مسيرة العلاقات الثقافية السعودية ـ الروسية منذ مطلع القرن العشرين

الأواصر الثقافية التي ربطت روسيا بالعرب ولغتهم وديانتهم بدأت عمليًا في أواخر القرن السابع عشر

الملك عبد العزيز
الملك عبد العزيز
TT

مسيرة العلاقات الثقافية السعودية ـ الروسية منذ مطلع القرن العشرين

الملك عبد العزيز
الملك عبد العزيز

بدأت فكرة هذا الموضوع قبل نحو خمسة عشر عامًا، في فعالية ثقافية أُقيمت في موسكو بمناسبة مرور سبعين عامًا على زيارة الأمير (الملك) فيصل بن عبد العزيز وزير الخارجية السعودي آنذاك إلى الاتحاد السوفياتي وبعض دول أوروبا، والتي قام بها قُبيل إعلان توحيد السعودية (1932) وبعد ثلاث سنوات من تعيينه وزيرا للخارجية في عهد والده المؤسس الملك عبد العزيز، وهذا الموضوع - الذي يحصره العنوان بإطار زمني محدد وهو مطلع القرن العشرين المنصرم، وبإطار مكاني يسمى جغرافيًا روسيا الاتحادية حاليًا - قد يُحلّق متجاوزًا حدّيه الزماني والمكاني، حيث يصعب الالتزام بدقة ببداية القرن الماضي في مثل هذا الموضوع، كما يصعب التفريق بين روسيا اليوم والاتحاد السوفياتي بالأمس.
إن أول ما سجلته العلاقات الروسية السعودية سياسيا، هو تلك الاتصالات المبكّرة بين الروس من جهة والإمام عبد الرحمن وابنه الأمير (الملك) عبد العزيز في الكويت في مطلع القرن العشرين من جهة أخرى، حيث تشير الوثائق التي عُثر عليها في العقود القليلة الماضية إلى مراسلات ولقاءات جرت في الكويت وبوشهر قُبيل استرداد الرياض وبُعيد ذلك، كانت تهدف إلى الحصول على دعم من الروس لاستعادة الحكم، وكان الروس فيها يتمنّعون حينًا مداراة للنفوذ البريطاني، بينما كانوا في أحيان أخرى على العكس من ذلك يرغبون في ما يتيح لهم إقامة علاقات وديّة مع إمارات الجزيرة العربية، وكان آخر تلك الاتصالات رسالة مكتوبة بتاريخ 30 أبريل (نيسان) 1904 مفادها أن عبد العزيز أتى إلى الكويت عام 1903 أي بعد استعادة الرياض بعام واحد، وأنه التقى بالقنصل الروسي وبقائد عسكري فرنسي كانا موجودين في الكويت حينها، حيث عرضا الحماية على المناطق التي يسيطر عليها ابن سعود، إلا أنه رفض العرض.
على أن الأرشيف الدبلوماسي لتاريخ بلاد الحرمين الشريفين، يسجل بأن روسيا القيصرية، كانت تقيم لها قنصلية في جدة منذ عام 1892 وأن روسيا السوفياتية كانت أول حكومة اعترفت بسلطة الملك عبد العزيز على الحجاز (16 - 2 - 1926) وأنها رفعت تمثيلها الدبلوماسي عام 1929 إلى مفوّضية (بمثابة سفارة) اهتمت بشؤون الحج وبتنمية العلاقات السياسية وبرعاية المصالح الاقتصادية وزيادة حجم التبادل التجاري، مما أعطى دليلاً قويًا على أهمية بلاد الحرمين الشريفين في نظر الروس، وعلى قِـدم التواصل بين البلدين، وتدل الوثائق على أن العلاقات التي ربطت بين الدولتين قد حكمتها المصداقية والشفافية، ومثّـلت مكاسب سياسية لروسيا وجدت فيها بريطانيا منافسة كبيرة لها حاولت مرارًا تعطيلها.
ويذكر التاريخ الدبلوماسي لفترة ما قبل الحكم السعودي اسم الأمير لُطف الله الذي كان يمثّـل الحجاز في عهد الهاشميين (الأشراف) في موسكو في بداية علاقاتهما، أما بالنسبة للممثّـلين الروس فإن أبرزهم اثنان، اهتم الأول منهما وهو كريم حكيموف بتطوير الصلات الدينية والثقافية، بينما اهتم الثاني وهو نذير توراكلوف بتنمية العلاقات التجارية، وقد تناولت المراجع اللقاءات المتكررة التي كان هذان المسؤولان يجريانها مع الرسميين السعوديين وعلى رأسهم الملك عبد العزيز، ولأن كريم حكيموف عاش حقبة انتقال الحكم في الحجاز من الهاشميين إلى السعوديين (1925) فقد أسهم في تأسيس العلاقات مع الدولة الجديدة، وصار عميدًا للسلك الدبلوماسي في جدة، وهو مسلم من أصل تتري يجيد الفارسية والتركية إلى جانب لغته الأصلية الروسية، وقد عاد وزيرا مفوضًا في المفوّضية الروسية في الحجاز مرة أخرى (22 - 2 - 1936) لكن فترة إقامته الثانية لم تدم طويلاً، إذ استدعي في غضون عامين وقُفلت المفوضية في عهد ستالين (11 - 1 - 1938) وكان مصير الإعدام في انتظاره، وقد تزامن قفل الممثلية مع غلق الكثير من الممثليّات السوفياتية الأخرى في أنحاء العالم بما فيها اليمن، ويقول أحد التعليقات إن السوفيات لم ينجحوا في تحقيق مكاسب كبيرة من وراء تلك المفوضية وإن ترشيد الإنفاق كان أحد الأسباب.
ومن بين الدبلوماسيين الروس الذين عملوا في جدة في تلك الفترة ولم يرد لهما ذكر كاف في الكتابات المتأخرة؛ الكاتب مويس مارلوفيتش اكسلو الذي يُذكر أنه كتب مقالات مؤيّدة للملك عبد العزيز لا ندري أين نشرت، والطبيب سيتبكوف الذي - خشية على نفسه - استقر في الحجاز بعد إغلاق المفوضية وعمل في أحد المستشفيات بجدة.
ولقد تتوّج اعتراف موسكو بالحكم السعودي الجديد في الحجاز، بالزيارة التاريخية الرائدة التي قام بها الأمير فيصل ــ بوصفه وزيرا للخارجية ونائب الملك في الحجاز ــ إلى موسكو بعد سبع سنوات (مايو/ أيار 1932) طالبًا دعمًا سياسيا واقتصاديا وعسكريًا لبلاده التي كانت على وشك إعلان توحيدها جغرافيًا وسياسيا، تحت اسمها الحالي (المملكة العربية السعودية) في العام نفسه، وتحدثت الكتابات التي صدرت في الذكرى السبعين لتلك الزيارة عن تفاصيل واسعة عنها وعمّا دار فيها، حيث أبانت الكتابات أنها لم تكن مجرد مجاملة بروتوكولية، وإن لم تحقق كثيرًا مما استهدفه الوفد السعودي بل والروسي من مطالب، لكن حضور الأمير فيصل ذي الخمسة والعشرين عامًا حظي بحفاوة بالغة على كل المستويات.
وكان مما سجله تاريخ العلاقات الجيّدة بين البلدين في الثلث الأول من القرن الماضي، مشاركة روسيا السوفياتية في المؤتمر الإسلامي العالمي الأول المنعقد في مكة المكرمة عام 1926 بشخص العلامة موسى جار الله (من قازان) وبشخصيّات إسلامية بارزة من مناطق أخرى، وتذكر المراجع أن تلك المشاركة جاءت من موسكو بهدف تعزيز مركز الملك عبد العزيز لقيادة العالم الإسلامي في مقابل جهات منافسة تدعمها بريطانيا وفرنسا.
وتذكر المراجع السعودية والروسية بالتقدير إسهام روسيا في عام 1934 في توفير وسائل الاتصال اللاسلكي، عندما كانت البلاد السعودية تفتقر إلى أدناها ولا تمتلك المال لشرائها، إذ أهدت موسكو (20) محطة لاسلكية إلى السعودية تم توزيعها في أرجاء البلاد، وكان لتلك الهدية دلالاتها الودية والاقتصادية (جريدة أم القرى، العدد 499 لسنة 1934).
لكن القارئ للعلاقات الروسية السعودية سرعان ما يستحضر تلك الفترة المعتمة التي أطبقت عليها إبان الحقبة الشيوعية ودامت أكثر من نصف قرن، لم يكن المجتمع السعودي في معظمها، يتذكر من روسيا سوى ما كانت تختزنه ذاكرته عن علماء مسلمين أفذاذ ينتمون إلى مدن روسية أو سوفياتية التبعية، حيث حالت السياسة طيلة خمسين عامًا ونيّفًا، دون أن تتصل بلاد البخاري والترمذي والخوارزمي وابن سينا مع بلاد الحرمين الشريفين، مع أن صلتهما لم تنقطع طيلة القرون التي سبقت وكانت الشعوب فيها - رغم بُعدها الجغرافي - على أعلى ما تكون الأفئدة قربًا ووثوقًا، وكان الحاج من طشقند وداغستان (محج قلعة) ودربند وقازان والشيشان وتترستان واستراخان وسمرقند وخوارزم وبخارى يمشي شهورًا، راجلاً أو ممتطيًا دابّته، ليأوي إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، يقيم فيهما ردحًا من الزمن أو يمضي بقية عمره، يعلّم فيهما ويتعلّم، ويتبادل فيهما ثقافته، لأنه يرتبط معهما برباط روحي إيماني وثيق.
وكانت روسيا في الثلاثينات، أقرضت الحكومة السعودية بعض احتياجاتها من المنتجات البترولية والحبوب والسكر، لكنها سرعان ما توقفت في الأربعينات، اللهم إلا ما تسرّب من أنواع السيارات الروسية رخيصة الثمن (موسكوفيتش) كانت تصل إلى السعودية مباشرة أو عبر وسيط ثالث، وقد أسهمت ظروف الحرب العالمية الثانية وما خلّفتها من تداعيات سياسية وآثار عقدية وفكرية وانكماش في الاقتصاد العالمي، في تراجع هذا التواصل المادي والثقافي بين آسيا الوسطى والجزيرة العربية، حتى أصبح الحجاج من الاتحاد السوفياتي يعدّون بالمئات بعد أن كانوا يعدّون بالآلاف.
وهكذا شهد القرن الماضي أشكالاً متفاوتة من الصلات السياسية والثقافية والاقتصادية، تراوحت بين دفء وبرود، وامتداد وانكماش، وكانت العلاقات بين البلدين مسرحًا تتنازعه منافسات الدول الكبرى وبخاصة بريطانيا، التي ما انفكّت تعمل على إضعاف العلاقات الوديّة في مجملها بين السعودية والاتحاد السوفياتي، وهو الذي رغم نزعته الآيديولوجية لم يتدخّل - كما تذكر الوثائق - في المسار الديني الذي كانت تنتهجه السعودية.
ولعل من أفضل من درس تأثيرات الحج والعوامل الدينية الإسلامية في المجتمع الروسي، وانعكاساتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية - وبخاصة بعد ضم الشيشان وداغستان وتترستان وأوزبكستان وقازاقستان وقرغيستان وتركمانستان وأذربيجان إلى روسيا (1898) وزيادة أعداد المسلمين الخاضعين للإمبراطورية الروسية - هو ما كتبه الضابط الروسي عبد العزيز دولتشين المولود عام 1861 وكان يتحدث العربية والفارسية والتركية والفرنسية والإنجليزية، والذي قام برحلة غير معلنة للحج عام 1898 حيث قدّم رواية وصفيّة شملت رحلات الحج من روسيا في تلك الفترة (نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين) وغطّت مظاهر الروابط التاريخية بين شعوب آسيا الوسطى وبلاد الحرمين الشريفين، وقد صدر الكتاب مؤخّرًا بعنوان «الحج قبل مائة سنة: الرحلة السرية للضابط الروسي عبد العزيز دولتشين إلى مكة المكرمة 1898 - 1899 الصراع الدولي على الجزيرة العربية والعالم الإسلامي» قدّم فيه سردًا لتاريخ الإسلام السياسي في روسيا، وبدايات الاهتمام بظاهرة تنامي الروح الدينية في الأقاليم الخاضعة لها، وإنشاء المساجد والمراكز الدينية ونشر الكتب، وترجمات معاني القرآن الكريم، وهو ما دعا القيادة السياسية الروسية إلى جمع المعلومات عن دور الإسلام في الحياة الاجتماعية والسياسية للسكان المسلمين في روسيا ومن ثمّ إيفاد دولتشين، فلقد اكتسب الحج أهمية خاصة بالنسبة روسيا لأنه كان سبيلاً لتسرب مختلف المذاهب الإسلامية إلى روسيا، كما وجدت القيادة الروسية في دراسة التجمّع في الحج آنذاك وسيلة لمعرفة التوجّهات السياسية وكسب تأييد المعسكرات المتضادّة الممثلة فيه، كما انتقلت بواسطة الحج بعض العبادات والطرائق والأفكار والعادات الدينية، فضلاً عن انتقال الكتب والمطبوعات الإسلامية المؤثّـرة، ووصف هذا الكتاب الذي نشره يفيم ريزفان (بيروت 1944ط 3 ثم أعيدت طباعته حديثًا في لبنان) الدروب الرئيسية للحج الروسي، وتكاليفه، وأعداده، وفئاته، والمدد التي يستغرقها، والجاليات المستقرة في الحجاز من روسيا، والأوضاع الصحية بين الحجاج، ومأكولاتهم ووسائل مواصلاتهم، والمخاطر والابتزازات التي يتعرضون لها في طريقهم، ثم تحدث عن تأثير الحج على المسلمين القادمين من روسيا وتأثيرهم في الحجاز والدوافع التي تدفعهم للحج، وذكر الكتاب أن عدد الحجاج القادمين من روسيا في نهاية القرن التاسع عشر بلغ نحو (3500) من أصل ما يقرب من إجمالي مائة ألف حاج من أنحاء العالم الإسلامي، كما ذكر أسماء مطوّفين من أصول بخارية يتولون أمر الحجاج القادمين من روسيا، وقدم الكتاب إحصائيات توضح تناقص أعداد الحج من روسيا، حيث أصبح يقاس بالمئات، بشكل لا يتناسب مع مجمل عدد المسلمين في روسيا.
وبلغ من اهتمام الروس بالدراسات المتصلة بالإسلام والمسلمين أن قاموا منذ عام 1910 بترجمة أبرز كتب الرحالة والمستشرقين، مثل ذلك الكتاب الذي ألّفه الرحالة الهولندي سنوك هورخرونيه عن وصف مكة المكرمة عام 1885 وكذلك كتاب رالي «مكة المكرمة في أوصاف الأوروبيين» وبالإضافة إلى كتاب دولتشين هذا، هناك كتاب قديم نادر طبع في روسيا بالعربية قبل مائة وخمسة عشر عامًا يحكي (أخبار التتار والبلغار) للشيخ الرمزي، وكان من أبرز ما تضمّنه قائمة بعلماء روسيا من ذوي العلاقة ببلاد الحرمين الشريفين مطلع القرن الماضي.
وبمناسبة الحديث عن الهجرات إلى الحجاز، يثبت عدد من المؤرخين والرحالة والمستشرقين، أن مهاجرين ومجاورين من شعوب وسط آسيا ومن يطلق عليهم مصطلح البخارية أو قديمًا (الموسكوف) كانوا موجودين في الحجاز قبل القرن التاسع عشر، وأصبحوا جزءًا من بنية الحياة الاجتماعية اليومية المكيّة والمدنيّة جنبًا إلى جنب مع هجرات أخرى ؛ مصرية وتركية وجاويّة وهندية وأفريقية.
كانت هجرة جاليات وسط آسيا قد تمت على ثلاث مراحل، بدأت بوادرها في سنة 1885 ثم في مطلع القرن العشرين (في حدود عام 1917) عند قيام الثورة البلشفية، وبلغت حدتها في سنة 1933 حيث وفدت مئات من التركستانيين (ومنها الطاشكندي، والقوقندي، والمرغلاني، والإنديجاني) وكان من بين هذه الجاليات علماء وحرفيون نقلوا معهم معارفهم وثقافاتهم، وبينما تذكر الدراسات أن بعض تلك الهجرات كانت من كبار السن والمنقطعين عن أقاربهم، فإن أعدادًا منهم كانوا صغار السن من أبناء العلماء والتجار، حتى إن أغلبهم مرّ في أفغانستان وباكستان للتزوّد ببعض العلوم، وقد أكرم الملك عبد العزيز وفادتهم، وربما يكون هو الذي اختار الطائف مقرًا لإقامة معظمهم، حتى أن حيًا كاملاً في الطائف (الشرقية) يسمّى باسمهم، وكان من أبرز آثار الطوائف القادرة من هذه الجاليات، جهودها الجماعية في إقامة الأربطة والأوقاف التي يعود تاريخ بعضها في مكة المكرمة والمدينة المنورة إلى ما يزيد على مائتي عام، وقد سميت هذه الأربطة الخيرية ــ التي كانت توقف على إسكان الحجاج وطلبة العلم وتغذيتهم أحيانًا ــ سميت بأسماء مدن تميّز تلك الجاليات (كالقستي والسمرقندي والقوقندي والأنديجاني والنمنكاني) وقد تُـلحق بها مدارس لتحفيظ القرآن الكريم والسنة النبوية، مع استخدامها لإقامة المناسبات الدينية والولائم الخيرية وإطعام المحتاجين، ونظرًا لانقطاع الصلة المباشرة لمعظم تلك الجاليات المهاجرة مع مواطنهم الأصلية، ولما يتطلبه الاندماج في المجتمع الحجازي، فإن البعض يرى في علاقته بالمجتمع الأصلي علاقة رمزية، ويسعى للتأكيد على هويته السعودية وحذف ما يشير إلى جذوره القومية والحرص على التزاوج مع الأسر المحلية، أسوة بالجاليات المهاجرة الأخرى، ويتركز نشاط معظم تلك الجاليات في التجارة وفتح المطاعم، حيث نجحت في إشاعة مأكولات معينة أصبحت مع السنوات جزءًا من الوجبات الوطنية، كما انخرط جزء منهم في الوظائف الحكومية عامة وفي التخصصات الأمنية بخاصة، والتحق أبناؤها بدراسات الشريعة والطب والهندسة والمكتبات على وجه الخصوص.
ولا يكتمل الحديث عن الصلات الثقافية بين روسيا وبلاد الحرمين الشريفين، دون التطرق إلى دور ثقافة الاستشراق، وإلى جهود الرحالة والمؤرخين وكتاباتهم، فبرغم أهمية الاستشراق الروسي الذي ألّفت عنه الكتب وكتب عنه الكثير من الأبحاث، ورغم كثرة المستشرقين والرحالة الروس، مع أن القليل منهم زار الأراضي المقدسة لأسباب دينية، لكن القاسم المشترك الأهم في كثير من الدراسات الاستشراقية الروسية الاهتمام بتحليل الروابط الدينية بين روسيا وبلاد الحرمين الشريفين، وبتأثير الحج على أساس أنه أحد دوافع الرحلات، وأحد أبرز مظاهر التديّن للمسلمين، كما عنيت بترجمات معاني القرآن الكريم وصحيح البخاري وعيون الكتب الإسلامية والعربية، وتعيد بعض تلك الدراسات تاريخ بدء اهتمام أهل المشرق العربي بالروس إلى العصر العباسي الأول، عندما توغّل التجار العرب في الأراضي الروسية لأغراض التجارة وحب الاستطلاع، وبادلهم التجار الروس ذلك بقصد التجارة أو الحج، ثم زادت الروابط وثوقًا بعد سقوط الإمبراطورية المغولية، وما تبع ذلك من توغّل روسيا في آسيا الوسطى الغنية بالمعارف وبالثقافة العربية والإسلامية والكتب والمخطوطات من آثار البيروني والفارابي والرازي وابن سينا وغيرهم، فربط الإسلام بينها وبين العرب، بعد أن أصبح فيها نحو (25) مليونا من المسلمين في آسيا والقوقاز، وما يزال أحفادهم يتحدثون العربية إلى اليوم.
كانت الأواصر الثقافية التي ربطت روسيا بالعرب ولغتهم وديانتهم، بدأت عمليًا في أواخر القرن السابع عشر، عندما قامت الدوائر العلمية الروسية بترجمة الكثير من الكتابات والمصادر الأوروبية، ثم كان انفتاح القيصر بطرس الأول على الثقافتين الغربية والشرقية، ورغبته في التعرف على الإسلام، فصار الاهتمام بالإسلام يأخذ منحى علميًا بدأه المستشرق الروسي (كانتمير) الذي تناول ظروف النشأة التاريخية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أقام أول مطبعة عربية في روسيا، وقد شهد مطلع القرن الثامن عشر أول ترجمة روسية لمعاني القرآن الكريم (1716) وكان قرار القيصر بتأسيس قسم خاص لدراسة الحضارة العربية والإسلامية في أكاديمية العلوم الروسية، ومن ثم إيفاد بعثات لدراسة اللغة العربية مفتاحًا حقيقيًا لانتشار متحدثيها في الدوائر العلمية والرسمية الروسية، بعد أن تعمّقوا في عالم الشرق وثقافته وديانته.
وهكذا كانت صلات الحج والروابط الدينية بين مسلمي آسيا الوسطى وبلاد الحرمين خصوصًا والمشرق عمومًا، أحد حوافز نشاط الاستشراق والاهتمام السياسي الروسي، ويكفي أن يُشار إلى الدراسة التي أنجزها فاسيلييف (الثاني) عن تاريخ السعودية (موسكو، دار التقدم 1986) واعتمدت كثيرًا على التراث الاستشراقي في محاولته لفهم الخلفية الثقافية لتاريخ شعب الجزيرة العربية.
وشهدت الأعوام الخمسة والعشرون الماضية منذ أن عادت العلاقات السياسية إلى صافي طبيعتها القديمة، عددًا من الندوات والفعاليات والمؤلفات والأطروحات العلمية والمنح الدراسية ومراكز الدراسات والزيارات الرسمية المتبادلة التي تعزز من وديّة العلاقة وتزيدها حميمية، مشيرًا في هذا الصدد إلى عشرات الكتب التي أصدرها الداعية والرحّالة السعودي الشيخ محمد ناصر العبودي عن روسيا بخاصة وعن بلاد ما وراء النهر وآسيا الوسطى بعامة، وإلى كتاب «العلاقات السعودية السوفياتية والسعودية الروسية 1926 - 1997» لعلي محمد الشهري الصادر عام 2001 معتمدًا على أرشيف السياسة الخارجية الروسية للاتحاد السوفياتي، وإلى كتاب «العلاقات السعودية الروسية في ضوء المتغيّرات الإقليمية والدولية 1926 - 2004» للدكتور ماجد التركي (2004) وهي دراسة علميّة مجازة من قسم العلوم السياسية بجامعة موسكو، وإلى بحث حديث بعنوان «العلاقات السعودية السوفياتية بين عامي 1926 و1938» للدارسة هبة السبيعي من قسم التاريخ بجامعة الملك سعود بالرياض، وإن إقامة هذا الملتقى الثقافي بمناسبة اليوم الوطني السعودي والمصادف لمرور ربع قرن على استئناف العلاقات السعودية الروسية، هي فرصة تشيّد من جديد جسرًا ثقافيًا مع منطقة طالما أسدت للحضارة الإسلامية كنوزًا من المعارف والمخطوطات وأسهم مفكروها وعلماؤها في خدمة التراث العربي والإسلامي، ومناسبة تمدّ ذراعًا من التواصل لتعزيز الاحترام المتبادل والشراكة الثنائية المتكافئة.

* إعلامي وباحث سعودي



لماذا نحتاج إلى الضحك؟

دفيد فونيكينوس
دفيد فونيكينوس
TT

لماذا نحتاج إلى الضحك؟

دفيد فونيكينوس
دفيد فونيكينوس

خصّص برنامج «المكتبة الكبرى» (La Grande Librairie) على قناة «فرنس 5» حلقتَه الأسبوعية لسؤال يبدو في ظاهره خفيفاً، لكنه يمسّ في حقيقته أعمق ما يطرحه الوجود الإنساني من تساؤلات: لماذا نحتاج إلى الضحك؟ هذا السؤال الذي شغل الفلاسفة والأدباء منذ أرسطو إلى يومنا هذا عاد ليطفو بقوة على السطح الثقافي في هذه المرحلة تحديداً، وكأن الزمن يُلحّ عليه من جديد، حيث لم يعد الضحك من الذات والعالم ترفاً ثقافياً، بل بات شكلاً من أشكال المقاومة الصامتة في عصر القلق الجماعي والأزمات السياسية والاجتماعية.

رابليه

استقبل المقدّم أوغوستان ترابنار في برنامج «المكتبة الكبرى» نخبةً من الكتّاب والروائيين، وعلى رأسهم ديفيد فونيكينوس الحاصل على جائزة «رونودو»، الذي قدّم روايته الجديدة «أنا مضحك» (Je suis drôle)، (دار غاليمار). وأول ما لفت الانتباه هو شعار الإهداء الذي اختاره الكاتب وهي مقولة صموئيل بيكيت: «لا شيء أكثر إضحاكاً من الشقاء». هذه الجملة، على وجازتها، تلخّص فلسفة كاملة في الضحك: إنه ليس نقيض الألم، بل هو أحياناً وجهه الآخر، وقناعه القابل للارتداء. وقد أكد فونيكينوس في حواراته حول الرواية أن للضحك اليوم «قيمة تشبه الملاذ، لا غنى عنها»، وأن العصر الذي نعيشه، بكثافته وتوتراته، يجعل الفكاهة «أقصر الطرق لخلق المشاعر ولتوثيق الروابط بين البشر».

غير أن هذا السؤال لم ينتظر فونيكينوس ليُطرح. فقد تأمله رابليه في القرن السادس عشر حين صاغ عبارته الخالدة في مقدمة «غارغانتوا»: «الضحك خاصية الإنسان»، معلناً بذلك ثورة جمالية ومعرفية تجاوزت حدود الفكاهة لتمسّ صميم التعريف الإنساني، ولم يكن رابليه يقرّر ظاهرةً بيولوجية، بل كان يُعلن موقفاً فلسفياً وهي أن قدرة الإنسان على الضحك تفصله عن الحيوان، وهي الدليل على حريته في مواجهة الضرورة. في رواية «غارغانتوا» لا يضحك الملك العملاق غارغانتوا لمجرد التسلية، بل يكشف بسخريته الشعبية الصاخبة التناقضات الاجتماعية والفلسفية لعصره. ولهذا عدّ ميلان كونديرا الروائي الفرنسي التشيكي المعروف أن تاريخ الرواية الأوروبية بأسره قد بدأ مع ضحك رابليه، عادّاً بأنه «لحظة استثنائية في ميلاد فن جديد». أما جورج برنارد شو، الكاتب الآيرلندي المعروف فقد جعل من السخرية سلاحه الأدبي الأبرز، حيث استخدمهما لفضح المجتمع البرجوازي ومؤسساته. في مسرحيته «بيجماليون»، يستخدم السخرية ليبين كيف تُصنع الفردية والقيمة الإنسانية من قبل المجتمع، فالبروفسور هيغينز يحول الفتاة الفقيرة إلى «سيدة» ليس بسبب مواهبها الخاصة، بل بأدوات المجتمع وقيمه المصطنعة، والضحك هنا يكشف النفاق الاجتماعي وأثره. أما في «السلاح والرجل»، فيستخدم الفكاهة الحادة ليناقش موضوع الخير والشر، من خلال قصّة مصنع السلاح الذي يصبح أكثر فاعلية في مكافحة الفقر من جميع المؤسسات الخيرية، وهنا تصبح السخرية أداة لتشخيص مرض الحضارة المعاصرة. هذه الرؤية تحمل تناقضها الداخلي: الضحك يحرر لكنه يقيد، يجدد لكنه يلزم بالمعيار. وقبل برنارد شو، كان بودلير قد تناول في مقالة نقدية بالغة الأهمية بعنوان «جوهر الضحك»، (Essence du rire) أنواع الضحك التي يراها إما: «كوميديا معنوية» أخلاقية تنقد المجتمع، وإما «كوميديا مطلقة» تتخطى المعيار الأخلاقي لتكشف تناقضات الوجود بعيداً عن أي مصلحة في الإصلاح. وهذا التمييز البودليري يُضيء لنا سرّ الكتّاب الذين يضحكون دون أن يسعوا إلى إضحاك أحد: إنهم يستخدمون الكوميديا المطلقة لتشريح العالم لا لتجميله.

جورج برناردشو

وفي التراث العربي، خطّ المتنبي عبارته التي تختزل الأدب الساخر برمّته في بيته الشهير: «وكم ذا بمصر من المضحكات... ولكنه ضحك كالبكاء» فالضحك العربي، في أعمق تجلياته الأدبية، لم يكن يوماً ضحك الراضي ولا ضحك المنتصر، بل كان في الغالب ضحك المجروح الذي وجد في السخرية طريقه الوحيد للتعبير عن وجعه دون أن ينكسر. وقد أدرك الجاحظ، الذي يعدّه كثير من النقاد مؤسسَ الأدب الساخر في العربية، هذه الحقيقة حين صاغ «البخلاء»، ذلك العمل الذي يبدو في سطحه سرداً فكاهياً لحياة البخلاء ونفسياتهم، لكنه في جوهره تشريح اجتماعي دقيق للنفس الإنسانية في مواجهة المال والجشع والوهم. كما وظّف نجيب محفوظ الفكاهة الاجتماعية في أعماله بوصفها عدسةً كاشفة للفوارق الاجتماعية والطبقية في المجتمع المصري، حتى إن السخرية في «ميرامار» أو «اللص والكلاب» تبلغ أحياناً حدّ المأساة، وتُذكّرنا بأن الحدّ الفاصل بين الكوميديا والتراجيديا في الأدب الكبير في أوقات كثيرة ما يكون وهمياً.

بودلير

والواقع أن الكاتب الذي يلجأ إلى الضحك لا يفعل ذلك لأنه فوق الجرح أو بمنأى عنه. بل إنه في أحيان كثيرة يلجأ إليه لأنه غارق في الجرح إلى الحدّ الذي لا يرى معه مخرجاً سوى تحويل الوجع إلى لغة قابلة للتداول. وهذا ما لاحظه فونيكينوس حين قال في حواره مع برنامج «المكتبة الكبرى»: «كثيراً ما يربط الظرفاء بين طفولتهم القاسية والرغبة في إضحاك الآخرين. وكأن الضحك هو وسيلة لشفاء الأحزان وملء غياب ما...». فبطل رواية فونيكينوس طفل يتيمٌ في الخامسة من عمره، يكتشف أن الضحك هو الطريق الأقصر إلى المحبة وإلى الاعتراف، لكنه يكتشف أيضاً، بعد سنوات من المحاولة، أن الضحك حين يصبح مهنةً وهويةً يتحوّل إلى فخّ يلتصق بصاحبه كالقناع بالوجه، يستحيل خلعه. وهذه الصورة ليست اختراعاً روائياً خالصاً، فتاريخ الكوميديا الكبرى مليء بالكتّاب الذين عاشوا هذا التناقض بأجسادهم: من موليير الذي كتب «المريض بالوهم» وهو يحتضر فعلاً على الخشبة، إلى تشيخوف الذي تناول الأوضاع الاجتماعية بالسخرية في قصصه القصيرة، وصولاً إلى بيكيت الذي قرّر في مسرحياته أن الشقاء نفسه هو المادة الكوميدية الأكثر خصوبة، فأبطال مسرحيته الشهيرة «في انتظار غودو» يضحكون لأنهم لا يجدون ما يفعلونه، ويضحكون لأن الضحك أهوَن على النفس من الاعتراف بأن الانتظار لن ينتهي.

العصر الذي نعيشه وتوتراته يجعل الفكاهة أقصر الطرق لتوثيق الروابط بين البشر

فونيكينوس

وما يُلاحظه المتابعون لصناعة الأدب في السنوات الأخيرة هو ارتفاع حادّ في الأعمال التي تتخذ من الفكاهة والتهكم أدواتٍ رئيسية، في مرحلة يصفها كثيرون بأنها من أشدّ مراحل القلق الجماعي وتراجع الثقة بالمستقبل. وهذا ليس مصادفةً؛ إذ أشار الفيلسوف الأميركي سايمون كريتشلي في كتابه «حول الفكاهة» (On Humour) إلى أن الفكاهة الحقيقية تنطوي دائماً على اعتراف بالهشاشة، وأنها تُنشئ مسافةً بين الذات والواقع، لكي تجعل الواقع قابلاً للاحتمال دون إلغائه. بيد أن الأدب، بخلاف الفكاهة الرقمية الآنية التي تملأ منصات التواصل الاجتماعي بنكاتها السريعة، لا يكتفي بهذه المسافة الوقائية. إنه يسأل عن التكلفة، وعن الثمن، وعما يُخفيه الضحك وما يُفصح عنه في الآن ذاته. ولهذا تبقى الكتابة الساخرة أقرب إلى التشخيص منها إلى الترفيه: إنها لا تُلطّف الجرح بل تُضيئه.


«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب
TT

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

تتخذ مجموعة «المسافة صفر»، للقاص والروائي المصري محمد رفيع من آثار الحروب موضوعاً لها، ليس فقط الحرب الأخيرة في غزة، رغم حضورها بقوة بدءاً من عنوان المجموعة الذي يحيل إليها بجلاء، وكذا تبرز هذه الحرب في بعض القصص، لكن الأهم على مدار معظم النصوص هو الحرب بوصفها فكرة، ومن ثم يمكن إزاحة الدلالات من كونها تخص حرباً محددة، إلى فكرة إبادة الإنسان للإنسان، منذ بدء الخليقة إلى الآن، فضلاً عن آليات مقاومة الفناء، ومجابهة الموت، فقد استطاع الكاتب أن يوسع الفكرة، ويضفي عليها أبعاداً فلسفية ووجودية، عن الحق والخير والجمال، الوجود والعدم، الحرب والسلام، الجلاد والضحية، الشر والخير، وفي سعيه لهذا التوسع الدلالي، لم يحدد مدينة بعينها، بل كان حريصاً على أن تكون الفضاءات المكانية بلا اسم، كأن يقول المدينة أو القرية، لتنسحب الأحداث على أي مدينة تشهد حروباً وقصفاً يصيب أطفالاً ونساء عُزلاً، ولا قدرة لهم على خوض حرب، بل لم يستشرهم أحد في إشعال فتيلها، لكنهم أول من يكتوي بنيرانها.

كل أبطال قصص المجموعة تقريباً يعيشون على التخوم بين الحياة والموت، يمارسون حياتهم على حافة الخطر، في انتظار رصاصة طائشة أو شظية، بينما الموتى حاضرون رغم غياب أجسادهم، فثمة تبادل واضح للحضور والغياب يتبدى في أكثر من نص قصصي. ففي ثنايا السرد يتمكن الموتى وضحايا الحروب من الكلام، من التعبير، من الغناء حتى في قبورهم، في مقابل أن الأحياء يلتحفون الصمت المشحون بالخوف والرهبة، وتوقع الانتقال العبثي إلى الضفة الأخرى من الوجود، دون ذنب اقترفوه، يرحلون بوصفهم ضحايا لصراعات أكبر منهم، وحياتهم مثقلة بالتوتر.

المجموعة صادرة عن دار «روافد» للنشر والتوزيع في القاهرة، وتتكون من خمس وعشرين قصة قصيرة متراوحة الطول والعوالم. تبدأ بقصة «لن تموت جوعانَ»، التي يرويها طفل، مندهشاً من حرص أبيه على أن يطعمه هو وأخوته كل ليلة طعام العشاء، حتى لو كان قطعاً من الخبز الناشف، يقول الطفل: «أنا لا أفهم، كل شيء في هذه المدينة بلا معنى: الموت، القنابل، البرد، الأخبار، صمت الأمم. فلماذا يصر أبي على أن نأكل كل مساء؟»، هذا التساؤل الاستنكاري من الطفل، الذي لا يفهم حكمة تصرف الأب إلا حين يصيب القصف بيتهم، ويموت أبوه، ويخرج هو من تحت الركام وفي يده قطعة خبز، فيعرف حرص الأب على أن يحمي أولاده، على الأقل من الجوع، ما دام أنه لا يستطيع أن يحميهم من الموت، فعلى الأقل لا يموتون وهم جوعى.

وفي إطار التوسع الدلالي، تأتي قصص أخرى بعيداً عن الحرب، لكنها لا تخلو من دلالات القهر والعسف، ومنها قصة «أرض بلا ظل»، التي تأخذ منحى أقرب إلى العوالم الغرائبية، عبر فكرة فانتازية، مع ترك المكان دون تحديد، عن مدينة لا أحد فيها يملك ظلاً، فأهلها جميعاً بلا ظلال، رغم أن الشمس فيها لا تغيب، لكنها تسقط عليهم عمودية فوق الرؤوس، لكن في يوم غائم شهدت المدينة مولد طفل خرج من رحم أمه، وحين رأته القابلة وجدته يحمل ظلاً، وعاش حياته وظله لا يفارقه، فصار منبوذاً بوصفه خارجاً على قواعد المدينة، وخضع لتحقيقات من السلطات التي اعتبرته خطراً؛ لأن ظله يربك السكان، ويجعلهم يتذكرون ما لا يجب تذكره، وفي نهاية التحقيقات «طلبوا منه أن يتخلى عنه، أن يخلع ظله، كما يخلع الحذاء على العتبات، أن يسلّمه في كيس مختوم، ويعود نظيفاً. رفض فعوقب. نُفي إلى الجهة المظلمة من المدينة، حيث الشمس لا تشرق». في نقد واضح وتفكيك للأفكار الشمولية، التي تريد أن تسرق من الإنسان حتى ظله، وتحيله معنوياً إلى جثة في قبر، تميته وتقتل قدرته على الاختيار، فالجثث والموتى ليسوا نتيجة الحروب فقط، بل يمكن أن يكونوا نتيجة الظلم والقهر أيضاً.

تحفل المجموعة بكثير من القصص التي تتخذ مثل هذا المنحى الغرائبي، عبر أفكار مبتكرة وطازجة، وكلها تنحاز للإنسان، ومفعمة بالحمولات الرمزية، ومنها قصص «وردة في الحرب»، و«مدينة السعال»، و«الدرس الأخير في المدينة الأخيرة»، و«مهرب الضحك»، و«نشرة القصص»، و«الموتى يلعبون النرد» و«قتل الحواس»، وغيرها من القصص التي تتراوح بين ثنائية قتل المعاني والقيم الإنسانية، وصولاً إلى تصفية الإنسان وإفراغه من وجوده، مثل قتل حواسه في إحدى القصص، وهناك قصص أخرى تقدم معاني المجابهة، ومحاولة الحفاظ على هذه القيم، مثلما يتبدى في قصة «كتاب ما لم يحدث»، التي تروي حكاية عن مجموعة من الأطفال يكتبون وصاياهم الأخيرة، استعداداً للموت في أي لحظة، وكلها وصايا تليق بطفولتهم البريئة، مثل «لو مت خلوا بابا يضحك شوية، قولوا لأخويا إني مش زعلان منه، ادفنوني بالحذاء الأحمر، خلوا ماما تنام على سريري يوم بس»، فتنتشر في المدينة كتابة الأطفال لوصايا على هذا المنوال في أوراق وقصاصات صغيرة، وسرعان ما تتحول إلى الكتابة على الجدران، ثم تنتشر حمى كتابة الرسائل من الصغار إلى الكبار، وتنتهي القصة نهاية غرائبية كعادة قصص المجموعة، لكنها شديدة الاتصال بالواقع وقضاياه، يقول الراوي: «وفي صباح خريفي رمادي، استيقظ الجميع على صوت في السماء، طيور من ورق، ملونة، تحمل في مناقيرها القصيرة قصاصات صغيرة... واحدة فقط سقطت على رأسي. فتحتها، فوجدت مكتوباً بخط رفيع جداً: لو مت اكتبوا لنا نهاية غير دي».

إلى جنب الغرائبية، نهضت المجموعة على قدر كبير من عدم التحديد، فإذا كان المكان عائماً وغير متعين في الأغلب، فإن الزمان أيضاً بدا غير محدد، باستثناء الزمن الفلكي من صباح ومساء ونهار وليل، لكن لا يوجد زمن تاريخي مرجعي محدد، يمكن أن يستدل منه القارئ على حقبة زمنية بعينها، كما أن الشخوص أيضاً تبدو في كثير من النصوص بلا أسماء، بل أقرب إلى أدوار وظيفية أو دوال رمزية، أطفال أو كبار، أو شخصيات تعرف بأعمالها ووظائفها، أو جثث غير مسماة. وهذا النزوع نحو عدم التحديد المكاني والزماني، وكذا في الشخصيات المروي عنها، يجعل الدلالة غير محددة بحادثة واحدة ولا حرب بعينها، بل أقرب إلى نقد وتفكيك فكرة الحرب والدمار ذاتها، انحيازاً للإنسان وحياته في كل مكان وزمان.


الحرب في مرآة طه حسين

الحرب في مرآة طه حسين
TT

الحرب في مرآة طه حسين

الحرب في مرآة طه حسين

يكشف كتاب «سلطة الكلمة - مسالك لدراسة أدب طه حسين وفكره»، الذي يضم عدداً من الدراسات القيمة لثلاثة من النقاد والباحثين التونسيين هم منجي الشملي وعمر مقداد الجنمي ورشيد القرقوري، عن موقف عميد الأدب العربي من فكرة الحرب وكيف تطورت، حيث أصبح يرى فيها أداة لتخريب البلدان والحضارات، بعد أن كان يعتقد أنها ميدان لإظهار الشجاعة والدفاع عن النفس.

ويشير القرقوري إلى أن صاحب رواية «الأيام» تأثر في ذلك بمجريات الحرب العالمية الثانية، وما شهدته من دمار واسع ودماء سالت حتى كادت تغطى كوكب الأرض، فعبر عن نفوره منه عبر روايته «أحلام شهرزاد»، والتي ساق فيها موقفه من القتال غير المبرر والعنف غير المشروع على لسان شخصية «فاتنة».

تسعى تلك الشخصية حثيثاً إلى تجنب الحرب مع أعدائها كما صورها، وبعد أن اضطرت إلى الحرب تحاول جاهدة الابتعاد بالمعارك عن مدنها ومدن أعدائها حفاظاً على حضاراتها وعمرانها بل إنه أجرى على لسانها أنها «لن تغزو أحداً في مستقره، ولكنها ستغزوهم حول هذه المدينة».

ويواصل طه حسين على لسان بطلته في الرواية إبراز خطورة الحرب على الناس والحضارة، ملحاً على أن دور الجيوش ليس التحطيم والتهديم، بل البناء والتشييد، ذلك أن الجيش في تصوره عنصر حضارة وتطور.

تقول «فاتنة» لقادة جيشها المتشوقين للقتال: «إن الجيوش وسيلة لاتقاء الحرب لا لابتغائها، وأداة لدفع الشر لا لاجتلابه، أفإن جُنبتم الحرب وضُمنت لكم السلامة تضجون وتعجبون؟ من شاء منكم أن يغامر فليغامر بنفسه لا بالأبرياء من جنده».

هكذا أضحت شخصية «فاتنة» التي بعثها طه حسين إبان الحرب العالمية الثانية وسيلة للتعريض بالحاكم الذي لا يقي شعبه ويلات الحروب، وهي بمواقفها هذه تعلمه الرفق بالناس، وتدعوه إلى نبذ المغامرات العسكرية التي تزينها له شهواته الجامحة ومصالحه الذاتية، والتي تعود بالوبال على الإنسان وعلى الحضارة عموماً.

وتخاطب «فاتنة» أباها منددة بسلوك أعدائه من الملوك فتقول:

«ولكن الملوك أثاروا حرباً ظالمة لم تقتضها مصلحة عامة، ولم تدع إليها منفعة عاجلة أو آجلة لأمة من أممهم أو شعب من شعوبهم، إنما اتبع كل منهم هواه وركب رأسه وانقاد لشهوته الجامحة».

ولعل المؤلف يشير ضمنياً بكلام «فاتنة» إلى قادة النازية وقادة الفاشية الذين أشعلوا نيران الحرب العالمية الثانية خدمة لمصالحهم العاجلة فألحقوا الدمار بالكون كله، وأضروا بالفكر والحضارة، فكانوا شبيهين بالذين اتحدوا لحرب «فاتنة»، بقصد إخضاعها لمشيئتهم وضم مدينتها إلى مدنهم، ولكنها رغم ما أتاها من ضيم تأبى أن تعرض الناس والحضارة إلى الأذى ولا تستثني من ذلك مدن أعدائها وسكانها.

دعت البطلة الروائية إلى حماية الشيوخ والأطفال والنساء من تبعات الحرب، ولا يكون ذلك ممكناً في رأيها إلا إذا ابتعد المحاربون بحربهم إلى الصحاري والقفار وتركوا المدن الآهلة بالسكان مطمئنة، وفي هذه الدعوة دون شك نقد بأسلوب الرمز لقصف الطائرات الألمانية للمدن المصرية وخاصة القاهرة التي لم يكن سكانها طرفاً في هذه المعركة بين الإنجليز والألمان.

واعتبر طه حسين هذا القصف عملاً حريباً يضر أشد الضرر بحضارة مصر، وخاصة بآثارها؛ لذلك أصر على أن ينال مقترفه عقاباً رادعاً، فجعل «فاتنة» تقترح على أبيها وعلى قائد جيشها إنزال أشد العقوبات بالحاكم الذي يزج بشعبه في حرب لا طائل من ورائها تضر بعمرانه وحضارته.

تقول «فاتنة» لقائد جيشها: «فإذا مثلوا بين يديك أو بين يدي وكلائك فخيرهم بين الموت أو بين أن يشهدوا على أنفسهم بالطغيان وإهدار حقوق الشعوب، فأيهم اختار الموت فجرّعه كأسها وأيهم اختار الحياة، وكلهم سيختارونها، فليشهد على نفسه أنه طاغية مهدر لحق شعبه».

وقد عبر طه حسين عن هذا الموقف ذاته ودون رمز في مقال له، عنوانه «مستقبل الديمقراطية»، دعا فيه إلى اقتحام حدود ألمانيا وإذاقة الألمان طعم الهزيمة عقاباً لهم على ما اقترفوه من آثام في حق البشرية، فهم في رأيه قد خربوا العمران وأضروا بالحضارات.