على عكس الأعمال المنقولة من اللغات الأجنبية إلى العربية

الأدب العربي بعد ترجمته.. جهد ضائع في سوق القراءة الأجنبية

د. جمال الجزيري و د.خالد عبداللطيف رمضان و د. رشا الغانم و غلاف «موسم الهجرة  إلى الشمال» للطيب صالح بالإنجليزية غلاف «في حضرة الغياب».. مختارات من شعر درويش بالإنجليزية
د. جمال الجزيري و د.خالد عبداللطيف رمضان و د. رشا الغانم و غلاف «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح بالإنجليزية غلاف «في حضرة الغياب».. مختارات من شعر درويش بالإنجليزية
TT

على عكس الأعمال المنقولة من اللغات الأجنبية إلى العربية

د. جمال الجزيري و د.خالد عبداللطيف رمضان و د. رشا الغانم و غلاف «موسم الهجرة  إلى الشمال» للطيب صالح بالإنجليزية غلاف «في حضرة الغياب».. مختارات من شعر درويش بالإنجليزية
د. جمال الجزيري و د.خالد عبداللطيف رمضان و د. رشا الغانم و غلاف «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح بالإنجليزية غلاف «في حضرة الغياب».. مختارات من شعر درويش بالإنجليزية

طموح مشروع أن يرى الأديب أعماله وقد ترجمت إلى اللغات الأجنبية، بل إن قصور الترجمة في الوطن العربي إلى اللغات الأخرى، يدفع بكثير من الأدباء لأن يترجموا أعمالهم على حسابهم أملاً في أن تصل أفكارهم إلى العالم. ولكن الذي يحدث على أرض الواقع، أن هذه الجهود الفردية المكلفة والمضنية غالبًا ما تذهب عبثًا، فلا نجد صدى جماهيريًا للأعمال العربية المترجمة، بعكس الأعمال الأجنبية التي تترجم إلى العربية ونجد لها رواجًا كبيرًا في سوق الكتب. وأيضًا فإن الأدباء العرب الذين كتبوا أعمالهم بلغات أجنبية حققوا حظوة جيدة لدى الغرب وبعضهم حصل على جوائز عالمية.
هذه التساؤلات حملتها إلى عدد من الأكاديميين والنقاد والمتخصصين في الترجمة، لنقف على حقيقة الأسباب المؤدية إلى هذا الفشل.. إن صحت قسوة التعبير.
الدكتور مصطفى الضبع، ناقد وأكاديمي من مصر، يرى أن هذا السؤال يكتسب أهميته من وقوفه على واحدة من أهم القضايا التي لم تطرح من قبل: «تلك القضايا الكاشفة عن كثير من الأسئلة غير المطروحة التي من شأنها أن تفيد من الوعي النقدي». ويضيف: «تتسع مساحة الإجابة عن السؤال لتشمل عددا من الدوائر ذات التأثير، تلك التي لا يمكن حصرها في دائرة واحدة، ويكون من الصعوبة بمكان أن نقصرها على عامل واحد»، ويفصل الدكتور مصطفى الضبع الأمر بقوله: يمكن بلورة هذه الدوائر فيما يلي:
1- النقد، حيث تفتقد الساحة العربية لحركة نقدية منظمة تقوم عليها مؤسسة علمية (غابت الجامعات والأكاديميات المتخصصة)، وهي حركة من شأنها تفعيل الدائرة الثلاثية: إبداع (ينتج)، نقد (يصطفي من المنتج)، ترجمة (تختار من المصطفى).
2- الجوائز: الجوائز العربية والمسابقات الإبداعية في جانب كبير منها تفتقد مصداقيتها حين تختار أعمالا على أسس سياسية أحيانا وتقوم آلياتها على اختيار أعمال ضعيفة المستوى (يمكن التدليل على ذلك بأعمال متعددة فازت بجوائز لا تستحقها) لذا أرى أنه من الأنسب توسيع لجان التحكيم لتضم نموذجا للقارئ العادي الذي يغيب دون مبرر، فلجان التحكيم حتى الآن تقتصر على نوع واحد فقط (النقاد) دون غيرهم.
3- الإعلام (عامة) والصحافة الأدبية (خاصة): تتعدد دور النشر في كل بلد عربي وتصدر المطابع أعمالا يوميا تقريبا وفي المقابل يغيب دور الصحافة الأدبية في كثير من بلدان الوطن العربي، ولم تستطع الصحافة الأدبية (في الغالب) أن تقدم أو تسهم في تقديم مشروع نقدي يعمل على تقديم الخارطة الإبداعية ويقول: «شخصيا تقدمت بأربعة مشروعات نقدية لأربع دوريات، فقط - مشكورة - تبنت مجلة البيان الصادرة عن رابطة أدباء الكويت المشروع المقدم لها وتقاعست الدوريات الأخرى».
4- الترجمة: المترجم المستقل يعتمد على الترجمة للعربية وليس منها، إذن هو لا يوظف معرفته بثقافته في انتقاء أعمال يدرك قيمتها في بيئته، والترجمة في الغالب يغلب عليها طابع العلاقات الشخصية، لقد تركنا المترجم الغربي يترجم النص العربي وفق معاييره هو، وفق معايير شعبية النص وجودته في بيئته العربية، والمؤسسات المعنية بالترجمة تعمل في الغالب من ناحية واحدة.. نقل المترجم للعربية وليس منها.
5- المؤسسة الثقافية: وأعني بها اتحادات الكتاب أولا ثم اتحاد كتاب العرب ثانيا الذي لا يعمل على تقديم مشروع يستهدف خدمة الإبداع العربي، ثم الناشر ثالثا الذي ينحصر دوره في النشر دون العناية بما يسمى خدمة ما بعد النشر والتوزيع كما أن بعض دور النشر تسهم في تفشي ظاهرة مزيفة أعني ظاهرة البيست سيلر (best seller).
6- المؤسسة السياسية / الثقافية العربية خارج الحدود: السؤال الذي يطرح نفسه عن دور الملحقيات الثقافية ومراكز الثقافة العربية في الخارج والتي لم تتضافر جهودها أو تجتمع أفكارها في مشروع يعمل على تقديم الثقافة العربية بوصفها كيانًا واحدًا لا كيانات منفصلة.
7- المبدع: (أحيانا) يعمد بعض الكتاب إلى الكتابة وفق شروط الترجمة وهو ما يجعل أعمالهم مقيدة بشروط لا تخص الفن بقدر ما تخص الموضوع الذي يتماشى مع آيديولوجية المترجم.
ويختتم الدكتور مصطفى الضبع تحليله بالقول: «هذه العوامل جميعها تفضي إلى ظاهرة ضعف مستوى الأعمال المترجمة ومن ثم عدم رواجها جماهيريا في الغرب».

أعمال باهتة وسماسرة أجانب

أما الدكتور عبد السلام المساوي الأكاديمي والناقد من المغرب، فيعتقد بأن الأسباب التي تجعل الأعمال الأدبية العربية المترجمة هامشية لدى القارئ الأجنبي هي أن الموضوعات المطروقة في هذه الأعمال، وخصوصا الروائية منها، لا تثير فضول هذا القارئ الباحث دائما عن الطرافة والغرابة والشذوذ. وكثير من هذه الموضوعات لن تمررها الرقابة العربية ولن تسمح بذلك آلياتها الدينية والاجتماعية والسياسية. ومن ذلك أيضا، يتابع الدكتور عبد السلام المساوي، أن معظم الأعمال التي تحظى بالترجمة هي أعمال باهتة، وُجِدَ أصحابها في مؤسسات أو مواقع سلط ثقافية، أو لهم سماسرة في هذا البلد الأجنبي أو ذاك.ويرى بأن هذا سلوك مفضوح أصبحنا نعيشه في أقطارنا العربية، وله انعكاسات سلبية جدا على مكانة الأدب العربي المعاصر لدى القارئ الأجنبي التواق إلى الاطلاع على النماذج المشرقة منه، علاوة على تفويت الفرص وإقصاء أعمال كان حريًا أن تنقل إلى اللغات الأجنبية لقيمتها الفكرية والجمالية الرفيعة. وأستطيع أن أذكر لك أسماء كثيرة لنساء ورجال ما إن أصدروا عملهم الأول أو الثاني حتى طوَّقوه بالمترجمين من اليمين ومن اليسار ومن فوق ومن تحت!!
ويضيف الدكتور المساوي: «بالأمس القريب كنا نفرح ونحن نقرأ عن بعض الأعمال التي حققت مكانتها الأدبية عربيا وبعدها انتقلت إلى اللغات الأخرى دون أن يسعى أصحابها إلى ذلك، والأمثلة كثيرة: الطيب صالح، وطه حسين، ونجيب محفوظ، ومحمد شكري، وأمل دنقل، ومحمود درويش، وأدونيس... واللائحة طويلة. إذن، فالأدب العربي المعاصر لا يفتقد إلى النماذج الباهرة التي تستحق أن تترجم وتنتقل إلى القارئ الأجنبي بعيدا عن مشوشات الفساد الثقافي.. واليوم صرنا نتوجس من وجود ميلشيات للترجمة ومحتكريها.

ترجمة المحسوبيات لا الكفاءات

الأكاديمي الناقد الدكتور خالد عبد اللطيف رمضان من الكويت يحلل الظاهرة بقوله:
لعل هناك عدة عوامل مجتمعة تسهم في عدم رواج الإبداعات العربية المترجمة إلى لغات أخرى، أولها خصوصية اللغة العربية وجمالها، فإذا ترجمت فقدت الكثير من رونقها وجمالها، فالنص الذي يعجبنا باللغة العربية قد لا يعجبنا إذا نقل إلى لغة أخرى، يضاف إلى ذلك حداثة عهدنا قياسا إلى الأمم الأخرى في الفنون السردية، ويضيف الدكتور خالد عبد اللطيف رمضان: «نحن نتلقف الإبداعات العالمية المتميزة ونترجمها إلى لغتنا وإعجابنا بها نابع من تميزها بتكنيك السرد لا بجمال لغتها، وكثير من الإبداعات العربية التي ترجمت إلى لغات أخرى لم تترجم لتفردها وتفوقها وإنما المجاملات والمحسوبية لهما تأثيرهما في مجتمعاتنا العربية مما يدفع بأعمال دون المستوى للترجمة إلى لغات أجنبية أخرى وإعطاء صورة سلبية للإبداعات العربية. أما إذا كتب مبدع عربي بلغة أخرى فإنه من المؤكد متمكن من هذه اللغة، ولم يكتب إلا لكونه متميزا في مجاله لذلك تلقى كتبه الرواج والاهتمام. أما الشعر العربي فسحره في تراكيبه اللغوية وإذا ما ترجم فقد معظم ما يميزه وانتفت عبقريته.

التمييز بين ثلاثة أنواع

الدكتور جمال الجزيري متخصص في الترجمة وله كثير من الأعمال الصادرة بهذا الشأن يميز بين ثلاثة أنواع من الأعمال الأدبية العربية التي تتم ترجمتها إلى اللغات الأجنبية: الأعمال التي تترجم بسبب موضوعاتها، والأعمال التي تترجم بسبب جودتها الفنية، والأعمال التي تترجم بسبب المجاملة أو الشللية.
ويقول: بالنسبة للأعمال التي تترجم بسبب موضوعاتها، فهي تلقى رواجا لدى فئة معينة من القراء الغربيين، مثل أعمال علاء الأسواني وأعمال نوال السعداوي. وأظن أن سبب رواجها هو كسرها للتابوهات العربية وتمثُّلها لرؤية العالَم لدى الجمهور الغربي. وهذا هو الاتجاه السائد في الترجمة إلى اللغات الأجنبية، فتتم ترجمة الأعمال التي تتمثّل النموذجَ الغربي في النظر للحياة، وهذا يندرج من وجهة نظري تحت العولمة الثقافية بمنظورها الغربي.
أما الأعمال التي تترجم بسبب جودتها، حسبما يقول الدكتور جمال الجزيري، فلها جمهورها، ولكنه جمهور قليل بالمقارنة بالفئة الأولى. ويحتاج انتشارها لدى القارئ الغربي إلى وقت طويل. أما الأعمال التي تترجم بسبب الشللية أو المجاملة، فانتشارها محدود بالطبع في نطاق المكتبات المشتركة في إصدارات دار النشر.
ويعود الدكتور الجزيري إلى الأسئلة الرئيسية، فيقول: تروج لدينا الأعمال الغربية المترجمة للعربية لسبب رئيسي، وهو أنها تقدم شيئا ليس موجودا بكثرة في أدبنا العربي: وهذا الغياب النسبي يرجع لسببين: أولا، بعض الأعمال الغربية بها عمق إنساني كبير مفتقد لدينا، فليست مجرد شعر أو حكي، وإنما تقدم تجربة إنسانية عميقة لكتّاب يعيشون في عمق الحياة ويستطيعون أن يجسدوا عمق الصراعات والتطلعات الإنسانية. وثانيا، عنصر التشويق غالب على كثير من الأعمال الغربية المترجمة حتى لو لم يكن بها عمق إنساني.
ويعتقد أن عدم انتشار الأدب العربي في العالم الغربي، فالأمر يرجع في الأساس إلى عدم وجود مؤسسات ترجمة عربية أو أجنبية تهتم بتقديم الأدب العربي بصورة شاملة للقارئ الغربي. فمعظم جهود الترجمة جهود فردية يقوم بها مترجمون أجانب أو عرب لهم علاقة بدور نشر أجنبية ويستطيعون أن يقنعوها بنشر ترجمة هذا العمل أو ذاك، أو مؤسسات قليلة مثل الجامعة الأميركية في القاهرة، وترجماتها تكون انتقائية في الغالب ووفقًا لمعايير خاصة لا تبتغي تقديم صورة حقيقة للأدب العربي، وإنما تنتقي بعض الأعمال التي تخدم أهدافها. «وأنا شخصيا أنظر إلى مثل هذه المؤسسات - على الرغم من الخدمات العلمية الجيدة التي تقدمها - على أنها ذراع للاستعمار بشكل غير مباشر». ويرى أن هناك سببا أساسيا آخر يتعلق بالأدب العربي ذاته، وهو عدم وجود مشروع أدبي عربي إنساني، بمعنى أن الكثيرين من الكتاب العرب - مثلهم مثل المواطنين العرب - لا يعرفون معنى الحياة، ويعيشون على حافتها أو سطحها ويتهيبون الولوج أو الغوص فيها، وبالتالي تأتي كتاباتهم عبارة عن قشور لا تهم أحدا إنسانيا في كثير من الأحيان.

نقد وتقييم وجوائز

الدكتور فيصل الحولي أكاديمي وناقد من الأردن يقول:
إن جلّ ما حركته أسئلتك يدخل ضمن ما يطلق عليه (عالمية الأدب) وهو مصطلح ينص على ارتقاء نص أدبي ما إلى مستوى الاعتراف العالمي لعظمته وفائدته خارج حدود لغته ومنطقته والإقبال على ترجمته ودراسته. ويقول الدكتور فيصل الحولي: «إن العمل الأدبي لا يدخل دائرة العالمية بمجرد توافر مواصفات إبداعية فيه وإنما لا بد له من توافر مجموعة من العوامل منها وسائل الاتصال الثقافي من ترجمة ونقد وتقييم وجوائز وطنية وعالمية. وعليه فإنه من الضروري أن تتوافر شروط في العمل الأدبي ليصل إلى مستوى العالمية منها: عامل فني يتمثل في جودة العمل الأدبي من الناحية الفنية والمضمونية ويترتب على ذلك أن يكون النص إبداعيًا وراقيًا» ومنها، كما يقول الدكتور الحولي، «عامل توسيطي ويتمثل في كيفية توصيل تلك الأعمال إلى العالم عبر قنوات التواصل ترجمة ونشر»، وهنا يتساءل الدكتور الحولي: هل الترجمة التي نقل بها الأدب العربي إلى اللغات الأجنبية هي ترجمة ذات نوعية متطورة، وهل حظي الأدب العربي باهتمام دور النشر الكبيرة في العالم؟ أما العامل الثالث باعتقاد الدكتور الحولي فهو التلقي النقدي المتمثل في النشاطات النقدية والتفسيرية التي تدور حول العمل الأدبي في الثقافة الأجنبية.

تجربة حقيقية

الدكتورة رشا غانم مُدرسة النقد الأدبي بالجامعة الأميركية في مصر، فتخبرني بأحداث واقعية جرت معها فتقول: «أتحدث إليك عن تجربة حقيقة لي أثناء تدريسي لكورس النقد لمجموعة من الباحثين الأجانب في الجامعة الأميركية بالقاهرة 2009م لاحظت أن أغلبهم قد حصل على الماستر في التراث العربي فقال لي أحدهم وهو الآن بروفسور في جامعة أوكلاهوما بالولايات المتحدة الأميركية واسمه توماس هافتر إنه حصل على الماستر في الجاحظ، وهو من الأدباء العرب القدامى المشهورين من أشهر كتبه (البخلاء) و(البيان والتبيين) ت:255هـ 868م وأخذ يسرد لي كيف التعامل مع كتب التراث في البداية كان يمثل له صعوبة كبيرة فقلت له لماذا اختارت التعامل مع كتب التراث في فترة مبكرة من حياتك قال لي: (لأن الكتب التي تم تأليفها قديما أطمئن إليها ففيها ثقافة عربية خالصة ونحن عندما ندرس هنا نذهب إلى جامعتنا لنلتحق بكرسي الشرق الأوسط، وهو المكان المخصص لكل الدراسات الشرق أوسطية)، وهذا يدل على أن أغلب التراجم الحديثة المترجمة من العربية للأجنبية لا تحقق حضورا لديهم على عكس الترجمات الأجنبية التي تحدثت عن العرب وحضارتهم تلقى قبولا في القراءة عندهم، أما بالنسبة للقارئ العربي فإن المترجم من الأجنبية للعربية يلقى حضورا لديه من وجهة نظري لأننا قانعون أن مستوى ما يقدم لدينا من بلاد الغرب هو الأكثر وعيا وفكرًا».



تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟


«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج
TT

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

يكشف كل من الكاتب والمؤرخ المصري أحمد أمين، والباحث أحمد زين، في مقدمة الكتاب الشهير «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي عن مفارقة حزينة تتمثل في حالة البؤس والشقاء التي انتابت المؤلف وسعى للتخلص منها عبر تأليف عدد من المؤلفات منها هذا الكتاب، إلا أنه فشل في تحقيق غرضه رغم الطابع المبهج الذي يشير إليه العمل، وزاد يأسه حتى أنه حاول التخلص من أعماله بحرقها في أواخر حياته ونجا الكتاب من تلك المحاولة بأعجوبة.

نشأ التوحيدي يتيماً في بغداد حيث عاش في الفترة من 922 حتى 1023 ميلادية، وفق أغلب المصادر التاريخية، وهو فيلسوف وأديب موسوعي، يُعد من أبرز أعلام القرن الرابع الهجري، عمل في الوراقة، واشتهر بـ«فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة»، كما امتاز بأسلوب أدبي رفيع وعمق فكري ومسحة صوفية، لكنه عاش حياة شقية مليئة بالصراعات التي انتهت بوفاته وحيداً بعد أن أحرق كتبه.

كما يذكر محققا الكتاب، الذي صدرت منه طبعة جديدة عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، ظل طيلة حياته يجاهد ويكافح في التأليف واحتراف الوراقة والنسخ وجوب الأقطار حيث يقصد الأمراء والوزراء لعلهم يكافئون علمه وأدبه، فلم يحظ من وراء ذلك بطائل وعاش كما يقول في بعض كتبه على نحو أربعين درهماً، مع أنه، كما يقول، رأى كل من حوله من العلماء والشعراء يحظون من الأمراء بالمال الكثير والحظ الوافر وليس أكثرهم يدانيه علماً أو يجاريه أدباً.

قصد التوحيدي العديد من أصحاب الجاه والسلطان في عصره مثل ابن العميد وابن عباد وابن شاهاويه وابن سعدان وأبي الوفا المهندس وغيرهم، ومدح وأطرى وبكى واشتكى وهدد وأوعد فما نفعه مدحه ولا ذمه ولا إطراؤه ولا هجاؤه في التخفيف مما عاناه رغم عطائه الأدبي الكبير. ولعل أقوم كتبه وأنفعها وأمتعها كتابه «الإمتاع والمؤانسة» الذي يقع في ثلاثة أجزاء.

يذكر المحققان أن أبا الوفاء المهندس كان صديقاً لأبي حيان وللوزير أبي عبد الله العارض فقرب أبو الوفاء أبا حيان من الوزير ووصله به ومدحه عنده حتى جعل الوزير أبا حيان من سماره فسامره سبعاً وثلاثين ليلة، كان يحادثه فيها ويطرح الوزير عليه أسئلة في مسائل مختلفة فيجيب عنها أبو حيان، ثم طلب أبو الوفاء من أبي حيان أن يقص عليه كل ما دار بينه وبين الوزير من حديث وذكره بفضله عليه في وصلة بالوزير مع أنه، أي أبا حيان، ليس أهلاً لمصاحبة الوزراء لقبح هيئته وسوء عادته وقلة مرونته وتواضع ملبسه، لدرجة أنه هدده إن هو لم يفعل سيغض عنه ويستوحش منه ويوقع به عقوبته وينزل الأذى به.

أجابه أبو حيان ونزل على حكمه وفضل أن يدون ذلك في كتاب يشتمل على كل ما دار بينه وبين الوزير من دقيق وجليل وحلو ومر فوافق أبو الوفاء على ذلك ونصحه بأن يتوخى الحق في تضاعيفه وأثنائه، والصدق في إيرداه، وأن يطنب فيما يستوجب الإطناب، ويصرح في موضع التصريح، فكان من ذلك كتاب «الإمتاع والمؤانسة».

قسم أبو حيان كتابه إلى ليالٍ، فكان يدون في كل ليلة ما دار فيها بينه وبين الوزير على طريقة «قال لي وسألني» و«قلت له وأجبته» وكان الذي يقترح الموضوع دائماً هو الوزير وأبو حيان يجيب عما يُقترح، فإذا أجاب أبو حيان على نحو أثار فكراً ومسائل عند الوزير فيستطرد إليها ويسأله عنها.

وأحياناً يتخذ الكلام شكل حوار، فأبو حيان مثلاً يروي عن الفيلسوف اليوناني ديوجانيس أنه سُئل متى تطيب الدنيا، فقال: «إذا تفلسف ملوكها وملك فلاسفتها»، فلم يرض الوزير عن هذا، وقال إن الفلسفة لا تصح لمن رفض الدنيا وفرغ نفسه للدار الآخرة فكيف يكون الملك رافضاً للدنيا وهو محتاج إلى سياسة أهلها والقيام عليها باجتلاب مصالحها ونفي مفاسدها، وأطال في ذلك.

موضوعات الكتاب متنوعة تنوعاً ظريفاً؛ لا تخضع لترتيب ولا تبويب إنما تخضع لخطرات العقل وطيران الخيال وشجون الحديث، حتى لنجد في الكتاب مسائل من كل علم وفن وأدب وفلسفة وحيوان وأخلاق وطبيعة وبلاغة وتفسير وحديث وغناء ولغة وسياسة وتحليل شخصيات فلاسفة العصر وأدبائه وعلمائه وتصوير للعادات وأحاديث المجالس وغير ذلك مما يطول شرحه.

وقد خاف أبو حيان من بعض ما ورد في الكتاب، حيث إنه في حديثه مع الوزير عاب أشخاصاً من رجالات الدولة الذين يستطيعون إيذاءه ، فرجا أبا الوفاء أن يحفظ هذا الكتاب سراً فقال: «وأنا أسألك ثانية على طريق التوكيد كما سألتك على طريق الاقتراح أن تكون هذه الرسالة مصونة من عيون الحاسدين العيابين بعيدة عن تناول أيدي المفسدين المنافسين فليس كل قائل يسلم ولا كل سامع ينصف»، وقد أنجز أبو حيان وعده وأرسل إليه الجزء الثاني على يد غلامه «فائق» أيضاً، ثم أرسل إليه الجزء الثالث وهو الأخير وقال في أوله:«أرسلت إليك الجزأين الأول والثاني وهذا الجزء وهو الثالث قد ألقيت فيه كل ما في النفس من جد وهزل وغث وسمين وشاحب ونضير وفكاهة وأدب واحتجاج واعتذار، ولأنه آخر الكتاب ختمته برسالة وصلتها بكلام في خاص أمري».

ويعلق المحققان بأنه أياً ما كان، فالكتاب ممتع مؤنس كاسمه يلقي الضوء كثيراً على العراق في النصف الثاني من القرن الرابع، فهو يتعرض لكثير من الشؤون الاجتماعية في ثنايا حديثه فيصف الأمراء والوزراء ومجالسهم كابن عباد وابن العميد وابن سعدان ومحاسنهم ومساوئهم، ويصف العلماء ويحلل شخصياتهم وما كان يدور في مجالسهم من حديث وجدال وخصومة وشراب، ويصف النزاع بين المناطقة والنحويين كالمناظرة الممتعة التي جرت بين أبي سعيد السيرافي ومتى بن يونس القنائي في المفاضلة بين المنطق اليوناني والنحو العربي، ورأي العلماء في الشعوبية والمفاضلة بين الأمم.

يكشف الكتاب عن أسلوب أبي حيان الأدبي الراقي كما عهدناه في كل كتاباته، يحب الازدواج ويطيل في البيان ويحتذي حذو الجاحظ في الإطناب والإطالة في تصوير الفكرة وتوليد المعاني منها حتى لا يدع لقائل بعده قولاً، ولكن عاب أسلوبه في هذا الكتاب تعرضه كثيراً لمسائل فلسفية عميقة قد عزّت على البيان ودقت عن الإيضاح، لكنه حين يخرج عن هذه الموضوعات الدقيقة إلى موضوعات أدبية كوصف فقره وبؤسه أو وصف للكرم وفوائده أو وصف للسان والبيان، جرى قلمه وسال سيله وأجاد وأبدع.


سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد
TT

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

صدر حديثاً عن دار نوفل - هاشيت أنطوان كتاب «على خشبة الحياة»، وهو سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد، «الذي استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني والوطني»، كما جاء في كلمة الناشر. يقع الكتاب في 356 صفحة، وفيه نقرأ عن أبرز المحطات في حياته منذ طفولته في الريف الجنوبي، ثم مجيئه إلى بيروت لدراسة المسرح في الجامعة اللبنانية وانطلاقه في عالم المسرح.

جاء في كلمة الناشر: «يُعدّ رفيق علي أحمد واحداً من أبرز أعمدة المسرح اللبناني المعاصر، وفناناً استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني والوطني. على امتداد مسيرته الفنية، كرّس حضوره كممثل استثنائي يتميّز بقدرته الفريدة على مزج الأداء التمثيلي بالتجربة الحياتية، مقدّماً أعمالاً مسرحية تنبض بالذاكرة الجماعية وتعكس تحولات المجتمع اللبناني وتعقيداته.

تميّز بأسلوب مسرحي خاص يجمع بين الحسّ الحكواتي والاحتراف الأدائي، فنجح في تقديم عروض مسرحية منفردة تركت أثراً عميقاً لدى الجمهور والنقّاد على حدّ سواء، حيث استطاع أن ينقل تفاصيل الإنسان اللبناني وهمومه اليومية بلغة فنية صادقة وقريبة من المتلقي. ولم يقتصر تأثيره على الساحة اللبنانية، بل امتد حضوره إلى المسارح العربية، حيث شكّل نموذجاً للمسرح الملتزم الذي يجمع بين البعدين الفني والإنساني. في سيرته المسرحية هذه، يفتح رفيق علي أحمد نافذة على تجربته الإبداعية والشخصية، مستعرضاً رحلته في تحويل التجربة الفردية خطاباً فنياً جامعاً ومسيرته مع المسرح بوصفها فعل مقاومة ثقافية وذاكرة حيّة، كاشفاً عن كواليس عمله المسرحي الشخصي، ومانحاً القارئ المهتم بالمسرح اللبناني والعربي شهادةً عن عصرٍ كامل برموزه من زملاء المهنة، والمدارس المسرحية التي انتموا إليها؛ ليكون الكتاب بذلك مرجعاً مهماً لكلّ مهتم بالمسرح، بالإضافة إلى كونه شهادة فنية وإنسانية توثّق مسيرة أحد أبرز الأصوات المسرحية التي أسهمت في صياغة هوية المسرح اللبناني والعربي المعاصر».

وتميّز رفيق علي أحمد بأعماله المونودرامية وبمشاركاته في مسرح «الحكواتي»، واشتهر في لبنان والعالم العربي حيث عرضت مسرحياته في مهرجانات عدة، عربية، وكذلك في بعض المدن الأوروبية والأميركية، وحاز الكثير من الجوائز عن أعماله المسرحية والدرامية، من ضمنها جائزة أفضل ممثل في مهرجان قرطاج الدولي للمسرح.