مثقفو العرب على أبواب «نوبل».. الانتظار المر

هل اكتفت الجائزة عربيا بنجيب محفوظ؟

علاء الجابري، علياء الداية، ديانا رحيل، أحمد اللاوندي
علاء الجابري، علياء الداية، ديانا رحيل، أحمد اللاوندي
TT

مثقفو العرب على أبواب «نوبل».. الانتظار المر

علاء الجابري، علياء الداية، ديانا رحيل، أحمد اللاوندي
علاء الجابري، علياء الداية، ديانا رحيل، أحمد اللاوندي

يبدو اليوم أن عددًا من الأدباء العرب يترقبون كل عام جائزة «نوبل» ثم لا تأتي، وتدور أحاديث همسًا وعلنًا أن هذا الأديب أو ذاك يتصرف بما يرضي توجهات القائمين على «نوبل» مثل أن يكون مهادنًا يتملق ثقافة ضد أخرى، أو أن يهاجم ثقافته وتراثه ويمتدح غيرها على سبيل: «التفتوا إلي»، أو يكون متناقضًا ما بين كتاباته وما هو عليه في أرض الواقع. وهذا يفضي إلى تساؤل آخر: هل اكتفت جائزة «نوبل» من بين العرب بالأديب نجيب محفوظ منذ عام 1988 ثم غيرت مسارها بعيدًا عن الوطن العربي؟ هل يعقل أن أحدًا من الأدباء العرب البارزين لم يستطع أن يلفت أنظارهم مرة أخرى إلى العرب؟ لندع الأكاديميين والأدباء الذين التقينا بهم يقيّمون هذا الموقف ويجيبون عن هذه التساؤلات، ولكن قبل ذلك أذكر بمقولة أحد أبرز الذين رفضوا هذه الجائزة، الكاتب الآيرلندي الساخر برناردشو الذي قال عن الجائزة: «جائزة (نوبل) تشبه طوق النجاة الذي يتم إلقاؤه لأحد الأشخاص بعد أن يكون قد وصل إلى الشاطئ».
* بيع المبادئ القومية
الأكاديمي الناقد الدكتور علاء الجابري، من مصر، يرى أن هناك شغفًا من الأدباء العرب تجاه «نوبل»، ويقول: «بعضهم يريد (نوبل) بأي ثمن، وفي سبيل ذلك بذل بعضهم ماء وجه قوميته وعروبته تارة أو ثوابت مجتمعه تارة أخرى لينتظر كل عام مكافأته. وهؤلاء تجد بعضهم يبيع دم إخوانه منتظرا عطايا السلطان، حيث يتحكم فيهم سيف السلطان وذهب الجوائز، بمعنى أنه شخص غير سوي إنسانيا، وفي أي سياق لا يأتي بخير فليست (نوبل) وحدها التي سال لها لعابه. وبعضهم يظن أن مجرد الإغراق في المحلية، كما فعل محفوظ، سيجعله يستحق الجائزة». ويضيف الجابري: «والحق أن صدق محفوظ وصبره وتجدد إبداعه لا مثيل له. والغريب أن بعضهم تبرأ من الظن بكون أولاد حارتنا وإغارتها على بعض ثوابت الأديان طبقا لبعض وجهات النظر كانت سببا في منح (نوبل) لمحفوظ، ثم تراه يعمل بعكس ذلك في مغازلة للجائزة من جهة، وبيع لمبادئه من جهة أخرى».
لا تخلو فكرة الدكتور الجابري من الميل لنظرية المؤامرة التقليدية فيقول: «لنتفق بداية على أن الجائزة، أي جائزة، ليست دليلا على اتفاق على المبدع أو العمل الفني، فما يحكمها هو توجهات لجنة التحكيم التي يتغير حكمها بين فترة وأخرى وتشكيل وآخر، وليس أدل على ذلك من فوز البلاروسية بجائزة (نوبل) وهي المغمورة عند كثيرين، والتي ينظر لها أغلب النقاد بكون أعمالها أشبه بعمل محررة صحافية». ويكمل: «وربما لم تكن (نوبل) حاضرة في أذهان أغلبية المبدعين العرب قبل نجيب محفوظ، ولعل سعيهم لها وحلمهم بها ليثبتوا لأنفسهم أنهم ليسوا أقل من محفوظ بدرجة أكبر من استحقاقهم لها، وفي سبيل ذلك بذل بعضهم ماء وجه قوميته وعروبته تارة، أو ثوابت مجتمعه تارة أخرى لينتظر كل عام مكافأته. بالطبع يوجد مستحقون لـ(نوبل) على الأقل قياسا لبعض الفائزين من غير العرب، وهو ما يحدث مع جنسيات أخرى غير أن الأمور لا تسير بهذه الآلية. ونحن ننسى أن ترجمة أعمال محفوظ منذ زمن قد طرحته بقوة، ونحن قوم لا نجيد تسويق أعمالنا بالشكل المناسب».
* حالة احتفالية طقسية
الأكاديمية والقاصة الدكتورة علياء الداية من سوريا تستبعد أن تكون جائزة «نوبل» للأدب اكتفت بنجيب محفوظ بوصفه. وتستدرك بقولها: «لكن من الملحوظ تحول هذه الجائزة مع الزمن وفي عصرنا هذا إلى حالة احتفالية طقسية، تثير تنبه القراء إلى الحضور الإعلامي للأدب والكتابة واستمرار أهميتهما في حياة الناس. مع أن الفروع العلمية لجائزة (نوبل) صارت تنافس الجائزة الأدبية في استقطاب الاهتمام حتى لدى المشتغلين بالأدب». وتضيف علياء الداية: «من الطبيعي أن لكل كاتب معجبين يقدّرون إبداعه الذي يترك أثرًا في حياتهم ونفوسهم، وهذه هي الجائزة الحقيقية، (نوبل) ليست نهاية المطاف. وكل ما يحتويه أدب الكاتب من نزعات منفتحة أو انتقاد أو أفكار للتصالح أو دهشة تجاه العرب أو الغرب، هو سمة من سمات العمل الأدبي، وبقدر ما تكون أصيلة وصادقة فهي تعبير عن المعاناة وآفاق الحياة أو الموت، أما إن كانت مخصصة لاستمالة الجائزة فهي تطفو على السطح ولا أثر لها».
* ليحلموا ولكن لا يتنازلون
أما الأكاديمية الناقدة الدكتورة ديانا رحيّل من الأردن فتقول إنّ «حلم الفوز بجائزة (نوبل) للآداب يراود كثيرا من الأدباء والشعراء العرب، وهذا حقهم، ولا أنكر أنها تتويج لمسيرة كاتب أو شاعر واعتراف بكفاءة إبداعه، لكن لا يحق لهم أن يَقصُروا إبداعهم على ما يحاكي الغرب ويجد أصداء عندهم للفت الانتباه.. شخصيًا لا أؤمن بأن الجائزة اكتفت بالأديب نجيب محفوظ، ربما لا يوجد كاتب عربي أقنع القائمين على الجائزة به، رغم إبداعه، لكن لا بد من أسباب حالت دون فوز كاتب عربي غير نجيب محفوظ بالجائزة». وتفسر الحالة بقولها: «صحيح أن المبدعين كثر في وطننا العربي، لكن الكاتب الذي يكتب لنيل جائزة ما سيبتعد عن وطنه وأمته وهمومه، فنجيب محفوظ الفائز بالجائزة سنة 1988 لم يكتب لأي جائزة، وعبّرت كتاباته عنه وعن بيئته وحارته، فكانت (نوبل) تقديرا لإبداعه. وعلى سبيل المثال لا الحصر، عبر آندريتش الفائز سنة 1961 عن مدينته وقريته والنهر. جائزة (نوبل) تريد مَن يعبر عن أمته وليس مَن يغازلها ويكتب استجداءً، فالاهتمام يكون بالكاتب الذي يشكل قيمة في مجتمعه وليس ذلك المنسلخ عنه».
وتتابع: «عندما نجد أن كاتبا عربيا واحدا فقط حاز على هذه الجائزة يجعلنا نرى بوجود أسباب أخرى تتحكم بالجائزة، ولو جزئيا، مثل الموقف السياسي للكاتب، فلا يعقل أن البلاد العربية لم تنجب مبدعا سوى نجيب محفوظ، مع اعترافي المطلق بإبداعه. وأيضا لا يجب أن نغفل أهمية الترجمة، فهي تلعب دورا مهما في الموضوع، لأن انتشار العمل الأدبي باللغات الأجنبية يلفت إليه الأنظار، ويضع كاتبه في دائرة الضوء.
وتختتم ديانا رحيّل رؤيتها للموضوع بقولها: «قد يتأثر بعض الكتاب بالحضارات الغربية فيلجأ أحدهم لفضح المجتمع العربي، والتركيز على قضايا تخدم الغرب، وقد يتجرأ آخر ويخوض بالمعتقدات الإسلامية مستغلا موقف الغرب من الإسلام والمسلمين، ومستغلا أيضا إلصاق تهمة الإرهاب به، ساعيا في قرارة نفسه للشهرة في المجتمعات الغربية وبالتالي التركيز على أعماله، وهؤلاء يشكلون خطرا حقيقيا على الوعي الثقافي، لأنهم على أتم الاستعداد لتبني أي موقف يعادي العرب، ويتصدى للهجوم على الدين والثقافة العربية بالمجمل، مغازلا بموقفه هذا الجوائز العالمية وعلى رأسها جائزة (نوبل)».
* مجرد مرشحين حتى الآن
الشاعر أحمد اللاوندي، من مصر، ينظر إلى الموضوع من زاويته التاريخية وصولاً إلى الحاضر فيقول: «في عام 1988 حصل الكاتب المصري نجيب محفوظ على جائزة (نوبل) في الآداب، ومنذ ذلك العام فإن المحافل الثقافية الدولية تغفل الإبداع والمبدعين العرب، فلم يحصل أي كاتب أو مبدع عربي على هذه الجائزة بعد محفوظ، وكثيرا ما رشح الشاعر السوري أدونيس، والكاتبة الجزائرية آسيا جبار، والكاتب الصومالي نور الدين فرح وغيرهم للجائزة، لكن كل هؤلاء ما زالوا مجرد مرشحين فقط».
وأضاف: «وأنا هنا أريد أن آخذ أدونيس مثالا، فرغم أنه من الشعراء العرب الكبار، وأنه قد ساهم بشكل كبير في إيصال الحداثة الغربية إلى الشرق، وأنه نقل كثيرا من المفاهيم النقدية الغربية إلينا، فإنه لم يستطع إدخال ثقافتنا اليومية كوننا شرقيين إلى كتاباته، على عكس نجيب محفوظ الذي قدم الحياة اليومية المصرية بكل تفاصيلها في كتاباته، فأخرجها من المحلية للعالمية.. فاستحق (نوبل) عن جدارة».
ويضيف: «أشعر أن أدونيس قد شغل بـ(نوبل) كثيرا فصار شاعرا غربيا وكاتبا غربيا ومثقفا غربيا، ومن وجهة نظري كنت أتمنى أن يحصل الشاعر الفلسطيني محمود درويش على الجائزة قبل وفاته، فهو أحق من أدونيس الذي ما زال مرشحا وسيظل».
ويرى الشاعر أحمد اللاوندي أن كل من فاز بـ(نوبل) يستحقها؛ لأنه قد تفوق علينا إبداعيا، نحن العرب، وعلينا أن نعترف بذلك، لكن كل عام يخرج علينا من يقول إن «كتابات من فاز بـ(نوبل) تافهة، ولا ترقى لنيل الجائزة»، وهذا هراء بالطبع، والحقيقة أن كتابات من فاز بالجائزة لم تترجم إلى العربية، ولو كانت مترجمة من قبل لتغيرت أقوالنا بالتأكيد.
ويؤيد أحمد اللاوندي فكرة أن بعض الأدباء والكتاب العرب ما زالوا يغازلون «نوبل» بكتابات وسلوكيات معينة، مثل الحديث عن الغرب بدهشة، والتصالح مع الآخر، وانتقاد الشخصية العربية بأطروحات منفتحة جدا على كل المستويات كي يستميلوا القائمين على «نوبل»، ومع ذلك لم يفلحوا.. لماذا؟ لأن الوصول للعالمية يحتاج من الكاتب ومن المبدع أن ينقل واقع بلاده بكل إشكالياته وتفاصيله، مهما كانت دقيقة وصغيرة، وهذا ما فعله نجيب محفوظ، ولم يفعله أحد من المبدعين والكتاب العرب حتى الآن.
* أين تلعب السياسة؟
قال الدكتور مصلح النجار، أستاذ الأدب الحديث في الجامعة الهاشمية في الأردن: «من الصعب أن نحكم بأنّ جائزة (نوبل) قد اكتفت من الوطن العربي بنجيب محفوظ، فلا يغلق حصول أديب على الجائزة الباب أمام ثقافة حاضرة في الحضارة الإنسانيّة مثل الثقافة العربية. وقد يشعر كثير من المثقّفين العرب أنّ هذه الجائزة تتأثّر بعوامل سياسيّة، كما تتأثر بالمركزيّات، وموقف الأدباء منها. وقد تردّدت مجموعة من الأسماء أشيع أنّها تمّ ترشيحها لـ(نوبل) في الآداب، ورأيت بعض الاحتجاجات، ومراسلات بين إدارة الجائزة وبعض المثقفين العرب حول بعض هذه الترشيحات. لكن ما أؤمن به أن أدونيس الذي أشيع ترشيحه مثلا، رغم سرّيّة الترشيحات، يستحقّ (نوبل) للآداب، لما يتّسم به من حضور، وتأثير في الأدب العربي والثقافة العربية، زيادة على اتّسام أدبه بالعالمية، عن جدارة، رغم كل ما ثار حوله من لغط. وقائمة الأسماء ليست قصيرة بين أدباء العربية، مثل صنع الله إبراهيم، وإبراهيم عبد المجيد، وبهاء طاهر. أو مثل محمود درويش حين كان حيّا، ومثله عبد السلام العجيلي، ورضوى عاشور، وتوفيق الحكيم. وربّما كان المراقبون في سياق الثقافة العربية يفسّرون بعض سلوكيات ومواقف أدباء معيّنين على أنها من باب الرياء سعيا إلى (نوبل)، ومحاولة لإظهار حسن النيات، وهي الملاحظة التي أسرف بعض النقاد في شرحها حول نجيب محفوظ، وأدبه، ومواقفه، وهو الكلام الذي قيل مثله عن توفيق الحكيم. وأنا أؤمن أن كثيرا من المواقف والمضمونات التي تنطوي عليها أعمال الأدباء ليست بريئة، لكنّ الملاحظة تصبح جديرة بالتوقف عندها حين ندرك أنّ عددا غير قليل من الأدباء كانوا يضعون المطامع بالجوائز العالمية نصب أعينهم وهم يصوغون إبداعاتهم، وبذلك نتج من هذا الطمع أو الطموح تأثير طال عددا غير قليل من الأدباء والأعمال الأدبية، مما قد يكون مؤثرا في الفكر الأدبي للمرحلة التي امتدت لعقود حتى يومنا هذا».



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».