بالأسد من أبرز أولوياتها؟
- نعم، هذا احتمال، وكما قلت فإن دعم بوتين لنظام الأسد سيكلفه ماليًا واقتصاديا وأيضا سيحرج علاقات روسيا مع السعودية وتركيا ودول أخرى. أمامه الآن فرصة لتغيير كل تلك الاحتمالات، بأن يعمل مع هذه الدول لإيجاد طريق لإنهاء الحرب الأهلية في سوريا وإبعاد الأسد، لا أعتقد أن بوتين سيفعل هذا فورًا، إنما مع الوقت سيصبح أكثر اهتمامًا بإيجاد استراتيجية خروج.
* هل تعتقد أن واشنطن مستعدة لمحادثات مفتوحة مع روسيا حول هذا الأمر، أم أن الإدارة الأميركية الحالية لا تريد أن تظهر أنها على مساواة مع روسيا؟
- أولاً بالنسبة إلى محادثات على مستوى عال مع روسيا حول هذه المسألة، فإن البنتاغون نشط، بالنسبة إلى الإدارة فما زال أمامها أكثر من سنة في السلطة، ولا أعتقد أن الشعب السوري يمكنه أن ينتظر. وكان الرئيس باراك أوباما واضحًا في الأمم المتحدة عندما قال إن إدارته على استعداد للحديث مع أي دولة بما فيها روسيا أو إيران من أجل محاولة إنهاء الصراع. أظن أن هذا من أولويات الإدارة والمسألة لا تتعلق بالمساواة، إنما المسألة تتعلق بتحقيق أهدافنا.
* لكن الرئيس أوباما رفض اقتراحًا تقدم به الرئيس الروسي لإرسال وفد برئاسة رئيس الوزراء الروسي دمتري ميدفيديف إلى الولايات المتحدة لإجراء محادثات موسعة حول سوريا؟
- أعتقد أن الولايات المتحدة قادرة على أن تتحدث مع روسيا بجدية إذا كانت الأخيرة على استعداد أن تتحدث هي الأخرى بجدية، وأن يجد الطرفان الآلية المناسبة لذلك، إنما الأولوية تكون بوضع نهاية للصراع.
* أيضا، تلوم واشنطن موسكو بأنها تقصف المعارضة السورية المعتدلة. لكن تقول روسيا إنها عندما سألت عن الأهداف التي يجب على طائراتها ألا تقصفها، رفضت واشنطن تسمية تلك الأهداف؟
- أولاً ليس صحيحًا أن روسيا تتجنب استهداف المعارضة المعتدلة، هي تعتبر كل معارضة للنظام السوري إرهابًا. هي لا تستهدف في قصفها «داعش» كثيرًا، بل تقصف كل المجموعات الأخرى المعارضة للنظام. وصار واضحًا للجميع أن روسيا تدخلت لإنقاذ النظام والأسد وليس لقتال «داعش».
* نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول إيراني قوله إن الآلاف من الجنود الإيرانيين صاروا في سوريا للمشاركة في معركة حلب. والآن (الجمعة بعد الظهر) جاء نبأ أن اللواء قاسم سليماني (قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني) صار في حلب. لم نسمع أي اعتراض أو قلق من الولايات المتحدة؟
- أظن أن الولايات المتحدة كانت واضحة جدًا في معارضتها لكل الأطراف التي تقاتل في سوريا من أجل دعم النظام بما فيها إيران وحزب الله. أنا متأكد من أن الولايات المتحدة واعية للخطر الإيراني.
* لكن ماذا تفعل الإدارة الأميركية لمنع هذا الخطر؟
- ما تفعله هو الاستمرار في دعم المعارضة، وأن كل من يقف إلى جانب الأسد يدفع الثمن. الواقع أن النظام السوري يتلقى مساعدة كبيرة عبر دعم روسيا وإيران، ونجد أنه من الصعب أن ندرب ونسلح معارضة قادرة ليس فقط لقلب نظام ما زال يتلقى بعضًا من الدعم المحلي بل أيضا دعم إيران وروسيا.
ما لن تفعله الولايات المتحدة الأميركية في ظل إدارة الرئيس أوباما هو أن تتدخل مباشرة في الحرب هناك حيث قوات إيرانية وروسية، وتجد نفسها غارقة في حرب إقليمية معقدة جديدة.
* لكن مستشار الأمن القومي السابق زبينغيو بريجنسكي كتب أخيرًا في صحيفة «الفايننشال تايمز» اللندنية مقالاً يحث على «استراتيجية جريئة»، وكأنه يدعو إلى مواجهة روسيا في سوريا. وأنت تقول الآن إن الرئيس أوباما لن يفكر بهذه الطريقة؟
- أعتقد أن هذا صحيح. لا أظن أن الرئيس أوباما مستعد لمواجهة عسكرية مع روسيا في سوريا، إذا كان هذا ما يتحدث عنه بريجنسكي. إذا كان الأمر محصورًا في مواجهة عسكرية مع روسيا، لا أعتقد أننا يجب أن نتجنب ذلك، لكن، لا أظن أن مواجهة روسيا ستؤدي إلى نتيجة أفضل. يمكننا أن نسقط طائرة روسية ونستهدف البحرية الروسية، لكن ماذا ستكون النتيجة؟ إذا أدى ذلك إلى سقوط النظام ولا توجد خطة متماسكة لتخلفه، سنصل إلى فوضى أكبر، وتشرد أبعد، ومآس أكثر.
* هل كان يستحق استرضاء إيران للتوقيع على اتفاقية غير أكيدة، التخلي عن سوريا والحلفاء الآخرين في الشرق الأوسط؟
- لا أتفق مع تهمة التخلي عن سوريا والحلفاء الآخرين في الشرق الأوسط. الاتفاق النووي لم يكن لتحسين العلاقات مع إيران، ولم يكن موافقة أميركية على كل ما تقوم به إيران في سوريا، والعراق واليمن وأي مكان آخر، أو اعترافًا بذلك. الطريقة الوحيدة التي كانت أمامنا كانت فرض عقوبات دولية على إيران، وهي العقوبات الوحيدة التي أثرت. العقوبات الدولية دفعت الإيرانيين إلى الموافقة. لقد جلبنا معنا حول الطاولة روسيا والصين، ومجلس الأمن لحمل النظام الإيراني على تقديم تنازلات في برنامجه النووي.
أدخلنا في سياستنا، أننا أردنا العقوبات على إيران ليس فقط بسبب برنامجها النووي، إنما للتوقف عن التدخل في سوريا، والبحرين واليمن.
أفهم، لماذا الناس كانوا يريدون أن يشمل الاتفاق النووي المسألة السورية. لكن كان ضروريًا أن نصل إلى الاتفاق النووي من دون أن نمزجه بأهداف أخرى فننتهي إلى لا شيء.
* لكن كيف تقرأ تجربة إيران لصاروخ باليستي جديد بعد التوقيع على الاتفاق؟
- إيران منذ سنوات تطور برامجها الصاروخية. إنما لم نكن نريد لهذا البرنامج أن يقف في وجه الاتفاق النووي.
* لكن ما رد فعل الإدارة الأميركية على المدينة الإيرانية تحت الأرض بكل أنفاقها التي تحوي صواريخ باليستية وبطاريات صواريخ متحركة. هل تعتقد أن إيران تتحول إلى كوريا الشمالية للشرق الأوسط؟
- آمل ألا يكون هذا، لكن هذا ما يجب أن نبقيه في عقولنا بالنسبة للاتفاق النووي مع إيران. بعض منتقدي الإدارة بالنسبة لهذا الاتفاق دعوا إلى التعامل مع إيران مثل التعامل مع كوريا الشمالية. الإبقاء على العقوبات، عدم التوصل إلى حل وسط، عزلها وعدم إقامة علاقات دبلوماسية.
لكن، هذا النوع من التعامل مع كوريا الشمالية أدى إلى امتلاكها الأسلحة النووية. هي الآن دولة معزولة لكن خطيرة.
نحن نشارك كل مخاوف المنتقدين للاتفاق مع إيران. لا أحد على سذاجة في نظرته إلى إيران، لكن لا تصدقي أن الإبقاء على المقاطعة والعزلة يمكن أن يؤدي إلى أي نتيجة سوى إيران بأسلحة نووية.
* لكن هذا الاتفاق لم يوقف إيران عن الاستمرار بتدخلها في الشؤون الداخلية للدول العربية، كما ذكرت الآن؟
- لم يتوقع أحد أن تصبح إيران بعد الاتفاق شريكًا متعاونًا. الولايات المتحدة تحاول أن تضمن دفاعًا وردعًا قويين لحلفائنا في المنطقة. مع مظلة صواريخ حامية وتدريبات وتسليح للحماية من أي خطر تهدد به إيران.
* بعد الاتفاق قال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، إنه لن تكون هناك إسرائيل بعد 20 عامًا. هل يطلق هذا جرس إنذار بالخطر؟
- بالطبع. سياسة إيران تجاه إسرائيل كانت دائمًا مشكلة للولايات المتحدة. ولأن إيران تشكل تهديدًا لإسرائيل كان هدف عدم تمكينها من الحصول على السلاح النووي. ولهذا العلاقات مع إسرائيل قوية والشراكة العسكرية أيضا. ليس من أحد ساذجا بالنسبة لخطر إيران على إسرائيل. ومن هنا كانت أهمية منع إيران من الحصول على النووي.
* لكن الصواريخ تشكل خطرًا؟
- بالطبع أنها كذلك. لكن من خلال الشراكة مع إسرائيل، واتفاقيات الدفاع المشترك بين الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة. لا أحد يعتقد أن إيران لا تشكل مشكلة، من هنا كان الإصرار على الاتفاق، هناك تعبير في الإنجليزية: يجب على المثالي ألا يلغي الجيد. وهذه نظرتنا إلى الاتفاق.
* العام الماضي وبعد الحرب في غزة والإحباط الذي كانت تشعر به الإدارة من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قلت أنت: كيف لإسرائيل أن تحقق السلام إذا كانت غير راغبة في ترسيم الحدود، وتنهي الاحتلال وتسمح للفلسطينيين بالسيادة، والأمن والكرامة. هل ما زلت على هذا الموقف بعد المشاكل الأخيرة، وهل سيحمل وزير الخارجية جون كيري هذا الموقف خلال لقائه مع نتنياهو الأسبوع المقبل في برلين، كوصفة للسلام؟
- لا أعتقد أن الإدارة تغير موقفها. إن الدعم الأميركي لإسرائيل لم يتراجع، والولايات المتحدة تؤمن بشدة بحق إسرائيل في الأمن والسلام. والسؤال الذي سألته لا يزال باقيا: غياب عملية سلام تؤخر لإسرائيل السلام والديمقراطية، لهذا فإن الولايات المتحدة من أشد الداعمين لدولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل. من دون ذلك، فإن النتيجة ستبقى عنفًا يتفجر باستمرار.
* هل ما زال هناك أمل في حل إقامة الدولتين؟
- ذلك الأمل يتلاشى. لهذا بُذلت الجهود العام الماضي لإنقاذه. الوزير كيري قام بمحاولات حثيثة لشعوره بأن الوقت يضيق بسبب الوضع الديموغرافي. الفلسطينيون يفقدون الأمل بسبب المستوطنات الإسرائيلية التي تعقد الوضع. الرئيس الفلسطيني محمود عباس على استعداد أن يعترف بإسرائيل، وأقام علاقات أمنية للسيطرة على العنف، ويحترم الاتفاقيات الموقعة سابقًا. هو لن يبقى إلى الأبد. الآن الأوضاع تزداد صعوبة، وصار الإسرائيليون يتساءلون علنًا عن النتائج المتوقعة.
الولايات المتحدة لا ترى بديلاً عن حل الدولتين. البديل الوحيد هو دولة واحدة، لكن هل ستضمن إسرائيل أنها ستبقى ديمقراطية في ظل دولة واحدة؟
* ألا ترى أن العمليات الروسية كشفت أكثر وأكثر التقسيم الواقعي لسوريا الذي بدأه الأسد شخصيًا؟
- كلما طال وقت الحرب سيصعب أكثر رؤية سوريا موحدة. وأتخوف من أن الحد الأدنى المطلوب الآن هو تداول السلطة، لم يعد ممكنا تركيز السلطات في دمشق، المطلوب الآن سلطات محلية، أو مناطقية، قبل الوصول إلى سلطة موحدة في سوريا.
* وهل ترى، ولو على المدى الطويل، سوريا موحدة مرة أخرى؟
- من الصعب جدًا ترميمها وإعادة وحدتها. الأفضلية الآن لتوفير السلام وإنهاء العنف، أما الوحدة السياسية السورية فقد تبقى للمدى البعيد. أما للمدى القصير فالمطلوب سلطات محلية.
* هل تستطيع أن تشرح ما قصده المبعوث الأميركي الخاص لسوريا مايكل راتني عندما قال إن الروس ما كانوا ليساعدوا الأسد لو لم نضعفه، وإن التدخل الروسي هو دليل على نجاح السياسة الأميركية في سوريا؟
- أظن أن ما قصده أن التدخل الروسي يكشف أنه ليس كل شيء على ما يرام في دمشق، وأن جهودنا لتقوية المعارضة لها تأثير، وأن هذا دفع روسيا لتدرك أن عليها إضعاف المعارضة. لا أحد يمكنه أن يتوقع النتيجة في سوريا. حتى روسيا تعترف أن الوضع الراهن للنظام لن يدوم. آمل أن يدركوا ذلك قريبًا وألا يتورطوا أكثر.
* هل تعتقد أنه إذا جرت اتصالات ناجحة ما بين الكرملين والرياض، قد تساعد على إعادة المحادثات المتوقفة حول سوريا؟
- أعتقد أن السعودية تستطيع أن تلعب دورًا مهمًا جدًا بالنسبة إلى روسيا. لديها أوراق كثيرة تجعلها تلفت روسيا إلى أهمية السياسة السعودية فيما يتعلق بالإنتاج النفطي، وأن هذا سينعكس سلبًا على روسيا إذا لم تعمل مع السعودية وآخرين حول الانتقال السياسي في سوريا.
وتستطيع السعودية أن توضح للكرملين، أن هذا لا يعني أن النفوذ الروسي سيلغى في سوريا، وأن هذا لا يعني فكفكة كل النظام السوري، بل يعني أن انتقالاً سياسيا في سوريا من دون الأسد ستكون له مفاعيل إيجابية على الجميع.
* هل ترى مصالح واقعية ومنطقية لإيران في سوريا. ما مصالحها في سوريا التي يستطيع العرب أن يقبلوا بها؟
- الإيرانيون يعتقدون أن لهم مصالح رئيسية في سوريا، لكن هذا لا يعني أنها مصالح شرعية بنظر العرب، أو حتى بنظر الولايات المتحدة، الكل يفضل ألا تكون إيران متورطة إطلاقًا في سوريا. هي تدعي أنها تحمي العلويين المرتبطين بالنظام، لكن يجب حماية كل الأقليات أينما كانوا. إيران هدفها في سوريا هو الاستمرار بدعم حزب الله كذراع شرعي لها على الحدود مع إسرائيل.
* كنت أيضا مسؤولاً عن الأمن في العراق. كم تحقق من ذلك الأمن، وكيف يمكن للحكومة العراقية «الصديقة» أن تسمح للطائرات والصواريخ الروسية بعبور أجوائها؟
- الحقيقة القائمة في العراق هي النفوذ الإيراني هناك. الحكومة هناك تعمل مع إيران. بالنسبة إلى الأمن الذي حققناه في العراق فالصورة مختلطة. حققنا بعض التقدم مع مجيء رئيس الوزراء الجديد حيدر العبادي، لأن نوري المالكي أبعد سنة العراق، لذلك انضم قسم كبير منهم إلى تنظيمات إسلامية متطرفة تحديًا لسلطة بغداد. وبعض المحليين السنة كانوا مصرين على إيذاء الحكومة العراقية لسياستها ضدهم. ورأينا كيف سيطر «داعش» على المناطق العراقية.
الأمر الجيد أن العراقيين اختاروا السيد عبادي الذي وعد بجعل السنة والأكراد جزءًا أساسيا من العراق، نظريًا هو يحاول العمل على ذلك، لكن للأسف لن تتحسن الأمور في العراق إلا إذا نجحت الحكومة العراقية في إعادة لم شمل ما فرقه المالكي.
* هل أنت قلق على تركيا؟
- نعم. كنت هناك قبل أسبوعين والبلاد صارت أكثر انقسامًا عما كانت عليه. كانت تركيا تشهد استقرارًا اقتصاديا، وكانت هناك مشاركة للأحزاب السياسية وكانت شريكة قوية للولايات المتحدة.
الوضع الآن يشهد انقساما بشكل خطير. وهي مقبلة على انتخابات جديدة. بعد عدم فوزه المطلق في الانتخابات السابقة، يريد الرئيس رجب طيب إردوغان المحاولة مرة جديدة.
* هل تعتقد أن الرئيس إردوغان يتحول إلى نوري المالكي التركي؟
- لا أريد أن أجري تشبيهًا. لكن الشعور لدى كثير من الأتراك أنه تحول إلى رئيس متسلط، خصوصًا بعد خسارته الجولة الأولى من الانتخابات. وأظن أن الأتراك من ناحيتهم يريدون أن يمنعوا إردوغان من الوصول إلى السلطة المطلقة، يريدون تنوعًا وتعددية. لا يريدون حاكمًا يتمتع بهكذا صلاحيات.
* هل تعتقد أن الرئيس أوباما تعلم الدرس العراقي، فأصدر أمرا للقوات الأميركية بالبقاء في أفغانستان؟
- أنا متأكد أن الحكومة الأفغانية لن تكون بمفردها قادرة على الوقوف في وجه طالبان. الفرق الأساسي أن الحكومة الأفغانية هي من طلب من الولايات المتحدة البقاء في أفغانستان، بينما في العراق فإن الحكومة العراقية هي من أصرت على مغادرة القوات الأميركية. للأسف، فإن حكومة نوري المالكي أرادت خروج الأميركيين.
* هل هذه طريقة أخرى للإثبات أن الرئيس أوباما يدير ظهره للشرق الأوسط، إذ أعلن مسؤولون أميركيون أنه خلال أيام، سيقوم الجيش الأميركي بدوريات بحرية في بحر جنوب الصين ضمن عملية «حرية الملاحة» لتحدي ادعاءات الصين بسيطرتها هناك، ثم ماذا إذا ردت الصين؟
- أولاً، لا أعتقد أن الرئيس أوباما يدير ظهره للشرق الأوسط، هناك شراكة كاملة مع المنطقة، هناك مصالح أميركية كثيرة عسكرية واقتصادية، إضافة إلى محاربة الإرهاب. لا يمكننا أن نترك الشرق الأوسط ولن نتركه. ما هو صحيح، أن الرئيس أوباما غير مقتنع بأن تدخل الولايات المتحدة يمكن أن يرسم النتائج في الشرق الأوسط، خصوصًا إذا استعمل القوة العسكرية الأميركية، هو يشكك في أن يكون لهذا النوع من التدخل نتائج إيجابية.
بالنسبة إلى المسألة الصينية، فإن الصين تتحدى العالم وما تريده أميركا هو إظهار أن هناك قوة ردع لهذا التحدي.
* هل تريد إضافة شيء؟
- نعم، إن رسالتي هي أن الولايات المتحدة لن تترك الشرق الأوسط وستبذل أقصى جهدها للدفاع عن ذلك، لكن الأمر يعود إلى شعوب المنطقة لمواجهة التحديات واتخاذ القرارات.



العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
TT

العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)

في تصعيد يمني للخطاب السياسي تجاه الحوثيين، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي على أن جوهر الأزمة في بلاده لا يرتبط بتباينات سياسية قابلة للتسوية، بل بمشروع سياسي مسلح قائم على احتكار السلطة، وادعاء الحق الإلهي في الحكم، ورفض مبدأ المواطنة المتساوية، مؤكداً أن أي مقاربة للسلام تتجاوز هذه الحقيقة لن تقود إلى تسوية عادلة، أو استقرار دائم.

وخلال استقباله نائب رئيس مجلس النواب الألماني الاتحادي (البوندستاغ) أوميد نوميبور، أوضح العليمي أن الشعب اليمني يواجه جماعة مسلحة استولت على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، وانقلبت على التوافق الوطني، وفتحت البلاد أمام مشروع إقليمي عابر للحدود.

ويعكس هذا التوصيف من قبل العليمي تمسك القيادة اليمنية بقراءة ترى أن الصراع مع الحوثيين معركة مرتبطة باستعادة الدولة الوطنية، وحماية النظام الجمهوري، وليس مجرد نزاع داخلي محدود الأبعاد.

حشد للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

وأشار رئيس مجلس القيادة اليمني إلى أن المحافظات الواقعة تحت قبضة الحوثيين تحولت إلى بعض أسوأ مناطق العيش في العالم، خصوصاً بالنسبة إلى الأقليات، والمرأة، والصحافة، والعمل المدني.

وأكد أن تحقيق السلام لن يكون عبر مكافأة المتمردين، أو منحهم شرعية سياسية على حساب الدولة، وإنما عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية، وحماية التعددية، وردع الميليشيا، وفتح أفق سياسي عادل لكل اليمنيين يضمن الشراكة، والحقوق المتساوية.

تثمين الدعم الألماني

وفي هذا السياق، ثمن العليمي اهتمام البرلمان الألماني بالشأن اليمني، والدور الذي تضطلع به ألمانيا بوصفها شريكاً أوروبياً مهماً في دعم السلام وبناء المؤسسات، وحماية الحقوق، والحريات، معرباً عن تطلعه إلى زيادة الدعم الألماني والأوروبي خلال المرحلة المقبلة، بما يشمل استئناف حضور المؤسسات الألمانية الفاعلة، خصوصاً في مجالات التدخلات الإنسانية، وبرامج التنمية، وبناء القدرات المؤسسية.

وربط العليمي بين هذا الدعم والاستثمار المباشر في الأمن والاستقرار الوطني والإقليمي، في إشارة إلى أن تعزيز مؤسسات الدولة اليمنية يمثل -من وجهة نظر الحكومة الشرعية- المدخل الأكثر واقعية لمواجهة الانهيارات الاقتصادية والإنسانية، وخلق بيئة أكثر تماسكاً في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي فرضتها الحرب.

كما تطرق إلى ما وصفها بالسرديات المضللة التي تروج لها بعض المنابر بشأن الحالة اليمنية، مؤكداً أن تصوير المشهد باعتباره نزاعاً سياسياً عادياً يتجاهل حقيقة الانقلاب المسلح على الدولة، وطبيعة المشروع الذي تحمله الجماعة الحوثية.


أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
TT

أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

مع اقتراب الشهر من نهايته، يخشى الموظفون اليمنيون في مناطق الحكومة الشرعية من عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية، بسبب عجزهم عن الحصول على رواتبهم، نتيجة أزمة السيولة التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية منذ أشهر.

ولا تُعدّ أزمة السيولة النقدية التي يواجهها اليمنيون أزمة نقود في حد ذاتها، بل أزمة أوراق نقدية تعجز البنوك عن توفيرها للعملاء، وتكتفي بمنح كل عميل يحاول السحب من رصيده أو صرف عملات أجنبية 80 ألف ريال يمني فقط يومياً (الدولار يساوي 1560 ريالاً) وسط اتهامات لها بتدمير ثقة عملائها بها.

وتعرّض الاقتصاد اليمني لأزمات متتالية بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، والتلاعب والمضاربة بالعملات في الأسواق الموازية وتراجع الثقة بالبنوك، واستبدال قنوات موازية غير قانونية بالقنوات المصرفية الرسمية، إلى جانب اعتداءات الجماعة الحوثية على موانئ تصدير النفط وحرمان الحكومة الشرعية من أهم مصادر الإيرادات.

ويرى عبد السلام الأثوري، الخبير الاقتصادي اليمني، أن أزمة السيولة في مناطق الحكومة اليمنية ليست نقصاً في النقد، بل نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والنظام النقدي؛ إذ خرجت كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي، ما أضعف قدرة البنك المركزي اليمني على التحكم بالسيولة.

القاعة الرئيسية لإجراء المعاملات بالبنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

ويشير الأثوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى تآكل القنوات الرسمية للإيرادات، مع إيداع مؤسسات حكومية أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي؛ ما خلق قنوات مالية موازية، كما يبرز اختلال الإنفاق العام، خاصة في الرواتب، حيث تُصرف أموال لأسماء وهمية أو غير فعالة، وتتسرب لاحقاً إلى المضاربة وتحويل الأموال للخارج.

ومنذ أيام اتهم مسؤولان في البنك المركزي بعض السلطات المحلية والجهات الحكومية بمفاقمة الأزمة من خلال الامتناع عن التوريد لحساب الحكومة في البنك المركزي بعدن، وتجاهل قرار مجلس القيادة الرئاسي وخطة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة المدعومة دولياً.

وحسب ما نقلت «رويترز» عن المسؤولين، فإن الحكومة لا تمتلك إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، بسبب «هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، فضلاً عن آلاف المليارات من الريالات المكدسة في مخازن شركات الصرافة ورجال الأعمال، وهي عوامل تسببت في أزمة سيولة خانقة داخل المالية العامة».

وذكر مصدر مقرب من إدارة البنك المركزي اليمني في عدن لـ«الشرق الأوسط» أن من أسباب هذه الأزمة تجميد عقود طباعة العملة وإحجام التجار عن قبول الأوراق النقدية الممزقة والتالفة، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الأوراق النقدية المتداولة، مع إصرار الكثير من السكان على تخزين الأوراق السليمة في منازلهم.

ابتلاع السيولة

وتعدّ هذه الأزمة إحدى تداعيات اقتصاد الحرب الذي تتراجع فيه الإيرادات العامة، وتفقد الدولة قدرتها على تنظيم السوق.

ويخشى المراقبون أن يتراجع دور البنوك أكثر مما هو حاصل فعلاً؛ إذ يستمر بقاء معظم الكتلة النقدية خارجها، ورغم الإجراءات التي اتبعها البنك المركزي في الصيف الماضي، فإنها لم تكن كافية لإعادة الدورة النقدية إلى وضعها القانوني، ومنع الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.

ويصف عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، الأزمة الحالية بالاختلال العميق في بنية الدورة النقدية ذاتها نتيجة الاكتناز خارج البنوك؛ وهو ما أدى إلى شلل فعلي في وظيفة النقود وسيطاً للتبادل داخل النظام المالي الرسمي، وخلق مفارقة اقتصادية حادة تمثلت بشح داخل البنوك مقابل فائض غير منضبط في السوق الموازية، يُستخدم في المضاربة بالعملة.

وأوضح المساجدي لـ«الشرق الأوسط» أن البنوك فقدت جزءاً كبيراً من جاذبيتها لصالح قطاع الصرافة الذي يعمل بسرعة ومرونة أعلى وبقنوات أقل تعقيداً، وفي غياب الأدوات المالية الفعالة التي تستقطب السيولة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي، تراجعت قدرة النظام المصرفي على أداء دوره وسيطاً مالياً، وتآكلت وظيفة خلق الودائع.

محل لبيع الأسماك في مدينة سيئون شرق اليمن (أ.ب)

وتتجلى الأزمة في تفاصيل يومية حصلت «الشرق الأوسط» على شهادات ميدانية عنها، مثل تأجيل المرضى زياراتهم للأطباء، وتحذيرات مدارس خاصة لأولياء أمور الطلاب من حرمان أبنائهم من إكمال العام الدراسي لعدم سداد الرسوم، وعجز تجار عن تجديد بضائعهم، مقابل عجز المستهلكين عن شراء السلع الأساسية إلا في أضيق الحدود.

ويشير حلمي الحمادي، الباحث المالي اليمني، إلى أن الأوراق النقدية وقعت فيما يسميه «مصيدة السيولة» التي نشأت بعد إجراءات البنك المركزي خلال العام الماضي، حيث كان المتحكمون بالإيرادات يضعون الأوراق النقدية في حوزة شركات الصرافة ويضاربون بها بالعملات الأجنبية، إلا أنهم الآن يحتفظون بها في المنازل.

ويخلص في توضيحه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أخطر ما في هذه الأزمة أن النقود لا تدخل البنوك التي لا تستطيع تمويل الاقتصاد، والذي بدوره يعمل خارج النظام المالي، وأن تجزؤ الإيرادات جغرافياً وقطاعياً، في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، تسبب في تركيز وإدارة السيولة في مناطق ولدى فئات وجهات وأفراد محددين، لينشأ ما يمكن تسميته «اختناق السيولة الموضعي».

حِزم الأوراق النقدية اليمنية تُحتجز لدى جهات تسعى للإضرار بالاقتصاد (رويترز)

وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، بصعوبة حصول التجار على أموالهم لاستيراد السلع، وعجز السكان عن الحصول على أوراق نقدية لشراء المواد الاستهلاكية.

استعادة الثقة

ولا تعدّ الأزمة الحالية مجرد تعثر مالي، بل هي «أزمة ثقة» حادة متعددة المستويات داخل المؤسسات الرسمية، وفي علاقة مختلف القطاعات بالقطاع المصرفي؛ ما يهدد بدفع الأسواق إلى الاعتماد على «المقايضة» القسرية أو الاعتماد الكلي على التحويلات الرقمية التي لا تتوفر للغالبية العظمى من السكان في الريف.

ويشدد الباحث الأثوري على ضرورة ضبط المالية العامة، وإغلاق حسابات الصرافة الحكومية، وتوحيد الرقابة على المال العام، وإصلاح الرواتب، وتدقيق القوائم الوظيفية، وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر.

شركات الصرافة أسهمت في تدهور القطاع المصرفي اليمني (أ.ف.ب)

كما يرى أن من أهم وسائل مواجهة هذه الأزمة، تفعيل أدوات البنك المركزي والتحول للدفع الرقمي وتوسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة وخاصة لدى كبار المكلفين.

من جهته، يدعو المساجدي إلى إصلاح هيكلي شامل، واستخدام أدوات مالية ذكية وجاذبة، تعيد توجيه النقد إلى القنوات الرسمية بدلاً من بقائه خارجها، وتحديث القطاع المصرفي ليصبح أكثر كفاءة وسرعة وقدرة على تقديم خدمات حقيقية تعيد بناء الثقة تدريجياً بدلاً عن الاعتماد على شركات الصرافة.

ويتفق الاثنان على أهمية استعادة التوازن النقدي بالإلزام الصارم لكل الجهات بتوريد الإيرادات العامة إلى البنك المركزي، بما يعيد للدورة المالية وحدتها.


«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
TT

«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)

مع اقتراب أزمة غلق مضيق هرمز، من يومها الـ60، تتصاعد أزمة أخرى في البحر الأحمر مع حادث اختطاف ناقلة من جانب قراصنة قبالة السواحل الصومالية التي لها تاريخ كبير مع مثل تلك العمليات، قبل أن تهدأ في السنوات الأخيرة مع تحركات دولية مناهضة.

هذه العودة، حسب خبير بالشأن الصومالي والأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعد اختباراً للممرات الملاحية، خصوصاً بالبحر الأحمر، لجس نبض إمكانية عودة نشاط القراصنة على نحو أوسع واستغلال الاهتمام الدولي بأزمة مضيق هرمز.

قرصنة جديدة

أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كاي إم تي أو) أن ناقلة نفط خُطفت، الثلاثاء الماضي، قبالة سواحل الصومال الذي يحده من الشمال خليج عدن ومن الشرق المحيط الهندي، وتلك المنطقة تقع عند مدخل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن على أحد أكثر الطرق التجارية استخداماً في العالم، والرابط بين المحيط الهندي وقناة السويس.

وازدادت أهمية هذا المضيق استراتيجياً منذ إغلاق مضيق هرمز الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط 20 في المائة من إنتاج النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

ووفقاً لما نقلته الهيئة السبت، جرى الإبلاغ عن «حادث» على بُعد نحو 90 كيلومتراً شمال شرقي ماريو، في شرق الصومال، لافتة إلى أن «أفراداً غير مصرح لهم سيطروا على الناقلة وقادوها لمسافة 77 ميلاً بحرياً جنوباً، داخل المياه الإقليمية الصومالية»، من دون ذكر مزيد من التفاصيل.

وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، الخميس أيضاً، باختطاف مسلح لسفينة صيد ترفع العلم الصومالي، لافتة إلى أن «هذه الأحداث مجتمعة تُشير إلى وجود تهديد حقيقي بالقرصنة».

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (رويترز)

وفي الأشهر الأخيرة، أثارت عدة حوادث مخاوف من عودة القرصنة قبالة سواحل القرن الأفريقي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرى المحلل السياسي في الشأن الصومالي والأفريقي، عبد الولي جامع بري، أن ذلك الحادث يأتي في سياق إقليمي أوسع مرتبط بالتوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز برغم أن حادث اختطاف السفن، ليس ظاهرة جديدة لكنه الآن ينذر بتداعيات.

ويُرجِع أسباب تلك العودة إلى ضعف الرقابة البحرية رغم تحسن الوضع الأمني في مقديشو، إلا أن السواحل الطويلة ما زالت صعبة على السيطرة الكاملة، بخلاف الفراغ الأمني الدولي النسبي مع تراجع الوجود البحري الدولي مقارنة بذروة مكافحة القرصنة بين 2010 - 2015.

وبرأي الباحث الاقتصادي والاستشاري في الاقتصاد والنقل الدولي، زياد الهاشمي، فإن «القراصنة الصوماليين يستغلون انشغال العالم بمضيق هرمز ويبدأون باختطاف السفن من جديد بالقرب من منطقة البحر الأحمر».

وهذا التطور حسبما ذكره الهاشمي في منشور عبر صفحته بـ«فيسبوك»، «يأتي وسط تصاعد ملحوظ في نشاط القرصنة في منطقة باب المندب، الذي كان يستهدف في الغالب السفن الأصغر حجماً، لكن اختطاف ناقلة منتجات نفطية كبيرة يُعد مؤشراً مقلقاً، خصوصاً أن المنطقة تعاني أصلاً من ضغوطات بحرية كبيرة بسبب مخاطر الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز».

تاريخ مظلم

وبلغت أعمال القرصنة ذروتها في الصومال عام 2011، قبل أن تنخفض بشكل ملحوظ مع نشر سفن حربية دولية (من الاتحاد الأوروبي والهند ودول أخرى)، وإنشاء قوة شرطة بونتلاند البحرية.

وفي ذروتها في عام 2011، وصلت حوادث القرصنة قبالة سواحل الصومال إلى مستوى قياسي بلغ 237، ما كلف الاقتصاد العالمي 7 مليارات دولار في ذلك العام، وتم إطلاق النار على أكثر من 3863 بحاراً ببنادق هجومية وقذائف صاروخية في تلك الفترة، حسب تقرير سابق لـ«سي إن إن» الأميركية.

ويعود ظهور القراصنة، إلى تسعينات القرن الماضي، مع معاناة الصيادين المحليين من الصيد التجاري غير المنظم ، وبدأ بوصفه احتجاجاً مسلحاً ضد سفن الصيد الأجنبية التي حرمتهم من مصدر رزقهم التقليدي، الذي لطالما وفرته المياه الصومالية الغنية بأنواع الأسماك المختلفة.

ويشير عبد الولي جامع بري، إلى أن أي حادثة جديدة لا تُعد عودة كاملة للقرصنة، لكنها مؤشر قابل للتصاعد إذا توفرت الظروف، مؤكداً أن المخاوف ستتسع بعد حادث الجمعة، لأسباب بينها أن تكرار الحوادث الصغيرة قد يشير إلى اختبار الممرات البحرية، وتحول الاهتمام الدولي مع تصاعد أزمة مضيق هرمز.

وعودة نشاط القرصنة البحرية في مضيق باب المندب، حسب زياد الهاشمي، يزيد من مستوى المخاطر المرتفعة، ويضغط على شركات الشحن البحري لاستخدام المسار الأطول والأكثر تكلفة عبر رأس الرجاء الصالح، ما يعمّق مشكلة ارتفاع الأسعار في مراكز الاستهلاك الغربية.