لم يعد سرًا أن السبب الرئيسي في هبوط أسعار النفط وحالة عدم الاستقرار التي تمر بها السوق النفطية هي نتيجة الزيادة الكبيرة في المعروض النفطي التي أدت إلى تراكم فائض كبير ضغط على الأسعار، إلا أن مسؤولا نفطيًا سعوديًا لديه تفسير آخر.
ففي ورقة قدمها في ملتقى أساسيات صناعة النفط الذي عقدته منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول (أوابك) في الكويت الأربعاء الماضي، يقول الدكتور إبراهيم المهنا، وهو مستشار لوزير البترول السعودي علي النعيمي، إن هناك خمسة أسباب خلف هبوط أسعار النفط الحالي، من بينها وضع الاقتصاد العالمي وحالة العرض والطلب والمخزون مع زيادة إنتاج الولايات المتحدة من النفط الصخري وبعض الدول مثل العراق.
ولكن المهنا يرى أن أحد أهم وأبرز الأسباب التي أدت إلى انهيار الأسعار الحالي والتذبذبات الحادة والقوية في أسعار النفط هو غياب ما سماه الملاذ أو المرشد أو القائد أو المرتكز.
ويقول المهنا إن غياب القائد ليس بالأمر السهل لأن السوق دون قيادة تصبح عرضة للتخبط في المجهول، ويرى أن غياب القيادة الواضحة في أسواق النفط العالمية يغذي عدم التيقن ويؤدي إلى تقلبات حادة في أسعار الخام لكن من المستبعد أن تستمر هذه الضبابية لفترة طويلة.
وقال المهنا في الورقة التي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منها أمس إن سوق النفط العالمية ليست سوقا حرة ودائمًا ما كان يقودها قائد يتحكم بها، إذ كان هذا القائد هو المنتجين في الولايات المتحدة في بدايات القرن الماضي الذين شكلوا تحالفًا يعرف باسم هيئة تكساس للسكة الحديد ثم جاءت الشركات النفطية العملاقة السبع.
ومنذ السبعينات انتقلت قيادة السوق إلى منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) وظلت هذه القيادة حتى بدأت الأسعار في الانهيار منذ منتصف العام الماضي.
ولم يذكر المهنا في الورقة إلى من ستؤول قيادة السوق بعد أن تركت أوبك قيادة السوق لنفسها، ولكنه أشار إلى أن إنقاذ الوضع الحالي في السوق يتطلب تعاون جميع المنتجين الكبار وليس فقط أوبك.
وتشير تعليقات إبراهيم المهنا إلى أن السعودية وباقي أعضاء أوبك يدركون أنهم غير قادرين على إدارة سوق النفط بمفردهم في الوقت الحالي ويرغبون في آلية جماعية ما للحد من عدم الاستقرار في السوق.
وأثارت تصريحات المهنا استغراب كثير من المحللين الذين قالوا إن تصريحاته تزيد من الضبابية، إذ إن غياب القائد في السوق كان نتيجة لقرار أوبك في اجتماعها الأخير بالتخلي عن عملية تصحيح السوق وتركها لنفسها.
واستغرب عبد الصمد العوضي، وهو ممثل الكويت الوطني في أوبك بين أعوام 1980 و،2000 من تصريحات المهنا قائلاً: «لا يمكن البحث عن قائد جديد للسوق غير أوبك، إذ إن أوبك وبالتحديد السعودية كانت وما زالت أفضل من قاد السوق خلال السنوات الماضية».
ويضيف العوضي: «إذا أردنا البحث عن قائد جديد فإنه علينا التوجه إلى الدول خارج أوبك، وهذه الدول أثبتت التجارب الماضية لنا معها أنها لن تتعاون بسهولة، فنحن فتحنا باب التعاون معها منذ عام 1983 والنتائج لم تكن مشجعة، ولهذا لا أتصور أن الوضع سيتغير الآن، خصوصا أن كثيرا من الدول المستهلكة سعيدة بأن ترى الأسعار منخفضة».
وتتماشى تصريحات العوضي مع تصريحات سابقة لمحافظ السعودية في منظمة أوبك الدكتور محمد الماضي، الذي أوضح في كلمة له في الرياض في مارس (آذار) الماضي أن تاريخ التعاون بين أوبك ودول أوبك وبخاصة روسيا ليس مشجعًا، حيث سبق أن قدمت روسيا كثيرا من الوعود بخفض إنتاجها مع أوبك كان آخرها في عام 2008 ولكنها لم تقم بأي خفض للإنتاج.
وكانت الشركات الروسية وعلى رأسها شركة روسنفت قد أوضحت في أكثر من مناسبة أنها لن تقوم بخفض إنتاجها مع أوبك وستظل تنتج النفط بالكمية التي تراها مناسبة.
من جانبه أوضح المحلل الاقتصادي وأستاذ الاقتصاد السابق في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن الدكتور محمد الرمادي أن تصريحات المهنا جاءت لتلقي بمزيد من الحيرة حيال مستقبل السوق. وقال الرمادي: «هناك طريقان يجب أن تمشيهما أوبك، الأول هو ترك السوق لتصحح نفسها، والثاني هو أن تتولى أوبك القيادة مجددًا وتقوم بما كانت تقوم به طيلة السنوات الماضية. وإذا ما اختارت أوبك القرار الأول فلماذا إذن نبحث عن قائد جديد الآن؟!».
ويقول مصدر في منظمة أوبك لـ«الشرق الأوسط» تعليقًا على تصريحات المهنا إن حديثه أن الوضع الحالي في السوق مؤقت وسينتهي قريبًا قد يفهم على أنه تلميح إلى أن أوبك والمملكة قد تتخلى عن سياستها الحالية في الدفاع عن حصتها السوقية وتعود إلى السياسة السابقة للدفاع عن الأسعار، وهذا لا يبدو دقيقًا، إذ إن المملكة لن تغير سياستها الحالية بسهولة كما يبدو واضحًا للجميع».
ويقول المصدر: «إن القيادة الحقيقية لا يجب أن تختزل فقط بقيادة الأسعار، بل تكمن في قيادة توازن السوق واستقرار العرض والطلب واستمرار الاستفادة من النفط لأطول وقت ممكن. ولا يمكن ترك السوق للمنتجين أصحاب التكلفة الأعلى خارج أوبك بإدارة وحماية مصالح المنتجين أصحاب التكلفة الأقل، وهم غالبية المنتجين في أوبك، وتركهم يديرون السوق معناه أن الفائض سيظل فترة أطول خصوصًا مع تطور تقنيات الحفر التي تخفض تكلفة الإنتاج».
وفي ورقته يتحدث المهنا عن الأسباب التي أدت إلى غياب القائد قائلاً: «والسؤال المطروح الآن، لماذا لا توجد قيادة للسوق حاليًا؟ وهل فقدت دول أوبك، والدول المنتجة الأخرى، دورها في استقرار السوق والأسعار؟»..
ويجيب المهنا عن هذا السؤال قائلاً إن بقاء السوق دون قائد وضع غير طبيعي وهو وضع «مؤقت في اعتقادي بآثاره السلبية بتروليًا وماليًا واقتصاديًا، ليس فقط على الدول المنتجة والاقتصاد العالمي، بل كذلك على واحدة من أهم الصناعات في العالم، أي البترول والصناعات المرتبطة به».
ويعود الوضع الحالي كما يقول المهنا إلى عدة أسباب يشير إليها عدد من أهم خبراء البترول في العالم، على الرغم من أنه قد لا يتفق مع بعضها، كما يقول في ورقته. وأول هذه الأسباب هو «عدم وضوح سياسات بعض الدول المنتجة الرئيسة خارج أوبك، نحو تخفيض الإنتاج، والتعاون مع الدول المنتجة الأخرى، مثل روسيا، وكازاخستان، والمكسيك، وعُمان، وغيرها، وذلك حسب التصريحات العلنية لبعض مسؤوليها».
وضرب المهنا مثالاً بروسيا، إذ إن روسيا وهي «ثالث أكبر دولة منتجة وثاني أكبر دول مصدرة للبترول في العالم مترددة في المشاركة في تخفيض الإنتاج، لأسباب مختلفة داخلية وغيرها، مما يجعل من الصعب موافقة أوبك وغيرها على تخفيض الإنتاج دون أن يكون القرار جماعيًا».
أما السبب الثاني لغياب القائد في السوق فهو إنتاج العراق وعودتها إلى نظام الحصص، فالإنتاج العراقي عاد إلى مستويات أعلى بكثير مما كان عليه قبل عام 1990، حينما خرجت من نظام الحصص، مع احتمال استمرار الزيادة خلال الأعوام القادمة، إلا أن مشاركتها في تخفيض الإنتاج، أو حتى تحديده، غير واضحة.
ويضيف المهنا أن السبب في عدم وضوح الموقف العراقي راجع إلى رغبة العراق في عدم تقييد الإنتاج في الوقت الحاضر، «نتيجة لسعيها للحصول على حصة أكبر خلال السنوات القادمة، وقد يعود إلى القيود المرتبطة بعقود الاستثمار والإنتاج مع الشركات العالمية العاملة في أراضيها».
وتبقى المسألة الإيرانية هي السبب الثالث كما يقول المهنا، حيث كانت إيران تنتج قبل المقاطعة الاقتصادية / البترولية العالمية، في عام 2012 نحو 4.0 مليون برميل يوميًا، وتنتج حاليًا نحو 2.9 مليون برميل يوميًا، ومن المتوقع أن تنتهي المقاطعة الاقتصادية الدولية مع بداية العام القادم، مما يعني عودة الإنتاج والصادرات الإيرانية إلى مستويات أعلى، وحسب إمكانيات طهران.
والمشكلة في عودة إيران كما يقول المهنا «تكمن في عدم وضوح مقدرة إيران، بعد المقاطعة، من حيث كميات الإنتاج الجديدة، والفترة الزمنية لتحقيقها، والتعاون والتنسيق مع أوبك لزيادة الإنتاج، ومما يزيد الأمر تعقيدًا أن بعض المسؤولين الإيرانيين يتحدثون عن رفع الإنتاج إلى أربعة ملايين برميل يوميًا، وبشكل مباشر، ودون التنسيق مع أوبك، وبغض النظر عن تأثيرات ذلك على السوق والأسعار».
ويشير المهنا إلى خطورة الوضع قائلاً: «في ظل الأوضاع الحالية، فإن السوق البترولية الدولية قد تستمر في وضع غير مستقر، حيث يوجد كثير من عدم الوضوح، مع عدم وجود قائد للسوق، وهذا يعني في النهاية غياب المقدرة على اكتشاف السعر المناسب، من قبل المستثمرين في السوق حاليًا ومستقبلاً».
وبقاء عدم الوضوح كما يقول المهنا «يعني زيادة تأثير المحللين وبيوت الخبرة، والتطورات والأحداث السياسية والاقتصادية والمالية، اليومية المختلفة، ووسائل الإعلام، وحتى الإشاعات بأشكالها المختلفة على السوق، مما يؤدي إلى حصول تذبذبات حادة في الأسعار بآثارها السلبية على المنتجين والمستهلكين، والصناعة البترولية، وهذا وضع غير طبيعي، ومن الصعب تصور استمراره».
وبشكل عام فإن ما مرت به السوق البترولية خلال النصف الثاني من العام الماضي، وهذا العام، من حيث انخفاض الأسعار وتذبذباتها الحادة، هو وضع غير طبيعي، وله آثار سلبية على الصناعة البترولية، والدول المنتجة والمستهلكة، على حدٍ سواء، وقد مرّ العام، ومنذ ظهور البترول كسلعة اقتصادية هامة بفترات مشابهة، إلا أنها لا تستمر طويلاً. فالعالم مليء بالبترول التقليدي، وغير التقليدي، ومصادر الطاقة الأخرى، والطلب العالمي يزداد سنة بعد أخرى، إلا أن العالم يحتاج إلى إدارة، ومرجعية للسوق، من أجل توازن العرض والطلب، مع استقرار السوق والأسعار، لاستمرار البترول في أداء دوره في نمو الاقتصاد العالمي، ورخاء شعوبه.
وأشار المهنا في كلمته إلى الحاجة إلى مزيد من التعاون الدولي لتقليل المضاربة ودعم قوة سوق النفط، وهو الأمر الذي قال إنه يجب ألا يكون مقتصرا على أوبك والدول الأخرى المنتجة بل يشمل مستهلكي الطاقة الأساسيين أيضا. ولم يتطرق المهنا إلى كيفية تأسيس كيان للتعاون بهذا الشكل ولم يصف بالتفصيل كيف سيعمل مثل هذا الكيان. وضرب أمثلة على منظمات مثل وكالة الطاقة الدولية والمنتدى العالمي للطاقة كمحاولتين لمزيد من الشفافية في سوق النفط، لكنه قال إن هناك حاجة إلى عمل المزيد.
وقال المهنا إن من المتوقع أن يرتفع الطلب العالمي على النفط بمقدار مليون برميل يوميا على الأقل سنويا، مدفوعا في الأساس بالنمو الاقتصادي في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، وأن يصل حجم الاستهلاك العالمي للنفط إلى 105 ملايين برميل يوميا بحلول 2025.
وتوقع تقرير من إدارة معلومات الطاقة الأميركية يوم الثلاثاء ارتفاع الطلب العالمي على النفط في 2016 بأسرع وتيرة في ست سنوات مما يعطي مؤشرات على أن فائض معروض النفط الذي أدى إلى هبوط الأسعار نحو 50 في المائة منذ يونيو (حزيران) من العام الماضي سيتراجع أسرع من المتوقع.
وقال الأمين العام لأوبك عبد الله البدري يوم الثلاثاء الماضي إنه يتعين على المنظمة العمل مع المنتجين من خارجها لمعالجة قضية فائض المعروض النفطي في الأسواق العالمية.
وكانت السعودية أكبر مصدر للنفط في العالم وراء قرار منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) التاريخي خلال اجتماعها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014 بعدم خفض إنتاج النفط لدعم الأسعار لتتجه بدلا من ذلك إلى سياسة الدفاع عن الحصة السوقية.
وأدى القرار الذي يعد تغيرا في الدور التقليدي لأوبك المتمثل في خفض الإنتاج لزيادة الأسعار بجانب تخمة المعروض إلى هبوط حاد في أسعار النفط الخام على مدى العام الأخير. كانت رسالة الرياض واضحة، فالمملكة لم تعد مستعدة لتحمل عبء خفض الإنتاج وحدها، وإذا كان الآخرون يريدون أسعارا أفضل فعليهم تحمل نصيبهم من خفض الإنتاج.
وترى مصادر في قطاع النفط بمنطقة الخليج أنه لا يوجد ما يشير إلى أن السعودية عدلت عن استراتيجيتها طويلة المدى، خصوصا في الوقت الذي يزيد فيه أعضاء آخرون في أوبك مثل العراق إنتاجهم وتستعد إيران لزيادة صادراتها بحلول العام القادم. ورفضت دول منتجة من خارج أوبك من بينها روسيا التعاون مع المنظمة من أجل خفض الإنتاج.
مسؤول نفطي سعودي: سوق النفط ستظل غير مستقرة مع غياب القائد
قال إن هناك 5 أسباب خلف هبوط الأسعار من بينها وضع الاقتصاد العالمي
مسؤول نفطي سعودي: سوق النفط ستظل غير مستقرة مع غياب القائد
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
