عملية نوعية للقوات المشتركة تحرر «باب المندب» وجزيرة ميون في البحر الأحمر

مستشار هادي لـ {الشرق الأوسط} : الملاحة الدولية أصبحت آمنة * قائد المقاومة الجنوبية: نتصدى بالتعاون مع دول التحالف لعملاء إيران

مقاتلون موالون للرئيس اليمني يتجهون نحو مضيق باب المندب الاستراتيجي الذي يعد من أهم الممرات البحرية في العالم إلى جانب قناة السويس ومضيق هرمز (أ.ف.ب)
مقاتلون موالون للرئيس اليمني يتجهون نحو مضيق باب المندب الاستراتيجي الذي يعد من أهم الممرات البحرية في العالم إلى جانب قناة السويس ومضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

عملية نوعية للقوات المشتركة تحرر «باب المندب» وجزيرة ميون في البحر الأحمر

مقاتلون موالون للرئيس اليمني يتجهون نحو مضيق باب المندب الاستراتيجي الذي يعد من أهم الممرات البحرية في العالم إلى جانب قناة السويس ومضيق هرمز (أ.ف.ب)
مقاتلون موالون للرئيس اليمني يتجهون نحو مضيق باب المندب الاستراتيجي الذي يعد من أهم الممرات البحرية في العالم إلى جانب قناة السويس ومضيق هرمز (أ.ف.ب)

سيطرت قوات مشتركة من الجيش الوطني اليمني وقوات التحالف، أمس، على مضيق باب المندب الاستراتيجي وجزيرة ميون، على البحر الأحمر، وذلك في عملية عسكرية سريعة ومباغتة، استهدفت الميليشيات الحوثية وقوات المخلوع علي عبد الله صالح في المضيق الهام والمناطق والجزر المجاورة له.
وقالت مصادر عسكرية في عدن لـ«الشرق الأوسط» إن العملية جرى التخطيط لها منذ فترة وإنها نفذت، أمس، بهجوم كبير، شاركت فيه قوات مشتركة، يمنية ومن دول التحالف، وهي بحرية وجوية وبرية، حيث كثفت طائرات التحالف، وضمنها طائرات الأباتشي، قصفها للمنطقة، إضافة إلى قصف من القطع البحرية المرابطة قبالة السواحل اليمنية، في حين تقدمت القوات البرية في المناطق المحيطة بالمضيق المائي الهام على مستوى العالم.
وأكدت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أن العشرات من عناصر الميليشيات والقوات الانقلابية قتلوا وجرحوا في العملية العسكرية المباغتة، وأن عشرات آخرين استسلموا وجرى أسرهم. وذكرت المصادر أن العملية العسكرية جاءت في أعقاب غارات جوية مكثفة لطائرات التحالف، نفذت على مدى الأسابيع القليلة الماضية، وتمكنت من ضرب أهم تحصينات القوات الانقلابية.
من جانبه، كشف اللواء جعفر محمد سعد، مستشار الرئيس اليمني للشؤون العسكرية لـ«الشرق الأوسط» جانبا من العملية التي جرت لتحرير مضيق «باب المندب» وجزيرة ميون من قبضة الميليشيات الحوثية وقوات المخلوع علي عبد الله صالح.
وقال اللواء جعفر إنه «وبعد رصد واستطلاع لفترات منذ قيام الانقلابيين باحتلال عدد من المواقع الاستراتيجية، تأكد بأن هناك نوايا مؤكدة ومبيتة لإيران لاستخدام القوات الانقلابية في احتلال جزيرة ميون والتي تعتبر عنق الزجاجة لباب المندب»، وأنه وفي ضوء عمليات الرصد: «قامت القوات البحرية للجيش الوطني والدفاع الساحلي بالاشتراك مع القوات البحرية للتحالف بقياده السعودية وبقية دول التحالف، بتأمين الممر الدولي من عبث إيران، من خلال القيام بالإنزالات داخل جزيرة ميون وتمشيط الجزيرة التي أصبحت تحت سيطرة كاملة لقوات الشرعية والتحالف».
وأكد مستشار الرئيس اليمني للشؤون العسكرية أن الملاحة الدولية في مضيق باب المندب، باتت مؤمنة وآمنة، وأن «جزيرة ميون أصبحت خالية من القوات الانقلابية التي استسلمت للقوات المشتركة»، مشيرا إلى «الأهمية الاستراتيجية للممر المائي الدولي في البحر الأحمر».
من ناحية ثانية، اتهم قائد المقاومة الشعبية الجنوبية، العميد شلال علي شايع، إيران بالسعي إلى تدمير اليمن، كما هو الحال في عدد من بلدان المنطقة، وقال شلال، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط» إن «عملية تهريب الأسلحة الإيرانية للميليشيات الحوثية في اليمن، والتي أحبطتها دول التحالف في البحر، هي محاولة إيرانية فاشلة لإطالة أمد عمر ميليشيات الحوثي المنتهية الصلاحية وهذه المحاولات سوف تتصدى لها قوات التحالف العربي العيون الساهرة على أمن المنطقة العربية».
وأضاف العميد شلال أن «حقد إيران على الأمة العربية والإسلامية ليس وليد الحاضر بل منذ القدم وفي التاريخ لم نرَ موقفا لإيران مع العرب والمسلمين»، مؤكدا أن إيران «تستهدف العرب في العراق واليمن وسوريا وتمول التنظيمات الإرهابية في الدول العربية لزعزعة الأمن والاستقرار وتغذي مرتزقتها بالسلاح والمال وما يحصل في اليمن جزء من هذا المخطط».
وأردف العميد شايع أنهم «في المقاومة الشعبية الجنوبية، ومنذ سنوات، تحديدا مع بداية التدخل الإيراني في اليمن، أعلنا في أكثر من مناسبة أننا سنضرب بيد من حديد على أي ذنب لإيران في اليمن والجنوب»، وأشار إلى الحرب الأخيرة التي دارت على أرض الجنوب.
وقال قائد المقاومة الجنوبية: «لقد حولنا سهول ووديان الجنوب وشوارع مدنها إلى مقابر لميليشيات الحوثي والمخلوع صالح وأذقناهم كؤوس الهوان والذل ومن كتبت له النجاة منهم هرب يجر أذيال الهزيمة والعار عائدًا إلى كهوف مران».
وجدد العميد شلال علي شايع الشكر والامتنان لـ«السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة وبقية دول التحالف العربي، على الموقف الشجاع والدعم العسكري والطبي والإغاثي بكل أنواعه وهذا الجميل دين علينا ولن نكون في المقاومة غير أوفياء مع الأشقاء وسنبادل الوفاء بالوفاء».
يذكر أن القائد شلال ومعه زميله القائد العميد عيدروس الزبيدي، يجريان، حاليا، مباحثات في الرياض مع قيادة قوات التحالف بشأن ملفات هامة في جنوب اليمن، وفي المقدمة عدن، ويحتل الملف الأمني الصدارة في هذه المباحثات والزيارة جاءت بدعوة من قوات التحالف.



إصلاح الطرق يُنعش الاقتصاد الريفي في اليمن

مشروعات الطرق في اليمن وفّرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل (الأمم المتحدة)
مشروعات الطرق في اليمن وفّرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل (الأمم المتحدة)
TT

إصلاح الطرق يُنعش الاقتصاد الريفي في اليمن

مشروعات الطرق في اليمن وفّرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل (الأمم المتحدة)
مشروعات الطرق في اليمن وفّرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل (الأمم المتحدة)

في بلدٍ أنهكته سنوات الحرب وتتابع الكوارث الطبيعية والانهيارات الاقتصادية، تبرز مشاريع البنية التحتية بوصفها واحدة من أكثر الأدوات فاعلية في دعم قدرة المجتمعات على الصمود، ليس فقط من خلال إصلاح ما دمرته الأزمات، بل عبر إعادة وصل السكان بالخدمات والأسواق ومصادر الدخل.

في هذا السياق، يقدم المشروع الطارئ لتحسين طرق الربط الحيوي في اليمن نموذجاً عملياً لكيفية تحول الطرق الريفية من ممرات معزولة وموسمية إلى شرايين حياة تنقل الناس والسلع والخدمات، وتعيد تنشيط الاقتصاد المحلي في مناطق ظلت لسنوات رهينة العزلة وصعوبة الوصول.

ووفق بيانات أممية، نجح المشروع الذي ينفذه مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع بتمويل من البنك الدولي في إعادة تأهيل 153 كيلومتراً من الطرق الريفية، مما أتاح لأكثر من 1.5 مليون شخص الوصول بصورة أكثر انتظاماً إلى الأسواق والمدارس والمرافق الصحية، والحصول على الخدمات الأساسية رغم التحديات المناخية القاسية التي تشمل الفيضانات والانهيارات الأرضية والسيول الموسمية التي كانت تعزل قرى ومناطق واسعة عن محيطها لأيام وربما أسابيع.

إصلاح أكثر من 150 كيلومتراً من الطرقات في اليمن (الأمم المتحدة)

ولا تتوقف أهمية هذا المشروع عند إعادة تأهيل البنية التحتية المادية، بل تمتد إلى إعادة صياغة الحياة اليومية في المجتمعات الريفية. ففي محافظتي إب وتعز، لم تعد الطرق تُجرف بالكامل مع كل موسم أمطار كما كان يحدث سابقاً، ولم يعد الوصول إلى المستشفيات أو مراكز الرعاية الصحية رحلة شاقة تستغرق أياماً بسبب انقطاع المسارات وارتفاع منسوب السيول.

هذا التحول انعكس بصورة مباشرة على حياة السكان، خصوصاً النساء والأطفال وكبار السن، الذين كانوا الأكثر تأثراً بعزلة المناطق الريفية. كما بات بإمكان الطلاب الوصول إلى مدارسهم بصورة أكثر انتظاماً، وهو ما يمنح العملية التعليمية قدراً أكبر من الاستقرار في بيئة تعاني أصلاً من تحديات مركَّبة تشمل الفقر والنزوح وتراجع الخدمات العامة.

دفعة قوية

على المستوى الاقتصادي، شكَّلت الطرق المؤهلة حديثاً عنصراً حاسماً في تنشيط الحركة التجارية، لا سيما في المناطق الزراعية التي يعتمد سكانها على بيع منتجاتهم في الأسواق المحلية والإقليمية. فقبل هذه الإصلاحات، كانت وعورة الطرق أو انقطاعها خلال مواسم الأمطار تؤدي إلى تلف جزء كبير من المحاصيل الزراعية قبل وصولها إلى الأسواق، مما يضاعف خسائر المزارعين ويقلل من عوائدهم.

وحسب البيانات الأممية، فقد أصبح بمقدور المنتجين نقل محاصيلهم بسرعة أكبر وتكلفة أقل وكفاءة أعلى، بما يحافظ على جودة المنتجات ويزيد من فرص تسويقها بأسعار أفضل. وهذا التحسن لا يدعم دخل الأسر الزراعية فقط، بل يسهم أيضاً في تعزيز الأمن الغذائي عبر استقرار تدفق السلع الزراعية إلى الأسواق وتقليل فجوات العرض التي كانت تتسبب في ارتفاع الأسعار أو شح بعض المنتجات.

وتشير المعطيات إلى أن كل كيلومتر من الطرق التي أُعيد تأهيلها أسهم في تحريك النشاط الاقتصادي في محيطه، سواء عبر زيادة حركة النقل، أو تنشيط التجارة المحلية، أو تسهيل وصول التجار والموردين إلى مناطق كانت في السابق شبه معزولة اقتصادياً.

مشروع الطرق في اليمن ساعد على سرعة الوصول إلى المستشفيات (المتحدة)

إلى جانب الأثر الخدمي والاقتصادي، وفَّر المشروع مكاسب مباشرة لسوق العمل المحلية. فقد أسهم في توفير نحو 80 ألف يوم عمل، إلى جانب آلاف فرص العمل غير المباشرة خارج مواقع التنفيذ، كما أتاح وظائف لأكثر من 10700 يمني، بينهم نساء وأسر تعاني من انعدام الأمن الغذائي، وهو ما وفر مصدر دخل بالغ الأهمية لشرائح اجتماعية شديدة الهشاشة.

وفي إطار دعم الاقتصاد المحلي، شمل المشروع تدريب 42 مقاولاً محلياً، بينهم سبع شركات مقاولات مملوكة لنساء، مع منحهم فرصاً للمشاركة في تنفيذ أعمال الصيانة والتأهيل. ولم يقتصر الدعم على العقود التشغيلية، بل شمل أيضاً تطوير المهارات في مجالات إدارة المشاريع، وسلامة الطرق، والمعايير البيئية، بما يعزز جاهزية الكفاءات المحلية للمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار المستقبلية.

كما عززت العقود الممنوحة للشركات المحلية من شعور المجتمع بالملكية والمسؤولية تجاه هذه المشاريع، ووفرت قاعدة تشغيلية يمكن البناء عليها في مرحلة ما بعد الصراع، حيث يصبح القطاع الخاص المحلي شريكاً رئيسياً في التنمية وإعادة البناء.

تمويل إنساني صاعد

بالتوازي مع هذه المشاريع التنموية، أظهرت بيانات الأمم المتحدة تحسناً نسبياً في وتيرة تمويل خطة الاستجابة الإنسانية في اليمن خلال العام الجاري، في مؤشر يعكس تنامي إدراك المجتمع الدولي لحجم الاحتياجات الإنسانية والتنموية في البلاد.

ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، بلغ إجمالي التمويل المستلم لخطة الاستجابة حتى أبريل (نيسان) 2026 نحو 264.3 مليون دولار، بزيادة قدرها 61.4 مليون دولار مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي، أي بارتفاع نسبته 30.3 في المائة. كما ارتفع إجمالي التمويل المخصص لليمن داخل الخطة وخارجها إلى 293 مليون دولار، مقارنةً بـ228.9 مليون دولار في الفترة المقابلة من 2025.

مع تحسن الطرق باتت المنتجات تُنقل إلى الأسواق بسهولة (الأمم المتحدة)

وارتفعت نسبة تمويل الخطة إلى 12.2 في المائة، مقابل 8.2 في المائة فقط في الفترة نفسها من العام الماضي، وهي زيادة تعكس تحسناً في حجم التعهدات والصرف، وإن كانت لا تزال أقل بكثير من حجم الاحتياجات الفعلية.

وتصدرت المفوضية الأوروبية قائمة المانحين بقيمة 73.4 مليون دولار، تلتها بريطانيا بـ37.9 مليون دولار، ثم ألمانيا بـ23.4 مليون دولار، واليابان بـ19.6 مليون دولار، وكندا بـ16.2 مليون دولار، مما يشير إلى استمرار الحضور الدولي في دعم اليمن، سواء عبر التدخلات الإنسانية المباشرة أو عبر المشاريع التنموية التي تركز على بناء الصمود.


اليمن يصعّد ملاحقة شبكات تهريب المهاجرين الأفارقة

مهربو البشر قاوموا اقتحام القوات في سواحل مديرية أحور (إعلام محلي)
مهربو البشر قاوموا اقتحام القوات في سواحل مديرية أحور (إعلام محلي)
TT

اليمن يصعّد ملاحقة شبكات تهريب المهاجرين الأفارقة

مهربو البشر قاوموا اقتحام القوات في سواحل مديرية أحور (إعلام محلي)
مهربو البشر قاوموا اقتحام القوات في سواحل مديرية أحور (إعلام محلي)

في ظل تصاعد تدفقات الهجرة غير الشرعية إلى السواحل اليمنية منذ مطلع العام الحالي، صعّدت السلطات اليمنية من عملياتها الأمنية ضد شبكات تهريب المهاجرين، ونفذت حملة مداهمات واسعة استهدفت أوكاراً تستخدمها تلك الشبكات في محافظة أبين، لاحتجاز المهاجرين وتعذيبهم، في تحرك يعكس تنامي القلق الرسمي من تحول بعض المناطق الساحلية إلى ممرات مفتوحة لأنشطة التهريب والاتجار بالبشر.

وقالت مصادر أمنية في محافظة أبين (شرق عدن)، إن قوة مشتركة من الأمن العام والقوات الخاصة والأمن الوطني، نفذت، بتوجيهات من السلطة المحلية، عمليات مداهمة استهدفت مواقع في مديرية أحور الساحلية، تُستخدم من قبل مهربين لإيواء مهاجرين غير شرعيين، قبل نقلهم عبر مسارات غير قانونية نحو مناطق داخلية، أو إلى وجهات حدودية.

وذكرت السلطات أن القوة الأمنية واجهت مقاومة مسلحة من المهربين أثناء تنفيذ الحملة، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات انتهت بالسيطرة على المواقع المستهدفة، واعتقال عدد من المتورطين في عمليات الاحتجاز والتعذيب، إلى جانب ضبط أسلحة ومعدات كانت تستخدم في إدارة هذه الأنشطة غير القانونية، فضلاً عن إحراق مواقع اتُّخذت مراكز احتجاز مؤقتة للمهاجرين.

المهاجرون الأفارقة إلى اليمن يتعرضون لأشكال متعددة من الانتهاكات (إعلام محلي)

وبحسب مسؤولين محليين، تأتي هذه العمليات ضمن خطة أمنية أوسع تهدف إلى تفكيك شبكات التهريب المنظمة التي تنشط على امتداد السواحل الجنوبية والشرقية، مستفيدة من اتساع الشريط الساحلي وصعوبة مراقبته بصورة كاملة، إلى جانب هشاشة الأوضاع الأمنية التي أفرزتها سنوات الحرب.

وأكدت السلطة المحلية في مديرية أحور، أن الحملة لن تكون إجراءً عابراً؛ بل بداية لسلسلة عمليات متواصلة لتعقب المتورطين، وملاحقة الشبكات التي تدير عمليات تهريب البشر، وتستخدم وسائل عنيفة بحق المهاجرين؛ من بينها الاحتجاز القسري والتعذيب والابتزاز المالي، وصولاً إلى استغلال بعضهم في أنشطة غير مشروعة.

ورغم عدم إعلان السلطات الحصيلة النهائية للموقوفين، تحدثت مصادر محلية عن ضبط عدد من العناصر المتورطة، في حين تمكن آخرون من الفرار إلى مناطق وعرة، ما دفع الأجهزة الأمنية إلى توسيع نطاق التحري والملاحقة، مع تشديد الرقابة على المنافذ الساحلية التي تنطلق منها قوارب التهريب.

40 ألف مهاجر

تأتي هذه التطورات في وقت تظهر فيه بيانات رسمية استمرار التدفق الكبير للمهاجرين من القرن الأفريقي إلى اليمن؛ إذ وصل نحو 40 ألف مهاجر منذ بداية العام الحالي، غالبيتهم الساحقة من الجنسية الإثيوبية، فيما سجلت الأيام الماضية وحدها، وصول أكثر من 200 مهاجر إلى سواحل محافظة شبوة ضمن موجات متواصلة.

وتشير هذه الأرقام إلى أن اليمن، رغم الحرب والانهيار الاقتصادي والأوضاع الإنسانية المعقدة، ما زال يمثل محطة رئيسية على طريق الهجرة المختلطة من القرن الأفريقي نحو دول الخليج، سواء باعتباره نقطة عبور أو وجهة مؤقتة للباحثين عن فرص اقتصادية أفضل.

تدمير مواقع تستخدم لاحتجاز وتعذيب المهاجرين غير الشرعيين (إعلام محلي)

لكن هذا المسار تحول، وفق تقارير حقوقية، إلى واحد من أخطر طرق الهجرة غير النظامية في المنطقة، حيث يتعرض القادمون عبره إلى سلسلة واسعة من الانتهاكات تبدأ منذ لحظة وصولهم إلى الشواطئ اليمنية، مروراً بعمليات احتجاز وتعذيب وابتزاز، ولا تنتهي عند الاستغلال في أعمال قسرية أو أنشطة مرتبطة بالجريمة المنظمة.

وتحمل تلك التقارير شبكات التهريب المسؤولية عن النسبة الأكبر من الانتهاكات بحق المهاجرين، يليها تأثير أطراف النزاع، إلى جانب ظروف الحرب التي جعلت كثيراً من المناطق خارج الرقابة القانونية الفاعلة، وهو ما أتاح لتلك الشبكات توسيع نفوذها وتحويل معاناة المهاجرين إلى تجارة مربحة تدر ملايين الدولارات سنوياً.

طريق محفوف بالموت

يرى مراقبون أن تشديد الإجراءات الأمنية في بعض السواحل الجنوبية باليمن، دفع شبكات التهريب إلى تحويل نشاطها تدريجياً نحو السواحل الشرقية، ما خلق مسارات جديدة أقل رقابة، لكنها أكثر خطورة من حيث الانتهاكات، في ظل ضعف الحماية القانونية وغياب التنسيق الإقليمي الكافي لمواجهة الظاهرة.

ووفقاً لتقديرات حكومية، يشكل الإثيوبيون نحو 89 في المائة من إجمالي المهاجرين الوافدين إلى اليمن سنوياً، مقابل 11 في المائة من الصوماليين، فيما تم تسجيل أكثر من 600 حالة وفاة منذ عام 2024 وحتى الآن، سواء بسبب الغرق أو العنف أو الظروف القاسية التي يواجهها المهاجرون خلال رحلتهم.

كما حذرت تقارير إنسانية من أن تراجع التمويل الدولي للمساعدات المخصصة للمهاجرين زاد من هشاشتهم، ودفع كثيرين، خصوصاً النساء والفتيات، إلى الوقوع ضحايا للاستغلال الجنسي والعمل القسري مقابل الغذاء أو المأوى أو وعود بإكمال الرحلة.

وفي مواجهة هذا الواقع، تؤكد المنظمة الدولية للهجرة أن عشرات الآلاف يواصلون سنوياً مغادرة القرن الأفريقي باتجاه اليمن مدفوعين بالفقر والنزاعات وانعدام الفرص، غير أن كثيراً منهم يجد نفسه في دائرة الاستغلال والعنف، بدلاً من الوصول إلى الأمان الذي سعوا إليه، ما يجعل مكافحة شبكات التهريب وحماية الضحايا تحدياً إنسانياً وأمنياً متصاعداً يتجاوز حدود اليمن إلى الإقليم بأسره.


«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
TT

«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)

استضافت قبرص، الجمعة، اجتماعاً «عربياً - أوروبياً» تشاورياً، وسط توترات تشهدها المنطقة، ومخاوف من تجدد الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة التي تسببت في أزمة اقتصادية عالمية منذ اندلاعها نهاية فبراير (شباط) الماضي، وهدأت مع هدنة بدأت في الثامن من أبريل (نيسان) الحالي.

ويُعدّ هذا الاجتماع العربي - الأوروبي «جديداً من نوعه، فرضته تطورات المنطقة بحثاً عن توافق أكبر ضد أزمات المنطقة بين دول متضررة وذات تأثير»، وفق سفير مصر الأسبق لدى الاتحاد الأوروبي، رؤوف سعد، في حديثه لـ«الشرق الأوسط».

وحسب «الرئاسة المصرية»، فقد شارك في الاجتماع الذي انعقد في العاصمة القبرصية نيقوسيا، عدد من قادة الدول العربية، وقادة دول الاتحاد الأوروبي، ورئيس المجلس الأوروبي، ورئيسة المفوضية الأوروبية.

وأوضح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، السفير محمد الشناوي، أن الاجتماع شهد تباحثاً بين زعماء الدول العربية والأوروبية، ومسؤولي الاتحاد الأوروبي حول المستجدات والتطورات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وسبل خفض التصعيد الراهن، واستعادة السلم والاستقرار الإقليميين والدوليين.

الرئيس المصري ونظيره الفرنسي خلال المشاركة في القمة العربية - الأوروبية (الرئاسة المصرية)

ويرى رؤوف سعد، أن هذا الاجتماع التشاوري بين قادة عدد من الدول العربية ودول ومؤسسة الاتحاد الأوروبي «يُعد تجمعاً جديداً من نوعه، يهدف بشكل أساسي إلى حماية مصالح الأطراف كافّة، سواء الأوروبية أو العربية أو منطقة الشرق الأوسط ككل، في ظل التطورات الجيوسياسية الراهنة».

وأوضح سعد أن هذا الاجتماع «تفرضه تداعيات مستمرة، وحالة من الحذر والتخوف الشديد من اتساع نطاق الحرب»، مؤكداً أن «الحرب في غزة، وما تبعها من تصعيد في إيران، وسعت نطاق الأخطار لتتجاوز المنطقة، وتؤثر على العالم أجمع».

توافق أكبر

يرى سعد أن الهدف من هذا التجمع «هو الوصول إلى توافق مشترك أكبر لمواجهة أزمات المنطقة، وكيفية اتخاذ جهود مشتركة لتنسيق المواقف في هذا التوقيت الخطير، الذي قد يشهد تجدد الحرب، مما يصعب السيطرة على آثارها إن لم يتم وقف الحرب».

وأوضح سعد أن قبرص، التي استضافت الاجتماع رغم صغر حجمها الجغرافي، تؤدي دوراً يتجاوز هذا الحجم بفضل تاريخ علاقاتها مع الشرق الأوسط، وانخراطها في التجمع المعني بالغاز في شرق المتوسط، مما يجعلها مدخلاً مهماً للمصالح المشتركة وتعزيز التشاور.

وأبرز الشناوي أن السيسي شدد في كلمته على أن «الأزمات التي تشهدها منطقتنا لا تقف عند حدودها، بل تمتد تداعياتها لتطول الجميع، وفي المقدمة القارة الأوروبية التي تُعدّ من أكثر الأطراف تأثراً بهذه التطورات».

كما أوضح أن ثوابت الموقف المصري «واضحة لا لبس فيها، وفي مقدمتها التأكيد أن المسار السياسي يظل السبيل الوحيد المقبول للخروج من الوضع الراهن، وتحقيق الاستقرار المستدام»، مشدداً على ضرورة الالتزام التام بحرية الملاحة، وأهمية تأمين الممرات الملاحية الدولية، بوصفها قاعدة راسخة ومستقرة في القانون الدولي.

وخلال الاجتماع أكد السيسي أنه «يتعين أن تتسم أي اتفاقيات يتم التوصل إليها بالإنصاف والتوازن، وأن تراعي شواغل كل طرف، وبصفة خاصة الطرف العربي، وهذا ينسحب على الملف الإيراني والملفَين السوري واللبناني». وشدد على «الأهمية البالغة أن يهتم أي اتفاق يتعلق بإيران بالشواغل الأمنية لدول الخليج العربي».

كما لفت السيسي إلى أهمية عدم السماح لأي طرف باستغلال الظرف الإقليمي والإقدام على إجراءات تقوّض أفق السلام، والتعايش بين الشعبَين الفلسطيني والإسرائيلي على أساس حل الدولتَين. وطالب الاتحاد الأوروبي ودوله بمواصلة دعم القضية الفلسطينية، وعدم السماح بتراجعها على سلم الأولويات.

دعم أوروبي منتظر

يأتي الاجتماع التشاوري وسط أزمة اقتصادية عالمية تتأثر بها مصر، وكانت القاهرة قد دعت الاتحاد الأوروبي في مارس (آذار) الماضي خلال ذروة حرب إيران، إلى سرعة صرف شريحة دعم مالي بقيمة 4 مليارات يورو، أقرها البرلمان الأوروبي قبل عام.

تأكيدات مصرية على ضرورة مراعاة أي اتفاقيات بين واشنطن وطهران الشواغل العربية (الرئاسة المصرية)

واتخذت مصر بعد حرب إيران قرارات اقتصادية، غلب عليها التقشف، مع زيادة في أسعار الوقود والمواصلات والقطارات والمترو الرئيسي في البلاد.

وشدد السفير رؤوف سعد على أن الاتحاد الأوروبي تربطه بالشرق الأوسط سياسة الجوار التي تمثّل معياراً استراتيجياً أساسياً، حيث يربطهما البحر المتوسط، مما يجعل المشكلات قابلة للتبادل والتأثير المتبادل، مبرزاً أن ما يحدث في المنطقة يؤثر مباشرة على الأمن والاقتصاد هناك، خصوصاً مع الخوف الأوروبي الشديد من خروج الأمور عن السيطرة بسبب غلق مضيق هرمز.

ولفت سعد إلى أن دولاً كبرى، مثل بريطانيا وألمانيا، غير راضية عن الحرب التي يرى معظم الخبراء والدول أنها كانت بلا داعٍ، وأن الولايات المتحدة دفعت إليها لخدمة أجندة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، متوقعاً أن يكون هناك دعم أوروبي لمصر والدول العربية.