مسيرة العلاقات الثقافية السعودية ـ الروسية منذ مطلع القرن العشرين

الأواصر الثقافية التي ربطت روسيا بالعرب ولغتهم وديانتهم بدأت عمليًا في أواخر القرن السابع عشر

الملك عبد العزيز
الملك عبد العزيز
TT

مسيرة العلاقات الثقافية السعودية ـ الروسية منذ مطلع القرن العشرين

الملك عبد العزيز
الملك عبد العزيز

بدأت فكرة هذا الموضوع قبل نحو خمسة عشر عامًا، في فعالية ثقافية أُقيمت في موسكو بمناسبة مرور سبعين عامًا على زيارة الأمير (الملك) فيصل بن عبد العزيز وزير الخارجية السعودي آنذاك إلى الاتحاد السوفياتي وبعض دول أوروبا، والتي قام بها قُبيل إعلان توحيد السعودية (1932) وبعد ثلاث سنوات من تعيينه وزيرا للخارجية في عهد والده المؤسس الملك عبد العزيز، وهذا الموضوع - الذي يحصره العنوان بإطار زمني محدد وهو مطلع القرن العشرين المنصرم، وبإطار مكاني يسمى جغرافيًا روسيا الاتحادية حاليًا - قد يُحلّق متجاوزًا حدّيه الزماني والمكاني، حيث يصعب الالتزام بدقة ببداية القرن الماضي في مثل هذا الموضوع، كما يصعب التفريق بين روسيا اليوم والاتحاد السوفياتي بالأمس.
إن أول ما سجلته العلاقات الروسية السعودية سياسيا، هو تلك الاتصالات المبكّرة بين الروس من جهة والإمام عبد الرحمن وابنه الأمير (الملك) عبد العزيز في الكويت في مطلع القرن العشرين من جهة أخرى، حيث تشير الوثائق التي عُثر عليها في العقود القليلة الماضية إلى مراسلات ولقاءات جرت في الكويت وبوشهر قُبيل استرداد الرياض وبُعيد ذلك، كانت تهدف إلى الحصول على دعم من الروس لاستعادة الحكم، وكان الروس فيها يتمنّعون حينًا مداراة للنفوذ البريطاني، بينما كانوا في أحيان أخرى على العكس من ذلك يرغبون في ما يتيح لهم إقامة علاقات وديّة مع إمارات الجزيرة العربية، وكان آخر تلك الاتصالات رسالة مكتوبة بتاريخ 30 أبريل (نيسان) 1904 مفادها أن عبد العزيز أتى إلى الكويت عام 1903 أي بعد استعادة الرياض بعام واحد، وأنه التقى بالقنصل الروسي وبقائد عسكري فرنسي كانا موجودين في الكويت حينها، حيث عرضا الحماية على المناطق التي يسيطر عليها ابن سعود، إلا أنه رفض العرض.
على أن الأرشيف الدبلوماسي لتاريخ بلاد الحرمين الشريفين، يسجل بأن روسيا القيصرية، كانت تقيم لها قنصلية في جدة منذ عام 1892 وأن روسيا السوفياتية كانت أول حكومة اعترفت بسلطة الملك عبد العزيز على الحجاز (16 - 2 - 1926) وأنها رفعت تمثيلها الدبلوماسي عام 1929 إلى مفوّضية (بمثابة سفارة) اهتمت بشؤون الحج وبتنمية العلاقات السياسية وبرعاية المصالح الاقتصادية وزيادة حجم التبادل التجاري، مما أعطى دليلاً قويًا على أهمية بلاد الحرمين الشريفين في نظر الروس، وعلى قِـدم التواصل بين البلدين، وتدل الوثائق على أن العلاقات التي ربطت بين الدولتين قد حكمتها المصداقية والشفافية، ومثّـلت مكاسب سياسية لروسيا وجدت فيها بريطانيا منافسة كبيرة لها حاولت مرارًا تعطيلها.
ويذكر التاريخ الدبلوماسي لفترة ما قبل الحكم السعودي اسم الأمير لُطف الله الذي كان يمثّـل الحجاز في عهد الهاشميين (الأشراف) في موسكو في بداية علاقاتهما، أما بالنسبة للممثّـلين الروس فإن أبرزهم اثنان، اهتم الأول منهما وهو كريم حكيموف بتطوير الصلات الدينية والثقافية، بينما اهتم الثاني وهو نذير توراكلوف بتنمية العلاقات التجارية، وقد تناولت المراجع اللقاءات المتكررة التي كان هذان المسؤولان يجريانها مع الرسميين السعوديين وعلى رأسهم الملك عبد العزيز، ولأن كريم حكيموف عاش حقبة انتقال الحكم في الحجاز من الهاشميين إلى السعوديين (1925) فقد أسهم في تأسيس العلاقات مع الدولة الجديدة، وصار عميدًا للسلك الدبلوماسي في جدة، وهو مسلم من أصل تتري يجيد الفارسية والتركية إلى جانب لغته الأصلية الروسية، وقد عاد وزيرا مفوضًا في المفوّضية الروسية في الحجاز مرة أخرى (22 - 2 - 1936) لكن فترة إقامته الثانية لم تدم طويلاً، إذ استدعي في غضون عامين وقُفلت المفوضية في عهد ستالين (11 - 1 - 1938) وكان مصير الإعدام في انتظاره، وقد تزامن قفل الممثلية مع غلق الكثير من الممثليّات السوفياتية الأخرى في أنحاء العالم بما فيها اليمن، ويقول أحد التعليقات إن السوفيات لم ينجحوا في تحقيق مكاسب كبيرة من وراء تلك المفوضية وإن ترشيد الإنفاق كان أحد الأسباب.
ومن بين الدبلوماسيين الروس الذين عملوا في جدة في تلك الفترة ولم يرد لهما ذكر كاف في الكتابات المتأخرة؛ الكاتب مويس مارلوفيتش اكسلو الذي يُذكر أنه كتب مقالات مؤيّدة للملك عبد العزيز لا ندري أين نشرت، والطبيب سيتبكوف الذي - خشية على نفسه - استقر في الحجاز بعد إغلاق المفوضية وعمل في أحد المستشفيات بجدة.
ولقد تتوّج اعتراف موسكو بالحكم السعودي الجديد في الحجاز، بالزيارة التاريخية الرائدة التي قام بها الأمير فيصل ــ بوصفه وزيرا للخارجية ونائب الملك في الحجاز ــ إلى موسكو بعد سبع سنوات (مايو/ أيار 1932) طالبًا دعمًا سياسيا واقتصاديا وعسكريًا لبلاده التي كانت على وشك إعلان توحيدها جغرافيًا وسياسيا، تحت اسمها الحالي (المملكة العربية السعودية) في العام نفسه، وتحدثت الكتابات التي صدرت في الذكرى السبعين لتلك الزيارة عن تفاصيل واسعة عنها وعمّا دار فيها، حيث أبانت الكتابات أنها لم تكن مجرد مجاملة بروتوكولية، وإن لم تحقق كثيرًا مما استهدفه الوفد السعودي بل والروسي من مطالب، لكن حضور الأمير فيصل ذي الخمسة والعشرين عامًا حظي بحفاوة بالغة على كل المستويات.
وكان مما سجله تاريخ العلاقات الجيّدة بين البلدين في الثلث الأول من القرن الماضي، مشاركة روسيا السوفياتية في المؤتمر الإسلامي العالمي الأول المنعقد في مكة المكرمة عام 1926 بشخص العلامة موسى جار الله (من قازان) وبشخصيّات إسلامية بارزة من مناطق أخرى، وتذكر المراجع أن تلك المشاركة جاءت من موسكو بهدف تعزيز مركز الملك عبد العزيز لقيادة العالم الإسلامي في مقابل جهات منافسة تدعمها بريطانيا وفرنسا.
وتذكر المراجع السعودية والروسية بالتقدير إسهام روسيا في عام 1934 في توفير وسائل الاتصال اللاسلكي، عندما كانت البلاد السعودية تفتقر إلى أدناها ولا تمتلك المال لشرائها، إذ أهدت موسكو (20) محطة لاسلكية إلى السعودية تم توزيعها في أرجاء البلاد، وكان لتلك الهدية دلالاتها الودية والاقتصادية (جريدة أم القرى، العدد 499 لسنة 1934).
لكن القارئ للعلاقات الروسية السعودية سرعان ما يستحضر تلك الفترة المعتمة التي أطبقت عليها إبان الحقبة الشيوعية ودامت أكثر من نصف قرن، لم يكن المجتمع السعودي في معظمها، يتذكر من روسيا سوى ما كانت تختزنه ذاكرته عن علماء مسلمين أفذاذ ينتمون إلى مدن روسية أو سوفياتية التبعية، حيث حالت السياسة طيلة خمسين عامًا ونيّفًا، دون أن تتصل بلاد البخاري والترمذي والخوارزمي وابن سينا مع بلاد الحرمين الشريفين، مع أن صلتهما لم تنقطع طيلة القرون التي سبقت وكانت الشعوب فيها - رغم بُعدها الجغرافي - على أعلى ما تكون الأفئدة قربًا ووثوقًا، وكان الحاج من طشقند وداغستان (محج قلعة) ودربند وقازان والشيشان وتترستان واستراخان وسمرقند وخوارزم وبخارى يمشي شهورًا، راجلاً أو ممتطيًا دابّته، ليأوي إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، يقيم فيهما ردحًا من الزمن أو يمضي بقية عمره، يعلّم فيهما ويتعلّم، ويتبادل فيهما ثقافته، لأنه يرتبط معهما برباط روحي إيماني وثيق.
وكانت روسيا في الثلاثينات، أقرضت الحكومة السعودية بعض احتياجاتها من المنتجات البترولية والحبوب والسكر، لكنها سرعان ما توقفت في الأربعينات، اللهم إلا ما تسرّب من أنواع السيارات الروسية رخيصة الثمن (موسكوفيتش) كانت تصل إلى السعودية مباشرة أو عبر وسيط ثالث، وقد أسهمت ظروف الحرب العالمية الثانية وما خلّفتها من تداعيات سياسية وآثار عقدية وفكرية وانكماش في الاقتصاد العالمي، في تراجع هذا التواصل المادي والثقافي بين آسيا الوسطى والجزيرة العربية، حتى أصبح الحجاج من الاتحاد السوفياتي يعدّون بالمئات بعد أن كانوا يعدّون بالآلاف.
وهكذا شهد القرن الماضي أشكالاً متفاوتة من الصلات السياسية والثقافية والاقتصادية، تراوحت بين دفء وبرود، وامتداد وانكماش، وكانت العلاقات بين البلدين مسرحًا تتنازعه منافسات الدول الكبرى وبخاصة بريطانيا، التي ما انفكّت تعمل على إضعاف العلاقات الوديّة في مجملها بين السعودية والاتحاد السوفياتي، وهو الذي رغم نزعته الآيديولوجية لم يتدخّل - كما تذكر الوثائق - في المسار الديني الذي كانت تنتهجه السعودية.
ولعل من أفضل من درس تأثيرات الحج والعوامل الدينية الإسلامية في المجتمع الروسي، وانعكاساتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية - وبخاصة بعد ضم الشيشان وداغستان وتترستان وأوزبكستان وقازاقستان وقرغيستان وتركمانستان وأذربيجان إلى روسيا (1898) وزيادة أعداد المسلمين الخاضعين للإمبراطورية الروسية - هو ما كتبه الضابط الروسي عبد العزيز دولتشين المولود عام 1861 وكان يتحدث العربية والفارسية والتركية والفرنسية والإنجليزية، والذي قام برحلة غير معلنة للحج عام 1898 حيث قدّم رواية وصفيّة شملت رحلات الحج من روسيا في تلك الفترة (نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين) وغطّت مظاهر الروابط التاريخية بين شعوب آسيا الوسطى وبلاد الحرمين الشريفين، وقد صدر الكتاب مؤخّرًا بعنوان «الحج قبل مائة سنة: الرحلة السرية للضابط الروسي عبد العزيز دولتشين إلى مكة المكرمة 1898 - 1899 الصراع الدولي على الجزيرة العربية والعالم الإسلامي» قدّم فيه سردًا لتاريخ الإسلام السياسي في روسيا، وبدايات الاهتمام بظاهرة تنامي الروح الدينية في الأقاليم الخاضعة لها، وإنشاء المساجد والمراكز الدينية ونشر الكتب، وترجمات معاني القرآن الكريم، وهو ما دعا القيادة السياسية الروسية إلى جمع المعلومات عن دور الإسلام في الحياة الاجتماعية والسياسية للسكان المسلمين في روسيا ومن ثمّ إيفاد دولتشين، فلقد اكتسب الحج أهمية خاصة بالنسبة روسيا لأنه كان سبيلاً لتسرب مختلف المذاهب الإسلامية إلى روسيا، كما وجدت القيادة الروسية في دراسة التجمّع في الحج آنذاك وسيلة لمعرفة التوجّهات السياسية وكسب تأييد المعسكرات المتضادّة الممثلة فيه، كما انتقلت بواسطة الحج بعض العبادات والطرائق والأفكار والعادات الدينية، فضلاً عن انتقال الكتب والمطبوعات الإسلامية المؤثّـرة، ووصف هذا الكتاب الذي نشره يفيم ريزفان (بيروت 1944ط 3 ثم أعيدت طباعته حديثًا في لبنان) الدروب الرئيسية للحج الروسي، وتكاليفه، وأعداده، وفئاته، والمدد التي يستغرقها، والجاليات المستقرة في الحجاز من روسيا، والأوضاع الصحية بين الحجاج، ومأكولاتهم ووسائل مواصلاتهم، والمخاطر والابتزازات التي يتعرضون لها في طريقهم، ثم تحدث عن تأثير الحج على المسلمين القادمين من روسيا وتأثيرهم في الحجاز والدوافع التي تدفعهم للحج، وذكر الكتاب أن عدد الحجاج القادمين من روسيا في نهاية القرن التاسع عشر بلغ نحو (3500) من أصل ما يقرب من إجمالي مائة ألف حاج من أنحاء العالم الإسلامي، كما ذكر أسماء مطوّفين من أصول بخارية يتولون أمر الحجاج القادمين من روسيا، وقدم الكتاب إحصائيات توضح تناقص أعداد الحج من روسيا، حيث أصبح يقاس بالمئات، بشكل لا يتناسب مع مجمل عدد المسلمين في روسيا.
وبلغ من اهتمام الروس بالدراسات المتصلة بالإسلام والمسلمين أن قاموا منذ عام 1910 بترجمة أبرز كتب الرحالة والمستشرقين، مثل ذلك الكتاب الذي ألّفه الرحالة الهولندي سنوك هورخرونيه عن وصف مكة المكرمة عام 1885 وكذلك كتاب رالي «مكة المكرمة في أوصاف الأوروبيين» وبالإضافة إلى كتاب دولتشين هذا، هناك كتاب قديم نادر طبع في روسيا بالعربية قبل مائة وخمسة عشر عامًا يحكي (أخبار التتار والبلغار) للشيخ الرمزي، وكان من أبرز ما تضمّنه قائمة بعلماء روسيا من ذوي العلاقة ببلاد الحرمين الشريفين مطلع القرن الماضي.
وبمناسبة الحديث عن الهجرات إلى الحجاز، يثبت عدد من المؤرخين والرحالة والمستشرقين، أن مهاجرين ومجاورين من شعوب وسط آسيا ومن يطلق عليهم مصطلح البخارية أو قديمًا (الموسكوف) كانوا موجودين في الحجاز قبل القرن التاسع عشر، وأصبحوا جزءًا من بنية الحياة الاجتماعية اليومية المكيّة والمدنيّة جنبًا إلى جنب مع هجرات أخرى ؛ مصرية وتركية وجاويّة وهندية وأفريقية.
كانت هجرة جاليات وسط آسيا قد تمت على ثلاث مراحل، بدأت بوادرها في سنة 1885 ثم في مطلع القرن العشرين (في حدود عام 1917) عند قيام الثورة البلشفية، وبلغت حدتها في سنة 1933 حيث وفدت مئات من التركستانيين (ومنها الطاشكندي، والقوقندي، والمرغلاني، والإنديجاني) وكان من بين هذه الجاليات علماء وحرفيون نقلوا معهم معارفهم وثقافاتهم، وبينما تذكر الدراسات أن بعض تلك الهجرات كانت من كبار السن والمنقطعين عن أقاربهم، فإن أعدادًا منهم كانوا صغار السن من أبناء العلماء والتجار، حتى إن أغلبهم مرّ في أفغانستان وباكستان للتزوّد ببعض العلوم، وقد أكرم الملك عبد العزيز وفادتهم، وربما يكون هو الذي اختار الطائف مقرًا لإقامة معظمهم، حتى أن حيًا كاملاً في الطائف (الشرقية) يسمّى باسمهم، وكان من أبرز آثار الطوائف القادرة من هذه الجاليات، جهودها الجماعية في إقامة الأربطة والأوقاف التي يعود تاريخ بعضها في مكة المكرمة والمدينة المنورة إلى ما يزيد على مائتي عام، وقد سميت هذه الأربطة الخيرية ــ التي كانت توقف على إسكان الحجاج وطلبة العلم وتغذيتهم أحيانًا ــ سميت بأسماء مدن تميّز تلك الجاليات (كالقستي والسمرقندي والقوقندي والأنديجاني والنمنكاني) وقد تُـلحق بها مدارس لتحفيظ القرآن الكريم والسنة النبوية، مع استخدامها لإقامة المناسبات الدينية والولائم الخيرية وإطعام المحتاجين، ونظرًا لانقطاع الصلة المباشرة لمعظم تلك الجاليات المهاجرة مع مواطنهم الأصلية، ولما يتطلبه الاندماج في المجتمع الحجازي، فإن البعض يرى في علاقته بالمجتمع الأصلي علاقة رمزية، ويسعى للتأكيد على هويته السعودية وحذف ما يشير إلى جذوره القومية والحرص على التزاوج مع الأسر المحلية، أسوة بالجاليات المهاجرة الأخرى، ويتركز نشاط معظم تلك الجاليات في التجارة وفتح المطاعم، حيث نجحت في إشاعة مأكولات معينة أصبحت مع السنوات جزءًا من الوجبات الوطنية، كما انخرط جزء منهم في الوظائف الحكومية عامة وفي التخصصات الأمنية بخاصة، والتحق أبناؤها بدراسات الشريعة والطب والهندسة والمكتبات على وجه الخصوص.
ولا يكتمل الحديث عن الصلات الثقافية بين روسيا وبلاد الحرمين الشريفين، دون التطرق إلى دور ثقافة الاستشراق، وإلى جهود الرحالة والمؤرخين وكتاباتهم، فبرغم أهمية الاستشراق الروسي الذي ألّفت عنه الكتب وكتب عنه الكثير من الأبحاث، ورغم كثرة المستشرقين والرحالة الروس، مع أن القليل منهم زار الأراضي المقدسة لأسباب دينية، لكن القاسم المشترك الأهم في كثير من الدراسات الاستشراقية الروسية الاهتمام بتحليل الروابط الدينية بين روسيا وبلاد الحرمين الشريفين، وبتأثير الحج على أساس أنه أحد دوافع الرحلات، وأحد أبرز مظاهر التديّن للمسلمين، كما عنيت بترجمات معاني القرآن الكريم وصحيح البخاري وعيون الكتب الإسلامية والعربية، وتعيد بعض تلك الدراسات تاريخ بدء اهتمام أهل المشرق العربي بالروس إلى العصر العباسي الأول، عندما توغّل التجار العرب في الأراضي الروسية لأغراض التجارة وحب الاستطلاع، وبادلهم التجار الروس ذلك بقصد التجارة أو الحج، ثم زادت الروابط وثوقًا بعد سقوط الإمبراطورية المغولية، وما تبع ذلك من توغّل روسيا في آسيا الوسطى الغنية بالمعارف وبالثقافة العربية والإسلامية والكتب والمخطوطات من آثار البيروني والفارابي والرازي وابن سينا وغيرهم، فربط الإسلام بينها وبين العرب، بعد أن أصبح فيها نحو (25) مليونا من المسلمين في آسيا والقوقاز، وما يزال أحفادهم يتحدثون العربية إلى اليوم.
كانت الأواصر الثقافية التي ربطت روسيا بالعرب ولغتهم وديانتهم، بدأت عمليًا في أواخر القرن السابع عشر، عندما قامت الدوائر العلمية الروسية بترجمة الكثير من الكتابات والمصادر الأوروبية، ثم كان انفتاح القيصر بطرس الأول على الثقافتين الغربية والشرقية، ورغبته في التعرف على الإسلام، فصار الاهتمام بالإسلام يأخذ منحى علميًا بدأه المستشرق الروسي (كانتمير) الذي تناول ظروف النشأة التاريخية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أقام أول مطبعة عربية في روسيا، وقد شهد مطلع القرن الثامن عشر أول ترجمة روسية لمعاني القرآن الكريم (1716) وكان قرار القيصر بتأسيس قسم خاص لدراسة الحضارة العربية والإسلامية في أكاديمية العلوم الروسية، ومن ثم إيفاد بعثات لدراسة اللغة العربية مفتاحًا حقيقيًا لانتشار متحدثيها في الدوائر العلمية والرسمية الروسية، بعد أن تعمّقوا في عالم الشرق وثقافته وديانته.
وهكذا كانت صلات الحج والروابط الدينية بين مسلمي آسيا الوسطى وبلاد الحرمين خصوصًا والمشرق عمومًا، أحد حوافز نشاط الاستشراق والاهتمام السياسي الروسي، ويكفي أن يُشار إلى الدراسة التي أنجزها فاسيلييف (الثاني) عن تاريخ السعودية (موسكو، دار التقدم 1986) واعتمدت كثيرًا على التراث الاستشراقي في محاولته لفهم الخلفية الثقافية لتاريخ شعب الجزيرة العربية.
وشهدت الأعوام الخمسة والعشرون الماضية منذ أن عادت العلاقات السياسية إلى صافي طبيعتها القديمة، عددًا من الندوات والفعاليات والمؤلفات والأطروحات العلمية والمنح الدراسية ومراكز الدراسات والزيارات الرسمية المتبادلة التي تعزز من وديّة العلاقة وتزيدها حميمية، مشيرًا في هذا الصدد إلى عشرات الكتب التي أصدرها الداعية والرحّالة السعودي الشيخ محمد ناصر العبودي عن روسيا بخاصة وعن بلاد ما وراء النهر وآسيا الوسطى بعامة، وإلى كتاب «العلاقات السعودية السوفياتية والسعودية الروسية 1926 - 1997» لعلي محمد الشهري الصادر عام 2001 معتمدًا على أرشيف السياسة الخارجية الروسية للاتحاد السوفياتي، وإلى كتاب «العلاقات السعودية الروسية في ضوء المتغيّرات الإقليمية والدولية 1926 - 2004» للدكتور ماجد التركي (2004) وهي دراسة علميّة مجازة من قسم العلوم السياسية بجامعة موسكو، وإلى بحث حديث بعنوان «العلاقات السعودية السوفياتية بين عامي 1926 و1938» للدارسة هبة السبيعي من قسم التاريخ بجامعة الملك سعود بالرياض، وإن إقامة هذا الملتقى الثقافي بمناسبة اليوم الوطني السعودي والمصادف لمرور ربع قرن على استئناف العلاقات السعودية الروسية، هي فرصة تشيّد من جديد جسرًا ثقافيًا مع منطقة طالما أسدت للحضارة الإسلامية كنوزًا من المعارف والمخطوطات وأسهم مفكروها وعلماؤها في خدمة التراث العربي والإسلامي، ومناسبة تمدّ ذراعًا من التواصل لتعزيز الاحترام المتبادل والشراكة الثنائية المتكافئة.

* إعلامي وباحث سعودي



الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما
TT

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

لم يكن الكتاب الأخير للفيلسوف الفرنسي تييري پاكو: «حب الأمكنة L’amour des lieux» (باريس، 2025)، إلا حلقة في سؤال فكري ممتد عن صلة العمق الفلسفي للعمران وما يولده من رهاب ويستتبعه من خرائب، باحتمالات الفهم والتأويل الروائيين للأمكنة، التي مثلت إحدى أهم ركائز الوعي الأوروبي بالجغرافيا وبتحولات المدن والأرياف في القارة العجوز، وهو الفهم الذي جعل تييري پاكو يرى في الانتماء إلى «مكانٍ ما»، الأساس المرجعي للأحاسيس المستثمرة في بلاغة الأدب، ما دام كل مكان لا يمكن ترجمته إلا بمقدار ما يمثله من صدمات، أو ما يفتقر إليه من مزايا، أو ما يولده من نشوة وحبور.

سرعان ما تتحول مختلف فصول وفقرات كتاب «حب الأمكنة» إلى مساحة غنية بالإحالات الروائية الممتدة من «بروست» إلى «آني إرنو» إلى «كريستيان بوبان» ومن «بول أوستر» إلى «فليب توسان»، وآخرين... للبرهنة على جوهرية وجود هذا الـ«مكان ما»، من حيث هو كيان متعدد، يؤوي طيفاً كاملاً من المشاعر، بيد أن أحدها يهيمن في النهاية ويصبغ المجموع بنبرته الخاصة. وينتج في النهاية ما يسميه تييري پاكو بـ:«إيكولوجيا التعبير الأدبي» التي تستدعي إلى الذهن: «كيف صاغت الأمكنة من الكائن ما صار عليه، على نحو يجعل وجوده، وعلاقاته بالآخرين وبالأرض، قابلاً للفهم والإدراك» (ص 13).

وبناء عليه يتحول العمران إلى علة لهندسة التخييل، بالمقدار ذاته الذي يكون فيه الدمار قاعدة لـ«تبيئة» الوجود الشخصي، وبيان تعلقه بالمدن التي ينتسب لها، وما تحتويه من شوارع وساحات وحدائق ومرافق صمدت أو انمحت أو تحولت إلى أطلال مهجورة. حتى المنفي، والمُهجّر، والمشرد، والسجين، والمريض في المستشفى، لديهم أيضاً «مكان ما»؛ يحنون إليه، أو يبحثون عنه، أو يبنون صرحه في مخيلاتهم، مزيجاً بين «ما هو فِطري/أصلي» و«ما هو كوني»، بين «الوطن» و«المكان الذي نصير فيه ما نحن عليه».

والظاهر أنه حين كتب الروائي المغربي، الفرنكوفوني، محمد خير الدين روايته الأولى «أغادير»، فقد استهدف تركيب ملامح «ما صار عليه شخصه» في مدينة هدها الزلزال؛ كان ثمة تلال من أنقاض عمارات ودور قضى أهلها، وانتصبت الهياكل وبقايا الجدران المشروخة، والأتربة، والروائح العفنة للجثث المتفسخة، في «أمكنة ما» من شوارع المدينة المنكوبة، وكان زلزالاً رهيباً محا معالم المدينة، ولحقه خراب إنساني بعد نهب ما تبقى منها، من قبل آفاقيين وافدين لسلب ما تحت الأنقاض. وعبر التاريخ ظلت الزلازل والحروب والفيضانات هي التي تعيد تقليب مصائر التوق العمراني للمدن، وتخطط انزياحاتها وارتكاساتها وقطائعها؛ أغادير بعد الزلزال، وبرلين بعد اجتياح الحلفاء، وبغداد بعد حرب الخليج الثانية، وبيروت بعد الحرب الأهلية، ثم الموصل وحلب، ومدن عربية عديدة...، ولعل هذا الخراب هو ما يدفع الروائي للوقوف دوماً ضد الحروب وتخطيطات المحو، لأنه مصير يلغي الدعامات الحسية المبرهنة على ما صار عليه في وجوده.

تشيد الرواية دوما ما يسميه تييري باكو بـ«المحل الوجداني» الذي توحي به الكلمة الألمانية die Heimat العصية على الترجمة، والتي تعني في آنٍ واحد: «الوطن، وأرض الميلاد، والمكان الذي نصير فيه ما نحن عليه، والملاذ، والمهد، وبلد الأصل» (ص 12). ففي الرواية نعثر دوماً على هندسات لشتى أصناف «المحل الوجداني» داخل الشوارع والمقاهي والعمارات والحدائق ودور السينما والمكتبات والبارات والمطاعم...، كانت ذات يوم تنبض بالحياة قبل أن يخلدها السرد والشخوص المنتمية إلى «مكان ما» داخلها، لتغدو تدريجياً مدناً متخيلة، تنتمي لذاكرة وزمن وطراز عمران، ولذوق وقيم اجتماعية، ولنمط عيش، واقتصاد مالي؛ ليست «سان بترسبورغ» المنبثقة من روايات دوستيوفسكي، هي لينينغراد زمن الثورة والحرب العالمية الثانية، والحصار الخرافي، ولا هي المدينة التي استعادت اسمها الأول بعد لفظ التجربة الشيوعية، هي طبقات مدن استوطنت الروايات، وانتصبت كتخطيطات روائية للذاكرة، لا تلوح إلا أطيافها اليوم.

في رسالة لإميل زولا إلى صحيفة «لوسيمافور» بمرسيليا، حول ما جرى في أحد أيام حصار «كومونة باريس» سنة 1871، نشرت ضمن كتاب «الأسبوع الدامي»، يقول: «هذه المقاومة اليائسة، هذا القصف البشع لباريس، وحين يضيع الوطن، يشكل من وجهة نظري، أكبر الجرائم التي لا يزال يرتكبها أولئك البائسون الذين يوسخون المدينة منذ شهرين... على التمرد أن يُسحق في مهده بمونمارتر. وحين يُمحى هذا الحي المنفّر بضربات المدفعية، سيكون حفنة من الباريسيين من يبكون عليه... تدميره ضروري بشكل مطلق من أجل خلاص باريس» (ص 34).

ولا يمكن أن نقرأ رسائل إميل زولا تلك، المناهضة لخراب باريس، بما هي دليل على معاداة الروائي، رائد الموجة الطبيعية، للروح الثورية، هو الذي لم يزعم يوماً أنه يساري، كان يتحدث بضمير الباريسي الحريص على روح عمارة عصية على التكرار أو الاستنساخ، ويرى في خرابها انهياراً لذاكرة رمزية، تتخطى منطق الصراع السياسي حول المناطق، لهذا كان الحي الحاضن لما تبقى من الكومونة الباريسية الثورية، جديراً بالمحو إن كان ذلك سيعصم العاصمة من الخراب.

خلد إميل زولا باريس كما لم يخلدها كاتب من معاصريه، كان ينقل الطبقات اللاحسية للعمران، المنطوي على ألغاز مسترسلة، وكشأن أغلب واقعيي رواية القرن التاسع عشر في فرنسا، يهندس النص عبر تلافيف العمران المديني، أسماء شوارع وأزقة، وساحات، وكاتدرائيات، ومصانع، ومحلات تجارية، وجسور، ودور سكنية، تطل كلها عبر تفاصيل بشرية ومسارات حياتية وتحولات وقائع، إنها الغاية التمثيلية ذاتها التي سعت إليها روايات ما بعد الأحداث التي سميت بالربيع العربي، حيث تنهض المدن الروائية لتستعيد المنمحي والمنذور للغياب، من الرقة إلى الموصل ومن حلب إلى عدن. وبعدها بسنوات قليلة تواترت روايات الحروب الأهلية المتناسلة من العراق إلى ليبيا ومن سوريا إلى اليمن، لتعيد هندسة الانتماءات إلى «المحل الوجداني» (بتعبير تييري پاكو) في خريطة عمائر المدن المنزاحة إلى اليباب.

قبل عقد، أو يزيد قليلاً، احتضن متحف «سرسق» في بيروت حواراً نظمه «المركز العربي للعمارة» و«بيت الكتب»، بين الروائي إلياس خوري والمهندس جاد ثابت، نشر مادته فواز طرابلسي ضمن أحد أعداد مجلة «بدايات»؛ دار الحوار عن المدينة المدمرة وتاريخها الذي طمرته الحرب قبل أن تمحوه جرافات السلام، كان لحظة من لحظات المقاومة التي اصطف فيها المعماريون والروائيون معاً في جبهة واحدة لاستعادة «المكان ما» من مشروع إنشاء مدينة نقيضة، هندسها الرأسمال المتوحش، بعد أن مهدت الحرب الأهلية الطريق إليها، وكان الحوار بمثابة بديل عن المدينة المتلاشية، حيث استعاد الكلام الذكريات والأسماء والصور التي انتفت للأبد، وبات التذكير بما ترمز إليه من روح ومعنى لحظة جديدة في صراع مسترسل، ومن ضمن فقرات ذلك الحوار نقف على مقطع لإلياس خوري يختصر كل شيء. يقول:

«نحن نعيش في عالم ملموس رسمه خيال مهندس، وفي هذا العالم، سواء أكان بيتاً أم مقهى أم شارعاً، نحول هذا الواقع إلى متخيل تصنعه أحلامنا. المعماري يحول الخيال واقعاً، بينما يقوم الكاتب بتحويل الواقع بعناصره البشرية والمادية إلى خيال. عملان يفترقان في الهدف لكنهما يلتقيان عند نقطة يتقاطع فيها المتخيل بالمتخيل، بحيث تصير العمارة كتاباً نعيش بين سطوره، وتصير الرواية عمارة نعيش بين أبطالها الذين يصبحون حقيقيين في وعينا».


قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
TT

قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي

تحوي البادية السورية سلسلة من المواقع الأثرية تُعرف اليوم بالقصور الأموية، منها موقعان يحملان اسم «قصر الحير»، شُيّدا في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرقي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويتميّز بضخامة أسسه المعمارية. في المقابل، يقع القصر الآخر جنوب غربي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الغربي، ويتميّز بثراء حلله التي تجمع بين فنون النقش والنحت والرسم والتلوين. صمدت أطلال القصر الشرقي، وظلّت ماثلة أمام الأعين، كما شهد الرحالة الذين مرّوا بها وأشاروا إليها منذ القرن السابع عشر. مهّدت هذه الشهادات لاستكشاف الموقع في العقود الأولى من القرن العشرين، غير أن أعمال المسح والتنقيب لم تنطلق فعلياً إلاّ في عام 1964، حين شرعت بعثة أميركية تابعة لجامعة ميشيغان بإجراء حملة أولى فيه، تبعتها سلسلة من الحملات استمرت حتى 1972.

بويع هشام بن عبد الملك بالخلافة في دمشق بعد وفاة أخيه يزيد في عام 724، وكان عمره يوم استُخلف 34 سنة. حسب رواية نقلها الطبري في «تاريخ الرسل والملوك»، كان هشام يومها «بالزيتونة، منزله في دويرة له هناك»، فركب من الرصافة حتى أتى دمشق بعدما «جاءه البريد بالعصا والخاتم، وسُلّم عليه بالخلافة». وحسبما سجّله ياقوت الحموي في «معجم البلدان»، «الزيتونة موضع كان ينزله هشام بن عبد الملك في بادية الشام فلما عمّر الرصافة، انتقل إليها فكانت منزله إلى أن مات». انطلاقاً من هذه الشواهد الأدبية، حاول علماء الآثار تحديد موقع قصر هشام في المنطقة التي عُرفت قديماً باسم الزيتونة، واختلفت آراؤهم في هذا المجال. فبينما رأى العالم الفرنسي جان سوفاجي أنها المنطقة التي يقع فيها قصر الحير الشرقي، رأى زميله دانيال شلومبرغر أن الموضع الذي سكنه الخليفة الأموي العاشر قبل أن ينتقل إلى الرصافة في شمال سوريا على الفرات، ما هو إلا موضع قصر الحير الغربي.

كان القصر الشرقي خربة مائلة وسط الصحراء، وأول من أشار إليها كان الرحالة الإيطالي بيترو ديللو فاللي في مدوّنته التي نُشرت في عام 1667 تحت عنوان «رحلات»، وفيها ذكر أن هذا البناء الضخم يُعرف محليّاً باسم «الحير»، وأضاف متهكّماً أنّ سكان المنطقة ينسبونه إلى النبي سليمان. بعدها، ألمح عالم الخرائط الألماني كارستن نيبور إلى هذا القصر حين رافق البعثة الدنماركية إلى الجزيرة العربية وسوريا ومصر، وجاءت هذه الإشارة المقتضبة في تقرير نُشر عام 1774. بدوره، مرّ الرحالة البريطاني سير آير كوت بهذا القصر، وقدّم وصفاً سطحياً له، نُشر في عام 1860، في مقالة تناولت الرحلة التي قام بها «من بصرا إلى حلب في 1780». مهّدت هذه الشهادات لدراسة علميّة أولى قام بها القنصل الفرنسي جاك روسو، ونشرها عام 1808 في كتابه «رحلة من بغداد إلى حلب». خرج قصر الحير الشرقي من الظلمة إلى النور، وقصده المستعرب الدنماركي في 1893، وقدّم وصفاً له في مقالة علمية نُشرت في 1895.

عاد جاك روسو من قصر الحير حاملاً معه نقشاً فُقد أثره لاحقاً للأسف، وهذا النقش بالغ الأهمية، إذ يذكر اسم صاحب القصر وتاريخ بنائه، ونصّه: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله، أمر بصنعة هذه المدينة عبد الله هشام، أمير المؤمنين، وكان هذا ممّا عمل أهل حمص على يد سليمان بن عبيد سنة عشر ومائة». اتّضحت هويّة البناء في زمن سبق استكشاف سلسلة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في بوادي بلاد الشام، وأسهم هذا الإيضاح في انطلاق الدراسات الخاصة بقصر الحير الشرقي منذ ذلك التاريخ. زار العالم الفرنسي الموقع في أبريل (نيسان) 1925، وزاره ثانية في مايو (أيار)، وقدّم مقالة علمية خاصة به نُشرت في 1927. توالت الاكتشافات الأثرية الأموية في السنوات التالية، وبرز قصر الحير الشرقي بضخامته التي جعلت منه أشبه بـ«مدينة»، كما جاء في النقش الذي حمله معه جاك روسو. في عام 1964، تولّت البعثة الأميركية التابعة لجامعة ميشيغان مهمّة أعمال المسح والتنقيب في الموقع تحت إدارة العالم الفرنسي أوليغ غرابار. توالت حملات هذه البعثة حتى عام 1972، ونُشرت نتيجة أبحاثها في كتاب أصدرته جامعة هارفارد في 1978، تحت عنوان «مدينة في الصحراء».

شُيِّد هذا القصر بين عام 728 وعام 729 للميلاد في البادية، في منتصف الطريق بين تدمر والفرات، وترتفع أطلاله اليوم على بعد 30 كيلومتراً شمال قرية السخنة شرقاً، وتشكّل مجمعاً ضخماً يتكوّن من بناءين لا تزال جدرانهما قائمة، يحيط بكل منهما سور مربع الشكل. أحد هذين الحرمين كبير، والآخر صغير، ومن هنا جاءت تسميتهما بالقصر الكبير والقصر الصغير. يبلغ أطول أضلاع القصر الصغير نحو 70 متراً، وتحدّ زواياه أربعة بروج مستديرة، وبابه بين برجين في وسط الجانب الغربي. تتوسّط هذا البناء باحة تحيط بها سلسلة من الغرف بُنيت بحجر الآجرّ، تشكّل على الأرجح القصر الملكي، وما بقي من زينة هذا القصر بضعة نقوش تظهر على أعلى برجي مدخله وعلى بعض جدرانه.

في المقابل، يبلغ طول أكبر أضلاع سور الحرم الكبير 160 متراً، ويحدّه 28 برجاً، منها برجان يحملان نقوشاً تذكر اسم الخليفة هشام عبد الملك. ولهذا البناء أربعة مداخل يقع كلّ منها في منتصف كل جانب، تشكّل أربعة أبواب متناظرة، وفي زاويته الجنوبية الشرقية مسجد لا تزال أسسه قائمة. يبدو هذا البناء أشبه بمدينة صغيرة تحوي وحدات سكنية، منها ستة بيوت كبيرة ومجموعة من البيوت الصغيرة، ومنشآت صناعية، ومعصرة زيتون، إضافةً إلى حمام، ومبنيين تتوسّط كلاً منهما ساحةٌ مركزية.

لم يقف استكشاف هذه المدينة عند هذا الحد. استمرّت أعمال البحث، وقامت بعثة سورية سويسرية مشتركة بمسح منطقة سكنية أخرى من الموقع لجهة الشمال بين عام 2007 وعام 2010، وأدت هذه الحملات إلى العثور على قطع من النقوش تشكّل مجموعة من مجموعات الميراث الأموي. بعض هذه القطع زخرفي يجمع بين العناصر الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، والبعض الآخر تصويري، ويعكس جانباً آخر من جوانب الميراث الأموي الخاص بهذا الميدان.


تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟