المصممة أماندا وايكلي: لا أؤمن بالهزيمة.. ولا أبكي على الحليب المسكوب

مسيرة عمرها 25 عامًا.. لكنها تؤكد أن الحياة تبدأ فعلاً بعد الخمسين

أماندا وايكلي  -  من تشكيلتها لخريف وشتاء 2015
أماندا وايكلي - من تشكيلتها لخريف وشتاء 2015
TT

المصممة أماندا وايكلي: لا أؤمن بالهزيمة.. ولا أبكي على الحليب المسكوب

أماندا وايكلي  -  من تشكيلتها لخريف وشتاء 2015
أماندا وايكلي - من تشكيلتها لخريف وشتاء 2015

من تتبع مسيرة أماندا وايكلي منذ بداية التسعينات من القرن الماضي إلى اليوم يعرف أنها مثل القطة بسبع أرواح، كلما تعرضت لأزمة تقوم منها أقوى من الأول، مؤكدة لنا مقولة أن «الضربة التي لا تقتل تقوي». فقد كادت تفقد دارها منذ بضع سنوات، ومع ذلك لم تقبل بالهزيمة، ونجحت في استعادتها من دون أن يتأثر اسمها أو تفقد بريقها في مخيلة كل من شهد انطلاقتها ووقع أسير أسلوبها الأنثوي الراقي.
هذا الشهر تحتفل بعامها الـ25 كمصممة أزياء، لهذا لم يكن من الوارد بالنسبة لـ«الشرق الأوسط» أن تفوت هذه المناسبة ولا تقابلها وجها لوجه لتسبر أغوارها وتعرف كيف نجحت في تخطي مطبات قوية كان من الممكن أن تقضي على أعتى الرجال وترميهم في غياهب النسيان. في 18 من شارع «آلبيمارل» بمنطقة «مايفير» تم اللقاء في محلها الجديد، واختارت الطابق الأول لأنه هادئ ومريح. وبالفعل، فهو يشمل غرفة مربعة واسعة تتوسطها كنبات كبيرة ومرايا طويلة تعكس الضوء، الذي يخترق النوافذ العالية، لتزيد من اتساع المكان وتعكس جمال فساتين السهرة المعلقة على شماعات. ترفع عينيك إلى السقف فتبهرك ثريا ضخمة تتلوى وكأنها ترقص حول نفسها، قالت لي المصممة بفخر، عندما رأت عينيّ قد تسمرتا عليها، إنها هي التي صممتها، وإنها أرادتها أن تأخذ شكل قطعة قماش تلتف حول نفسها. وسط الغرفة توجد مدفأة لم تكن هناك حاجة لإشعالها لأن الوقت كان صيفا والطقس في الخارج مشمسا، لكن يمكن تصور حميميتها في فصل الشتاء عندما تكون نيرانها ملتهبة.
«أردت أن يكون المحل بمثابة بيت أماندا، يرحب بك بمجرد الدخول إليه»، هذا ما قالته المصممة وهي تؤكد أنها استمتعت بتصميم الديكور، استمتاعها بتصميم الأزياء، حيث راعت فيه خصوصية معماره الأصلي، مع إضافة لمسة حداثة تعكس أسلوبها الخاص.. «فكل قطع الأثاث فيه مرنة، يمكن تغييرها وتحويلها من مكان إلى آخر لتكتسب وظيفة جديدة» حسب قولها. الغرفة التي تم فيها اللقاء، مثلا، يمكن أن تتحول إلى غرفة طعام لاستقبال الأصدقاء، مع وجود مطبخ في الطابق نفسه، أو أن تتحول إلى قاعة احتفالات أو اجتماعات وهكذا.
بالفعل، كل ما في المكان يضج بالأناقة والحميمية، ويعكس إلى حد كبير شخصية أماندا وايكلي الدافئة. فعندما وصلت وهي تلهث إلى مكان اللقاء بعد أن تأخرت خمس دقائق فقط، فتحت ذراعيها تحتضنني وكأننا نعرف بعضنا منذ زمان، ثم اعتذرت ضاحكة وهي تنظر إلى حذائها بأن تقطع أنفاسها يعود إلى إسراعها في المشي بكعب عال خوفا من أن تتأخر عن موعدنا.
ما إن جلسنا حتى سألت بفضول ومن دون سابق إنذار عن أصولي، معترفة بأنها تعشق النظر إلى وجوه الناس وتخمين أصولهم والعناصر التي شكلت ملامحهم. وأضافت وكأنها تعتذر عما يمكن اعتباره في العرف الاجتماعي الإنجليزي اختراقا للخصوصية: «يمكنك إرجاع السبب إلى جيناتي الوراثية، فوالدي جراح وكذلك جدي، وهذا يعني أنهما مثلي يعملان في مجال تشريح الأجسام». وتابعت ضاحكة: «كل بطريقته طبعا، فأنا أقوم بما أقوم به، لأنني أحب أن أجعل جسم المرأة يبدو في أحسن حالاته وأجملها، وهو ما أعتبره من نقاط التشابه بيني وبينهما».
أول ما يثيرك فيها وهي تتحدث، إلى جانب حماسها، شعرها الأشقر المسترسل وطولها الفارع، إلى حد أنك تستغرب سبب ارتدائها كعبا عاليا من الأساس. وفجأة تتذكر أنها كانت في شبابها عارضة أزياء. كان ذلك لفترة قصيرة، وبدا واضحا من ردها المقتضب أنها كادت أن تنسى هذه التجربة: «لم أكن جادة أبدا في الأمر، رغم أنني لا أنكر أنني استفدت من التجربة، لأنها قدمتني إلى محيط يتنفس الجمال والأناقة، فأينما وجهت أنظاري كنت أرى أزياء رائعة تثير الخيال والرغبة فيها في آن واحد. إنها مرحلة تشبعت فيها بالكثير من الجماليات، خصوصا أنني من النوع الذي يسجل الأشياء بصريا.. أمتص الألوان والأشكال والخامات وأخزنها ثم أترجمها في ما بعد بشكل من الأشكال».
بزغ نجم وايكلي في بداية التسعينات من القرن الماضي، ولمست تصاميمها وترا حساسا بداخل النساء، بمن فيهن الأميرة الراحلة ديانا التي ظهرت بتايور من تصميمها باللون الأخضر الزيتوني في عام 1993. ولم يخف إعجاب النساء بتصاميمها لحد الآن، بدليل أنه انتقل إلى الجيل الحالي من النجمات والطبقات الارستقراطية، مثل دوقة كمبردج، كيت ميدلتون، التي ظهرت هي الأخرى بتصاميمها إلى جانب نجمات من كل الأعمار، نذكر منهن هيلين ميرن، وسكارليت جوهانسون، وكيت وينسليت، وغيرهن.
والسبب أنها لا تتبع صرعات الموضة، وتصاميمها لا تصرخ بالابتكار المجنون، بقدر ما تصرخ بالرقي الهادئ الذي لا يعترف بزمن أو عمر. وتعترف المصممة بأن الفكرة التي لا تزال مترسخة في أذهان بعض النساء أن تصاميمها كلاسيكية تخاطب المرأة الناضجة أكثر، لكنهن ما إن يدخلن المحل حتى يتفاجأن بالعكس «لهذا تسعدني كثيرا رؤية أمهات يأتين مع بناتهن، وتخرج كل واحدة منهن محملة بما يناسبها. هذا رائع بالنسبة لي، لأنه يؤكد لي أنني نجحت في مهمتي».
الآن أكثر من أي وقت سابق، تحاول وايكلي أن تركز على هذه النقطة، وتمحو فكرة أن تصاميمها تركز على فساتين السهرة الطويلة أو الكلاسيكية فقط. فهي تريد أن تبيعنا أسلوب حياة بالكامل، لهذا وبمجرد دخول المحل تتراءى تشكيلات غنية ومتنوعة من الكشمير والقطع المنفصلة لكل المناسبات، تخاطب امرأة مترفة، لكن عملية في الوقت ذاته، وهو ما تعكسه أسعارها أيضا. فـ«المنتجات الفاخرة أصبحت مستهلكة» حسب قولها.. «وأغلب الناس مهتمون الآن بالكيف وليس الكم، أي أنهم لا يريدون شراء حقائب غالية اليوم، تخسر قيمتها غدا لأنها لم تعد موضة. وهذا أصبح يتطلب الحرفية والجودة في التنفيذ فضلا عن جمال التصميم، مع الكثير من التفرد بحيث يحكي المنتج قصة مثيرة ولا يكون مملا».
نظرة سريعة إلى ما في المحل والتشكيلة التي ستقدمها في أسبوع باريس هذا الأسبوع، تؤكد أن أسلوبها لا يزال يميل إلى الترف بفنيته، لكنه ليس بعيد المنال من حيث أسعاره وتصاميمه. ففي هدوئه رقي يستهدف أن يجعل المرأة تشعر بالتميز والثقة «وهذا مهم بالنسبة لي لأنني أؤمن بأنني كلما منحت زبونتي الثقة زادت جمالا وسحرا».
عندما نطقت بهذه الكلمات صوبت عينيها، بطريقة عفوية، باتجاه فساتين السهرة المصفوفة أمامنا، ثم قامت وأمسكت بواحد منها وهي تشير إلى التفاصيل الداخلية، مشيرة إلى أنها لا تنسى أن جمال القطعة من الداخل لا يجب أن يقل عن جمالها من الخارج «لأنها كلما كانت على المقاس وتراعي أدق التفاصيل، تنساها المرأة وتستمتع بوقتها». وهذا تحديدا ما تقدره زبوناتها، فأسوأ شيء بالنسبة لأي امرأة أن تكون في مناسبة مهمة وتقضي معظم وقتها غير مرتاحة، تقاوم نزول كم من على كتفها، أو تحاول رفع ياقة «ديكولتيه» وما شابه.
الطريف أنه كلما تطور الحديث توارت صورة المصممة الفائقة الجمال، التي دخلت المحل لاهثة بشعرها الأشقر المسترسل، وحلت محلها صورة امرأة ذات عزيمة قوية، إلى حد أنه في لحظة تبادرت إلى ذهني صورة النجم آرنولد شوارزنيغر وهو ينطق بمقولته الشهيرة: «لقد عدت» (I am back).
فهي الأخرى اختفت فترة عن رادار الموضة، وعادت أقوى من الأول. الآن في جعبتها جوائز مهمة، من غرفة الموضة البريطانية ووسام «OBE» قدمه لها الأمير تشارلز في عام 2010، وهذا وحده يؤكد أن المطبات لا تقف حاجزا أمام النجاح إذا توافرت الإرادة، وقليل من الحظ.
عندما أطلعتها على صورة آرنولد شوارزنيغر التي كانت تجول بذهني، ضحكت قائلة: «أنا لا أؤمن بالهزيمة، ولا أنا من النوع الذي يبكي على الحليب المسكوب، فقد علمتني الحياة ألا أفتح الباب للندم، لأنه يمكن أن يمتص طاقة الإنسان.. ثم إن الحياة عموما ليست سهلة، لهذا أركز على المستقبل دائما، وأتذكر دائما أهمية أن نستمتع بما بين أيدينا من نعم».
بيد أنها لا تنكر أنه إلى جانب مثابرتها وقوة شخصيتها، كان للحظ دور في حياتها. في عام 2009، مثلا توفقت في استرجاع أسهم دارها، بمساعدة رفيق دربها الحالي، هيو موريسون، بعد أن كانت لا تملك سوى 20 في المائة منها ولا رأي لها في ما يجري فيها. اجتهدت في إعادة ترتيب أوراقها وجعلها قابلة للاستثمار، وهو ما أثمر في عام 2012. فقد حصلت بالفعل على استثمار مهم من شركة «AGC» الخليجية، بعد اقتناع مسؤوليها برؤيتها أن تجعل من الدار أسلوب حياة بالكامل بدل صورتها القديمة كدار متخصصة في فساتين السهرة فحسب، علما بأن علاقتها بمنطقة الشرق الأوسط ليست جديدة. فقد سبق لها أن تعاونت مع شركاء من المنطقة في السابق، لهذا توطدت علاقتها بزبونة المنطقة مع الوقت، إلى حد القول بأن الكثير من العناصر في محلها الجديد بـ«آلبيمارل» يستهدف هذه الزبونة، ليس في ما يتعلق بفساتين السهرة المطرزة فحسب، بل أيضا الإكسسوارات التي باتت مصنوعة من جلود التماسيح وإبزيمات وماسكات تحاكي الجواهر. ولا تخفي وايكلي أهمية المنطقة بالنسبة لها، وتعترف بأنها بعد زيارات متعددة لها، تعرفت على ذوق المرأة العربية «فهي امرأة تفهم معنى الحرفية وتقدرها بشكل مدهش. فقد يعتقد البعض مثلا أنها تُقبل على التطريز مثلا، فقط لأنه يلمع، والحقيقة غير ذلك تماما، فهي تتمعن في طريقة تنفيذه، وتفهم ما يحكيه من قصص فنية مثيرة، لهذا تُقبل عليه».
ومع ذلك، لا تنوي المصممة إرضاءهن على حساب جيناتها الوراثية، بل تنوي ذلك بتوسيع الخطوط التي تقدمها، مثل إضافة خط «ذي أتولييه»، الذي تعتبره الأكثر تعقيدا من ناحية التطريز إلى حد يحاكي الـ«هوت كوتير»، لا سيما أنها اكتشفت من خلال مقابلاتها المتكررة بهن أنهن لا يتوقعن منها تغيير أسلوبها. تشرح: «صحيح أن المنافسة كبيرة في السوق حاليا، خصوصا في ما يتعلق بفساتين السهرة والعرائس، لكني أؤمن بأنه على كل مصمم أن يحافظ على أسلوبه الخاص. فزبونتي، مثلا، لا تريد فستانا عليه اسمي، لكنه نسخة من إيلي صعب، مثلا، بل تريد أسلوبي، برؤيتي الخاصة».
لم تدرس أماندا وايكلي تصميم الأزياء، وكل ما تعلمته كان بالتجربة الميدانية. فقد كانت دائما مسحورة بالأزياء واللعب بالأقمشة، وفي فترة الصبا كانت تصمم فساتين، تصيب حينا وتخطئ حينا آخر، كما كانت تشتري قطعا تعجبها، تفككها ثم تعود لحياكتها من جديد. فالعملية حسب رأيها «كانت فطرية».
وأكثر ما كان يثيرها كيف تتحول قطعة قماش عادية إلى قطعة ثلاثية الأبعاد تتحرك وكأنها تتمتع بروح وكيان. عندما احترفت المهنة لم يعد بوسعها اللعب لوحدها، وكان لا بد لها من التعاون مع أشخاص يمتلكون الموهبة والخبرة في الوقت ذاته، وهو ما فعلته بتعاملها مع حرفيين لهم قدرة عجيبة على إنجاز تقنية التصميم بطريقة مائلة بنسبة 45 درجة تقريبا (The Bias Cut)، وهي التقنية التي اشتهرت بها وجعلت المرأة تقبل عليها، لما يمنحه لها هذا التصميم من رشاقة وأنوثة.
تدافع أماندا عن هذه التقنية عندما أقول لها إنها تناسب امرأة فارعة الطول ورشيقة مثلها، قائلة بأنها قد تبدو كذلك وهي معلقة على شماعة، لكن بمجرد ارتدائها تشعر المرأة كما لو أنها فصلت على مقاسها تماما، لأنها تخفي الكثير من العيوب التي تريد التمويه عنها، وتبرز أنوثتها في المقابل.. «يمكنني القول بأنها طريقة رائعة سواء في طريقة قصها أو شكلها النهائي. أما بالنسبة لطولها فإنني أتعمده لسبب منطقي وهو أنه من السهل تقصيرها مقارنة بتطويلها في حال استدعت ذلك».
2015 مهم بالنسبة لها، لأن فيه تحتفل بمسيرة 25 عاما، وهو ما تعلق عليه ضاحكة، في إشارة إلى أنها تعدت الخمسين بسنوات قليلة «أنا لا أصدق أننا بلغنا الـ25، لأن ذلك يكشف الكثير، وأنا ما زلت أشعر كما لو أنني في الثلاثين من العمر». ومع ذلك فهي تعرف أنه رقم مهم في حياتها يستحق أن تستمر الاحتفالات به طوال العام وهذا ما تنويه.



نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
TT

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

شوارع الموضة والمحال في كل أنحاء العالم تصرخ هذه الأيام بأن طبول الغابة تدق عالياً. فطبعات الفهد والنمر وخطوط الحمار الوحشي وجلود الثعابين، تتصدر المشهد. نقوش قوية وجريئة، لافتة ومثيرة، لكنها في الوقت ذاته امتحان دقيق للذوق العام، فبين الأناقة والابتذال خيط رفيع، وبيدك أنت أن تخلقي المعادلة الصعبة بين إثارتها ورسالتها، من خلال طريقة تنسيقك، ونوعية الأقمشة التي تختارينها بما يتناغم مع أسلوبك الشخصي.

كل المحال تقريباً توفر تصاميم متنوعة من هذه النقشات يمكن تنسيقها حسب أسلوبك بسهولة (موقعا «مانغو» و«زارا»)

المهم أن تنتبهي؛ فطريقة تنسيقها سيف ذو حدين. فبينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها. وربما هنا تكمن جاذبيتها التي تلمس شيئاً بدائياً بداخلنا.

تطورها الفني والجمالي

رغم إجماع الأغلبية على أن هذه النقشات واحدة من أهم توجهات الموضة لهذا الموسم، فإنها لم تغب عن الرادار منذ أكثر من قرن، بل إن جذورها بالنسبة للبعض، ومنهم الكاتبة جو ويلدون، مؤلفة كتاب بعنوان Fierce: The History of Leopard Print تمتد إلى العصر الفرعوني؛ حيث تستشهد الكاتبة برسمة على جدران المعابد لـ«سشات»، إلهة الحكمة والمعرفة والكتابة في مصر القديمة، وهي ترتدي ثوباً بنقوش النمر في دلالة مبكرة على ارتباط القوة بالأنوثة.

وفي القرن الثامن عشر ظهرت في ملابس الطبقات الأرستقراطية رمزاً للفخامة، وأيضاً السلطة، قبل أن تنتعش أكثر في عشرينات القرن الماضي. أما حضورها الرسمي على منصات عروض الأزياء فجاء في عام 1947 في مجموعة المصمم كريستيان ديور لربيع وصيف ذلك العام. كان من خلال فستان سهرة وحيد إلا أنه كان مفعماً بالأنوثة والترف. فالطريف أن السيد ديور كان يرى أن نقشة النمر تتمتع بجاذبية حسية لا تقاوم، وبالتالي لا يناسب امرأة تتسم بالهدوء والنعومة، حسب ما كتبه في «القاموس الصغير للموضة» الذي أصدره عام 1954.

من اقتراحات دار «سيلين» لخريف 2025 (سيلين)

بيد أنها وقبل أن تدخل عالم الموضة وعروض الأزياء الباريسية والإيطالية في منتصف القرن الماضي، حملت في طياتها كثيراً من الرموز في ثقافات بعيدة. في أفريقيا مثلاً، ارتبط جلد الفهد بالقوة والسلطة، وفي آسيا، كان الحمار الوحشي رمزاً للتفرد، أما في الموضة، فإن لكل نقشة حيوان تأثيرها، فخطوط الحمار الوحشي مثلاً أقل قوة وأسهل من ناحية تنسيقها من نقشات النمر أو الفهد، ربما لأنها غالباً بالأبيض والأسود.

الثمانينات... زمن الماكسيماليزم

الثمانينات كانت بلا شك العصر الذهبي لهذه النقشات. في هذه الحقبة وجدت مساحتها وفرصتها للتوسع مع تبني الموضة حينها شعار «الكثير قليل»، التي احتفت بكل ما هو صارخ وجريء. عشقها مصممون كبار مثل روبرتو كافالي، والثنائي دولتشي آند غابانا وجياني فيرساتشي وغيرهم، ممن قدموها بلمسات حسية وإثارة أنثوية. وكانت تلك الفترة ترجمة حرفية للجمال الوحشي بمعناه الإيجابي؛ حيث تلتقي الثقة بالإثارة في توازن دقيق. فتحت المجال للمرأة أيضاً أن تتعامل معها حسب ذوقها الخاص، وما تريد أن تعبر عنه من خلال إطلالاتها.

من عرض «فندي» لخريف وشتاء 2025 (فندي)

وكون ثقافة الموضة تقوم على مفهوم التغيير، جعل أسهم هذه النقشات تنخفض تارة وترتفع تارة أخرى. لكنها لم تختفِ تماماً في أي حقبة تلت الثمانينات، فحتى الآن لا تزال لصيقة بدار «روبرتو كافالي»، وتدخل في جيناتها مثلاً.

كانت دائماً تنتظر في الظل مَن يبث فيها الحياة من جديد لتعود أكثر قوة وجمالاً. في عروض الأزياء الأخيرة، ظهر هذا التوجه أكثر إثارة من الناحية البصرية، ولا سيما بعد أن نجح المصممون في تخليصها من أي إيحاءات سلبية يمكن أن ترتبط بها. استعملوها في الجلود كما في أقمشة خفيفة وناعمة مثل الموسلين والمخمل والحرير. كان طبيعياً أن تباركها نجمات وشخصيات لهن تأثير، اعتمدنها في حياتهن اليومية ومناسباتهن الخاصة، وفي كل إطلالة يقدمن لنا صورة معاصرة مفعمة بالجاذبية.

دار «سالفاتوري فيراغامو» خففت من صراخ هذه النقشات في أقمشة منسدلة في عرضها لخريف وشتاء 2025 (سالفاتوري فيراغامو)

ومع تصاعد الوعي البيئي وارتفاع أصوات المعارضين لاستخدام الجلود الطبيعية، اتجهت دور الأزياء العالمية نحو البدائل الصناعية وأبدعت في تصميمها، حتى باتت تتمتع بجاذبية لا تُقاوَم بسهولة. فهي اليوم تمثل موضةً وموقفاً أخلاقياً في آنٍ واحد، ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن فيها بحد ذاتها، بل في ذلك الخيط الرفيع الذي يفصلها عن الابتذال، والذي يظهر جلياً في الأسواق الشعبية التي تطرحها بخامات رديئة وتصاميم متدنية لا تخدم الذوق العام بقدر ما تُؤذي العين.

كيف تحققين التناغم؟

من هذا المنظور، يبقى أهم عنصر يجب الانتباه له عند اختيارها، جودة خامتها قبل التصميم، فالقماش الرديء يعكس مظهراً رخيصاً، والعكس صحيح. بعد ذلك تأتي عملية التنسيق الذكي مع الألوان؛ إما لتُهدئها وتخفف من صراخها، وإما لتبث فيها الحياة، سواء جاءت في معطف أو حذاء أو حقيبة اليد، أو حتى فستان سهرة. يفضل دائماً تنسيقها مع ألوان حيادية وداكنة، وإن كان العديد من الخبراء يقولون إنها تتناغم أيضاً مع الأزرق والأحمر، لكن على شرط أن تكون بجرعات خفيفة.

أكسسوارات بهذه النقشات يمكن أن تكون الحل بالنسبة للمرأة المترددة من هذه الموضة (موقع «زارا»)

أما إذا كنت ما زلت مترددة وتخافين من قوتها، فإن الأكسسوارات قد تكون طريقك لمواكبة هذه الموضة من دون أن تغرقي فيها، وذلك بالاكتفاء بحزام أو إيشارب أو حذاء أو حقيبة يد.


جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
TT

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد مجرد تفصيلة نهائية تضاف إلى الإطلالة، بل عنصر أساسي قادر على تغييرها بالكامل، سواء كانت من خلال قلادة أو أقراط أو أساور. المثير فيها أنها ازدادت جرأة ووضوحاً بفضل أحجامها الكبيرة وألوانها الزاهية. حتى إن بعضها بات يلامس الأكتاف أحياناً. فضل كبير في هذا التصدر يعود إلى دار «سكياباريلي» التي تواصل إتحافنا بأشكال مبتكرة منها، ليلتقط خيطها باقي المصممين من «برادا» و«ميوميو» إلى «فالنتينو» و«إيترو» وغيرهم.

ماكياج شاحب وشعر أبيض مع أقراط نابضة وغير متناظرة (أ.ف.ب)

وما يزيد من جاذبيتها أنها لم تعد حكراً على السهرات والمناسبات المسائية، فارتداؤها مع فستان بسيط، أو كنزة بياقة عالية أو مع قميص أبيض من القطن في النهار لا يجعلها تبدو نشازاً أو خارج إطار الأناقة المتعارف عليه. الشرط الوحيد أن تتم عملية التنسيق بقدر من الحذر، بحيث يُستغنى عن أي من التفاصيل الأخرى كالقلادة أو التطريزات المبالغ فيها، لتبقى هي المحور.

إلى جانب الأحجام الكبيرة، ظهرت على منصات العرض صيحات أخرى لا تقل إثارة، مثل الأقراط غير المتناظرة، أو الاكتفاء بقرط واحد يمنح الإطلالة طابعاً معاصراً وشبابياً.

يمكن لقلادة مبتكرة أن تُغني عن كل الإكسسوارات والارتقاء بأي إطلالة مهما كانت بساطتها (أ.ف.ب)

وينطبق الشيء نفسه على القلادات التي أخذت هذا الموسم أشكالاً هندسية ونحتية، من شأنها أن ترتقي بأبسط الأزياء إلى مستوى أكثر أناقة. ولم تقتصر هذه الموجة على بيوت الأزياء الكبيرة ودور المجوهرات الفاخرة، فقد سارعت العلامات التجارية المتوسطة والمحال الشعبية إلى تبنيها، مقدمة تصاميم مبتكرة بأسعار مُغرية تتيح لعدد أكبر من النساء مواكبة هذه الصيحة.

تباينت الإكسسوارات بين الطويلة والهندسية هذا الموسم (أ.ف.ب)

في نهاية المطاف، ورغم أن هذا الاتجاه يبدو جريئاً، فإن القاعدة التي يكررها الخبراء تقضي بالحفاظ على بساطة الأزياء، حتى تنال المجوهرات والإكسسوارات حقها من البروز. ويزداد هذا التأثير عندما تأتي الألوان نابضة بالحيوية، وكأنها تعويض عن سنوات طويلة من الدرجات الترابية التي سادت عالم الأزياء والمجوهرات على حد سواء. فألوان مثل الأخضر والأزرق والأصفر والأحمر وغيرها قادرة دائماً على ضخ المظهر بجرعة من الديناميكية. وعندما تتجسد هذه الألوان في أحجار كريمة مثل البيريدوت والياقوت والسفير والتوباز أو الزمرد، فإنها لا تكتفي بإضفاء الانتعاش على المظهر، بل تمنحه أيضًا قدراً من الرقي ونوعاً من الطاقة الإيجابية.


كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)
كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)
TT

كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)
كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)

على ما يبدو فإن شهر سبتمبر (أيلول) المقبل سيكون حافلاً بالهدايا والمفاجآت الإبداعية؛ فحتى قبل أن يفيق عشاق الموضة من سكرة خبر تعاون جون غاليانو مع محلات «زارا» الشعبية لمدة عامين، وطرحه أول مجموعة في هذا الشهر، انتشر خبر عودة كريستوفر كاين مديراً إبداعياً لقسم الأزياء الجاهزة في دار «مالبوري» البريطانية، وتقديمه هو الآخر أول تشكيلة له، خلال أسبوع لندن المرتقب، في سبتمبر 2026.

كريستوفر كاين (غيتي)

غني عن القول إن الخبر استُقبل بحماسة كبيرة؛ إذ يمثل هذا التعيين فصلاً جديداً في مسيرة واحد من أبرز المصممين البريطانيين المعاصرين، وفي الوقت ذاته فرصة للدار لأن تحيي قسم الأزياء الجاهزة، بعد غياب سنوات. فآخر عرض لها كان في عام 2017.

ما يزيد من الحماس والترقب أن كريستوفر يتمتع بأسلوب جريء يميل إلى ألوان النيون الصارخة والتصاميم المتمردة، إضافة إلى اعتماده على مزج مواد وخامات متنوعة من الدانتيل إلى المطاط. في المقابل، تُعتبر «مالبوري» واحدة من دور الأزياء البريطانية العريقة التي تشتهر بتصميم الحقائب والمنتجات الجلدية أكثر. هذه المعادلة بين الفني المتمرِّد والكلاسيكي المعاصر من بين أكثر الأمور المثيرة في هذه العلاقة.

من هو كريستوفر كاين؟

وُلِد في عام 1982 باسكوتلندا، وتخرج في معهد «سانترال سانت مارتن» الشهير. نجح في شد الانتباه في حفل تخرجه؛ إذ قدَّم مجموعة مختلفة بتصاميمها الضيقة وألوانها المتضاربة. هذه المجموعة سلّطت الضوء عليه، وجعلت اسمه يتردد في أوساط الموضة بوصفه مصمماً واعداً.

كانت دوناتيلا فيرساتشي أكثر مَن انتبهت إلى موهبته، ودعمته بأن عبّدت له الطريق لصقل قدراته خلال أولى سنواته المهنية.

في عام 2006، أطلق علامته الخاصة بالتعاون مع شقيقته تامي، التي تولّت إدارة الجانب المالي والإبداعي معه. وسرعان ما رسَّخ مكانته، في وقت كانت فيه الموضة تحتفي بالاختلاف وبتنوع المدارس الإبداعية. في عام 2009، سلّمته دوناتيلا فيرساتي قيادة خط «فيرسيس»، الخط الأصغر والشبابي التابع لخط «فيرساتشي»، واستمر عمله معها إلى 2012.

من عرض كريستوفر كاين في عام 2009 (غيتي)

لكن رغم نجاحاته الفنية، لم يسلم من تبعات الأزمات الاقتصادية التي أودت بالعديد من المصممين المستقلين من أمثاله. في منتصف عام 2023، اضطر للإعلان عن إجراءات إغلاق علامته، وتعيين إداريين لتصفيتها. طوال هذه العملية، كان الأمل لا يزال يخامره بأن يجد مشترياً أو مستثمراً جديداً. لم يحصل هذا، ولم تعد العلامة إلى نشاطها الكامل، ما جعله يبقى بعيداً عن أضواء ساحة الموضة، باستثناء عودة مؤقتة في عام 2024، عبر تعاونه مع علامة «سيلف بورتريت». كان التعاون ناجحاً بكل المقاييس، حيث نفذت المجموعة بسرعة، إلا أنه لم يُترجم في تجربة ثانية.

«مالبوري»... فصل جديد

لهذا، فإن تعيينه في «مالبوري» مديراً إبداعياً، يمثل تحولاً استراتيجياً له وللدار على حد سواء. هو سيعود إلى منصات العرض العالمية وإلى دائرة الضوء مرة أخرى، بينما ستحصل «مالبوري» على فرصة لإحياء قسمها الخاص بالأزياء الجاهزة، بعد سبع سنوات تقريباً من الغياب.

من عرض دار «مالبوري» حين كانت في أوج قوتها في عام 2012 (غيتي)

تأسست الدار في منطقة سومرست، عام 1971، كشركة للمنتجات الجلدية، ولم تتحوَّل إلى مجال الأزياء إلا فيما بعد. لإنجاح هذه الخطوة، استعانت بمصممين، مثل ستيوارت فيفرز، وإيما هيل، وجون كوكا. رغم نجاحهم في ترسيخ هالة بريطانية عصرية على منتجاتها، فإن تأثيرات الأزمة الاقتصادية وجائحة «كورونا»، كانت أقوى من إمكاناتهم الإبداعية. فالمرأة لم تستعد رغبتها في اقتناء حقائب يد موسمية، كما لم تستعد الدار توازنها بالكامل. فـ«مالبوري» بنت سُمعتها ونجاحاتها التجارية على الإكسسوارات الجلدية أولاً والأزياء ثانياً. ففي التسعينات وبداية الألفية، طرحت حقائب يد ناجحة، مثل «روكسان» و«بايزووتر» و«أليكسا» وغيرها كان لها الفضل في إنعاشها وإبقائها في الصدارة، وهذا يعني أن على كريستوفر كاين أن يقدم حقائب لا تقل نجاحاً، من الناحية التجارية، حتى يسند قسم الأزياء الجاهزة ويرسّخ مكانته أكثر.