دعا إلى تخلي الناس عن أفكارهم والبدء في التعارف مع الأشياء وجهًا لوجه

فرنسيس بيكون ومحاكمة العقل وتطهيره من أوهامه

فرنسيس بيكون و غلاف «الأورجانون الجديد»
فرنسيس بيكون و غلاف «الأورجانون الجديد»
TT

دعا إلى تخلي الناس عن أفكارهم والبدء في التعارف مع الأشياء وجهًا لوجه

فرنسيس بيكون و غلاف «الأورجانون الجديد»
فرنسيس بيكون و غلاف «الأورجانون الجديد»

يعد فرنسيس بيكون (1561-1626)، أحد الكبار الذين برزوا خلال القرن السابع عشر، حيث عمل على مهاجمة سلطة القدماء، حين اعتبر معظم الأفكار التي كانت سائدة آنذاك، قيدا يمنع الانطلاق نحو المستقبل، فهي لا تسمح بالسيطرة على الطبيعة وجعلنا أسيادا عليها. ولأجل ذلك، ألف كتابا اسمه: «الأورجانون الجديد، إرشادات صادقة في تفسير الطبيعة»، وترجمه إلى العربية، الدكتور عادل مصطفى، وهو من إصدار دار رؤية للنشر والتوزيع عام 2013، وتعني كلمة الأرغانون حرفيا، الأداة الجديدة، عوضا عن الأداة الأرسطية القديمة. فبيكون يعبر عن الروح الجديدة التي بدأت تدب في أوروبا، ويمكن القول عن كتابه إنه بمجمله، حديث عن العوائق المكبلة للفهم البشري السليم، وضرورة أن نبدأ العمل العقلي كله من جديد، ولا نترك العقل لحاله وطبيعته، بل نرشده في كل خطوة، إذا ما كنا نريد اختراق الطبيعة وقهرها. إن الكتاب مكتوب على شكل شذرات، وبحماسة كبيرة، وبطريقة بيداغوجية يغلب عليها المثال والحجة البلاغية، وربما هذا ما جعله ذائع الصيت ويكتب بحروف بارزة في التاريخ، فلنلق نظرة على بعض مضامينه.
انتقد بيكون، مثله مثل مجايليه، أرسطو، وبالضبط في جانبه المنطقي. فقد أكد على أن المنطق يسهم في تثبيت الأخطاء لا في كشف الحقيقة، فهو مجرد تحصيل حاصل. فقد نبرهن على صدق نتيجة معينة ببراعة منطقية، لكن عندما نعود للمقدمات المنطلق منها، نجدها فاسدة وكاذبة. فما يبنى على الباطل فهو باطل. فكون الاستدلال المنطقي سليما، لا يعني البتة أننا أمام الحقيقة، فمنطق بلوغ الحقيقة مختلف تماما. يقول بيكون إن الناس تستدرج بسهولة إلى الخلط بين الاستدلال الصحيح وبين الصدق أو الحقيقة، ومن ثم تتدعم أخطاؤهم بفعل ذكائهم نفسه، وتترسخ أوهامهم بقدر مهارتهم المنطقية ذاتها. فلا جدوى من المنطق القياسي الذي بحوزتنا في اكتشاف العلوم، لأنه تحصيل حاصل، ودوران في الذهن لا يكشف جديدا في العلوم. فهو مفيد في الاستدلال نعم، ولكن غير مفيد في اختراق الطبيعة وهتك أسرارها. فلا أمل للإنسان سوى الاستقراء الصحيح الذي هو إنصات للطبيعة في أجزائها. أما نسق المنطق، فهو لا يفعل غير ترسيخ الأخطاء المبنية على مقدمات سائدة ومتوارثة، أكثر ما يفيد في البحث عن الحقيقة، ومن تم فإن ضرره أكبر من نفعه.
يؤكد بيكون أن الحقائق المستخلصة بالجدل، هيهات أن تعين على كشف نتائج جديدة. فالطبيعة أدق وأحذق من الجدل أضعافا مضاعفة. ومنطق اختراقها ليس هو منطق الجدل أبدا. فالجدل لا يغني ولا يسمن من جوع، إنه مجرد تثبيت للأوهام. فعوضا عن أن ينتج ثمارا من العنب والزيتون، فهو ينتج قتادا وأشواكا من الفذلكة والمماحكة.
إضافة إلى ذلك، يرفض بيكون بحدة، الفيزياء القديمة لأنها تقوم على الكيفيات. فعندما نقول: الجوهر، والكيف، والفعل، والقوة، والعاطفة، والوجود، أو نقول ثقيلا، خفيفا، رقيقا، رطبا، يابسا، كونا، فسادا، جذبا، طردا، عنصرا، مادة، صورة... فهي كلها أفكار وهمية غير محددة وتنقصها الدقة، وهي كما نرى، ألفاظ تنتمي للمعجم الأرسطي الذي هاجمه الكل في القرن السابع عشر.
إن ما اكتشف حسب بيكون من علوم، هي، في حقيقتها، مجرد نقل لسطح الطبيعة وليس اختراقا لأعماقها الباطنية والقصية، التي تحتاج، كما قلنا، إلى نهج استقرائي أكثر وثوقا وحذرا. هذه الطريقة، كما يراها بيكون، تستمد منطلقها من الطبيعة مباشرة، أي من الحواس والجزئيات، ثم الارتقاء بها في صعود تدريجي غير منقطع، حتى تصل، في النهاية، إلى أكثر المبادئ عمومية، وهذه هي الطريقة المثلى عنده.
محاكمة العقل وتطهيره من أوهامه
يقر بيكون، أن العقل البشري مغرم بالقفز إلى العموميات لكي يتجنب العناء، لذا سرعان ما يضيق ذرعا بالتجربة. فاختراق الطبيعة وفض ألغازها، لا يمكن أن يكون مجرد فذلكة لغوية منطقية، بل هو جهد جهيد. إنه يتطلب اليقظة والحصافة، والتحرك من دون عوائق المذاهب السائدة. حقا، إن الإنسان البسيط يبدأ، هو أيضا، بالملاحظة، لكن ملاحظته تكون غفلا وساذجة تمر مرور الكرام على الجزئيات. أما الملاحظة التي ينشدها بيكون، فهي الملاحظة التي فيها التمحيص والتدقيق كي يكون التعميم أكثر صدقا، فليس كل ملاحظة هي ملاحظة علمية.
وفي لمسة ابستمولوجية رائعة، يقول الرجل، إنه، في الغالب، عندما يجد المرء مثالا مضادا يكذب مبدأه، فإنه يسارع إلى إنقاذه والإبقاء عليه بكل التخريجات الممكنة، في حين أن الأصوب، هو تقويم المبدأ نفسه. فأسوأ شيء في التفكير هو الاستهانة والاستخفاف بالمكذبات المحرجة لمبادئ التفكير، فيبدو أن الذهن البشري، وبحكم تكوينه، يجد صعوبة في التقاط الإشارات السالبة أكثر مما يجده في التقاط الإشارات الموجبة. وهذا ما يوضحه في الشذرة 46. بمثال النذور الشهير. يقول بيكون: «كان جوابا وجيها ذلك الذي بدر من رجل أطلعوه على صورة معلقة بالمعبد لأناس دفعوا نذورهم، ومن ثم نجوا من حطام سفينة، عساه أن يعترف بقدرة الآلهة، فما كان جوابه إلا أن قال: (حسنا، ولكن أين صور أولئك الذين غرقوا بعد دفع النذور؟!). وهكذا سبيل الخرافة، سواء في التنجيم أو في تفسير الأحلام أو الفأل أو ما شابه، حيث تجد الناس، وقد استهوتهم هذه الضلالات، يلتفتون إلى الأحداث التي تتفق معها، أما الأحداث التي لا تتفق، رغم أنها الأكثر والأغلب، فيغفلونها ويغضون عنها الطرف. على أن الأذى يتسلل بطريقة أشد خفاء ودقة إلى داخل الفلسفة والعلوم». إن بيكون يشيد بالشواهد السلبية من أجل سلامة الذهن وحمايته من الزلل والأحكام الطائشة، لكنه يذكرنا في كل مرة، أن التقاط الشواهد السلبية عمل قاس ويحتاج إلى صبر وتضحية بالإيجاب. فأن أقول لك مثلا: إن رؤية بومة تحدث بالسوء، فلا يمكن أبدا جعلها قاعدة معممة، لأنه، باختصار، كم من مرة نشاهد البومة ولا يحدث السوء. فالتكذيب يجب أن يجعلنا نغادر قناعاتنا بهدوء.
يبشر بيكون بمنهج جديد يقوم على محاسبة العقل، إذ لو اجتمعت كل عقول العصور وتآزرت جهودها جميعا، فلن تحقق تقدما كبيرا في العلم من دون منهج يزيح أغلاط العقل المتجذرة في جبلته. فالعقل مطالب بالبدء من جديد، وترك كل الأوهام العالقة به عبر التاريخ، وإلا فسيظل يدور في حلقة مفرغة. لهذا فمشروع بيكون، شبيه بمشروع الفيلسوف ديكارت، الداعي إلى ضرورة الخروج من سلطة القدماء وما كرسوه من دروب أصبحت غير مجدية، وذلك لن يتم إلا بمسح الطاولة وبداية العمل بحثا عن الحقيقة من جديد، بحيث يجب ألا يترك العقل لحاله وطبيعته، بل وجب إرشاده في كل خطوة. وبكلمة واحدة، يحتاج العقل إلى قيود وضوابط يتحرك من خلالها، وألا يترك هائما.
لقد أعلن بيكون في تحفته «الأرغانون الجديد» وكاستباق للمستقبل، أنه علينا البدء في تشكيل فريق من الباحثين لا يركنون إلى المعرفة الجاهزة كما تم بلوغها من عند القدماء، بل يأملون في مزيد من اختراق الطبيعة، لا ليقهروا خصما في جدال، بل ليقهروا الطبيعة في عمل. إذن فدعوة بيكون تتضح باعتبارها وجوب التسلح بالمنهج الملائم لاختراق الطبيعة. فالذي يتخذ الطريق الخطأ يزداد ضلالا وبعدا عن المقصد كلما كان أمهر وأسرع. لهذا، وجب قبل كل انطلاق، بداية تصحيح العقل من عاداته الفاسدة ومن أوهامه المتجذرة، وذلك كله بتؤدة ومهل كبيرين. فكل ما يطلبه بيكون، هو أن يتخلى الناس برهة عن أفكارهم والبدء في التعارف مع الأشياء وجها لوجه، وذلك باستبعاد الأوهام المستحوذة على عقولهم. وهذه الأوهام مشهورة عند الدارسين، لكن لا بأس من ذكرها، وكان بيكون بدأ الحديث عنها بدءا من الشذرة 38، وحصرها في أربعة، هي:
- أوهام القبيلة، أو أوهام الجنس: خاصة بالطبيعة الإنسانية (خداع الحواس مثلا).
- أوهام الكهف: وهي مرتبطة بكل ذات، من حيث طبيعته، وتربيته، وصلاته الخاصة، وقراءاته.
- أوهام السوق: وهي خاصة باللغة، باعتبارها عائقا يشوش على العقل.
- أوهام المسرح: خاصة بتقليد أنساق التفكير والمذاهب، فهي بمثابة مسرحيات تخلق عوالم زائفة ووهمية وتوجه التفكير وتعطل إمكاناته.
ولقد أدرك بيكون جيدا، أن الإنسان بحاجة إلى جهد شاق حتى يستطيع قراءة العالم على ما هو عليه، وليس كما يريد. وذلك لن يتم إلا بتنقية العقل وتطهيره من أغلاطه. فعلى الذهن أن يقبل على دراسة العلوم وهو أشبه بالطفل الصغير المبرأ من الأفكار المسبقة وتعاليم التراث الفاسدة. إذ ليس كل ما هو قادم من الماضي صالحا، فالزمن عند بيكون، يشبهه بالنهر الذي يجلب لنا ما هو خفيف منتفخ ويغرق ما هو ثقيل صلب.



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».