عزلة مرسي تتضاعف في خريف «برج العرب»

يشكو في سجنه من قلة زواره وتراجع أنصاره وبعده عن «تفاهمات الجماعة»

مدخل سجن برج العرب («الشرق الأوسط»)
مدخل سجن برج العرب («الشرق الأوسط»)
TT

عزلة مرسي تتضاعف في خريف «برج العرب»

مدخل سجن برج العرب («الشرق الأوسط»)
مدخل سجن برج العرب («الشرق الأوسط»)

في الخريف يغطي أوراق أشجار السجن غبار الإسمنت الرمادي، أما الورود المتفتحة على جانبي البوابات الحديدية للعنابر فتختنق من التراب الأسمر المنبعث من مصانع مواد البناء المجاورة. وفي داخل الزنازين، في مثل هذا الوقت من كل سنة، تتحول حياة نحو ثمانية آلاف سجين إلى جحيم. ومن بين هؤلاء الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي (64 عاما).
وتقول السلطات إنها وضعت خطة للحد من انبعاثات المصانع القريبة لحماية نزلاء سجن برج العرب (نحو 250 كيلومترا شمال غربي القاهرة)، من خطر التلوث. بينما يؤكد مسؤول في المصنع المواجه لمبنى السجن، والذي ينتج 5.5 مليون طن إسمنت سنويا، إنه جرى تقليل نسبة التلوث أخيرا إلى نحو 66 في المائة. لكن أحد السجناء ممن خرجوا حديثا يقول إن الفرق ما زال شاسعا بين ثقل الهواء المقبض في الخريف، وطراوة النسيم وخفة الريح في باقي فصول السنة. ففي مثل هذه الأيام من كل عام، تهب الرياح من ناحية الغرب محملة بغبار الإسمنت. ويعد من أكبر المصانع ذلك الواقع، بمبانيه الضخمة وضجيجه وأدخنته، في مواجهة السجن مباشرة من الناحية اليسرى للقادم إليه من الطريق الجنوبي.

هذا المصنع، مثل غيره في بلدة الغربانيات بمنطقة برج العرب (غرب مدينة الإسكندرية بنحو 50 كيلومترا)، يعمل على مدار الساعة، ويذهب الغبار المتصاعد من أبراج المداخن الشاهقة، في معظم شهور السنة، إلى الصحراء، ولا يمر على السجن إلا مع دخول شهر أكتوبر، فيقضي على النسيم الطيب الذي كان يرطب ليالي السجناء ويبعث فيها الحياة. ويزيد عمر المصنع عن عشرين عاما، بينما عمر مبنى السجن يبلغ نحو عشر سنوات فقط.
يعيش مرسي وحده داخل زنزانة يبلغ عرضها أربعة أمتار وطولها خمسة أمتار، ضمن القسم المعروف في السجن باسم «العنبر البسيط»، وذلك منذ وصوله إلى هنا في خريف عام 2013، لكن أحد المصادر الأمنية يقول إنه منذ صدور أحكام غير نهائية عليه بالإعدام والحبس، في عدة قضايا، تم اتخاذ إجراءات تمهيدا لنقله إلى غرفة أخرى تخص المحكومين، وتقع في القطاع المعروف باسم «الليمان»، لكن مع الاستمرار، حتى الآن، في تمتعه بنفس المميزات التي تليق برئيس سابق لم تصدر عليه أحكام نهائية وباتة بعد. ومن أهم هذه المميزات مطالعة الصحف. ومشاهدة التلفزيون.
غرفة حبس مرسي يصلها عبر النافذة الحديدية، معظم أوقات السنة، النسيم من شواطئ القرى السياحية الفاخرة ومن البحيرات الصناعية على البحر المتوسط، والتي لا تبعد عن السجن سوى كيلومترين شمالا. الرئيس الأسبق حسني مبارك كان يمضي بعض أيام الصيف في هذه المنطقة، لكن في قصر برج العرب الرئاسي الضخم المحاط بأشجار النخيل في مواجهة البحر. لقد تغير الزمن.. تغير حتى قبل أن يستمتع مرسي بقضاء أيام في ذلك القصر الذي يمكن أن يرى قبابه الآن عبر نافذة السجن.
رغم كل شيء، ورغم بعد المسافة، ما زال الموج يهدر ويبعث بعبق اليود في اتجاه الزنازين، ويختلط مع روائح الأزهار العطرة، ويتسلل إلى داخل غرف الحبس المغلقة بالأقفال. غرفة مرسي مفروشة أيضًا بسجاد مزركش يغلب عليه اللون الأحمر. ويوجد فيها مقعد وسرير. بيد أن كل هذا لا يقي من مرارة الوحشة والفقد التي تبدو عليه من صمته ومن خلال كلامه الذي أصبح قليلا، كما يشير المصدر الأمني. فهو محبط.. وأخبار مظاهرات أنصاره تتراجع، وجماعته ليس لها حظ يذكر في انتخابات البرلمان الحالية هذه الأيام، بعد أن كان لها الأغلبية في أول برلمان بعد ثورة 2011.
يُعرف مقر حبس مرسي في وسائل الإعلام باسم «سجن برج العرب». لكن السجن نفسه له اسمان آخران مشهوران في أوساط السجناء والسكان المحليين، الأول هو «سجن الغربانيات» نسبة إلى البلدة الصغيرة التي بني فيها، وهي بلدة أكثر سكانها من قبيلة «البراهمة» المشهورة في غرب الإسكندرية، ويعمل كثير من أبنائها في المصانع المجاورة للسجن. أما الاسم الثاني المنتشر في أوساط كوادر جماعة الإخوان التي ينتمي إليها مرسي فهو «سجن 440 شديد الحراسة». واستقبل هذا السجن الذي تبلغ مساحته نحو ثلاثة كيلومترات مربعة، المئات من القيادات الإخوانية الوسطى في عهد مبارك، إضافة للمحكومين الجنائيين الخطرين.
حين جرى إيداعه هذا السجن للمرة الأولى، اشتكى مرسي من مشكلة غبار الإسمنت وسأل الحراس عن أبعاد هذه القضية بيئيًا. كان ما زال مملوءا بالأمل، وكان يعتقد أن مسألة عزله لن تطول وأن المجتمع الدولي لن يصمت. في إحدى المرات، عقب نقله للقاهرة بالطائرة لحضور جلسة من جلسات محاكمته، وإعادته في المساء للسجن، أي حين كان ما زال سجينا «طازجًا»، قال للحراس إنه شاهد المصنع من خلف زجاج الطائرة، وأن «هبوب الغبار الأسود لا يمكن أن يستمر».
أظهر اهتماما كبيرا بضرورة حل المشكلة «لأنها تؤثر بالسلب على صحة النزلاء». وتعهد لمن حوله داخل السجن وهو يتحدث بثقة أنه سيحل قضية الغبار الخانق فور رجوعه للسلطة. لكن الرجاء طال أمده دون أن تبدو هناك أي مؤشرات على القدرة على تحقيق أي شيء لا بالنسبة له ولا بالنسبة لجماعته ولا للسجناء الذين يعيش وسطهم.
فقد جاء خريف العام التالي دون جديد، رغم الزيارات التي قام بها مسؤولون كبار من الحكومة في أكتوبر 2014 للوقوف على مقدار التلوث المنبعث من المصنع ووضع خطة للحد منه بواسطة الفلاتر الحديثة. على أية حال لم يلمس الرئيس الأسبق تغيرا يذكر. أضف إلى ذلك أن اهتمام مرسي بالشأن العام للسجن، الذي أبداه حين كان يعتقد أن عودته للحكم مسألة وقت، تراجع كثيرا عما كان عليه في أول الأمر. كما أن الأحكام التي صدرت بعد ذلك بحقه وبحق المئات من قيادات وكوادر الجماعة بالإعدام والسجن، غيرت من أولوياته على ما يبدو. أو كما يوضح المصدر الأمني: أصبح أكثر ميلا للعزلة.
ويزيد أن مرسي في الشهور الأولى من سجنه هنا، وحتى أواخر العام الماضي، كان واثقًا من أن الأمور ستتغير لصالحه أو على الأقل قد تتحقق له ولجماعته معادلة ما. كان يتابع أخبار مظاهرات أنصاره في القاهرة ومدن أخرى في الصحف وفي التلفزيون، وبادر بإرسال رسالة لهم جرى تمريرها خلال نقله لحضور جلسة في المحكمة التي تعقد في العاصمة، لكن، كما يقول المصدر الأمني نفسه الذي يعمل في السجن، ساءت حالته النفسية بعد أن علم، عقب عودته من جلسة محاكمته في يناير (كانون الثاني) الماضي، أن زملاءه من قيادات الجماعة في سجني طرة والعقرب بجنوب القاهرة، يعدون ورقة لعرضها على السلطات سعيًا للخروج من أزمتهم.
معاناة مرسي تبدو مضاعفة، وهي تتزايد بمرور الأيام. كانت شهيته مفتوحة للكلام وللطعام، حتى مطلع هذا العام، وفقًا لإفادة من مصدر في السجن. وفي مثل هذا الوقت قبل اثني عشر شهرا تمكن من تسريب كلمات تشجيع من بين جدران زنزانته إلى مؤيديه، وكان يبدو مما ورد فيها أنه يتمتع بالفعل بمعنويات مرتفعة. لكن هذا الحال، كما يقول المصدر، تغير إلى الأسوأ، فـ«الرئيس الأسبق أصبح يشكو قلة زواره وتراجع أنصاره واختفاء المظاهرات التي كانت تدعو لعودته، كما أنه حزين لبعده عن التفاهمات التي يتردد أن قيادات من الإخوان تقوم بها، بعيدا عنه، لتعديل مسار الجماعة بعد أن صنفتها السلطات كمنظمة إرهابية عقب عزله».
وبعيدًا عن هنا، أي بالانتقال إلى سجن ملحق مزرعة طرة، ستجد هناك القيادي الإخواني، محمد سعد الكتاتني رئيس البرلمان السابق، وزعماء آخرين من الجماعة، بينما يوجد في سجن العقرب شديد الحراسة والمجاور لطرة، القيادي المهم في الجماعة خيرت الشاطر، نائب المرشد، إضافة للمرشد نفسه، محمد بديع، وعدد من الفريق الرئاسي لمرسي.
وبحسب مصادر مقربة من الإخوان خرجت أخيرا من سجني طرة والعقرب، فإن بنود ورقة حل الأزمة بين الإخوان والسلطات، التي يجري تعديلها شهرًا بعد شهر من طرف الجماعة، منذ مطلع هذا العام، لم تعد تتضمن مسألة مرسي ومصيره، ولا تشترط إجراء انتخابات رئاسية مبكرة أو تعديل الدستور. ورفض مصدر مقرب من أسرة مرسي التعليق على هذه القصة، لكنه أقر بأن الكثير من أفراد عائلة الرئيس الأسبق توقفوا عن عناء زيارته في سجن برج العرب واكتفوا بأن تكون لقاءاتهم به خلال حضوره لجلسات محاكمته بالقاهرة «لأن هذا أيسر من الإجراءات المعقدة لزيارته في السجن».
كل شيء تغير. طريق برج العرب المؤدي للسجن، الذي كان مزدحمًا بزوار مرسي وأنصاره ورجال الأمن وحواجزهم، أصبح خاويًا من هؤلاء ومن أولئك منذ مطلع السنة.. تمشي بالسيارة دون أن يعترضك أحد بين صفوف من النخيل الذي يتدلى منه البلح الأحمر والأصفر. وفي ميدان مدينة برج العرب الرئيسي تبدو الحركة دائبة أمام المحال التجارية، ووكلاء مصانع مواد البناء. وعلى الواجهات انتشرت لافتات التأييد لمرشحي الانتخابات البرلمانية. مرشحون معروف عنهم أنهم وقفوا مع الثورة التي أطاحت بحكم مرسي وجماعته.
في الميدان كذلك تعكس لوحات الإعلانات عن الإسمنت وحديد التسليح والأخشاب ولوازم الموبيليا والديكور، طبيعة المنطقة الصناعية وما فيها من عمال مغتربين مشغولون بـ«لقمة العيش، لا السياسة» كما يعلق صاحب أحد مصانع الجص. يؤدي الميدان إلى أربعة محاور.. الأول إلى الطريق الصحراوي المتجه إلى القاهرة، والثاني ينحدر شمالا إلى طريق محافظة مطروح ذات الطابع القبلي والتي حصل فيها مرسي على أكثر من 80 في المائة من الأصوات في انتخابات الرئاسة في 2012. والطريق الثالث يؤدي إلى الجنوب حيث مطار برج العرب واستاد كرة القدم الكبير. أما الاتجاه الغربي فيذهب بك إلى مبنى السجن.
وبالإضافة إلى الأشجار، يكثر على جانبي الطريق المرصوف بالقار أبراج الحمام والمساجد الأهلية الصغيرة المطلية بالجير مثل مسجد الفتح، على اليسار، ومسجد النور على اليمين، على بعد نحو خمسة كيلومترات من السجن. ومن هنا كانت حركة المواصلات، في السابق، لا تتوقف بسبب كثرة عدد أنصار مرسي ممن كانوا يسعون للوصول إلى بوابة السجن للتظاهر أو للزيارة. ويقول صاحب حافلة أجرة يدعى جمال إنه أصبح من النادر وصول أي إخواني إلى هنا.
حتى السيارات الفارهة التي كانت تحمل أقارب لمرسي، اختفت. ويضيف أن ثمن تذكرة ركوب الحافلة من ميدان برج العرب إلى بوابة السجن كانت لا تقل عن خمسة جنيهات، في الأيام الأولى لوصول مرسي للسجن، لكنها أخذت تقل بسبب تراجع عدد زواره إلى ثلاثة جنيهات، ثم، مع خريف هذه السنة، عادت إلى السعر العادي، وهو نصف جنيه للراكب.
خسائر صغيرة أخرى وقعت هنا، وتسبب فيها تغير أحوال الإخوان. فحين وصل مرسي للسجن، أقام بعض التجار الطامحين مقاه ومحال تجارية لسد حاجة الزوار والأنصار الذين كانوا يملأون الباحة المواجهة للسجن، والمخصصة لانتظار السيارات. وباختفاء الزوار تقريبا، لم تتبق من تلك المشاريع الصغيرة سوى كافيتريا واحدة وأربعة دكاكين. وحتى هذه الكافيتريا أصبحت شبه مهجورة، ويقول صاحبها إنه، حتى شهور مضت، لم يكن يوجد فيها موضع لقدم. الجراج الذي كانت تقف فيه السيارات الفاخرة، وتملأه عن آخره، والتي كان يأتي فيها عدد من أقارب مرسي وأنصاره، تحول إلى أطلال. ومن النادر اليوم أن تجد وسيلة مواصلات من هنا.
حين تقترب من منطقة بوابات السجن، ترى لافتة كبيرة مكتوب عليها ممنوع الاقتراب والتصوير. لكن عدد رجال الحراسة أصبح أقل من السابق. فالبوابة الخارجية مثلا لا يقف عليها الحراس إلا في أوقات الزيارات الاعتيادية فقط، أي من الصباح حتى العصر، ثم ينتقلون إلى بوابة داخلية أقرب إلى المدخل الرئيسي للسجن. وعلى السور توجد شعارات عن تماسك الدولة والتفاف الشعب حول الجيش.
يقول إمام مسجد النور، حسين، بعد أن انتهى من صلاة ظهر الجمعة، إن غالبية السكان هنا وسطيون، وضد الغلو في التدين، وأيدوا حكم مرسي في البداية ثم رفضوه مثل معظم المصريين. وتوجد خلف المسجد بيوت صغيرة ملحق بها أبراج حمام. المظاهر العامة للسكان هم من البدو الذين ما زالوا يحافظون على زيهم التاريخي، أي الثياب البيضاء والصداري السوداء والطواقي الحمراء. وهم من أبناء قبائل عربية تنتشر من غرب الإسكندرية حتى الحدود مع ليبيا. وسبق لها استقبال مرسي والاحتفاء به كرئيس، وألبسته زيها التقليدي، لكنها تخلت عن الإخوان ومؤيديهم وأعلنت انحيازها للجيش، من خلال مجلس القبائل الذي جرى استحداثه بعد عزل مرسي وأصبح مجلسا يقدم استشارات للدولة والرئيس الجديد عبد الفتاح السيسي.
يواجه سجن برج العرب من ناحية الساحل قرية مراقيا السياحية الشهيرة التي تستضيف كبار القوم في الصيف، وكذا قرية الدبلوماسيين التجاريين، وهي قرية سياحية أيضًا على البحر المتوسط. وتوجد نقطة أمنية على مدخل برج العرب من ناحية الطريق الساحلي، وكانت بمثابة بوابة تعج برجال الشرطة والجيش وتقوم بإجراءات تفتيش صارمة للمتجهين ناحية طريق السجن، لكنها اليوم أصبحت خاوية وحواجزها الحديدية مبعثرة وكأنه لم يعد هناك خشية من وجود مرسي في هذه المنطقة، رغم أن السلطات سربت معلومات منذ عدة أسابيع عن محاولة فاشلة لاقتحام السجن من جانب نحو ثلاثين عنصرا من جماعة الإخوان لتهريب الرئيس الأسبق.
وقبل هذه الواقعة أشاعت جماعة الإخوان أن مرسي مريض في السجن. كما أشاعت مرة أخرى أنه يخشى على حياته، ويخشى من دس السم له في الطعام. ويقول طبيب في مستشفى السجن طلب عدم الإشارة لاسمه لأنه غير مخول له الحديث للإعلام، إن مرسي بصحة جيدة، ويجري توقيع الكشف الطبي عليه بشكل دوري، لكنه رفض التعليق على مشكلة غبار الإسمنت وأضرارها سواء بالنسبة للرئيس الأسبق أو باقي السجناء.
الطريف في كل هذا، كما يقول مسؤول حكومي، إن شركة الإسمنت التي تواجه السجن، أجرت توسعات مع بداية تولي مرسي حكم مصر في 2012، وانضمت إلى مجموعة «إنترسمنت إس إيه العالمية» التي تمتلك عشرات المصانع المماثلة حول العالم، وتقترب القيمة الكلية لمبيعاتها السنوية من ثلاثة مليارات يورو. وغير معروف إن كان مرسي يعلم بهذا أم لا، لكن شكواه من غبار الإسمنت لإدارة السجن أسهمت على ما يبدو في قيام وزير البيئة، خالد فهمي، في خريف العام الماضي بزيارة المصنع ومراجعة مدى التزامه بتركيب فلاتر التنقية والتحكم في الانبعاثات الترابية.
ويقول مسؤول في مصنع الإسمنت إن تثبيت معدات تحكم في الغبار على المطاحن، والكسارات والأفران حدت من الانبعاثات الملوثة، خاصة بعد تركيب أجهزة تعمل على إعادة تدوير الغبار المتولد والحد من اضطرابات الغاز في الأفران وتجنب سرعات التدفق الزائدة، مؤكدًا قيام المصنع أخيرًا بتحديث نظام تنظيف الفلاتر، وتركيب فلاتر نسيجية، مما أدى إلى تراجع نسبة التلوث بنسبة تزيد عن ستين في المائة، مشيرًا إلى أن مصنعه ليس الوحيد في المنطقة.
ومن جانبه، يوضح أحد ضباط مصلحة السجون في محافظة الإسكندرية التي يقع سجن برج العرب في نطاقها، إن السلطات ما زالت تواصل مساعيها لإلزام مصانع الإسمنت هنا بتركيب مزيد من الفلاتر لمنع خروج الغبار، لأن الأذى الذي يتسبب فيه لا يطال السجناء فقط، ولكن يعاني منه أيضًا عشرات الضباط ومئات الجنود والموظفين الذين يقومون على إدارة السجن وتأمينه.
ويشير أيضًا إلى أن إدارة السجن نفسها تحاول جاهدة منذ سنوات الحد من خطر تلوث المنطقة، وهذا لا علاقة له بوجود الرئيس الأسبق في هذا السجن. ويزيد قائلا إن مشكلة الغبار لا تزيد مدتها عن عدة أيام أو أسابيع في الخريف، ولم تصل بعد إلى «الخطورة الداهمة» على صحة السجناء ورجال أمن السجن، ومع هذا تكثر الإدارة من زراعة الأشجار والورود في كل مساحة ممكنة للحد من غبار الإسمنت ورائحته الخانقة.
على جانبي مدخل عنبر مرسي توجد أحواض ورد يبدو أنها تحظى بعناية أفضل من تلك الموجودة أمام باقي العنابر. ولا ينافسها إلا أحواض الورد الموجودة أمام مكاتب ومساكن ضباط السجن. المكان بشكل عام تكسوه الخضرة. هنا أشجار الظل وأشجار النخيل المحملة بالبلح الموسمي. ويوجد سجناء يمتهنون في الأصل مهنة الفلاحة يسهمون في الاهتمام بالزراعة في باحات السجن، أثناء قضاء مدة محكوميتهم، جنبًا إلى جنب مع تربية بعض الأبقار لصالح مصلحة السجون.
مثل هؤلاء، وعلى قلة عددهم الذي لا يزيد عن بضعة عشرات، يعدون من جمهور مرسي الذي يحرص على الإشارة إليهم بيده حين يكون مزاجه معتدلا في أوقات التريض خارج غرفته. ومن بين جماهير مرسي داخل السجن أيضًا، طائفة تعرف باسم «المُصنِّع». وهو لقب يطلق على السجين صاحب الصنعة والذي يتم الاستعانة به من قبل إدارة السجن لأشغال مختلفة مثل النجارة أو الأعمال الميكانيكية أو إصلاح الأجهزة الكهربائية. يبلغ عدد هؤلاء ما لا يقل عن مائتين، ويحظون بحرية في الحركة داخل السجن، وحين يردون بأيديهم على تحية مرسي فإنهم، كما يقول السجين السابق محمود، يفعلون ذلك باعتباره رئيسًا سابقًا لمصر، بغض النظر عن التهم الموجهة إليه أو أنه من جماعة مصنفة «منظمة إرهابية».
محمود (41 عامًا) صاحب محل أجهزة كهربائية في الإسكندرية، وكان مختصًا أثناء قضاء مدة محكوميته في سجن برج العرب، بضبط وإصلاح أجهزة التلفزيون والراديو. وبحكم قدرته على التنقل بين ردهات العنابر والزنازين والحدائق الملحقة بها، فقد شاهد مرسي ثلاث أو أربع مرات. ويضيف أنه كان يبدو عليه الحزن وانشغال البال وهو يتمشى وحده بين أحواض الياسمين في الجنينة أمام العنبر.
ويحظى السجين «المُصنِّع» بـ«رفاهية» من خلال قدر من الحرية لا يتمتع به حتى مرسي نفسه أو حتى السجناء الكبار من أصحاب الملايين، والمحكوم عليهم في قضايا مخدرات أو جرائم الاستيلاء على الأموال العامة. ووفقًا للمصادر لم يشارك الرئيس الأسبق في أي فعاليات تذكر من تلك التي تنظمها إدارة السجن للتخفيف عن السجناء. ففي بعض الليالي الطويلة تنظم مصلحة السجون جولة لمطرب من المطربين لكي يقدم وصلات غنائية خاصة في المناسبات الوطنية والأعياد. وأحيانًا تستعين ببعض الدعاة لإلقاء دروس دينية سواء من داخل السجن أو من خارجه. كما تقوم الإدارة بتنظيم دورة لكرة القدم والسلة والكرة الطائرة للمساجين، كلاعبين وكمتفرجين أيضًا.
وقبل عدة أسابيع أنهى سجين يدعى سعيد (39 سنة) مدة عقوبته هنا. وكان يقيم في العنبر رقم 11 القريب من مرسي. يقول وهو يتذكر تلك الأيام إنه في بداية وصول الرئيس الأسبق جرى تشديد الإجراءات على جميع العنابر. «ولم نخرج للشمس لمدة أسبوع. ثم بدأت القبضة تتراجع، إلى أن أصبحت الأمور عادية. أو على الأقل عادت كما عهدتها في بداية دخولي السجن عام 2102».
ويضيف سعيد، وهو صياد سمك أمضى ثلاث سنوات عقوبة لحيازته متفجرات كان يستخدمها في الصيد أن مرسي يحظى بمعاملة مختلفة «فهو رئيس سابق»، و«لديه غرفة خاصة وإمكانات لشراء ما يريد من كافيتريا السجن»، وبغض النظر عن ذلك، إلا أن الكل، سواء مسجونين أو سجانين، شركاء في استنشاق الغبار الأسود.

مدخل سجن برج العرب («الشرق الأوسط»)

الرئيس الأسبق محمد مرسي خلف القضبان

واحدة من الكافتيريات التي أقيمت أخيرًا أمام سجن برج العرب وأصبحت شبه مهجورة بعد تراجع عدد زوار الرئيس الأسبق على غير ما كان متوقعًا



الصومال: «عفو رئاسي» عن «المُضلَّلين» يضيق الخناق على حركة «الشباب»

عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصومال: «عفو رئاسي» عن «المُضلَّلين» يضيق الخناق على حركة «الشباب»

عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)

اتخذت الرئاسة الصومالية خطوةً جديدةً تجاه «حركة الشباب» المتشددة، بإعلانها العفو عن «الشباب المضلَّل» الذي انخرط في صفوف الحركة، وذلك حال تخليهم عن الفكر المتطرف.

تلك الخطوة يراها خبير صومالي متخصص في الشؤون الأفريقية، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعزز فرص تضييق الخناق على «حركة الشباب» شريطة أن تتوفر شروط عدة منها الدمج وإعادة التأهيل.

وأفادت وكالة الأنباء الصومالية، الاثنين، بأن رئيس البلاد حسن شيخ محمود «قرر إصدار عفو عن الشبان الذين تم تضليلهم بالفكر المتطرف في صفوف ميليشيات الخوارج (مصطلح يطلق محلياً على حركة الشباب) في حال تخليهم عن الفكر المتطرف»، مضيفاً أن الدولة ستوفر لهم حياة جديدة وفرصاً لبناء مستقبلهم، ليصبحوا جزءاً لا يتجزأ من المجتمع.

يأتي ذلك بينما يشن الجيش الوطني عملية عسكرية مخططة تستهدف «فلول ميليشيات الخوارج التي تتحصن في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى، في إطار الجهود المتواصلة الهادفة إلى القضاء على الإرهاب»، حسب ما نقلته الوكالة الأحد.

استهداف مسلحين تابعين لـ«حركة الشباب» في إقليم هيران (وكالة الأنباء الصومالية)

ويستضيف الصومال بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار، المعروفة باسم «أوصوم»، التي بدأت عملياتها رسمياً بداية من يناير (كانون الثاني) 2025، بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي قراراً بشأنها في ديسمبر (كانون الأول) 2024 بهدف دعم الصومال في مكافحة «حركة الشباب» التي تتصاعد «عملياتها الإرهابية» في الصومال منذ 15 عاماً.

ويرى الباحث في الشأن الصومالي عبد الولي جامع بري أن العفو الذي أعلنه شيخ محمود «يمكن قراءته من ثلاث زوايا: أمنية، واجتماعية، واستراتيجية. وهو أداة مهمة، لكن نجاحه ليس مضموناً ما لم يُدعم بسياسات مكملة».

وأضاف أن العفو في حد ذاته خطوة إيجابية «لفتح باب العودة، خاصة وأن كثيراً من الشباب انضموا تحت التضليل أو الإكراه، وأن إيجاد مخرج آمن يشجع المنشقين على ترك التنظيم، فضلاً عن كونها رسالة إنسانية وسياسية تُظهر أن الدولة تفرّق بين القيادات المتشددة والشباب المغرر بهم، وتعزز صورة الحكومة كجهة حاضنة لا انتقامية».

يأتي ذلك وسط تصاعد عمليات «حركة الشباب»، حيث قال «مرصد الأزهر لمكافحة التطرف» إن «نذير الخطر الإرهابي يتصاعد على امتداد الحدود الصومالية - الكينية خلال شهر رمضان، في ظل استراتيجية دموية تنتهجها (حركة الشباب) لترهيب المدنيين وتنفيذ ضربات عابرة للحدود».

وأوضح المرصد في بيان، الاثنين، أن «هذا التصعيد الميداني بدأ ليلة السبت الماضي، حين نفذت عناصر الحركة الإرهابية إعدامات رمياً بالرصاص بحق 10 مدنيين في منطقتي بوالي بجوبا الوسطى وكونيا بارو بشبيلي السفلى جنوب الصومال»، لافتاً إلى أن الحركة تضاعف نشاطها في هذا التوقيت لاستغلال الشعور الديني العام في رمضان.

ويرى بري أن الحركة تستغل الأجواء الدينية، «لذا فإن قرار العفو وحده لا يكفي إذا لم يُربط ببرامج إعادة تأهيل حقيقية، لكي ينجح في محاصرة (حركة الشباب) عبر استمرار النصيحة الدينية والفكرية والدمج الاقتصادي ومتابعة أمنية ذكية».

Your Premium trial has ended


الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)

في خطوة تعكس تصاعد القلق داخل أوساط الجماعة الحوثية من احتمال هجوم أميركي على إيران قد يتسع ليشمل أذرع طهران في المنطقة، أعلنت السلطات التابعة للجماعة في صنعاء رفع مستوى الطوارئ والاستعداد لمواجهة أي تطورات عسكرية محتملة، بالتزامن مع تصعيد خطاب التعبئة الدينية والدعوة إلى «الجهاد»، حيث لا يستبعد مراقبون أن تنخرط الجماعة في الصراع إلى جانب إيران.

وجاء الإعلان الحوثي عقب اجتماع نادر للجنة الطوارئ التابعة للحكومة غير المعترف بها دولياً، برئاسة القائم بأعمال رئيسها محمد مفتاح، حيث ناقش المجتمعون - وفق وسائل إعلام الجماعة - إجراءات رفع الجاهزية على المستويين المركزي والمحلي، وتعزيز قدرات المؤسسات المعنية بالتعامل مع الحالات الطارئة، خصوصاً الدفاع المدني والقطاعات الخدمية.

ويرى محللون يمنيون أن توقيت الاجتماع يعكس مخاوف الحوثيين من احتمال تعرضهم لتداعيات أي ضربات عسكرية قد تستهدف إيران، في ظل ارتباط الجماعة السياسي والعسكري بما يُعرف بمحور «الممانعة»، وهو ما قد يجعل مناطق سيطرتهم جزءاً من مسرح ردود الفعل الإقليمية.

وحسب المصادر الحوثية، ناقشت لجنة الطوارئ آليات تعزيز الاستجابة السريعة للأزمات، بما يشمل رفع جاهزية فرق الإنقاذ والإغاثة وتقوية البنية التشغيلية لقطاع الطوارئ، الذي يضم عدداً من الوزارات والمؤسسات المرتبطة بالأمن والخدمات.

اجتماع نادر للجنة الطوارئ في حكومة الحوثيين الانقلابية (إعلام محلي)

وأكد محمد مفتاح خلال الاجتماع أن «الوضع الاستثنائي» يتطلب استمرار الاستعداد الكامل، داعياً إلى دعم مصلحة الدفاع المدني بالكوادر والمعدات اللازمة، بما يمكّنها من الحد من الخسائر البشرية والمادية في حال وقوع هجمات أو تطورات عسكرية مفاجئة.

ويشير مراقبون إلى أن الإعلان عن اجتماعات لجنة الطوارئ يُعد أمراً غير معتاد، إذ غالباً ما تبقى تحركاتها بعيدة عن الإعلام، ما يعزز فرضية أن الجماعة تتوقع سيناريوهات تصعيد تتجاوز الإطار المحلي اليمني.

كما انتقد المسؤول الحوثي الحشود العسكرية الأميركية في المنطقة، ورأى أنها تمثل تهديداً لاستقرار دول الشرق الأوسط، ومتهماً واشنطن بالسعي إلى فرض الهيمنة على مقدرات المنطقة، وهو خطاب يتكرر في بيانات الجماعة بالتوازي مع كل توتر إقليمي.

احتواء الضغوط

وتزامنت إجراءات الطوارئ الحوثية مع تصعيد ملحوظ في الخطاب التعبوي، حيث كثّفت الجماعة الفعاليات الجماهيرية والمسيرات المناهضة للسياسات الأميركية والإسرائيلية، إضافة إلى توسيع حملات التجنيد، خصوصاً في أوساط الطلاب والشباب.

ويرى سياسيون يمنيون أن هذا التصعيد يأتي أيضاً في سياق محاولة احتواء حالة الاحتقان الشعبي الكبيرة نتيجة الأزمة الاقتصادية الحادة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات، واتساع رقعة الفقر، فضلاً عن مواجهات قبلية متفرقة في عدد من المحافظات.

تعسف الحوثيين ضد الوكالات الإغاثية حرم ملايين اليمنيين من الحصول على المساعدات (أ.ف.ب)

وحسب هؤلاء، فإن ربط الوضع المحلي بالصراع الإقليمي يمنح الجماعة فرصة لإعادة توجيه الرأي العام نحو «الخطر الخارجي»، بما يسهم في تخفيف الضغط الداخلي المتصاعد.

وفي السياق ذاته، نظمت الجماعة عروضاً عسكرية في عدد من المدن الخاضعة لسيطرتها، في استعراض للقوة العسكرية ورسائل ردع داخلية وخارجية، بينما عدّ مراقبون أن هذه التحركات تهدف أيضاً إلى ترسيخ حالة التعبئة النفسية لدى السكان.

وفي موقف أكثر وضوحاً، أصدرت رابطة رجال الدين التابعة للحوثيين بياناً دعت فيه إلى رفع مستوى التعبئة والاستعداد القتالي، مطالبة السكان بالالتزام بتوجيهات زعيم الجماعة، ومؤكدة ضرورة «النفير الواسع» لمواجهة ما وصفته بالتهديدات الأميركية والإسرائيلية.

كما أدانت الرابطة الضربات الإسرائيلية ضد مواقع مرتبطة بــ«حزب الله» في لبنان، وعدّت التهديدات الموجهة لإيران دليلاً على اتساع المواجهة، داعية إلى ما سمته «وحدة الساحات»، وهو مفهوم سياسي تتبناه القوى المتحالفة مع طهران في المنطقة.

وشدد البيان على أن «الجهاد ووحدة الصف» يمثلان السبيل الوحيد لمواجهة التحديات الراهنة، داعياً إلى مقاطعة المنتجات الأميركية والإسرائيلية وتحريض السكان على التعبئة العامة.

تصعيد ميداني

وبالتوازي مع هذه التحركات السياسية والتعبوية الحوثية، شهدت جبهات الساحل الغربي اليمني تصعيداً عسكرياً لافتاً، إذ أفادت مصادر عسكرية بسقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات المشتركة (الحكومية) إثر هجوم حوثي واسع استهدف مواقع في مديرية حيس جنوب محافظة الحديدة.

تجنيد مستمر ضمن حملات التعبئة الحوثية (إعلام محلي)

ووفق المصادر، أسفر الهجوم عن مقتل ستة عسكريين وإصابة نحو ثلاثة عشر آخرين، بعد معارك دارت في مناطق خط حيس - الجراحي وجبال ذو بأس شمال المدينة، في محاولة للسيطرة على مواقع استراتيجية.

ويشير مراقبون إلى أن مدينة حيس تمثل موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية، كونها تربط بين الساحل والمرتفعات الداخلية المؤدية إلى محافظتي تعز وإب، إضافة إلى كونها بوابة جنوبية رئيسية لمحافظة الحديدة المطلة على البحر الأحمر.

ويرى محللون أن التصعيد الحوثي الميداني بالتزامن مع إعلان الطوارئ يعكس استراتيجية مزدوجة للجماعة، تجمع بين الاستعداد لأي تصعيد خارجي وتعزيز مواقعها الميدانية داخلياً.


حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
TT

حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)

مع عودة الحكومة اليمنية إلى العاصمة المؤقتة عدن وعقد أول اجتماعاتها من الداخل، بدأت مؤسسات الدولة مرحلة من الحراك التنفيذي المكثف، عكستها اجتماعات موسعة وتحركات متزامنة لعدد من الوزارات، في مؤشر على توجه حكومي لإعادة تنشيط العمل المؤسسي وتعزيز حضور الدولة في مختلف القطاعات الخدمية والتنموية.

وفي حين يشدد رئيس الوزراء شائع الزنداني على العمل من الداخل وتقليص مهام سفر الوزراء إلى الخارج، تسعى الحكومة، وفق مسؤولين، إلى تحويل عودتها الميدانية إلى نقطة انطلاق لمرحلة إصلاح إداري واقتصادي تستند إلى رفع كفاءة الأداء، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، وتفعيل الحوكمة والرقابة، بما يسهم في تحسين الخدمات العامة وتثبيت الاستقرار في المناطق المحررة.

في هذا السياق، عقد وزير الدفاع، الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً موسعاً في عدن ضم مساعدي الوزير ورؤساء الهيئات العسكرية، بحضور نائب رئيس هيئة الأركان، اللواء الركن أحمد البصر؛ لمناقشة أولويات المرحلة المقبلة داخل المؤسسة العسكرية.

وأكد العقيلي أهمية تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف الهيئات العسكرية بما يحقق الانسجام في تنفيذ المهام الوطنية، مشدداً على ضرورة إجراء تقييم شامل لأداء المرحلة الماضية، ومراجعة الإنجازات والتحديات؛ بهدف تصحيح الاختلالات وتعزيز كفاءة العمل المؤسسي.

وزير الدفاع اليمني طاهر العقيلي يترأس اجتماعاً للقادة في عدن (سبأ)

وأشار إلى «أهمية تفعيل آليات الرقابة وترسيخ قيم الشفافية والنزاهة والانضباط، بوصفها ركائز أساسية لإعادة بناء مؤسسة عسكرية حديثة قادرة على مواكبة متطلبات المرحلة الراهنة».

كما شدد وزير الدفاع اليمني على المضي في تطبيق الحوكمة الإلكترونية وتطوير الأنظمة الإدارية، في خطوة تهدف إلى «تحديث بنية العمل المؤسسي وتقليل البيروقراطية»، مثمناً في الوقت ذاته دعم «تحالف دعم الشرعية» بقيادة المملكة العربية السعودية، وما يقدمه من إسناد مستمر للمؤسسة العسكرية اليمنية.

واستمع الوزير خلال الاجتماع، وفق الإعلام الرسمي، إلى تقارير تفصيلية من رؤساء الهيئات بشأن سير تنفيذ الخطط العسكرية والصعوبات التي تواجه الأداء، في إطار توجه حكومي لإرساء ثقافة التقييم الدوري والمساءلة المؤسسية.

صدارة الأولويات

بالتوازي مع التحركات العسكرية، ركزت وزارة الإدارة المحلية على إعادة تفعيل دور السلطات المحلية بوصفها محركاً أساسياً للتنمية الاقتصادية والخدمية.

وأكد وزير الإدارة المحلية، المهندس بدر باسلمة، خلال اجتماع ضم قيادات الوزارة، أهمية إجراء تقييم شامل لأداء السلطات المحلية في المحافظات؛ «بهدف تحديد مكامن الضعف وتعزيز نقاط القوة، بما يضمن تنفيذ برامج تنموية واستثمارية أعلى فاعلية».

وأوضح باسلمة أن المرحلة الحالية تتطلب تمكين السلطات المحلية اقتصادياً وتنموياً، وتعزيز التنسيق مع المنظمات الدولية والقطاع الخاص لدعم المشروعات الخدمية والتنموية، مشيراً إلى أن «منح صلاحيات أوسع للوحدات الإدارية الكفؤ يمثل خطوة أساسية نحو ترسيخ الحكم الرشيد».

وزير الإدارة المحلية اليمنية بدر باسلمة خلال اجتماع في عدن (سبأ)

وشدد الوزير على أن تعزيز اللامركزية المالية والإدارية «سيمكن السلطات المحلية من قيادة التنمية المستدامة بكفاءة أكبر، بما يسهم في تحسين مستوى الخدمات وتخفيف الأعباء عن الحكومة المركزية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس تحولاً تدريجياً نحو نموذج إداري أعلى مرونة، يمنح المحافظات دوراً أوسع في إدارة مواردها وتحقيق التنمية المحلية.

وفي قطاع التعليم، عقد وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الدكتور أمين القدسي، سلسلة لقاءات منفصلة مع قيادات الجامعات الحكومية والأهلية، بينها جامعة عدن، والجامعة الألمانية الدولية، وجامعة العلوم والتكنولوجيا، إضافة إلى مجلس الاعتماد الأكاديمي وضمان جودة التعليم العالي.

ونوقشت في اللقاءات آلياتُ «تطوير الأداء المؤسسي للجامعات وتعزيز جودة العملية التعليمية، مع التركيز على تطبيق معايير أكاديمية حديثة تسهم في تحسين مخرجات التعليم ومواءمتها مع احتياجات سوق العمل ومتطلبات التنمية».

رهان على تنشيط قطاعات الثقافة والسياحة في اليمن بقيادة الوزير مطيع دماج (سبأ)

وأكد القدسي أن الوزارة تتحمل مسؤولية وطنية في رسم السياسات المنظمة لقطاع التعليم العالي، مشدداً على ضرورة تعزيز العمل التكاملي بين الجامعات والجهات الرقابية لمعالجة أوجه القصور وتجاوز التحديات التي فرضتها سنوات الحرب.

كما استعرضت الاجتماعات مستوى تنفيذ البرامج الأكاديمية والتحديات التي واجهت المؤسسات التعليمية، والجهود المبذولة للحفاظ على استقرار العملية التعليمية رغم الظروف الاقتصادية والأمنية المعقدة.

تحريك القطاعات الخدمية

وفي إطار الحراك الحكومي الأوسع، ترأس وزير الثقافة والسياحة، مطيع دماج، اجتماعاً لقيادات الوزارة لمناقشة إعداد استراتيجية ثقافية وسياحية جديدة، مع التركيز على إعادة تنظيم صناديق التنمية الثقافية والترويج السياحي، وتوجيه مواردها نحو تنشيط الفعاليات الثقافية وجذب الاستثمار السياحي.

ووجّه الوزير بإعداد دليل للفرص السياحية في اليمن بهدف استقطاب المستثمرين، إلى جانب وضع تصور متكامل لإدارة المواقع السياحية في سقطرى وعدن وحضرموت، وحصر المنشآت السياحية المملوكة للدولة تمهيداً لإعادة تأهيلها.

جانب من اجتماع ترأسه وزير النقل في الحكومة اليمنية محسن حيدرة (سبأ)

وفي قطاع النقل، عقد الوزير محسن حيدرة اجتماعاً موسعاً ناقش تطوير أداء الهيئات والمؤسسات التابعة للوزارة، مؤكداً أن خدمات النقل تمثل شرياناً أساسياً للاقتصاد الوطني وحياة المواطنين اليومية.

وشدد حيدرة على «ضرورة استكمال خطط تطوير القطاع وفق مصفوفة إجراءات واضحة، مع التزام تطبيق القوانين وبسط سيادة الدولة في المنافذ والموانئ، ومعالجة الاختلالات القائمة، بما يعزز التعافي الاقتصادي واستدامة الخدمات».

أما على صعيد الشباب والرياضة، فقد ناقش الوزير نايف البكري، مع مدير مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن ألبرت سكوت، جهود الحكومة لتعزيز الاستقرار في عدن والمحافظات المحررة، مؤكداً التزام الحكومة مواصلة الإصلاحات وتقريب مؤسسات الدولة من المواطنين.

ودعا البكري المجتمع الدولي إلى تقديم دعم أكبر لجهود الإصلاح والاستقرار، مشيداً بدعم «تحالف دعم الشرعية» وجهود الأمم المتحدة في الدفع نحو عملية السلام، فيما أكد المسؤول الأممي وجود مؤشرات إيجابية في أداء الحكومة خلال المدة الأخيرة.