مظاهرات السليمانية تطالب برحيل بارزاني.. ومصادر كردية تتهم إيران بتخريب أوضاع كردستان

مقتل شخصين وإصابة العشرات وحرق مقرات لـ«الديمقراطي الكردستاني»

كردي يعبر شارعا خلال مواجهات بين قوات الأمن ومتظاهرين في مدينة السليمانية بإقليم كردستان العراق أمس (أ.ف.ب)
كردي يعبر شارعا خلال مواجهات بين قوات الأمن ومتظاهرين في مدينة السليمانية بإقليم كردستان العراق أمس (أ.ف.ب)
TT

مظاهرات السليمانية تطالب برحيل بارزاني.. ومصادر كردية تتهم إيران بتخريب أوضاع كردستان

كردي يعبر شارعا خلال مواجهات بين قوات الأمن ومتظاهرين في مدينة السليمانية بإقليم كردستان العراق أمس (أ.ف.ب)
كردي يعبر شارعا خلال مواجهات بين قوات الأمن ومتظاهرين في مدينة السليمانية بإقليم كردستان العراق أمس (أ.ف.ب)

تجددت أمس المظاهرات في مدينة السليمانية والأقضية التابعة لها في إقليم كردستان العراق، وطالب المشاركون فيها برحيل رئيس إقليم كردستان المنتهية ولايته مسعود بارزاني، بعدما كانوا طالبوا بالإصلاح ومكافحة الفساد.
ويشهد الإقليم توترا كبيرا إثر انتهاء ولاية بارزاني وعدم التوصل إلى اتفاق مع الأحزاب الكردية الرئيسية لتمديد ولايته، وسط أوضاع اقتصادية صعبة في ضوء التقشف في موازنة البلاد على خلفية انخفاض أسعار النفط. وفشلت الأحزاب الرئيسية في التوصل إلى صيغة تفاهم تسمح لبارزاني بتجديد ولايته رغم سلسلة اجتماعات عقدت في السليمانية وأربيل.
وشارك في مظاهرة السليمانية وحدها أكثر من ثلاثة آلاف متظاهر، وسط أجواء متوترة غداة مقتل شخصين وإصابة 18 آخرين بأيدي حراس أحد مقار الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يتزعمه بارزاني خلال مظاهرة في قلعة دزة في محافظة السليمانية.
وتركزت المظاهرة أمس في وسط مدينة السليمانية خصوصا في شارع مولوي، واندلعت خلالها مواجهات بين الشرطة والمحتجين الذين رشقوا عناصرها بالحجارة. وشهدت كلار ورانية وقلعة دزة، وهي الأقضية الرئيسية في السليمانية، مظاهرات مماثلة. وهتف المتظاهرون «ارحل ارحل بارزاني». وقال نزار محمد، وهو أحد الناشطين المنظمين للمظاهرات، لوكالة الصحافة الفرنسية، إن «سقف مطالبنا ما عاد ينصب على إصلاحات اقتصادية ومكافحة الفساد، إنما ارتفع إلى رحيل بارزاني». وأضاف أن «الأحزاب الرئيسية الخمسة لا تهتم بشؤون وحياة المواطنين، وينصب عملها على أزمة رئاسة الإقليم تاركة المواطن الذي يعاني من وضع اقتصادي مزرٍ».
وتحدث مينار محمد، مدير مستشفى السليمانية العام، عن إصابة نحو 25 شخصا في المواجهات مع الشرطة، نافيا وجود حالات خطيرة.
وتعرضت المتاجر في شارع مولوي التجاري الرئيسي لأضرار بالغة إثر المواجهات التي استخدمت فيها شرطة مكافحة الشغب الغاز المسيل للدموع.
إلى ذلك، هاجم عدد كبير من المتظاهرين مكاتب قناة «روداو» الفضائية التابعة لرئيس وزراء إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني، وحطموا زجاج النوافذ وحاولوا اقتحامها، قبل أن تتمكن الشرطة من تفريقهم عبر إطلاق نار كثيف في الهواء.
وفي قلعة دزة، قام المتظاهرون بحرق آخر مقر للحزب الديمقراطي الكردستاني المكون من ثلاثة طوابق، بعد أن فر الحراس والمسؤولون من داخله. وكان نحو 500 متظاهر خرجوا عصر أول من أمس في مدينة قلعة دزة الواقعة على الحدود العراقية الإيرانية، مطالبين بدفع رواتب الموظفين التي توقفت منذ ثلاثة أشهر وإجراء إصلاحات ومحاسبة الفاسدين. وتوجه المتظاهرون أولا إلى مبنى قائمقامية المدينة، ثم غيروا مسارهم باتجاه مقر للحزب الديمقراطي الكردستاني ورشقوه بالحجارة.
وأفاد شهود بأن حراس المقر ردوا بإطلاق النار على المتظاهرين، مما أدى إلى مقتل فتى في الرابعة عشرة من العمر ومعلم. وعلى الأثر، تطورت الأحداث وقام المتظاهرون بإحراق مكتبين للحزب الديمقراطي داخل قلعة دزة وناحية زاراوة التابعة لها، واستمرت المظاهرة حتى ساعات متأخرة بعد منتصف ليل الجمعة السبت.
يشار إلى أن مدينة السليمانية تعد معقلا للاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة الرئيس العراقي السابق جلال طالباني، وحركة التغيير بزعامة نوشيروان مصطفى، فيما تعد مدينة أربيل معقلا للحزب الديمقراطي الكردستاني.
وقال نجاة حسن، مسؤول الفرع الحادي عشر للحزب الديمقراطي الكردستاني في بشدر وبتوين التي تشمل قضاءي رانية وقلعة دزة وبلدات سنكسر وزاراوة وجوارقورنة، إن «الهجمات التي شنت على مقراتنا كانت منظمة، وأشرفت عليها حركة التغيير، ويتحمل قائمقام قلعة دزة مسؤولية ما حدث بالدرجة الأولى لأنه المسؤول عن إدارة القضاء ومسؤول اللجنة الأمنية فيه، وكان عليه أن يتخذ احتياطات أكبر للحيلولة دون حدوث هذه الأحداث، لكن مع الأسف لم تتخذ أي إجراءات لمنع ذلك».
وأضاف حسن: «تم إطلاق النار على مقرنا في قلعة دزة من قبل المتظاهرين، وأطلقوا على مقرنا النار من المباني المجاورة له، حيث هاجموا المقر ببنادق القناصة ورشاشات (بي كيه سي)، ومن ثم هاجم المتظاهرون مقرنا ونهبوا محتوياته وأضرموا فيه النيران وهاجموا مقرا آخر لنا في بلدة زاراوة ونهبوه وأحرقوه، وأصيب خلال هذه الهجمات أكثر من سبعة من كوادر حزبنا الذين كانوا موجودين في المقرات أثناء تعرضها للهجوم، حيث تعرضوا لكسور في رؤوسهم وأيديهم وأرجلهم، حيث تعرضت مقراتنا لوابل من الحجارة والرصاص من قبل المتظاهرين».
بدوره، قال المشرف على إدارة رابرين (رانية وقلعة دزة وأطرافهما)، حميد عبد الله: «قتل حتى الآن شخصان في قلعة دزة وأصيب أربعة عشرة آخرون من بينهم مدير شرطة بشدر. وقد أوعزنا للأجهزة الأمنية في المنطقة بعدم إطلاق النار على المتظاهرين. أما بالنسبة لحرق مقرات الحزب الديمقراطي الكردستاني فنحن لا نعلم حتى الآن الأشخاص الذين نفذوا هذا العمل، لأنه حدث أثناء الليل، ولم نحدد حتى الآن الجهة المسؤولة عن مقتل المواطنين، فهناك أيادي شغب تقف وراء أحداث العنف، ونحن بدورنا شكلنا غرفة عمليات خاصة لاحتواء الوضع، وأبلغنا القوات الأمنية بعدم حمل السلاح تفاديا لحدوث أي أحداث غير مرجوة». وأشار عبد الله إلى أن المتظاهرين سيطروا على مقرات كل الأحزاب في قلعة دزة وأنزلوا الأعلام المرفوعة عليها وأغلقوها، مؤكدا أن المتظاهرين ليست لديهم أي طلبات محددة حتى الآن.
وكشفت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، فضلت عدم الكشف عن اسمها، أن إيران بدأت بتنفيذ خطتها لزعزعة الوضع في إقليم كردستان، وتأجيجه، من خلال إدخال عناصر تابعة لها بين المتظاهرين للهجوم على مقرات الحزب الديمقراطي الكردستاني وحرقها وتدمير البنى التحية في الإقليم، وإشعال شرارة حرب داخلية بين الأحزاب الكردية لضرب مساعي رئيس الإقليم مسعود بارزاني لتأسيس دولة كردية، بالإضافة إلى إضعاف الدور الكردي في التحالف الدولي ضد «داعش»، والبدء بإضعاف دور الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة، حيث نجحت طهران من قبل في إنهاء الدور الأميركي في العراق والتهيئة للدور الروسي فيه، مؤكدة أن عددا من الأحزاب الكردية الموالية لطهران تنفذ هذه الخطة، وقد اجتمع ممثلو هذه الأحزاب خاصة الموجودين في مناطق المظاهرات بمسؤولين في الحرس الثوري الإيراني خلال شهري مايو (أيار) ويونيو (حزيران) الماضيين داخل الأراضي الإيرانية، وتسلم كل واحد من المشاركين في الاجتماع مبلغ 300 ألف تومان إيراني مقابل تأجيج الوضع في الإقليم، دون أن تتطرق هذه المصادر إلى أسماء المشاركين وأحزابهم.
من جانبه، قال المتحدث الرسمي لمحافظة السليمانية، هونر توفيق، إن الوضع في مدينة السليمانية «تحت السيطرة، وتواصل اللجنة الأمنية في المحافظة متابعة الأوضاع بشكل مستمر، وهناك محاولات لاحتواء الوضع، وإلى حد ما انخفضت أعمال العنف، وهذه المظاهرات هي من تداعيات تأخر توزيع رواتب الموظفين لمدة ثلاثة أشهر، والأزمة المالية التي يشهدها الإقليم حاليا، لذا المتظاهرون يطالبون بتحسين هذه الأوضاع».
بدوره، أكد القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني، علي عوني، أن «حماية أمن الإقليم مسؤوليتنا جميعا، وحماية مقرات الحزب الديمقراطي الكردستاني المدنية في هذه المناطق تقع ضمن المسؤولية السياسية والأخلاقية للاتحاد الوطني الكردستاني وحركة التغيير بشكل خاص والأحزاب الأخرى في محافظة السليمانية، وتخريب الوضع في الإقليم يصب في مصلحة أعداء الكرد».
وعن أسباب استهداف مقرات الديمقراطي الكردستاني في تلك المناطق، أوضح عوني بالقول: «الحزب الديمقراطي الكردستاني في ازدهار ملحوظ ويتقدم في محافظة السليمانية، وفي المقابل يُطالب المواطنون الذين صوتوا للأطراف الأخرى أحزابهم بتنفيذ الوعود الكبيرة التي وعدوهم بها قبل الانتخابات. لذا وصل المواطنون إلى قناعة بأن الحزب الديمقراطي الكردستاني هو الوحيد الذي يمكن أن يعمل لهم. لذا يريد هؤلاء الآن إيقاف تقدم الحزب الديمقراطي بهذا الشكل. والحل يكمن في أن يوجه الاتحاد الوطني الكردستاني وحركة التغيير والاتحاد الإسلامي والجماعة الإسلامية كوادرهم وتنظيماتهم بإيقاف هذه المظاهرات، لأن المظاهرات لا علاقة لها بالمواطنين وهي حزبية»، مبينا أن «فضائية (سحر) الإيرانية تبث رسائل سلبية ضد الإقليم وقيادته، وتقول إن المتظاهرين أحرقوا مقرات الخونة وغير ذلك من كلام سيئ، ووصفنا بالخونة دليل على أن لهم هدفا في تعقيد الأوضاع في الإقليم».
لكن النائب عن حركة التغيير في برلمان الإقليم، شيركو محمد أمين، حذر من أنه «إذا لم ترد حكومة الإقليم بشكل جدي ومقنع على مطالب المواطنين، وإذا استمرت في التصرف ببرود وإهمال، فإن الوضع قد يخرج عن سيطرة كل الأطراف مستقبلا. مطالبات المتظاهرين هي على شقين، شق مرتبط بحياتهم الآن من حيث توفير الرواتب والأزمة الاقتصادية، والآخر المطالبة بإصلاحات جذرية في إقليم كردستان»، نافيا في الوقت ذاته الاتهامات الموجهة لحركته بتغيير اتجاه المظاهرات، واصفا تلك التهم بالتهم التي لا أساس لها.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.