مسيرة العلاقات الثقافية السعودية ـ الروسية منذ مطلع القرن العشرين

الأواصر الثقافية التي ربطت روسيا بالعرب ولغتهم وديانتهم بدأت عمليًا في أواخر القرن السابع عشر

الملك عبد العزيز
الملك عبد العزيز
TT

مسيرة العلاقات الثقافية السعودية ـ الروسية منذ مطلع القرن العشرين

الملك عبد العزيز
الملك عبد العزيز

بدأت فكرة هذا الموضوع قبل نحو خمسة عشر عامًا، في فعالية ثقافية أُقيمت في موسكو بمناسبة مرور سبعين عامًا على زيارة الأمير (الملك) فيصل بن عبد العزيز وزير الخارجية السعودي آنذاك إلى الاتحاد السوفياتي وبعض دول أوروبا، والتي قام بها قُبيل إعلان توحيد السعودية (1932) وبعد ثلاث سنوات من تعيينه وزيرا للخارجية في عهد والده المؤسس الملك عبد العزيز، وهذا الموضوع - الذي يحصره العنوان بإطار زمني محدد وهو مطلع القرن العشرين المنصرم، وبإطار مكاني يسمى جغرافيًا روسيا الاتحادية حاليًا - قد يُحلّق متجاوزًا حدّيه الزماني والمكاني، حيث يصعب الالتزام بدقة ببداية القرن الماضي في مثل هذا الموضوع، كما يصعب التفريق بين روسيا اليوم والاتحاد السوفياتي بالأمس.
إن أول ما سجلته العلاقات الروسية السعودية سياسيا، هو تلك الاتصالات المبكّرة بين الروس من جهة والإمام عبد الرحمن وابنه الأمير (الملك) عبد العزيز في الكويت في مطلع القرن العشرين من جهة أخرى، حيث تشير الوثائق التي عُثر عليها في العقود القليلة الماضية إلى مراسلات ولقاءات جرت في الكويت وبوشهر قُبيل استرداد الرياض وبُعيد ذلك، كانت تهدف إلى الحصول على دعم من الروس لاستعادة الحكم، وكان الروس فيها يتمنّعون حينًا مداراة للنفوذ البريطاني، بينما كانوا في أحيان أخرى على العكس من ذلك يرغبون في ما يتيح لهم إقامة علاقات وديّة مع إمارات الجزيرة العربية، وكان آخر تلك الاتصالات رسالة مكتوبة بتاريخ 30 أبريل (نيسان) 1904 مفادها أن عبد العزيز أتى إلى الكويت عام 1903 أي بعد استعادة الرياض بعام واحد، وأنه التقى بالقنصل الروسي وبقائد عسكري فرنسي كانا موجودين في الكويت حينها، حيث عرضا الحماية على المناطق التي يسيطر عليها ابن سعود، إلا أنه رفض العرض.
على أن الأرشيف الدبلوماسي لتاريخ بلاد الحرمين الشريفين، يسجل بأن روسيا القيصرية، كانت تقيم لها قنصلية في جدة منذ عام 1892 وأن روسيا السوفياتية كانت أول حكومة اعترفت بسلطة الملك عبد العزيز على الحجاز (16 - 2 - 1926) وأنها رفعت تمثيلها الدبلوماسي عام 1929 إلى مفوّضية (بمثابة سفارة) اهتمت بشؤون الحج وبتنمية العلاقات السياسية وبرعاية المصالح الاقتصادية وزيادة حجم التبادل التجاري، مما أعطى دليلاً قويًا على أهمية بلاد الحرمين الشريفين في نظر الروس، وعلى قِـدم التواصل بين البلدين، وتدل الوثائق على أن العلاقات التي ربطت بين الدولتين قد حكمتها المصداقية والشفافية، ومثّـلت مكاسب سياسية لروسيا وجدت فيها بريطانيا منافسة كبيرة لها حاولت مرارًا تعطيلها.
ويذكر التاريخ الدبلوماسي لفترة ما قبل الحكم السعودي اسم الأمير لُطف الله الذي كان يمثّـل الحجاز في عهد الهاشميين (الأشراف) في موسكو في بداية علاقاتهما، أما بالنسبة للممثّـلين الروس فإن أبرزهم اثنان، اهتم الأول منهما وهو كريم حكيموف بتطوير الصلات الدينية والثقافية، بينما اهتم الثاني وهو نذير توراكلوف بتنمية العلاقات التجارية، وقد تناولت المراجع اللقاءات المتكررة التي كان هذان المسؤولان يجريانها مع الرسميين السعوديين وعلى رأسهم الملك عبد العزيز، ولأن كريم حكيموف عاش حقبة انتقال الحكم في الحجاز من الهاشميين إلى السعوديين (1925) فقد أسهم في تأسيس العلاقات مع الدولة الجديدة، وصار عميدًا للسلك الدبلوماسي في جدة، وهو مسلم من أصل تتري يجيد الفارسية والتركية إلى جانب لغته الأصلية الروسية، وقد عاد وزيرا مفوضًا في المفوّضية الروسية في الحجاز مرة أخرى (22 - 2 - 1936) لكن فترة إقامته الثانية لم تدم طويلاً، إذ استدعي في غضون عامين وقُفلت المفوضية في عهد ستالين (11 - 1 - 1938) وكان مصير الإعدام في انتظاره، وقد تزامن قفل الممثلية مع غلق الكثير من الممثليّات السوفياتية الأخرى في أنحاء العالم بما فيها اليمن، ويقول أحد التعليقات إن السوفيات لم ينجحوا في تحقيق مكاسب كبيرة من وراء تلك المفوضية وإن ترشيد الإنفاق كان أحد الأسباب.
ومن بين الدبلوماسيين الروس الذين عملوا في جدة في تلك الفترة ولم يرد لهما ذكر كاف في الكتابات المتأخرة؛ الكاتب مويس مارلوفيتش اكسلو الذي يُذكر أنه كتب مقالات مؤيّدة للملك عبد العزيز لا ندري أين نشرت، والطبيب سيتبكوف الذي - خشية على نفسه - استقر في الحجاز بعد إغلاق المفوضية وعمل في أحد المستشفيات بجدة.
ولقد تتوّج اعتراف موسكو بالحكم السعودي الجديد في الحجاز، بالزيارة التاريخية الرائدة التي قام بها الأمير فيصل ــ بوصفه وزيرا للخارجية ونائب الملك في الحجاز ــ إلى موسكو بعد سبع سنوات (مايو/ أيار 1932) طالبًا دعمًا سياسيا واقتصاديا وعسكريًا لبلاده التي كانت على وشك إعلان توحيدها جغرافيًا وسياسيا، تحت اسمها الحالي (المملكة العربية السعودية) في العام نفسه، وتحدثت الكتابات التي صدرت في الذكرى السبعين لتلك الزيارة عن تفاصيل واسعة عنها وعمّا دار فيها، حيث أبانت الكتابات أنها لم تكن مجرد مجاملة بروتوكولية، وإن لم تحقق كثيرًا مما استهدفه الوفد السعودي بل والروسي من مطالب، لكن حضور الأمير فيصل ذي الخمسة والعشرين عامًا حظي بحفاوة بالغة على كل المستويات.
وكان مما سجله تاريخ العلاقات الجيّدة بين البلدين في الثلث الأول من القرن الماضي، مشاركة روسيا السوفياتية في المؤتمر الإسلامي العالمي الأول المنعقد في مكة المكرمة عام 1926 بشخص العلامة موسى جار الله (من قازان) وبشخصيّات إسلامية بارزة من مناطق أخرى، وتذكر المراجع أن تلك المشاركة جاءت من موسكو بهدف تعزيز مركز الملك عبد العزيز لقيادة العالم الإسلامي في مقابل جهات منافسة تدعمها بريطانيا وفرنسا.
وتذكر المراجع السعودية والروسية بالتقدير إسهام روسيا في عام 1934 في توفير وسائل الاتصال اللاسلكي، عندما كانت البلاد السعودية تفتقر إلى أدناها ولا تمتلك المال لشرائها، إذ أهدت موسكو (20) محطة لاسلكية إلى السعودية تم توزيعها في أرجاء البلاد، وكان لتلك الهدية دلالاتها الودية والاقتصادية (جريدة أم القرى، العدد 499 لسنة 1934).
لكن القارئ للعلاقات الروسية السعودية سرعان ما يستحضر تلك الفترة المعتمة التي أطبقت عليها إبان الحقبة الشيوعية ودامت أكثر من نصف قرن، لم يكن المجتمع السعودي في معظمها، يتذكر من روسيا سوى ما كانت تختزنه ذاكرته عن علماء مسلمين أفذاذ ينتمون إلى مدن روسية أو سوفياتية التبعية، حيث حالت السياسة طيلة خمسين عامًا ونيّفًا، دون أن تتصل بلاد البخاري والترمذي والخوارزمي وابن سينا مع بلاد الحرمين الشريفين، مع أن صلتهما لم تنقطع طيلة القرون التي سبقت وكانت الشعوب فيها - رغم بُعدها الجغرافي - على أعلى ما تكون الأفئدة قربًا ووثوقًا، وكان الحاج من طشقند وداغستان (محج قلعة) ودربند وقازان والشيشان وتترستان واستراخان وسمرقند وخوارزم وبخارى يمشي شهورًا، راجلاً أو ممتطيًا دابّته، ليأوي إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، يقيم فيهما ردحًا من الزمن أو يمضي بقية عمره، يعلّم فيهما ويتعلّم، ويتبادل فيهما ثقافته، لأنه يرتبط معهما برباط روحي إيماني وثيق.
وكانت روسيا في الثلاثينات، أقرضت الحكومة السعودية بعض احتياجاتها من المنتجات البترولية والحبوب والسكر، لكنها سرعان ما توقفت في الأربعينات، اللهم إلا ما تسرّب من أنواع السيارات الروسية رخيصة الثمن (موسكوفيتش) كانت تصل إلى السعودية مباشرة أو عبر وسيط ثالث، وقد أسهمت ظروف الحرب العالمية الثانية وما خلّفتها من تداعيات سياسية وآثار عقدية وفكرية وانكماش في الاقتصاد العالمي، في تراجع هذا التواصل المادي والثقافي بين آسيا الوسطى والجزيرة العربية، حتى أصبح الحجاج من الاتحاد السوفياتي يعدّون بالمئات بعد أن كانوا يعدّون بالآلاف.
وهكذا شهد القرن الماضي أشكالاً متفاوتة من الصلات السياسية والثقافية والاقتصادية، تراوحت بين دفء وبرود، وامتداد وانكماش، وكانت العلاقات بين البلدين مسرحًا تتنازعه منافسات الدول الكبرى وبخاصة بريطانيا، التي ما انفكّت تعمل على إضعاف العلاقات الوديّة في مجملها بين السعودية والاتحاد السوفياتي، وهو الذي رغم نزعته الآيديولوجية لم يتدخّل - كما تذكر الوثائق - في المسار الديني الذي كانت تنتهجه السعودية.
ولعل من أفضل من درس تأثيرات الحج والعوامل الدينية الإسلامية في المجتمع الروسي، وانعكاساتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية - وبخاصة بعد ضم الشيشان وداغستان وتترستان وأوزبكستان وقازاقستان وقرغيستان وتركمانستان وأذربيجان إلى روسيا (1898) وزيادة أعداد المسلمين الخاضعين للإمبراطورية الروسية - هو ما كتبه الضابط الروسي عبد العزيز دولتشين المولود عام 1861 وكان يتحدث العربية والفارسية والتركية والفرنسية والإنجليزية، والذي قام برحلة غير معلنة للحج عام 1898 حيث قدّم رواية وصفيّة شملت رحلات الحج من روسيا في تلك الفترة (نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين) وغطّت مظاهر الروابط التاريخية بين شعوب آسيا الوسطى وبلاد الحرمين الشريفين، وقد صدر الكتاب مؤخّرًا بعنوان «الحج قبل مائة سنة: الرحلة السرية للضابط الروسي عبد العزيز دولتشين إلى مكة المكرمة 1898 - 1899 الصراع الدولي على الجزيرة العربية والعالم الإسلامي» قدّم فيه سردًا لتاريخ الإسلام السياسي في روسيا، وبدايات الاهتمام بظاهرة تنامي الروح الدينية في الأقاليم الخاضعة لها، وإنشاء المساجد والمراكز الدينية ونشر الكتب، وترجمات معاني القرآن الكريم، وهو ما دعا القيادة السياسية الروسية إلى جمع المعلومات عن دور الإسلام في الحياة الاجتماعية والسياسية للسكان المسلمين في روسيا ومن ثمّ إيفاد دولتشين، فلقد اكتسب الحج أهمية خاصة بالنسبة روسيا لأنه كان سبيلاً لتسرب مختلف المذاهب الإسلامية إلى روسيا، كما وجدت القيادة الروسية في دراسة التجمّع في الحج آنذاك وسيلة لمعرفة التوجّهات السياسية وكسب تأييد المعسكرات المتضادّة الممثلة فيه، كما انتقلت بواسطة الحج بعض العبادات والطرائق والأفكار والعادات الدينية، فضلاً عن انتقال الكتب والمطبوعات الإسلامية المؤثّـرة، ووصف هذا الكتاب الذي نشره يفيم ريزفان (بيروت 1944ط 3 ثم أعيدت طباعته حديثًا في لبنان) الدروب الرئيسية للحج الروسي، وتكاليفه، وأعداده، وفئاته، والمدد التي يستغرقها، والجاليات المستقرة في الحجاز من روسيا، والأوضاع الصحية بين الحجاج، ومأكولاتهم ووسائل مواصلاتهم، والمخاطر والابتزازات التي يتعرضون لها في طريقهم، ثم تحدث عن تأثير الحج على المسلمين القادمين من روسيا وتأثيرهم في الحجاز والدوافع التي تدفعهم للحج، وذكر الكتاب أن عدد الحجاج القادمين من روسيا في نهاية القرن التاسع عشر بلغ نحو (3500) من أصل ما يقرب من إجمالي مائة ألف حاج من أنحاء العالم الإسلامي، كما ذكر أسماء مطوّفين من أصول بخارية يتولون أمر الحجاج القادمين من روسيا، وقدم الكتاب إحصائيات توضح تناقص أعداد الحج من روسيا، حيث أصبح يقاس بالمئات، بشكل لا يتناسب مع مجمل عدد المسلمين في روسيا.
وبلغ من اهتمام الروس بالدراسات المتصلة بالإسلام والمسلمين أن قاموا منذ عام 1910 بترجمة أبرز كتب الرحالة والمستشرقين، مثل ذلك الكتاب الذي ألّفه الرحالة الهولندي سنوك هورخرونيه عن وصف مكة المكرمة عام 1885 وكذلك كتاب رالي «مكة المكرمة في أوصاف الأوروبيين» وبالإضافة إلى كتاب دولتشين هذا، هناك كتاب قديم نادر طبع في روسيا بالعربية قبل مائة وخمسة عشر عامًا يحكي (أخبار التتار والبلغار) للشيخ الرمزي، وكان من أبرز ما تضمّنه قائمة بعلماء روسيا من ذوي العلاقة ببلاد الحرمين الشريفين مطلع القرن الماضي.
وبمناسبة الحديث عن الهجرات إلى الحجاز، يثبت عدد من المؤرخين والرحالة والمستشرقين، أن مهاجرين ومجاورين من شعوب وسط آسيا ومن يطلق عليهم مصطلح البخارية أو قديمًا (الموسكوف) كانوا موجودين في الحجاز قبل القرن التاسع عشر، وأصبحوا جزءًا من بنية الحياة الاجتماعية اليومية المكيّة والمدنيّة جنبًا إلى جنب مع هجرات أخرى ؛ مصرية وتركية وجاويّة وهندية وأفريقية.
كانت هجرة جاليات وسط آسيا قد تمت على ثلاث مراحل، بدأت بوادرها في سنة 1885 ثم في مطلع القرن العشرين (في حدود عام 1917) عند قيام الثورة البلشفية، وبلغت حدتها في سنة 1933 حيث وفدت مئات من التركستانيين (ومنها الطاشكندي، والقوقندي، والمرغلاني، والإنديجاني) وكان من بين هذه الجاليات علماء وحرفيون نقلوا معهم معارفهم وثقافاتهم، وبينما تذكر الدراسات أن بعض تلك الهجرات كانت من كبار السن والمنقطعين عن أقاربهم، فإن أعدادًا منهم كانوا صغار السن من أبناء العلماء والتجار، حتى إن أغلبهم مرّ في أفغانستان وباكستان للتزوّد ببعض العلوم، وقد أكرم الملك عبد العزيز وفادتهم، وربما يكون هو الذي اختار الطائف مقرًا لإقامة معظمهم، حتى أن حيًا كاملاً في الطائف (الشرقية) يسمّى باسمهم، وكان من أبرز آثار الطوائف القادرة من هذه الجاليات، جهودها الجماعية في إقامة الأربطة والأوقاف التي يعود تاريخ بعضها في مكة المكرمة والمدينة المنورة إلى ما يزيد على مائتي عام، وقد سميت هذه الأربطة الخيرية ــ التي كانت توقف على إسكان الحجاج وطلبة العلم وتغذيتهم أحيانًا ــ سميت بأسماء مدن تميّز تلك الجاليات (كالقستي والسمرقندي والقوقندي والأنديجاني والنمنكاني) وقد تُـلحق بها مدارس لتحفيظ القرآن الكريم والسنة النبوية، مع استخدامها لإقامة المناسبات الدينية والولائم الخيرية وإطعام المحتاجين، ونظرًا لانقطاع الصلة المباشرة لمعظم تلك الجاليات المهاجرة مع مواطنهم الأصلية، ولما يتطلبه الاندماج في المجتمع الحجازي، فإن البعض يرى في علاقته بالمجتمع الأصلي علاقة رمزية، ويسعى للتأكيد على هويته السعودية وحذف ما يشير إلى جذوره القومية والحرص على التزاوج مع الأسر المحلية، أسوة بالجاليات المهاجرة الأخرى، ويتركز نشاط معظم تلك الجاليات في التجارة وفتح المطاعم، حيث نجحت في إشاعة مأكولات معينة أصبحت مع السنوات جزءًا من الوجبات الوطنية، كما انخرط جزء منهم في الوظائف الحكومية عامة وفي التخصصات الأمنية بخاصة، والتحق أبناؤها بدراسات الشريعة والطب والهندسة والمكتبات على وجه الخصوص.
ولا يكتمل الحديث عن الصلات الثقافية بين روسيا وبلاد الحرمين الشريفين، دون التطرق إلى دور ثقافة الاستشراق، وإلى جهود الرحالة والمؤرخين وكتاباتهم، فبرغم أهمية الاستشراق الروسي الذي ألّفت عنه الكتب وكتب عنه الكثير من الأبحاث، ورغم كثرة المستشرقين والرحالة الروس، مع أن القليل منهم زار الأراضي المقدسة لأسباب دينية، لكن القاسم المشترك الأهم في كثير من الدراسات الاستشراقية الروسية الاهتمام بتحليل الروابط الدينية بين روسيا وبلاد الحرمين الشريفين، وبتأثير الحج على أساس أنه أحد دوافع الرحلات، وأحد أبرز مظاهر التديّن للمسلمين، كما عنيت بترجمات معاني القرآن الكريم وصحيح البخاري وعيون الكتب الإسلامية والعربية، وتعيد بعض تلك الدراسات تاريخ بدء اهتمام أهل المشرق العربي بالروس إلى العصر العباسي الأول، عندما توغّل التجار العرب في الأراضي الروسية لأغراض التجارة وحب الاستطلاع، وبادلهم التجار الروس ذلك بقصد التجارة أو الحج، ثم زادت الروابط وثوقًا بعد سقوط الإمبراطورية المغولية، وما تبع ذلك من توغّل روسيا في آسيا الوسطى الغنية بالمعارف وبالثقافة العربية والإسلامية والكتب والمخطوطات من آثار البيروني والفارابي والرازي وابن سينا وغيرهم، فربط الإسلام بينها وبين العرب، بعد أن أصبح فيها نحو (25) مليونا من المسلمين في آسيا والقوقاز، وما يزال أحفادهم يتحدثون العربية إلى اليوم.
كانت الأواصر الثقافية التي ربطت روسيا بالعرب ولغتهم وديانتهم، بدأت عمليًا في أواخر القرن السابع عشر، عندما قامت الدوائر العلمية الروسية بترجمة الكثير من الكتابات والمصادر الأوروبية، ثم كان انفتاح القيصر بطرس الأول على الثقافتين الغربية والشرقية، ورغبته في التعرف على الإسلام، فصار الاهتمام بالإسلام يأخذ منحى علميًا بدأه المستشرق الروسي (كانتمير) الذي تناول ظروف النشأة التاريخية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أقام أول مطبعة عربية في روسيا، وقد شهد مطلع القرن الثامن عشر أول ترجمة روسية لمعاني القرآن الكريم (1716) وكان قرار القيصر بتأسيس قسم خاص لدراسة الحضارة العربية والإسلامية في أكاديمية العلوم الروسية، ومن ثم إيفاد بعثات لدراسة اللغة العربية مفتاحًا حقيقيًا لانتشار متحدثيها في الدوائر العلمية والرسمية الروسية، بعد أن تعمّقوا في عالم الشرق وثقافته وديانته.
وهكذا كانت صلات الحج والروابط الدينية بين مسلمي آسيا الوسطى وبلاد الحرمين خصوصًا والمشرق عمومًا، أحد حوافز نشاط الاستشراق والاهتمام السياسي الروسي، ويكفي أن يُشار إلى الدراسة التي أنجزها فاسيلييف (الثاني) عن تاريخ السعودية (موسكو، دار التقدم 1986) واعتمدت كثيرًا على التراث الاستشراقي في محاولته لفهم الخلفية الثقافية لتاريخ شعب الجزيرة العربية.
وشهدت الأعوام الخمسة والعشرون الماضية منذ أن عادت العلاقات السياسية إلى صافي طبيعتها القديمة، عددًا من الندوات والفعاليات والمؤلفات والأطروحات العلمية والمنح الدراسية ومراكز الدراسات والزيارات الرسمية المتبادلة التي تعزز من وديّة العلاقة وتزيدها حميمية، مشيرًا في هذا الصدد إلى عشرات الكتب التي أصدرها الداعية والرحّالة السعودي الشيخ محمد ناصر العبودي عن روسيا بخاصة وعن بلاد ما وراء النهر وآسيا الوسطى بعامة، وإلى كتاب «العلاقات السعودية السوفياتية والسعودية الروسية 1926 - 1997» لعلي محمد الشهري الصادر عام 2001 معتمدًا على أرشيف السياسة الخارجية الروسية للاتحاد السوفياتي، وإلى كتاب «العلاقات السعودية الروسية في ضوء المتغيّرات الإقليمية والدولية 1926 - 2004» للدكتور ماجد التركي (2004) وهي دراسة علميّة مجازة من قسم العلوم السياسية بجامعة موسكو، وإلى بحث حديث بعنوان «العلاقات السعودية السوفياتية بين عامي 1926 و1938» للدارسة هبة السبيعي من قسم التاريخ بجامعة الملك سعود بالرياض، وإن إقامة هذا الملتقى الثقافي بمناسبة اليوم الوطني السعودي والمصادف لمرور ربع قرن على استئناف العلاقات السعودية الروسية، هي فرصة تشيّد من جديد جسرًا ثقافيًا مع منطقة طالما أسدت للحضارة الإسلامية كنوزًا من المعارف والمخطوطات وأسهم مفكروها وعلماؤها في خدمة التراث العربي والإسلامي، ومناسبة تمدّ ذراعًا من التواصل لتعزيز الاحترام المتبادل والشراكة الثنائية المتكافئة.

* إعلامي وباحث سعودي



«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار
TT

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى. ليست سيرة فرد منعزل، بل سيرة تتشكّل داخل شبكة من العلاقات الأولى، حيث العاطفة لا تنفصل عن النَّسَب، والرغبة لا تنفصل عن الخوف، والذاكرة لا تنفصل عن الجسد. منذ الصفحات الأولى، لا يقدّم نبيل سليمان نفسه بوصفه شاهداً على ماضٍ مكتمل، بل بوصفه كائناً لا يزال يرى، ويختبر، كأن السيرة لا تُكتب بعد انقضاء التجربة، بل في أثناء تشكّلها من جديد.

يتجلى الأسلوب السردي هنا كأن الروائي ممسك بكرة زجاجية يشوبها الضباب، مثل الساحرات أو البصّارات، لا تزعم رؤية صافية، بل تكتفي بإيماءة مترددة: «أنا أرى... أرى». هذه الرؤية لا تُنتج صوراً حادة ولا مشاهد مغلقة، بل لقطات مغبشة، غير مكتملة، تتبدل ملامحها كلما أُديرت الكرة قليلاً. لذلك لا يستقر الزمن في «أوشام» على فصل محدد أو حالة نهائية: لم يكن شتاءً، ولا صيفاً، لا ليلاً ولا نهاراً كامليْن. الزمن هنا حالة إدراك، وليس تأريخاً وتقويماً. ما يُروى ليس ما حدث وانتهى، بل ما لا يزال يتشكّل في الذاكرة، وما لم يُحسم بعد.

من هنا تبدأ السيرة بالحب، ليس بوصفه قصة مكتملة، بل بوصفه ارتباكاً أول، نظرة من نافذة، جسداً يكتشف جسداً آخر، وخسارة مبكرة تتحوّل إلى أثر دائم. قصص الحب التي يستعيدها نبيل سليمان ليست عظيمة ولا استثنائية، بل بسيطة، مراهِقة، عارية من البلاغة. وهذه البساطة هي ما تمنحها قيمتها. أن يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته، علناً، أمام قرائه، لا ليجمّلها ولا ليسخر منها، بل ليضعها في قلب سيرته، فهو فعل مراجعة نادر. هنا يتبدى أسلوب سردي جديد، أسلوب لا يتكئ على المسافة العمرية ليعلو فوق التجربة، بل ليعيد الدخول إليها بعينها المرتبكة نفسها.

النساء في هذا الكتاب يحضرن بوصفهن نقاط تشكّل في الوعي وهي درجة أقل من شخصيات روائية واضحة متجسدة. سعاد، شفيقة، زلفى، ثم غنوة، لسن صوراً متطابقة، ولا نسخاً متكررة، بل تحولات لجرح واحد، ينتقل من الواقع إلى التخييل، ثم يعود إلى السيرة. زلفى، تحديداً، تكشف عن البنية العميقة للمشروع الروائي كله: امرأة تُفقد في الواقع، فتُستعاد في الرواية، ثم تُسترجع في السيرة بوصفها أصلاً هشّاً لكل ذلك التخييل. لا ينفي الكاتب رواياته السابقة، بل يكشف عن كيف كانت المخيلة تعمل كآلية تعويض، وكيف كانت الشخصيات تحمل آثاراً حقيقية جرى تفكيكها وإعادة تركيبها.

غير أن «أوشام» لا تقف عند الحب الفردي، بل تتسع لتصبح سيرة عائلة. الأب الدركي، التنقل الدائم، المخافر، البيوت المؤقتة، الأم التي تتحمل الفقدان والانتقال والصمت، الجد الذي ينهر، الأطفال النيام في الغرف... كل ذلك يُكتب بلغة نثرية مشبعة بالشعر، غير تجميلية، بل لإبقائه في حالته المعلّقة. استخدام الفعل المضارع في السرد ليس خياراً شكلياً، بل قرار بنيوي. لا يقول الكاتب: كان الضباب، بل يقول: يُظلمُ الضباب. بهذا التحول البسيط، يضع القارئ داخل المشهد، وليس خارجه. الذاكرة لا تُعرض بوصفها ماضياً مكتملاً، بل حادثاً يُبنى أمامنا الآن، لحظة بلحظة، كأن كاميرا تتحرك ببطء، تكشف عن الغرف، والأجساد النائمة، والأصوات المكتومة، والعلاقات كما لو أنها تحدث للمرّة الأولى.

هذا الأسلوب يبلغ ذروته في المقاطع التي تتقاطع فيها السيرة العائلية مع سيرة الكتب. في العلاقة مع الأم، لا يعود الكتاب موضوعاً ثقافياً، وإنما وسيلة حياة. فجأةً يصعُب النطقُ عليك مثل البلع، والطبيب الذي نصح بالاستئصال كالطبيب الذي حذَّر منه، ينذران بالخنق، فيما الأم تبتسم وتتحشرج وتطلب حكاية. هنا تتحول القراءة إلى فعل رعاية، إلى محاولة إنقاذ أخيرة عبر السرد.

يبدأ الكاتب من «كان يا ما كان»، لا بوصفها صيغة طفولية، بل بوصفها ما تبقَّى حين يعجز الطب. يستحضر كتباً عن الأم، من غوركي إلى غسان كنفاني، من بيرل باك إلى بريخت، ومن بودلير إلى إيزابيل الليندي، كأن الأدب كلّه يتقاطر في هذه اللحظة ليصير درعاً هشة في مواجهة الفقدان. الأم هنا ليست موضوعاً للرثاء والحنين، بل كيانٌ حيٌّ داخل اللغة، ولذلك يرفض الكاتب صيغة الموت المكتمل. يستحضر كامو وعبارته الشهيرة عن موت الأم، لا ليكرر برود شخصيته الرئيسية «ميرسو»، بل ليقلبه: أنا أردد العبارة لأنني على يقين أن حبيبتي «شفيقة بنت علي نصور لا تموت».

بهذا المعنى، تنتهي السيرة حيث بدأت: عند الحب. حب المرأة الأولى، حب الأم، حب العائلة، حب الكتب، حب الحياة بوصفها حكاية تُروى كي لا تختنق. «أوشام» لا تكتفي بأن تكون سيرة تُغلق الماضي، بل نصاً يتركه مفتوحاً، مغبشاً، قيد التشكّل. الضباب لا ينقشع، لكنه يصير مرئياً. والكرة الزجاجية لا تعطينا يقيناً، لكنها تسمح لنا بأن نرى مع الكاتب، لا بعده، وأن نشاركه اكتشاف ذاكرة لا تزال تحدث الآن.

إلى جانب هذا النسيج العائلي والوجداني، تتسع «أوشام» لتضم ذاكرة الصداقة والرفقة الثقافية، حيث يظهر الكاتب محاطاً بوجوه صنعت زمناً كاملاً من الحياة السورية. في هذا الحقل، تحضر علاقة نبيل سليمان بعمر حجو بوصفها خبرة إنسانية معيشة، علاقة تقوم على القرب اليومي، على الصوت والضحكة والحضور الجسدي، وعلى تفاصيل عابرة اكتسبت مع الزمن وزنها الرمزي. الصداقة هنا تُروى كما تُروى بقية عناصر الذاكرة: مشهد يتحرك، صورة تتكاثف ثم تخفّ، إحساس يمرّ في الجملة من دون أن يُحبس في تعريف. والأسماء السورية التي يستدعيها نبيل سليمان في «أوشام» تدخل النص بالطريقة نفسها، كجزء من نسيج عيش مشترك، من حوارات وسهرات وتقاطعات فكرية وعاطفية، كوّنت ما يشبه عائلة ثانية، عائلة اختارت نفسها عبر التجربة. هكذا تمتد السيرة من فضاء الفرد إلى فضاء الرفقة، ومن الذاكرة الخاصة إلى ذاكرة جيل، حيث تأخذ الصداقة مكانها بوصفها أحد أشكال الحب الهادئة، المستقرة، التي لا تحتاج إلى إعلان لكي تكون حاضرة.

وفي استعادة نبيل سليمان لعلاقته بحجو، تنفتح الذاكرة على طبقة سمعية شديدة الحضور، حيث تتقدّم الأغاني بوصفها لغة مشتركة بين الصديقين. الغناء الذي كان يجمعهما يمرّ كاستذكار عابر، كجزء من نسيج العيش اليومي، من السهرات، ومن لحظات الانفراج القليلة داخل زمن مثقل. عبْر حجو وذكراه، يفتح نبيل سليمان للقارئ باباً على عالمه الموسيقي، على الأغاني التي كانا يتقاسمانها، يرددانها، ويتركانها تملأ الفراغ بين الكلام والكلام. الصوت هنا هو خلفية أساس سردي، وهو أيضاً طريق للدخول إلى حساسية الكاتب، إلى طريقته في الإصغاء قبل الكتابة. الغناء يتحوّل إلى جسر؛ لا بين شخصين فقط، بل بين السرد والنبرة، بين الذاكرة والنص، كأن الموسيقى كانت أحد الوسائط التي عبَرت منها الحياة إلى الكتابة، ومنحت السيرة إيقاعها الداخلي، ذلك الإيقاع الذي سيستمر لاحقاً في الروايات، حيث تتسلل الأغنية إلى الجملة، وتعمل بوصفها ذاكرة موازية لا تقل كثافة عن الصورة والكلمة.

أنْ يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته علناً أمام قرائه لا ليجمّلها ولا ليسخر منها بل ليضعها في قلب سيرته فهو فعل مراجعة نادر

هذا الفصل من «أوشام» يقدّم الغناء بوصفه سيرة سمعية موازية للسيرة الحياتية والروائية، ويكشف عن أن الموسيقى ليست عنصراً مرافقاً في تجربة نبيل سليمان، بل إحدى آليات تشكّل الذاكرة والكتابة معاً. الغناء هنا يتحرك من المشهد الحيّ إلى النص، من سهرة حلبية مع جمال الغيطاني وأصابع أيمن الجسري، إلى غرف الفنادق في القاهرة، إلى مقهى الزوزو في جبلة، إلى البيت العائلي حيث الأب يفتح باب الغناء العراقي بوصفه طقساً يومياً، ثم إلى الرقة التي تتكثف فيها هذه السلالة السمعية، قبل أن تستقر داخل الروايات نفسها مادةً بنيوية.

ما يفعله سليمان في هذا الفصل أنه يثبّت مصدر الصوت في المكان واللحظة، ثم يتركه يهاجر إلى السرد، فيغدو الغناء إيقاعاً داخلياً للجملة، وأحياناً منطقاً كاملاً لبناء الفصول، كما في استخدامه للأهازيج والقدود والموشحات وأغاني الفرات والمدينة بوصفها مفاتيح زمنية ودلالية داخل «مدارات الشرق» وسواها. الجملة السردية تتمدّد مع التقاسيم والارتجال، ثم تنكمش لتلتقط ملاحظة حساسة عن تغيّر المزاج التاريخي للأغنية، كما في قراءته لتحوّل أداء «أهواك» من نعومة رومانسية إلى صرامة تعكس زمناً آخر، فيتحوّل الغناء إلى جهاز رصد دقيق لتحولات الحساسية الاجتماعية والسياسية من دون خطاب مباشر. الفصل يكشف أيضاً عن منطق السلالة: صوت الأب يُورَّث، ثم يُنمّى، ثم يتشابك مع أصدقاء ومثقفين عرب، ثم يُعاد إنتاجه داخل الرواية، بحيث لا يبدو الغناء مستخدماً من الخارج، بل معيشاً من الداخل. صحيح أن كثافة الأسماء والأغاني تخلق فائضاً سمعياً قد يبدو إغراقياً، لكنه فائض مقصود، يشبه سهرة طويلة لا تريد أن تنتهي، ويفرض على القارئ أن يسمع بقدر ما يقرأ. قيمة هذا الفصل أنه يفتح مدخلاً مختلفاً لقراءة مشروع نبيل سليمان الروائي من زاوية الإيقاع، والتراث السمعي بوصفه خلفية للأحداث، وأيضاً بوصفه لحماً لغوياً وآلة توقيت سردية، ويضيف إلى «أوشام» وشماً إضافياً: وشم الصوت، وشم النبرة، وشم ما يدخل من الأذن ليستقر في الجملة.

* كاتب سوري.


تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
TT

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ونجحت بعثة ألمانية في نقل واجهته الجنوبية الضخمة إلى برلين في مطلع القرن العشرين بعدما أهداها السلطان عبد الحميد إلى حليفه ملك بروسيا غليوم الثاني، فدخلت «متحف القيصر فريديريك» في عام 1903، ثم نُقلت إلى «متحف الفن الإسلامي» في 1932. ويُعد هذا المتحف أقدم وأكبر متحف مخصّص للفن الإسلامي في أوروبا وأميركا. تحتلّ واجهة «المَشتى» الحيز الأكبر في هذا الصرح الأوروبي، وتحضر إلى جوارها مجموعة صغيرة مستقلّة من التماثيل المهشّمة شكّلت في الأصل جزءاً من أثاث هذا القصر. تشهد هذه المجموعة لتقليد نحتي أموي خاص، اتّضحت هوّيته الفنيّة بشكل جليّ من خلال مجموعات مشابهة خرجت من قصور أموية أخرى تمّ استكشافها في ثلاثينات القرن الماضي.

تُعرض تماثيل قصر «المَشتى» على منصّات مستطيلة بيضاء في ركن من أركان القاعة المخصّصة لواجهة القصر الضخمة في «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتبدو للوهلة الأولى أشبه بكتل حجرية مهشّمة على هامش هذه الواجهة المزينة بزخارف محفورة في الحجر الجيري، حافظت على معالمها بشكل شبه كامل. تبرز في هذا الركن قطعة حافظت وحدها على الجزء الأكبر من تكوينها، وتتمثّل بكتلة من حجر كلسيّ منحوت ومصقول، تجسّد أسداً رابضاً على قاعدة بيضاء، يبلغ طوله 72 سنتيمتراً، وعرضه 122 سنتيمتراً. يبدو هذا الأسد جاثياً بثبات على قائمتيه الخلفيتين المطويتين فوق قاعدة مستطيلة رقيقة مجرّدة من أي زخرفة، باسطاً قائمتيه الأماميتيّن، وتبدو معالم تكوينه واضحة وجليّة، على الرغم من ضياع الجزء الأكبر من رأسه وطرفي قائمتيه الأماميتين. سقطت عناصر ملامح الوجه، وبات من الصعب تحديدها، وتشير وضعيّته إلى رأس منتصب وملتصق بالصدر، تحيط به لبدة كثيفة تتكوّن من خصلات شعر متراصّة ومتوازية، تمتدّ وتشمل اللحية، فتشكّل معها عقداً يلتفّ حول كتلة الذقن البيضاوية.

الجسم طويل وأملس، وأعضاؤه محدّدة بشكل جليّ يحاكي المثال الواقعي، كما يشهد التجسيم الدقيق والمحكم لمفاصل البدن. يبرز هذا الأسلوب في تكوين القائمتين الخلفيتين، ويتجلّى في نتوء المخالب الناتئة التي تحدّ طرفيها. تجدر الإشارة هنا إلى وجود قطعة منحوتة صغيرة خرجت من قصر «المَشتى»، تحضر فيها هذه المخالب بشكل مماثل. ولا ندري إن كانت هذه القطعة تعود في الأصل إلى هذا التمثال، أم إلى تمثال مماثل شكّل تأليفاّ ثنائياً معه، وفقاً لتقليد فني ساد في أقاليم الإمبراطورية الساسانية. انقضت هذه الإمبراطورية مع الفتح الإسلامي لبلاد فارس، إلا أنَّ نتاجها الثَّقافي ظلَّ حياً، وطبع مجمل ميادين الفن الأموي، ويشكّل أسد «المَشتى» شاهداً من شواهد هذا التلاقح.

تقابل هذا الليث قطع منحوتة مهشّمة، يشكّل كل منها جزءاً بسيطاً من تمثال أنثوي بات من الصعب تحديد شكل تكوينه الأصلي. تُمثّل إحدى هذه القطع رأساً بقي من ملامحه محجرا العينين الواسعين، والطرف الأسفل للأنف، وشفتا الثغر المطبقتان على ابتسامة خفيّة. الوجنتان عريضتان، وتوحيان بأن هذا الوجه النضر يعود إلى امرأة تعلو رأسها كتلة من الشعر الكثيف، تبلغ مساحتها العليا ضعف مساحة الوجه. في المقابل، تكشف قطعتان منحوتتين عن صدر أنثوي ممتلئ ومكتنز. كما تكشف قطعة ثالثة عن فخذَي ساقين متلاصقتين، تتميّزان كذلك بهذا الطابع المكتنز. حافظت هذه القطعة على قماشتها المصقولة، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طولها 70 سنتيمتراً، وعرضها 50 سنتيمتراً، مما يوحي بأنها تعود لتمثال يحاكي في حجمه المثال الطبيعي. حافظت هذه الكتلة الثلاثية الأبعاد على تفاصيل تكوينها، وتُظهر هذه التفاصيل رداءً رقيقاً ينزاح عن الردفين، بقي طرفه حاضراً عند أعلى الفخذ اليسرى. تظهر على هذه الفخذ بقايا كتابة منقوشة بالخط الكوفي، تتجه من الأعلى إلى الأسفل. للأسف، لم يتمكّن أهل الاختصاص من فكّ نص هذه الكتابة، وترى إحدى القراءات الافتراضية أنها تذكر اسم صاحبة هذا التمثال.

يحتفظ متحف الآثار الأردني بقطعة مشابهة، كشفت عنها أعمال الترميم والتنظيف التي أجرتها دائرة الآثار العامة خلال عام 1962 في قصر «المشتى». صيغت هذه القطعة كذلك وفقاً للقياس الطبيعي، ويبلغ طولها 75 سنتيمتراً، وعرضها 52 سنتيمتراً، وتمثّل الحوض وأعلى الساقين. يظهر هنا الرداء الذي ينسدل على الفخذ اليمنى، كاشفاً عن الفخذ اليسرى، وتظهر ثناياه المحدّدة وفقاً للطراز اليوناني الكلاسيكي. فقد هذا التمثال ذراعيه، غير أن ما بقي من طرفيهما الأسفل يشير إلى يدين تحمل كلّ منهما أداة ما، بات من المستحيل تحديد هوّيتها.

تشهد هذه المنحوتات لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بقصير عمرة، كشف عنه العالم التشيكي ألوييس موزيل في مؤلف ضخم نُشر في جزأين عام 1907. وتأكّدت هذه الخصائص في مجال النحت مع ظهور منحوتات أنثوية مشابهة، خرجت من قصر أموي يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، خلال أعمال التنقيب التي أجرتها بعثة تابعة لدائرة الآثار البريطانية في منتصف الثلاثينات.

يتميّز هذا المثال بجسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة، كما يتميّز بوجوه تعكس هذا الطابع. يتكرّر هذا الطراز في قوالب مختلفة، تكشف دراسة هذه القوالب عن اعتماد تسريحات شعر وحلل زينية متعدّدة الأشكال، شكّلت مفردات لقاموس فني يوازي القاموس الأدبي الذي عُرف به هذا العصر الزاخر بالعطاء.


رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه
TT

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه»، وهو من تأليف الشاعر والمسرحي الإسباني فديريكو غارثيا لوركا، وترجمه عن الإسبانية المترجم والشاعر حسين نهابة.

يقول المترجم إن هذا الكتاب «هو عبارة عن مجموعة من المراسلات الشخصية التي كتبها لوركا إلى عائلته وأصدقائه من الفنانين والأدباء»، مضيفاً أن هذه الرسائل تكشف جوانب عميقة من شخصية لوركا، ولا سيما ما يتعلق بأقرب المقرّبين إليه، وما كان يتمتع به من روابط إنسانية وفنية مهمة ووثيقة.

ويسلط الكتاب الضوء، كما يضيف، «على العلاقات العائلية والصراعات الشخصية، إذ يكتب لوركا لوالديه عن رحلاته إلى الأديرة، مثل دير سانتو دومينغو دي سيلوس، واستمتاعه بالهدوء والفن المعماري، كما يعبّر في رسائله عن رغبته في الاستقلال، ولا سيما في مخاطبته لوالده، حيث يدافع بشدة عن خياره الفني، مطالباً بتركه في مدريد لمتابعة عمله الأدبي بدلاً من العودة إلى غرناطة، معتبراً أن الفن هو معركته الحقيقية.

وبعض الرسائل خُصصت لتوضيح علاقاته بالوسط الفني ومجايليه، حيث يشير الكتاب إلى العلاقة القوية التي جمعته بالفنان السوريالي سلفادور دالي، وانتظاره لزيارة دالي إلى منزله، وتخطيطه لإقامة حفلة غجرية على شرفه، فضلاً عن رسائل أخرى وجّهها إلى شخصيات بارزة مثل أدريانو ديل فايي، وأنخيل باريوس، وأدولفو سالاثار، يناقش فيها مشاريعه الموسيقية، وقصائده، وتطلعاته الفنية.

وتبين الرسائل تأمّلات لوركا في فلسفة الشعر، حيث يصف نفسه بأنه «شاب فقير، شغوف وصامت»، يحمل في داخله زنبقة مستحيلة الري، ويعبّر عن حزنه الدائم الذي يشكّل جوهر شعره، معتبراً أن الشعر هو «مملكة الكآبة». فضلاً عن تأمّلاته في الفن والواقع، إذ ناقش لوركا رسوماته الفنية، مؤكداً ضرورة ربط التجريد بالواقع، وواصفاً عملية الرسم بأنها تمنحه شعوراً بالحرية والنقاء. وبين أن الرسائل تكشف عن شغفه الكبير بالموسيقى، ولا سيما الموسيقى الشعبية الغرناطية، وتعاونه مع الموسيقي مانويل دي فايا في مشاريع فنية، من بينها «مسرح الدمى». وتطرّق لوركا أيضاً إلى تجاربه في السفر، حيث تناول رحلته الشهيرة إلى أميركا الشمالية، واصفاً حياته على متن السفينة العابرة للمحيطات، وتأثره بالأشخاص الذين التقاهم، مثل الطفل المجري الذي ألهمه إحدى قصائده.