أول مصنع «إيرباص» أميركي بولاية ألاباما يحيي مدينة موبايل

قدمت الكثير من الامتيازات والإغراءات الضريبية والحوافز المالية للشركة الأوروبية

طائرة ايرباص من طراز ايه 321 الأولى التي تنتج في خط الانتاج الأميركي (رويترز)
طائرة ايرباص من طراز ايه 321 الأولى التي تنتج في خط الانتاج الأميركي (رويترز)
TT

أول مصنع «إيرباص» أميركي بولاية ألاباما يحيي مدينة موبايل

طائرة ايرباص من طراز ايه 321 الأولى التي تنتج في خط الانتاج الأميركي (رويترز)
طائرة ايرباص من طراز ايه 321 الأولى التي تنتج في خط الانتاج الأميركي (رويترز)

عندما شقت القافلة الأولى التي تحمل أجزاء الطائرة طريقها وسط الشوارع في يوم قائظ من أيام شهر يونيو (حزيران) بدا للناس وكأن كرنفال «الثلاثاء البدين» حل قبل موعده، في مدينة موبايل الساحلية بولاية ألاباما.
ومع صوت النفير الصادر عن الآلات النحاسية بالفرقة التي ضمت عشر عازفين، خرج المشاهدون للشرفات الأمامية، في حين صف آخرون الكراسي في الحديقة المليئة بأشجار السنديان الممتدة بطول أحد الشوارع الرئيسية بمدينة موبايل. ومرت عربة على شكل تنين تحمل كبار الشخصيات والموسيقيين يلوحون بأيديهم بالقرب من المنازل الصغيرة، والكنائس المتواضعة، وواجهات المحال التجارية.
خلف الموكب اصطف رتل من الشاحنات المسطحة محملة بأجزاء من جسم الطائرة وزوج من الأجنحة ومكونات ذيل الطائرة طراز «A321» التي استغرق عبورها المحيط الأطلسي ثلاثة أسابيع مقبلة من مصنع «إيرباص» في مدينة هامبورغ الألمانية. كانت القافلة في طريقها إلى مصنع جديد لتجميع طائرات «إيرباص»، ويُعتبر أول مصنع أوروبي للطائرات المدنية في الولايات المتحدة.
ويقول ويليام ستيمبسون، رئيس بلدية مدينة موبايل، المعروف باسم ساندي، الذي وقف يرقب المشهد وسط الزحام: «أعتقد أن سانتا كلوز زار المكان وترك لنا طائرة».
ويمنح المصنع الجديد الذي افتتح رسميا الاثنين الفرصة لشركة «إيرباص» كي توسع من قاعدة زبائنها في السوق الأميركية المربحة. وفى مدينة موبايل، سوف تنتج أحدث طرز «إيرباص» التي تتميز بكفاءة استخدام الوقود.
كذلك يساعد وجود مصنع «إيرباص» هناك على إعطاء دفعة قوية للمدينة ولسكانها الذين يدينون بالكثير من الفضل في نمو بلدتهم للطيران، خلال مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وحتى نهاية حقبة الستينات من القرن الماضي.
وجاء إنشاء المصنع، الذي تكلف نحو 600 مليون دولار على مساحة 116 فدانًا في المكان ذاته الذي كانت تشغله قاعدة بروكلي الجوية في السابق، تتويجًا لجهد كبير نجح في نهاية المطاف في اجتذاب المصنع، وسط منافسة شرسة مع الكثير من المدن الأميركية، بهدف لفت أنظار واستثمارات الشركات الأجنبية.
وشأنها شأن الكثير من الولايات والمدن، قدمت ألاباما وموبايل الكثير من الامتيازات والإغراءات الضريبية والحوافز المالية لشركة «إيرباص».
وفى المقابل، يعرض كبار المصنعين توفير المئات، إن لم يكن الآلاف، من فرص العمل. وبالنسبة لمدينة موبايل التي لا يتجاوز عدد سكانها 200 ألف نسمة، فإن توفير 4000 فرصة عمل في «إيرباص»، وفي الشركات المتعاملة معها على مدار السنوات المقبلة كان في حد عنصر جذب، إذ إن معدلات البطالة في المنطقة واصلت الارتفاع لتقترب من 8 في المائة، وهو معدل يفوق باقي الولايات الأميركية.
يأتي غزو «إيرباص» للولايات المتحدة كجزء من استراتيجية طويلة المدى، فقد قسمت الشركة السوق العالمية لطائرات نقل الركاب مناصفة مع منافستها «بوينغ»، ومقرها شيكاغو. بيد أن «إيرباص» تجاوزت عائداتها العام الماضي 61 مليار يورو، ما يعادل 69 مليار دولار، ما زالت تتلكأ خلف منافستها في السوق الأميركية. يعتبر هذا صحيحا بالنسبة للطراز ضيق البدن مثل «إيرباص إيه 320»، و«إيه 321» الذي ينافس طراز «بوينغ 737» بشكل مباشر. وعلى غرار ما فعله صانعو السيارات اليابانيين من الجيل السابق، تأمل «إيرباص» في إنتاج طائرات «صنعت في الولايات المتحدة الأميركية» لكي تضعف قدرة «بوينغ» على الاستفادة من ميزة العمل على أرضها. ويقر مسؤولو «إيرباص» بأن إعطاء شركتهم واجهة أميركية من شأنه أن يخدم المصالح السياسية؛ ففي الوقت الذي شرعت فيه الحكومات الأوروبية في تنفيذ سياساتها التقشفية عن طريق تقليص الإنفاق العسكري، تتطلع «إيرباص» التي تنتج كذلك طائرات مروحية، ومقاتلات وغيرها من الطائرات، إلى الولايات المتحدة وإلى غيرها من الحكومات كزبائن مرتقبين.
وصرح فابريك بريغير، المدير التنفيذي لشركة «إيرباص» من مقر الشركة في تولوز بفرنسا: «نتطلع لأن نشكل قطاعا عالميا في سوق الملاحة الأوروبية».
وأضاف بابريك أن مدينة موبايل سوف تعطي «رؤية أوضح لمجموعة (إيرباص) بالكامل، ليس في مدينة ألاباما فحسب، بل في الولايات المتحدة بشكل عام».
* الوصيفة الاقتصادية
في هذا الصيف لا يزال عمال البناء منهمكين في استكمال صالة التجميع النهائي بمدينة موبايل على مساحة 200 ألف قدم مربع. وعلى الرغم من عدم اكتمال الإنشاءات، فإن العمل جارٍ داخل إحدى الطائرات الجديدة التي وصلت للمصنع وسط ضجة إعلامية كبيرة في يونيو الماضي كجزء من أول شحنة سفينة تحمل أجزاء «إيرباص» تصل إلى المصنع الجديد بمدينة موبايل.
وشرع بضع عشرات من الفنيين والمهندسين بالزي الأزرق في العمل، والتنقل بين الأبواب غير مكتملة الإنشاء، وتركيب أعداد لا نهائية من أسلاك النحاس، واختبار معدات كابينة الطيار، وكانت أصوات مكتومة صادرة عن دوران المحركات تنبعث من نوافذ الطائرة التي كان جسمها ما زال أجوف.
وفى هذه المرحلة، تعتبر وتيرة إنتاج «إيرباص» بمدنية موبايل بطيئة مقارنة بإنتاج مصانعها في ألمانيا، وفرنسا، والصين، التي بلغ إجمالي إنتاجها مجتمعة العام الماضي أكثر من 600 طائرة تجارية. وحتى بوتيرة الإنتاج المنخفضة، تستطيع سماع همهمة في المكان تذكرك بطبيعة المكان القديمة كقاعدة جوية أميركية.
ويسترجع ماثيو ميتكالف (84 عاما) ذكرياته في القاعدة العسكرية عندما كان العسكريون يتلقون دورات لتنمية مهاراتهم. ففي وقت الذروة كانت قاعدة بروكلي تكتظ بنحو 17000 عامل موزعين على عشر أنواع من الوظائف، مما جعل من المكان أكبر مصدر للتوظيف في مدينة موبايل.
ويقول ميتكافل، الرئيس السابق لمطار مدينة موبايل: «حضر أغلب الناس من المدن الصغيرة والمناطق الريفية بعيدة مثل أركنساس للعمل هنا خلال فترة الحرب».
وعندما أغلقت القاعدة الجوية عام 1969، كان الأمر مصدر ضيق للمدينة. فبالإضافة إلى العسكريين، تبخرت آلاف الوظائف المدنية بالقاعدة الجوية أيضا.
ويضيف ميتكاليف: «كان الأمر مؤلما؛ ألا ترى تلك الماكينة الاقتصادية مرة أخرى». وعلى مدار العقدين المقبلين، ناضلت مدينة موبايل لاستعادة موقعها كإحدى أكبر حاضنات شركات القطاع الخاص، منها شركات للنسيج والورق، التي إما أغلقت أبوابها أو نقلت مقارها لدول أخرى. مثل باقي المدن الواقعة في أعماق الجنوب، فإن جاذبية ألاباما للمستثمرين الأجانب غالبا ما صاحبها تخوف من التاريخ الطويل من العنف العنصري هناك.
بيد أن الأمور أخذت في التغير بدءا من عام 1993، عندما عُين جيمس فولسوم محافظا لولاية ألاباما، بعدما أدين المحافظ السابق بتهم تتعلق بخرق المبادئ. ورغم أن الفترة التي قضاها فولسوم في منصبة لم تتجاوز العامين، فإن الكثيرين من سكان ألاباما يشهدون له بالفصل في تغيير صورة المدنية، بعدما حولها إلى حاضنة للأعمال الكبيرة.
فبعد أدائه القسم بأيام قليلة، أصدر فولسوم تعليماته بإزالة علم المعركة الاتحادية من فوق قبة البرلمان في مونتغومري (لم تتم إزالة الأعلام الاتحادية من على النصب التذكاري بالبرلمان سوى العام الحالي).
عقب ذلك تبنت الحكومة حملة قوية لإغراء المستثمرين الجدد؛ بأن قدمت حزمة من الإعفاءات الضريبية وغيرها من الحوافز، وفى خلال شهور معدودة استقدمت ألاباما مصنعا كبيرا من صانعي السيارات الفارهة «مرسيدس بينز» تم تشييده في مدينة فانس بالقرب من مدينة توسكالوسا. بلغت قيمة الصفقة 300 مليون دولار، وتبعها مصانع سيارات أجنبية أخرى منها «هوندا»، و«هيونداي»، وشيدت «تويوتا» مصنعا للمحركات.
كذلك عرف مصنّعو سيارات آخرون الطريق إلى ألاباما، منهم مقاولون عسكريون مثل «لوكهيد مارتن»، و«نورثروب غرومان»، وكذلك «بوينغ»، وغيرها من شركات الطيران. غير أن تلك الشركات اتجهت شمالا، تحديدا مدينة هنتسفيل حيث مقر وكالة «ناسا» للفضاء التي شهدت تصميم وارنر براون للصاروخ الذي صعد برواد الفضاء إلى القمر خلال عقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضي.
وفى حين نجحت مدينة موبايل في جذب الاستثمارات الأجنبية في مجالات أحواض السفن ومصانع الصلب، لم تكلل بالنجاح جهود أخرى لجذب مصانع كبيرة للمدينة.
وفى عام 1993، أعدت مدنية موبايل القائمة النهائية لبناء مصنع طائرات الركاب ذات الحجم الكبير «ماكدونيل دوغلاس إم دي 12» إلا أن المشروع لم يكتمل بسبب تراجع الطلب على هذا الطراز. وبعد ذلك بعشر سنوات شرعت بوينغ في إنشاء مصنع لتجميع طراز «787 دريملاينر» بالمدينة، إلا أنها تراجعت وقررت الإبقاء على مصنعها في واشنطن. كذلك قامت شركة «تصنيع الطائرات الإندونيسية»، المملوكة للدولة، التي تنتج المحرك المروحي التوربيني والطائرات المروحية، بعمل خطة لإنشاء مصنع بالمدينة، إلا أن الفكرة لم تُنفَّذ.
وقال جو بونر عضو الحزب الجمهوري الذي مثّل مدينة موبايل في الكونغرس خلال الفترة من 2003 حتى 2013: «كانت مدينة موبايل دوما مثل الوصيفة. تأتي متأخرة ولا تستطيع التتويج».
* الوجهة: أميركا
استشرفت «إيرباص» المستقبل في مدينة موبايل لسنوات؛ فميناء المدينة العميق بمقدوره استيعاب السفن المحملة بمواد إنشائية ضخمة مقبلة من أوروبا، وتجري قطارات البضائع على مقربة منها. كذلك موقع مدينة بروكلي مزود بمدرجين طويلين لهبوط الطائرات متاح بالفعل لبعض شركات الملاحة والصيانة الصغيرة وموردي قطع الغيار.
غير أن هناك سببًا آخر لكون المكان جذابا وهو وقوع المكان على الأرض الأميركية.
بحثت «إيرباص» دوما عن طريقه لكسر سيطرة «بوينغ» على السوق داخل الولايات المتحدة، إذ إن وجود جزء من إنتاج «إيرباص» العالمي في مدينة ألاباما من شأنه أن يخلق مانعًا طبيعيًا ضد تقلبات سعر الصرف بين اليورو والدولار الأميركي، وسوف يقلل كلفة نقل المكونات التي تبلغ قيمتها 16.5 مليار دولار والتي تشتريها «إيرباص» من موردي شركات الملاحة الأميركية كل عام. كذلك تعتبر أجور العمالة أقل بكثير من مثيلاتها في أوروبا. ففي حين تضم ألاباما عمالا تابعين للنقابات أكثر من غيرها من الولايات الجنوبية، ما زالت ألاباما تحتفظ بقانون يسمى «حق العمل» الذي يمنع نقابات القطاع الخاص من مطالبة العمال بسداد رسوم النقابة.
كذلك سعت «إيرباص» إلى عمل صدع في السوق العسكرية الأميركية التي تعتبر الأكبر عالميا. فالنشاطات العسكرية والفضائية في العالم لا تدر سوى 18 في المائة من عائدات مجموعة «إيرباص»، مقارنة بـ34 في المائة في شركة «بوينغ»، وعليه فإن إبرام عقد كبير مع الحكومة الأميركية من شأنه أن يساعد الشركة على تقليل اعتمادها على الطائرات التجارية. وحتى تستطيع الحصول على صفقات عسكرية كبيرة، يتعين علي «إيرباص» أن تستميل المسؤولين في واشنطن، إذ إن أغلب كبار المقاولين الأميركيين ينضوون داخل جماعات الضغط التجارية القوية، وتدرك كل من مدينة موبايل و«إيرباص» مدى صعوبة التغلب على هذا الأمر.
في عام 2000 فازت «إيرباص»، بالاشتراك مع شركة «نورثروب غرومان» بعقد بقيمة 35 مليار دولار لبناء 179 ناقلة بترول جديدة للقوات الجوية الأميركية اعتمادا على الجسم الكبير لطائرات «إيرباص إيه 330». كان الاتفاق أن يتم التنفيذ في مدينة موبايل حيث يوجد مكتب صغير لشركة «إي إيه دي إس»، الشركة الأم لـ«إيرباص»، يضم أقل من 100 مهندس ومصممين جويين.
غير أن «بوينغ» اعترضت بدعوى أن عرضها قد اعتبر أكثر كلفة على غير الحقيقة، وعليه أعيد النظر في المناقصة بين الشركتين مرة أخرى. استمر ذلك اليوم في ذاكرة ويل فوسيوتي الذي يقيم في موبايل حيث قال: «يتملكني الإحساس أن موبايل تستحق أن تنال ذلك».
فوسيوتي هو مالك سلسة مطاعم دجاج فوسكلي، ولم يكن له ميل كبير لتوريد منتجه للطائرات، غير أنه عندما سمع خبر إعادة البنتاغون النظر في أمر المناقصة شعر بأن زبائنه تعرضوا لخديعة. أرسل فوسيوتي أحد موظفيه ليعلق رسالة على أحد مطاعمه نكاية في «بوينغ»، وتقول الرسالة: «نود تقديم إصبع لـ(بوينغ)».
وفى غضون ساعات معدودة، نشر رواد المطعم الرسالة على «فيسبوك»، وعرضت شركة إعلانات محلية مساحة إعلانية مجانية لمطاعم فوساكيل على طريق السفر «إنترستيت 65»، إضافة إلى طباعة العبارة على مئات القمصان وملصقات السيارات.
وبعد ثلاث سنوات فازت «بوينغ» بالعطاء ولم تدخل «إيرباص» في المنافسة. غير أنه في بداية عام 2012 عادت «إيرباص» لمدينة موبايل بمقترح جديد لإنشاء خط تجميع لاثنين من أكثر طرزها التجارية انتشارا؛ «إيه 320» والطراز الشبيه الأكبر حجما «إيه 321».
وقال آلان ماكارتر، المدير التنفيذي لعمليات «إيرباص» بشمال الولايات المتحدة، إن «الأمر استغرق قرابة عام ونصف العام كي نلغي العملية التجارية. درست إيرباص أماكن أخرى، إلا أنها كانت تعود دائما لألاباما وموبايل، اللتين كانتا من الممكن أن تقدما استثمارات بقيمة 150 مليون دولار، إضافة إلى إعفاءات ضريبية وتحمّل تكاليف تدريب العمال وغيرها من الحوافز، وهو ما كان بالفعل في يونيو 2012، فقد كان هذا المكان هو البيت الذي طالما بحثنا عنه».

خدمة « نيويورك تايمز»
خاص بـ «الشرق الأوسط»



رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.