أذربيجان: رحلة صحافية من ورشة تدريب إلى السجن

فازت بجوائز دولية وإشادة كبيرة من مسؤولي جماعات معنية في محاربة الفساد بمختلف أرجاء العالم

الصحافية خديجة إسماعيلوفا (واشنطن بوست)
الصحافية خديجة إسماعيلوفا (واشنطن بوست)
TT

أذربيجان: رحلة صحافية من ورشة تدريب إلى السجن

الصحافية خديجة إسماعيلوفا (واشنطن بوست)
الصحافية خديجة إسماعيلوفا (واشنطن بوست)

تنفق الحكومة الأميركية سنويًا ملايين الدولارات على برامج ترمي لتحسين مهارات مراسلين أجانب، لكن نادرًا ما نجحت جهودها في المعاونة في خلق نجم إعلامي بارز مثل خديجة إسماعيلوف في أذربيجان. كانت إسماعيلوف في الـ27 من عمرها عندما التحقت بأول ورشة عمل لها في الصحافة الاستقصائية ممولة من الولايات المتحدة في باكو عام 2003. انتقلت إلى واشنطن للعمل لحساب إذاعة «صوت أميركا» التابعة للحكومة، والتي تولت تدريبها بالمجال الإذاعي. بعد عامين، عادت للوطن كرئيسة لمكتب «راديو أوروبا الحرة» الممول من واشنطن، وأصبحت لاحقًا مذيعة برنامج حواري ومراسلة بمجال الصحافة الاستقصائية.
بداية من عام 2010، كشفت إسماعيلوف النقاب عن الملكية السرية وراء سلسلة من التعاملات الحكومية بمجالات الاتصالات عن بعد والبناء والتشييد والتنقيب عن الذهب والفنادق والإعلام وخدمات النقل الجوي. ونجحت التحقيقات الرائعة التي أجرتها في الفوز بجوائز دولية وإشادة كبيرة من بعض مسؤولي وزارة الخارجية وجماعات معنية بمحاربة الفساد بمختلف أرجاء العالم. إلا أنه داخل أذربيجان، ألقي القبض عليها في ديسمبر (كانون الأول) وسجنت، وذلك بسبب كشفها للثروات الخفية لرئيس البلاد، إلهام علييف، وأسرته. وأشارت في تحقيقاتها إلى أنهم استغلوا مراكزهم في إثراء أنفسهم بأموال عامة. وتضمنت الاتهامات الموجهة إليهم التهرب الضريبي والاختلاس والتحريض على محاولة انتحار وسوء استغلال السلطة، لكنها لم تشر إلى عملها الصحافي. ومع ذلك، أكد مسؤولون أميركيون وأوروبيون، إلى جانب الجهة التي تعمل لديها أن ما تواجهه الآن ليس سوى عقاب لها على مقالاتها، بهدف قمع تحقيقاتها والحراك المتنامي الموالي للديمقراطية.
في وقت سابق من الشهر، أدينت إسماعيلوف بجميع الاتهامات الموجهة إلها، فيما عدا تهمة التحريض على الانتحار. وصدر ضدها حكم بالسجن 7 سنوات ونصف السنة. أمام المحكمة، قالت إسماعيلوف إن الحكومة «لن تتمكن من إجباري على الصمت، حتى لو حكموا علي بالسجن 15 أو 25 عامًا».
من ناحيتهم، ندد مسؤولون أميركيون بالحكم الصادر ضدها.
من بين هؤلاء جيف شيل: «رئيس مجلس محافظي الإذاعة»، وكالة فيدرالية مستقلة تدعم الإعلام المستقل بالخارج، حيث قال: «من الواضح أن هذا الحكم عقاب لخديجة لفضحها الفساد الحكومي والبعث برسالة تحذيرية إلى صحافيين آخرين داخل البلاد. لقد كشفت حكومة أذربيجان أمام المجتمع الدولي أنها تمقت حرية الصحافة، وتدعم استمرار الحصانة من المساءلة التي تتمتع بها ولا تولي حقوق الإنسان اهتمامًا يذكر».
في الواقع، تسلط رحلة خديجة إسماعيلوف من ورش الصحافة المدعومة من واشنطن إلى السجن في وسط آسيا الضوء كذلك على سياسات أميركية متعارضة مع بعضها.
من ناحية، تتولى وكالات أميركية وهيئات تتبعها تدريب وتمويل مراسلين معنيين بالصحافة الاستقصائية مثل إسماعيلوف، التي قدمت بعض آخر التقارير الصحافية المستقلة القادمة من وسط آسيا وروسيا. من جهته، خصص الكونغرس ما يقدر بـ64 مليون دولار خلال السنة المالية الحالية لبرامج ترمي لتعزيز «حرية الإعلام والمعلومات» بمختلف أرجاء العالم، تبعًا لما تكشفه سجلات وزارة الخارجية. بيد أنه على الجانب الآخر، عادة ما تحتل حرية الصحافة وحقوق الإنسان موقعًا متأخرًا في العلاقات الأميركية الخارجية، من العسكرية إلى الاستخباراتية إلى النفطية وغيرها.
في هذا الصدد، أعرب ديفيد جيه. كريمر، المتخصص بمجال حقوق الإنسان لدى «معهد مكين للقيادة الدولي» والرئيس السابق لمنظمة «فريدوم هاوس»، عن اعتقاده بأن: «الحكومة الأميركية لا تضطلع بأي شيء يذكر على صعيد الضغط على وفرض عقوبات ضد حكومة أذربيجان لتوضيح أن سجن خديجة وصحافيين آخرين أمر غير مقبول. هناك مصالح أخرى مع أذربيجان تفوقت على اعتبارات حقوق الإنسان».
في مارس (آذار)، توجه اثنان من المسؤولين لدى «راديو أوروبا الحرة» و«المكتب الإذاعي الدولي»، وكالة أميركية مستقلة تتولى الإشراف على «صوت أميركا»، إلى باكو لمناقشة قضية إسماعيلوف مع وزير الخارجية، ومستشار الأمن الوطني، واثنين من كبار مستشاري الرئيس، ومحقق، ومكاتب ضريبية.
وذكر جيفري تريمبل، نائب مدير «المكتب الإذاعي الدولي»، أنه قال لمسؤولي أذربيجان: «لو كانت لديك معلومات محددة تتعارض مع ما وردته في تقاريرها... قدموها لنا». واستطرد أنه لم يحصل على شيء، ولم يظهر المسؤولون «أدنى مؤشر على المرونة».
من جهتها، رفضت سفارة أذربيجان التعليق على الأسئلة التي قدمتها «واشنطن بوست».
في الإطار ذاته، قال علي حسانوف، المساعد الرئاسي للشؤون العامة والسياسية، في تصريحات لوسائل الإعلام في باكو بعد صدور الحكم: «واجهت إسماعيلوف اتهامات جنائية عن أعمال إجرامية ملموسة غير ذات صلة بنشاطاتها الصحافية. خلال المحاكمة، جرى إثبات الاتهامات بصورة كاملة وصدر على أساسها القرار المناسب. وعليه، فإن محاولات تسييس حكم المحكمة بخصوص إسماعيلوف من جانب بعض المنظمات الدولية، ومسؤولين من دول مختلفة وعدد المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان غير مقبولة».
قبل القبض على إسماعيلوف، صورها مسؤولون من أذربيجان باعتبارها عدوا للدولة بسبب تحقيقاتها الصحافية وتعليقاتها على الهواء. وفي بيان من 60 صفحة صدر قبل أيام من القبض عليها، قال رئيس فريق العمل الرئاسي رمزي مهديوف إن إسماعيلوف: «تطلق بيانات سخيفة، وتبدي علانية توجهًا مدمرًا حيال أعضاء معروفين في المجتمع الأذربيجاني وتنشر أكاذيب مهينة. من الواضح أن هذا النمط من التحدي يسعد رعاة إسماعيلوف بالخارج».
يذكر أن إسماعيلوف، 39 عامًا، يجري احتجازها في سجن «كردخاني»، على بعد 30 ميلاً من شمال باكو، ويضم بين جنباته 80 من صحافيين ونشطاء مؤيدين للديمقراطية. وعبر وسطاء، أجابت إسماعيلوف على أسئلة طرحت عليها من أجل هذا المقال.
وقالت: «ننشر تحقيقات لأننا نقدر حق الناس في المعرفة. وأنتظر من الناس النضال من أجل الوصول لحق المعرفة، ومحاكمة السياسيين الفاسدين». يذكر أن الحكومة تملك اليوم جميع المحطات التلفزيونية، وتبدي جميع الصحف تحالفها مع الرئيس. من جهته، أوضح النائب الديمقراطي ستيف كوهين، رئيس مجموعة أصدقاء أذربيجان داخل الكونغرس، أن: «أذربيجان صديقة للولايات المتحدة وشريكة لها في المعركة ضد الإسلام الراديكالي، لكن الأمر في معظمه يتعلق بما يملكونه من نفط، فمن المهم أن يبقى النفط متاحًا أمام الغرب».
واستطرد كوهين بأنه رغم تحدث الرئيس علييف «عن حقوق الإنسان، فإننا لم نرها على أرض الواقع». مؤخرًا، وقع كوهين خطابًا موجه إلى علييف، يطلب منه إعادة النظر في إغلاق «راديو أوروبا الحرة» الذي أغلقته الشرطة في ديسمبر (كانون الأول)، وضمان تحقيق العدالة في قضية إسماعيلوف، التي وصف الخطاب القبض عليها بأنه «يحمل دوافع سياسية».
يذكر أنه في ظل رئاسة إلهام علييف، طورت أذربيجان بنيتها التحتية بمجالي النفط والغاز الطبيعي، ما حول دولة في حجم ولاية مين ويبلغ حجم سكانها 9.6 مليون نسمة فقط إلى عنصر مهم في خضم منافسات جيوسياسية متعددة. أما إسماعيلوف، فقد ترعرعت داخل أسرة مثقفة، حيث عملت والدتها مهندسة، بينما ترأس والدها شركة تصنيع معدات تستخدم في صناعة النفط. وقد تخرجت خديجة في جامعة باكو، وحصلت على درجة الماجستير في اللغة التركية وآدابها، علاوة على إجادتها اللغة الروسية.
وقد انضمت لسوق العمل بعد نيل أذربيجان استقلالها بفترة وجيزة عن الاتحاد السوفياتي السابق عام 1992، وظهرت حينها للمرة الأولى وسائل إعلام مستقلة داخل الجمهورية السوفياتية السابقة. والملاحظ أنه بمساعدة الغرب واستثماراته، تمكن إلهام علييف من تنمية البنية التحتية المرتبطة بالنفط والغاز الطبيعي في أذربيجان. وظهرت ناطحات السحاب الزجاجية بمختلف أرجاء قلب العاصمة.
* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



زافين قيومجيان: أعيش اليوم «مراهقة الخمسين» الإعلامية

أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
TT

زافين قيومجيان: أعيش اليوم «مراهقة الخمسين» الإعلامية

أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)

سيرته الإعلامية ومشواره المهني لا يشبهان أحداً سواه. منذ خطواته الأولى في عالم الإعلام، اختار الإعلامي اللبناني زافين قيومجيان أن يسلك طريق الاختلاف، فغرّد خارج السّرب وترك بصمة غير تقليدية في الإعلام المرئي والمسموع. وتمكّن من تكريس هوية خاصة به.حتى منشوراته، ومنها «أسعد الله مساءكم»، و«لبنان فلبنان»، و«لبنان على ال اشة»، عكست حبّه العميق للبنان والشاشة، فطعّمها بذكرياته ومشاهداته وتعلّقه بالوطن، لتتحوّل مع الوقت إلى مرجع للذاكرة الجماعية.

«الإعلامي الأميز عربياً»

في كل لقاء مع زافين، لا بدّ من اكتشاف جديد عنه. وأخيراً، من أخباره أنه تُوّج بلقب «الإعلامي الأميز عربياً» لعام 2025، إثر استفتاء شمل 18600 مشارك من مختلف أنحاء العالم العربي، أجراه فريق هيئة «الملتقى الإعلامي العربي». وهذا لقب لا يُعدّ جديداً على مسيرته، إذ سبق أن صنّفته مجلة «نيوزويك» الأميركية ضمن الـ43 شخصية الأكثر تأثيراً في العالم العربي. كما احتل المرتبة الثالثة على قائمة «الشخصيات الـ30 الأكثر تأثيراً على تويتر» في لبنان. وهذا، إلى جانب عشرات الجوائز التكريمية التي حصدها عن برامجه التلفزيونية، لا سيما فئة البرامج الحوارية الاجتماعية.

شغفه بالعمل الإخباري

على الصعيد المهني، يقول زافين إن أجمل تجاربه الإعلامية، والأقرب إلى قلبه على امتداد 35 سنة، تبقى التجربة الإخبارية. ويوضح: «أحِب العمل الإخباري وكل ما يتعلّق بتلفزيون الواقع. ولقد أحببت كثيراً فترة عملي مراسل أخبار، وأيضاً في التحقيقات الاستقصائية، والحوارات السياسية، وإذاعة الأخبار... إذ إنني عندما اخترت دراسة الصحافة كان العمل الإخباري هدفي الأول».

اختبر الزمن... ولم يبدّل مبادئه

يعزو زافين قيومجيان «استمراريته» الناجحة إلى جرأته الدائمة على التغيير. وبحسب رأيه: «إذا لم يبدّل الإنسان قشرته الخارجية يذبُل ويموت، وشرط البقاء هو الحفاظ على المبادئ. التغيير يمكن أن يصيب الشكل لكن لا يجوز أن يمسَّ المضمون. وبالتالي، فإن قاعدتي الذهبية ترتكز على (ثلاثية) الحرفية والاحترام والقيَم».

وحقاً، يقتنع بنفسه ويدعو الآخرين إلى الإيمان بذواتهم، بحثاً عن الأفضل على الدوام. ثم يعلّق: «أنا لا أكتفي بالنتيجة الإيجابية... لأنني أرغب بما هو أفضل. أن تكون إعلامياً مخضرماً، وتواكب الأجيال يعني أن تنجح في اختبار الزمن والعمر. قلّة فقط تملك هذه القدرة لأن الثمن المدفوع يكون مرتفعاً».

حوار رئيس الجمهورية

من جهة ثانية، كان زافين أول إعلامي لبناني يُجري حواراً حصرياً مع رئيس الجمهورية، العماد جوزيف عون. وعنه يكشف: «كنت أرغب في هذه المقابلة عن سابق تصوّر وتصميم. وفعلاً، طلبت موعداً من القصر الجمهوري... ومشكورين، كان لي ما أردته. والحقيقة أن الرئيس يدرك طبيعة حواراتي وبساطة أسلوبي البعيد عن الادعاء». ثم يضيف: «كانت المرة الأولى التي ألتقيه فيها وجهاً لوجه وفي مناسبة غير عامة. قرأت الصدق في عينيه، وإصراره على العبور بلبنان إلى ضفة الازدهار والسلام. إنه يتمتع بتواضع وإرادة قوية لإجراء الإصلاحات اللازمة، وهو شخص لطيف وصادق جداً».

يقدم اليوم على شاشة "الجديد" برنامج "سيرة وكمّلت" (إنستغرام)

محطات وشخصيات صنعت الذاكرة

طوال مسيرته الإعلامية، التقى زافين شخصيات سياسية وفنية كثيرة تركت - كما يقول - أثرها في تجربته، من بينها الرئيسان الراحلان إلياس الهراوي ورفيق الحريري في ميدان السياسة، وفي المجال الفني الفنانتان إليسا ونوال الزغبي.

ويتابع: «تعرّفت إلى الهراوي والحريري عن قرب عندما كنت مراسلاً إخبارياً في القصرين الجمهوري والحكومي، ولمست وطنيتهما. فقد آمنا بلبنان وعَملا على نقله من زمن الحرب إلى زمن السلم... أنا أحب الأشخاص الذين يُحدثون تحوّلات ويوسّعون هامش الحرية. أما بالنسبة لأهل الفن فإن إليسا ونوال كسرتا القوالب التقليدية وصنعتا قوانين جديدة تشبه شخصيتيهما».

مهنياً، يعدّ زافين المديرَ العام السابق لـ«تلفزيون لبنان»، فؤاد نعيم، الداعمَ الأكبر له، مستطرداً: «لقد آمن بي وغامر معي في نقل الإعلام من التقليدي إلى الحديث. اكتشفني ووضع يده على روحي، ولولاه لكانت حياتي بالتأكيد أصعب».

الإنسانية: المدرسة الأولى... والأخيرة

في الواقع، تنقّل زافين قيومجيان بين أكثر من محطة تلفزيونية، من «تلفزيون لبنان» إلى «المستقبل» وصولاً إلى «الجديد». وذاع صيته عربياً بوصفه أحد أوائل مَن قدَّموا برامج حوارية جريئة على شاشة فضائية عربية، كاشفاً المسكوت عنه، وغائصاً في عمق البيوت ومشاكلها. وعن هذا الجانب يعلّق: «منذ بداياتي رغبت في تناول هذا النوع من القصص من دون أحكام مسبقة. أنا لا أركّز على الأرقام بل على التجربة الإنسانية. ولا يهمّني عدد الضحايا بقدر ما يهمّني ما عاشته الضحية. إنما أنتمي إلى المدرسة الإنسانية، وأعتزّ بذلك».

النجاح... قدرة على التأقلم

في مرحلة سابقة، غاب صاحب السؤال الشهير «شو حسّيت؟» (بماذا شعرت؟) عن وسائل التواصل الاجتماعي، مفضّلاً الانتقال من الانتشار الواسع إلى جمهور أصغر. وبالفعل، قدّم بودكاست «100 ع 100» بالتعاون مع الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU). وشارك في مناظرات شبابية «30 - 31»، قبل أن يطلّ اليوم في «سيرة وكمّلت» على شاشة «الجديد»، ولعلها النُّسخة المعاصرة من برنامجه الشهير «سيرة وانفتحت». وهو أيضاً يشارك في برنامج «بونجورين» عبر إذاعة «صوت كل لبنان».

وهنا يقول: «لم أعد بحاجة لإثبات مكاني. أعمل بدافع الشغف. الإذاعة نابعة من حبّي للتواصل مع جيل لا يزال وفياً لها، وفي المقابل أحرص على التواصل مع جمهور أصغر سناً». وفي هذا السياق، كونه أستاذاً جامعياً في الإعلام في الـ«LAU»- حيث تلقى تعليمه الجامعي - يبقى زافين على تماسٍ مباشر مع جيل الشباب. ويوضح: «مهما كانت خبرتي طويلة، أدرك ضرورة الإصغاء إلى الأصغر سناً، تماماً كالفنان النجم الذي يتعاون مع ملحّن مغمور... هذه التنازلات ضرورية لأنها تحمل تحدّيات التجديد».

الشاشة الصغيرة... الرهان المستمر

رغم تنوّع منصّاته، يعود زافين دائماً إلى التلفزيون، مؤمناً بدوره الجامع. ويقول: «أريد أن أشارك في الولادة الجديدة للتلفزيون. صحيح أن الناس استعاضت عنه بالهواتف، لكن الشاشة الصغيرة تبقى التجربة المشتركة الوحيدة للعائلة. طبعاً لن أعيده إلى عصره الذهبي... لكنني سأعمل على تطويره. هذه الولادات تحتاج إلى إعلاميين مخضرمين يكونون جسر عبور بين جيل وآخر».

إعادة الشريط المهني بقالب حديث

ويُسعد زافين اللقاء بالقول عن مرحلته الحالية إنها «مراهقة الخمسين» الإعلامية (جَهْلة الخمسين المهنية)، وفق تعبيره. وفيها يعيد تقديم القصص الاجتماعية التي اشتهر بها بشروط جديدة... ويختتم: «أشعر بالحنين إلى الإعلام التقليدي، وأحاول عبر الإذاعة والبودكاست والتدريس الجامعي الابتعاد عن ضغوط الإعلام السائد، وتحسين قواعد اللعبة الإعلامية على طريقتي».


ما هي انعكاسات تراجع التفاعل «السوشيالي» لصالح الفيديوهات على عمل الناشرين؟

شعار "تيك توك" (رويترز)
شعار "تيك توك" (رويترز)
TT

ما هي انعكاسات تراجع التفاعل «السوشيالي» لصالح الفيديوهات على عمل الناشرين؟

شعار "تيك توك" (رويترز)
شعار "تيك توك" (رويترز)

يبدو أن منصات التواصل الاجتماعي تمر بـ«أزمة»، إذ بدا الدور الأصيل لها -وهو التواصل، وبناء الروابط الاجتماعية- يتلاشى، ليبرز الترفيه، ومتابعة الفيديوهات الخاصة بأشخاص «غرباء» باعتبار أنه احتياج أوّلي للمُستخدمين.

هذا الاتجاه يطرح تساؤلات بشأن ماذا سيحدث لاستراتيجيات عمل الناشرين حين يصبح الفيديو لغة المنصات الأولى؟ وكان معهد رويترز لدراسة الصحافة قد لفت في التقرير السنوي «لاتجاهات وتوقعات الصحافة والإعلام والتكنولوجيا لعام 2026»، أخيراً، إلى أن وسائل التواصل باتت أقل «اجتماعية»، بسبب تحوّل جذري في سلوك المستخدمين إزاء منصات «السوشيال ميديا» التقليدية، مع تراجع المحتوى الآتي من دائرة الأصدقاء لصالح موجز تقوده توصيات الذكاء الاصطناعي، ومقاطع الفيديو.

الدكتور أنس النجداوي، مدير جامعة أبوظبي-فرع دبي، وأستاذ الأعمال الرقمية المشارك، مستشار قناتي «العربية» و«الحدث» للتكنولوجيا ووسائل التواصل، يرى أن منصّات التواصل الاجتماعي تُغير خوارزمياتها بشكل مستمر، غير أن ما برز خلال العامين الماضيين هو انتقال اهتمام هذه المنصات من «مَن تتابع؟» إلى «ماذا يشدّ انتباهك ويبقيك وقتاً أطول على المنصة؟».

وأوضح النجداوي لـ«الشرق الأوسط» أنه «في السابق كانت منصات (السوشيال ميديا) تقوم بتحليل الرسم البياني الاجتماعي، أو Social Graph Analysis لمعرفة شبكة علاقات المستخدم، والأصدقاء، والحسابات التي يتابعها، ومن خلال هذه البيانات تبني ملف اهتمام يحدد سلوك المستخدم بدقة... غير أن الفيديو القصير هو الآن الأداة الأقوى لرفع مؤشر البقاء داخل التطبيق، لأنه سريع، ومتلاحق، ويدفع المستخدم من مقطع إلى آخر، وهو ما يترجم إلى أرباح إعلانية أعلى». وأردف: «وفي المقابل، تصبح النصوص الطويلة، والروابط الخارجية عبئاً، لأنها تخرج المستخدم من المنصة، فتتراجع فرص انتشارها».

عن انعكاس هذا التغير على استراتيجيات عمل الناشرين، يرى النجداوي أن «المؤسسات الصحافية والإعلامية أمام أزمة، لأن النموذج المعتاد للوصول للجمهور تغيّر... ذلك أننا نعيش الآن عصر (الزيرو كليك)، أي أن الروابط لم تعد مُجدية، وزيارات المواقع الصحافية انخفضت، ما يعكس ضرورة أن تغير نموذج العمل». وأوضح من ثم أن هذا التحوّل صنع ما يُسمّى بـ«النيوز إنفلونسر».

وتابع الدكتور النجداوي بقلق قائلاً إن «السرعة يمكن أن تدفع البعض للتبسيط المُخِلّ، أو للإثارة، ما يعني أن مُجاراة الخوارزميات يمكن أن تدفع الناشرين لتقديم محتوى بلا تأثير حقيقي، أو معلومة واضحة، فالمعادلة صارت صعبة؛ كيف تصنع فيديو يناسب الخوارزمية من دون أن تخسر التحقق، والدقة، والثقة؟».

من جهة ثانية، وفق بيانات وفرها «تشارتبيت» لصالح تقرير «رويترز» تراجع متوسط الإحالات إلى مواقع الأخبار من «فيسبوك» بنحو 43 في المائة خلال العامين الماضيين ونصف العام، بينما انخفضت الإحالات من «إكس» بنسبة 46 في المائة، في مؤشر على أن الانتشار عبر الروابط لم يعد يضمن حركة زيارات كما كان سابقاً.

وهنا علّق محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي بدولة الإمارات المتحدة، قائلاً إن الاستثمار في منصات الفيديو مثل «يوتيوب» و«تيك توك» بات خياراً أكثر جدوى من الاعتماد المفرط على الوصول من خلال المنصات التقليدية للتواصل الاجتماعي، أو «غوغل».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» شارحاً: «صحيح أن (غوغل ديسكوفر) كان مصدراً ضخماً للزيارات، غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولات جذرية، وبات من الصعب الاعتماد عليه، لا سيما أنه يخضع بالكامل لخوارزميات تتغير باستمرار، وقد ترفع أو تخفض الزيارات بشكل حاد خلال أيام». وتابع أن «سياسة (غوغل) أصبحت واضحة في استهداف إبقاء المستخدم داخل منظومتها عبر ملخصات الذكاء الاصطناعي، ما يقلل من قيمة الزيارة نفسها، ويضعف العائد التحريري والاقتصادي للناشر».

أيضاً اعتبر عاطف أن «يوتيوب» و«تيك توك» باتتا بيئة استهلاك حقيقية للجمهور اليومي، و«الاستثمار فيهما، لا يعني فقط تحقيق مشاهدات، بل بناء حضور متكرّر، وهوية بصرية، ونمط سردي يتعرف عليه الجمهور بسهولة». وحسب رأيه فإن «الاستراتيجية الأكثر واقعية في 2026 هي التحول من عقلية مصادر الزيارات إلى عقلية أماكن وجود الجمهور، لأن الفيديو القصير أصبح اللغة السائدة... بل حتى (غوغل) نفسها باتت تكافئه داخل (ديسكوفر)، لذلك الاستثمار في الفيديو لم يعد خياراً إضافياً».

واختتم موضحاً أن «إدراج الفيديو القصير ضمن منتجات المؤسسات الصحافية بات ضرورة، لضمان الوصول إلى فئات عمرية جديدة من الجمهور... لكن الفيديو القصير يعد تحدياً أمام الناشرين، لأنه يفرض منطقاً مختلفاً بالكامل في السرد الصحافي. وعلينا أن نقر بأن الجمهور بات أسرع في سلوكه التفاعلي، فهو لا يمنح أكثر من ثوانٍ قليلة قبل اتخاذ قرار المشاهدة، أو التمرير، ما يجعل نوع المحتوى وزاوية تقديمه عاملين حاسمين في النجاح».


الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
TT

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

هذا التباين الشديد يفرض تحدياً على المتلقي، فبينما يتابع بلهفة إبراز المواهب الغنائية يوم الأربعاء على برنامج «ذا فويس»، يجد نفسه منغمساً في أجواء روحانية خاشعة الجمعة والسبت مع برنامج «دولة التلاوة» المختص بترتيل القرآن الكريم.

أما الأحد، فيتحول المزاج إلى طاقة وحيوية مع رقصة الدبكة الصاخبة في برنامج «يلا ندبك». وباقي أيام الأسبوع، تأتي الأخبار لتلقي بظلالها على كل ذلك، لتملأ الشاشات بتقارير عن الحروب، والموت، والتطورات السياسية المؤلمة في المنطقة.

هذا التناوب الحاد بين الترفيه والروحانية والمأساة يولد تجربة مشاهدة فريدة ومتقلبة، يتأرجح فيها المشاهد بين الانغماس في المحتوى المرح والروحاني والهروب من واقع الصراعات.

جذب الجمهور

لا تتوقف تأثيرات هذه البرامج عند حدود الشاشات التقليدية، بل تمتد لتغزو منصات التواصل الاجتماعي، لتُغذيها بكم هائل من المشاهدات والتفاعلات التي تعزز انتشارها وتأثيرها.

كل برنامج ينجح في جذب انتباه الجمهور بطريقته الخاصة: «ذا فويس» يشعل روح المنافسة الغنائية ويدفع إلى تفاعلات واسعة النطاق، بينما «دولة التلاوة» يجذب شرائح واسعة من محبي الروحانية وتلاوة القرآن الكريم.

في المقابل، يمثل «يلا ندبك» منصة لإحياء التراث والطاقة الشبابية. يشارك الجمهور بفاعلية عبر التصويت، التعليقات، مشاركة المقاطع، إنشاء الهاشتاغات، ما يعزز ليس فقط انتشار البرامج بل يزيد أيضاً من قيمة المشاهدات والمتابعين للقنوات والمنصات التي تبثها.

دولة التلاوة

في مصر، يقدم برنامج «دولة التلاوة» نافذة للروحانية المطلوبة في خضم واقع متغير مليء بالتحديات. آلاف المتسابقين من مختلف المحافظات المصرية يدخلون في منافسات قوية في ترتيل وتجويد القرآن الكريم، لتصل الحلقات النهائية إلى اختيار أفضل 32 قارئاً، وهم في تنافس على المرتبة الأولى.

صورة جماعية من برنامج «دولة التلاوة» (فيسبوك)

تُبث هذه الحلقات على قنوات رئيسية، كما تُعرض على منصات رقمية، ما يضمن وصولها لجمهور واسع داخل مصر وخارجها. يظهر التفاعل الكبير على منصات التواصل الاجتماعي بوضوح، حيث تصل الجوائز الإجمالية للفائزين إلى 3.5 مليون جنيه مصري (75 ألف دولار تقريباً).

وتشمل الجوائز أيضاً تسجيل المصحف الشريف بأصوات الفائزين وإمامة صلاة التراويح في شهر رمضان، ما يضيف بعداً معنوياً كبيراً للبرنامج. تضفي لجنة التحكيم التي تضم نخبة من كبار العلماء والقراء، مصداقية روحانية فريدة للبرنامج، وتجذب عشاق التلاوة والفن على حد سواء.

«ذا فويس»

أما من الأردن، فيطل برنامج «ذا فويس» كمنصة بارزة لاكتشاف المواهب الغنائية الصاعدة. تعتمد صيغة البرنامج على تقييم الصوت فقط في مرحلة «العروض العمياء» الأولى، ثم تتصاعد المنافسة لتشمل العروض المباشرة والعروض الحية.

«ذا فويس 6» والمدرّبون ناصيف زيتون وأحمد سعد ورحمة رياض (إنستغرام)

الموسم الحالي، وهو السادس لعامي 2025 - 2026، يضم لجنة تحكيم مكونة من نجوم الغناء ناصيف زيتون ورحمة رياض وأحمد سعد. يشارك الجمهور بفاعلية في تحديد الفائز من خلال التصويت، ما يعكس الشغف الجماهيري بالمواهب الفنية ويعيد إحياء برامج المواهب الكبرى بعد سنوات من الانقطاع، ليولد بذلك حالة من الترقب والحماس بين المشاهدين.

«يلا ندبك»

وفي لبنان، يقدم برنامج «يلا ندبك» تجربة مختلفة تماماً، حيث يركز على فرق الدبكة اللبنانية التقليدية التي تتنافس لتقديم أفضل أداء. يتكون الموسم من ست حلقات تُظهر التراث الفولكلوري اللبناني والطاقة الشبابية المفعمة بالحيوية.

«يلا ندبك» على شاشة «إم تي في» اللبنانية (إنستغرام)

يحتفي البرنامج بالهوية اللبنانية الغنية بالثقافة والفن. التفاعل الجماهيري معه كبير وملحوظ، حيث تتصدر هاشتاغات البرنامج منصات التواصل الاجتماعي، ما يعكس اهتمام الجمهور العميق بالتراث والمرح في آن واحد.

دمار ومآسٍ

على الرغم من هذا القدر من الترفيه والروحانية، لا يمكن تجاهل الواقع القاسي والمؤلم الذي يعيشه العالم العربي. نشرات الأخبار والبرامج السياسية تظل على مدار الساعة تتابع الحروب والمجاعات التي تضرب مناطق مثل غزة، السودان، اليمن، لبنان، سوريا، وغيرها. وتُقدم تحديثات شبه لحظية، وتحليلات معمقة، وتقارير ميدانية تظهر الدمار والمعاناة الإنسانية.

مرآة عربية

ينتقل المشاهد بسرعة من فرحة الأغاني والتلاوات والرقصات التراثية إلى صدمة الأخبار الثقيلة، ما يعكس الفجوة بين المحتوى المبهج المتنوع والواقع المأساوي الحقيقي.

هذا التنوع في المحتوى الإعلامي ليس مجرد ترفيه أو سباق على المشاهدات، بل هو مرآة لمجتمع عربي يبحث عن توازنه الخاص بين النقد اللاذع والاحتفال، بين الخشوع الديني والمرح العفوي.

وفي خضم أزيز أخبار الحروب التي لا تتوقف، تبقى الشاشات مساحة واسعة يحاول من خلالها كل فرد أن يجد جزءاً من ذاته، سواء في صوت جميل يلامس الروح، أو في دقة إيقاع تراثي يربطه بأصوله، أو في أداء غنائي آسر للقلوب.