في الثالثة صباحًا من معظم أيام السبت من الشتاء الماضي، حرصت مجموعة من الطلاب على نقل شواية محمولة على عجلات إلى باحة خارج مكتبة كلية القانون بجامعة هارفارد، وتكديس فحم وقطع من الخشب بداخلها وإشعال النار بها.
في قرابة الخامسة صباحًا، تظهر مجموعة ثانية من الطلاب حاملة شرائح من صدور الدجاج متبلة لوضعها في الشواية. وعلى امتداد الفترة التالية التي تمتد ما بين 7 إلى 10 ساعات، يتناوب الطلاب على الاعتناء بقطع الدجاج التي يجري شيها، وأحيانًا يجري ذلك في ظل ظروف مناخية صعبة بسبب تزامن الفصل الدراسي مع أكثر فصول الشتاء التي شهدت تساقطًا للثلوج في ولاية بوسطن على امتداد التاريخ المسجل للمدينة.
ولم يكن ذلك في إطار بعض الطقوس الغريبة التي يأتي بها الطلاب، وإنما كانت هذه المجموعة من طلاب كلية الهندسة ممن التحقوا بدورة تحمل عنوان «هندسة التصميم وحل المشكلات». وقد أوكلت إليهم مهمة ابتكار شواية متطورة فنيًا تفوق في أدائها أفضل الشوايات المتوافرة بالأسواق، بشرط أن يقل سعرها عن 1.500 دولار.
وضم المنهج الدراسي للدورة التي استمرت ثلاثة أشهر دروسًا في إدارة الأعمال والطهي، بجانب مهارات هندسية. وكان من بين الضيوف المتحدثين خبير كيميائي في التذوق وطاهي متخصص في المشويات وخبراء في استصدار براءات اختراع.وفي نهاية الفصل الدراسي في مايو (أيار)، جرى تقييم المنتج النهائي، الذي تضمن تطبيقًا على الهواتف الذكية، من قبل البروفسور المسؤول عن الفصل، كيفين كيت باركر، وزميله في هيئة التدريس، بيتون نسميث. أيضًا، كان من بين من طرحوا تقييماتهم طاه في مطعم محلي متخصص في تقديم المشويات واثنان من المسؤولين التنفيذيين لدى مؤسسة «ويليامز - سونوما».
ومنذ ذلك الحين، أبدت «ويليامز - سونوما» اهتمامها بعرض شواية هارفارد في متاجرها. من جهته، وصف باتريك كونولي، نائب الرئيس التنفيذي للمؤسسة والمسؤول الأول عن الاستراتيجيات وتطوير الأعمال، الشواية بأنها «ابتكار حقيقي».
وقال باركر إنه تلقى عددا هائلا من الطلبات من مستثمرين محتملين وآخرين مهتمين بإقامة حفلات شواء. وقال هو ونسميث والكثير من الطلاب إنهم يرغبون في المشاركة في تأسيس شركة تتولى تصنيع وبيع شواية هارفارد، التي تولت الكلية إصدار براءة اختراع لها. وعلى صعيد منفصل، يخطط اثنان آخران من الطلاب لإنشاء شركة خاصة بهما لبيع صورة من شواية هارفارد.
جدير بالذكر أن هارفارد تملك حقوق الملكية الفكرية للاختراعات التي يبتكرها موظفوها. ومن المقرر أن يحصل باركر ونسميث على حصة من أي أموال تجنيها الشواية لحساب الكلية. أما أرباح الطلاب من الشواية فستخصهم بمفردهم.
إلا أنه في البداية، هناك خطوات يجب اتخاذها، مثل تنقيح النموذج الأولي وصياغة خطة للتسويق التجاري للشواية.
اللافت أن هذا لن يكون أول مشروع تجاري ينبثق عن الفصل، ففي عام 2012. تحدى باركر، وهو لفتنانت كولونيل بجيش الاحتياط وسبقت له الخدمة في أفغانستان أربع مرات، طلابه مطالبًا إياهم بتطوير برنامج لمعاونة أقسام الشرطة على تحليل المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بالعصابات الإجرامية. وقد شرع الكثير من طلاب هذا الفصل في إنشاء شركة برمجيات تحت اسم «مارك43».
كما أثمرت الدورات الموجهة لطلاب بكليات أخرى مشروعات تجارية. على سبيل المثال، بدأت مؤسسة «ستارت إكس» غير الهادفة للربح التي تعاون رواد الأعمال في ستانفورد على تطوير أفكار تجارية، من داخل أحد فصول الجامعة. كما أن دورة في ريادة الأعمال أثمرت الكثير من المشروعات التجارية، منها «ريست ديفايسيز»، التي تتولى صناعة أجهزة ذكية لمراقبة الأطفال تحت علامة تجارية باسم «ميمو»، وكذلك شركة «مينيستري أوف سبلاي» المتخصصة بمجال الملابس عالية التقنية، و«تشاريت ويت» التي تمكن الأفراد من التبرع لمنظمات خيرية عبر «تويتر».
يذكر أن ذهن باركر تفتق عن فكرة مشروع الشواية أثناء مسابقة للطهي في ممفيس قبل عقد مباراة قدم بالكلية. وقد شعر بالصدمة حيال أجهزة الشواء التي رآها، وصفها بأنها «كانت مجرد قطع معدنية من الخردة. مجرد صفائح لا قيمة لها مزودة بمداخن. إنها لا تليق بأي مهندس». وحينئذ، أدرك باركر وجود فرصة لابتكار شواية أفضل وتعمل بصورة علمية هندسية. وقبل أن ينعقد الفصل، أصبح باركر ونيسميث من المحكمين المعترف بهم بمجال الشواء من قبل جمعية مدينة كنساس لحفلات الشواء، ما يؤهلهما لتقييم مستوى شرائح الدجاج المشوية باستخدام شواية هارفارد.
وعندما بدأ الفصل الدراسي، كان اثنان فقط من إجمالي 16 طالبًا بالفصل سبق لهما شوي لحوم، بينما كان اثنان آخران من النباتيين، وخمسة كانوا من خارج الولايات المتحدة ولم يكونوا على دراية بأسلوب الشواء الأميركي.
بدأ الطلاب العمل بتحليل أجهزة الشواء المتوافرة في الأسواق، مع التركيز على «بيغ غرين إيغ»، وهي شواية مشهورة. وعكف الطلاب على تقييم النسخة الأكبر من الشواية والتي تبلغ تكلفتها 1.200 دولار. وقال باركر: «تفحصنا براءة اختراع (بيغ غرين إيغ)، ودرسنا نقاط قوتها وضعفها».
وبنى الطلاب نموذجًا عبر الكومبيوتر لـ«بيغ غرين إيغ»، ثم بنوا آخر للشواية الخاصة بهم. وقاموا بتنظيم المئات من صور المحاكاة بالكومبيوتر، وتعلموا كيفية الحفاظ على درجة حرارة طهي مستقرة ودقيقة، ما يمثل أهمية جوهرية لتكسير الكولاجين في اللحم بطريقة متساوية وجعل قوام اللحم أكثر لينًا. والتحق الكثير من الطلاب بدورة في صناعة الخزف لدى «استوديو هارفارد للخزف» كي يتمكنوا من بناء نموذجين أوليين للشواية.
وخلال دروس الشواء، قام الطلاب بتوصيل أجهزة استشعار بأسطح قطع اللحم وجمعوا بيانات حول جزيئات الدخان وتدفق الهواء. كما تولوا تركيب أجهزة تصوير حراري داخل قطع اللحم.
وتمثل التصميم النهائي في شواية من الخزف بزنة 300 رطل تحمل شكل الساعة الرملية، ومستوحاة من أبراج التبريد الخاصة بمفاعلات إنتاج الطاقة. ويتحكم كومبيوتر داخلي في حركة المروحة التي تضخ أكسجينا في شعلة النار، ويحسب الكومبيوتر درجة حرارة الشواية بالاعتماد على تطبيق خاص بالهواتف الذكية. جدير بالذكر أن إعادة تزويد غالبية الشوايات الأخرى بالوقود تستلزم فتح الجزء العلوي من الشواية لإضافة مزيد من الفحم وقطع الخشب، الأمر الذي يؤدي لعدم استقرار درجات الحرارة. أما شواية هارفارد فمزودة بفتحة جانبية تمكن الطاهي من إضافة المزيد من الوقود من دون التأثير على درجات الحرارة داخل الشواية. وتعمل أجهزة استشعار على تفحص مستوى الوقود ودرجة الحرارة اللازمة لطهي سطح اللحم ووزن الطعام الجاري شيه، ونقل المعلومات لتطبيق الهاتف الذكي.
وأوضح جو فيستا، وهو طالب متخصص في الهندسة البيولوجية ومن الطلاب الذين خاضوا الدورة، أنه: «بدلاً من اضطرار الطاهي للجلوس بجانب الشواية طيلة اليوم لمدة تتراوح بين 12 و15 ساعة، فإنه بمقدوره الخروج مع أسرته وتفحص درجات الحرارة عبر هذا التطبيق». كما أن بإمكانه التشارك في المعلومات مع الأصدقاء والأقارب الذين ينوون حضور حفل الشواء، الأمر الذي يحول الشواية لما وصفه باركر بأنه «جهاز ترفيه».
وحرص باركر على إشراك «ويليامز - سونوما» كعميل لمنح الطلاب شعور بالإلحاحية وتشجيعهم على التفكير في أنفسهم كمهندسين وليس مجرد طلاب جامعيين. وأقر كثير من الطلاب بأن هذا الأمر قد نجح في التأثير إيجابيًا عليهم.
من بين هؤلاء، مايكل مالولي، المتخصص في دراسة الهندسة البيئية، والذي قال: «كان ذلك أول فصل أشعر بداخله ببيئة عمل حقيقية وليس مجرد دراسة للحصول على شهادة، فنحن عملنا على تطوير جهاز يرغب الناس في استعماله فعلاً».
* خدمة «نيويورك تايمز»
طلاب هارفارد يطورون «شواية مثالية» تحت ثلوج بوسطن
ما بين اللهو والدراسة.. تخرج ابتكارات ومشروعات تجارية من فصول الجامعة
بيتون نسميث أحد أعضاء هيئة التدريس في هارفارد خلال تجربة عملية للشواية التي ابتكرها الطلاب (نيويورك تايمز)
طلاب هارفارد يطورون «شواية مثالية» تحت ثلوج بوسطن
بيتون نسميث أحد أعضاء هيئة التدريس في هارفارد خلال تجربة عملية للشواية التي ابتكرها الطلاب (نيويورك تايمز)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
