أسئلة قديمة ـ جديدة تحتاج إلى أجوبة صريحة

عودة إلى كمال داود «مورسو ـ تحقيق مضاد»

أسئلة قديمة ـ جديدة تحتاج إلى أجوبة صريحة
TT

أسئلة قديمة ـ جديدة تحتاج إلى أجوبة صريحة

أسئلة قديمة ـ جديدة تحتاج إلى أجوبة صريحة

كانت رواية الكاتب الجزائري كمال داود «مورسو - تحقيق مضاد» (Meursault - contre enquête) (الحائزة على جائزة غونكور، وعلى جائزتي القارات الخمس، وفرنسوا مورياك) قد أثارت ضجة كبيرة في الأوساط الشعبية والأدبية الجزائرية والفرنسية على حد سواء، بآراء على طرفي نقيض، منها ما وصف الرواية برائعة الأدب الفرانكفوني، ومنها من وجد أن الكاتب يتخطى المحرمات (التابوهات) بانتقاده اللغة العربية (لغة مفخخة بالمقدس كما يقول)، ويشكك بالهوية الجزائرية في بعدها العربي الإسلامي، ويدعو للهوية الجزائرية فقط (بلغة الجزائر العامية)، وينتقد الإسلام كدين مهيمن. حتى أن أحد الجزائريين (ممثل «جبهة الصحوة السلفية الجزائرية» عبد الفتاح زراوي حمداش قد طالب بمحاكمته وتطبيق الحد فيه «كمرتد»). ومهما يكن من أمر آراء الكاتب التي سبقه إليها أكثر من أديب (سعيد عقل في لبنان، وكاتب ياسين، ورشيد بوجدرة في الجزائر) فإنها لم تقدم أو تؤخر شيئا، وبقيت كسابقاتها كطروحات لا تجد من يروجها أو يجعل منها تيارا جارفا قادرا على تغيير المفاهيم، والثوابت الثقافية والمعتقدات الدينية. فالتاريخ العربي الإسلامي مليء بهؤلاء الذين حاولوا التشويه، وانتقاد اللغة العربية التي مرت في فترة من فتراتها بمرحلة انحطاط، لكنها سرعان ما عادت إلى تألقها وإثبات وجودها.
حتى إن البعض تساءل حينها كيف يمكن أن يفوز هذا الكاتب بجائزة غونكور منذ روايته الأولى؟ هل لأن الأوساط الأدبية الفرنسية طربت لسماع انتقادات الكاتب وحاولت مكافأته؟ انتقادات لاذعة للجنة التحكيمية على غرار الانتقادات التي وجهت للجنة جائزة البوكر التي وجد البعض أن هذه اللجان تتبع أجندة سياسية قبل أن تكون أدبية.
لكن ما هو مهم في هذا المقام هو العمل الأدبي (الذي أثنى عليه الكثير من الكتاب العرب، وغير العرب) والوقوف على موضوعه الذي رأى أكثر من ناقد أن فكرته كانت فكرة مبدعة، وأن تناولها كان بمثابة رد قوي وحاسم على الكاتب الفرنسي صاحب جائزة نوبل للآداب كامو. فالكاتب حاول أن يرد على منطق عبثية كامو، بمنطق الواقع وتسمية الأشياء بتسمياتها. فعنوان الرواية (مورسو: تحقيق مضاد) يعكس المحتوى الذي شاء الكاتب أن يقدم من خلاله وجهة نظره، في قالب أدبي، من أديب فرنسي (ولد في الجزائر) وكتب روايته التي تتجاهل هوية الجزائري القتيل من قبل بطل الرواية مورسو ولم يذكر له اسم وبقي تحت اسم «العربي». (وهذا النوع من الأدب سبقه إليه كثير من الأدباء والفلاسفة العرب، على سبيل المثال لا الحصر، كابن رشد الذي رد على كتاب الغزالي «تهافت الفلاسفة» بكتاب «تهافت التهافت»، أو أمير الشعراء أحمد شوقي الذي رد على قصيدة البوصيري البردة بقصيدته الشهيرة نهج البردة التي أبدعت أم كلثوم بغنائها). من حيث القيمة الأدبية لا شك أن الرواية كتبت بأسلوب متميز، وبلغة فرنسية جيدة، وتستحق أن ينظر إليها كعمل أدبي مرموق (وإن كانت الرواية الأولى للكاتب) لكنه لم يكن الأول في تناول مسألة «الكولونيالية» المتعالية التي تنظر إلى العربي بدونية، واحتقار، إذ سبقه إليها المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد في كتابه «الثقافة والإمبريالية» التي تناول فيها بكثير من التفصيل أعمال ألبير كامو (الغريب، والطاعون، والسقطة).
في رواية كامو، التي تعود إلى صيف 1942، يطلق مورسو الرصاص على شاب جزائري على شاطئ غير بعيد عن العاصمة. وانسجاما مع فلسفته العبثية، جعل كامو مورسو لا يهتم كثيرا بخبر وفاة أمه، ولا يبكي عليها يوم دفنها، «أمي ماتت اليوم أو ربما البارحة». ويقتل الشاب الجزائري دون أسباب واضحة، ويرجع ذلك إلى وهج الشمس في عينيه. ولم يعطه اسما، أو عنوانا، أو ينسبه إلى عائلة، إنه عربي من هؤلاء العرب الذين لا تساوي حياتهم بعوضة. فما يحسب لكمال داود هو أنه عاد إلى أجواء هذه الرواية ليوقف كامو على قدميه، (كما أوقف ماركس هيغل على قدميه بعد أن كان يقف على رأسه)، ويعيد صياغة الرواية بإعطاء القتيل هوية واسما وعائلة وعنوانا. عملية نبش لملف هذه الجريمة، وإعادة المحاكمة من جديد. بات اسم القتيل «موسى»، وخلق شخصية جديدة هي شخصية الأخ «هارون»، الذي ولد في قرية حجوط وهي المدينة التي عاشت فيها والدة مورسو بطل رواية كامو، والذي سيقوم بعملية الدفاع عن أخيه القتيل والمغيب الهوية مدفوعا من والدته بعملية «تحقيق مضاد» (لم يكن عفويا اختيار اسمين بخلفية توراتية إشارة للنبي موسى وأخيه هارون). في هذه القرية تجد الأم عملا كخادمة بعد وفاة الأب، وتسكن مع ابنها هارون الذي يلقب نفسه دائما بـ«ولد العساس» أي ابن الحارس، في كوخ صغير تابع لمبنى جميل لأحد المستوطنين الفرنسيين. ولكن بعد إعلان الاستقلال يحتل هارون وأمه المنزل بعد هروب المستوطنين من الجزائر، وبعد عشرين سنة على مقتل أخيه، وتحت وطأة الحر وإلحاح والدته للانتقام، ومفعول الكحول يقوم هارون بالانتقام لأخيه بقتله فرنسيا «جوزيف لاركيه» الذي كان هاربا ومختبئا في زاوية الدار، في اليوم الثاني لإعلان الاستقلال في الجزائر في عام 1962. لكن بعد إلقاء القبض عليه، لم يكن بالحسبان أن تاريخ عملية القتل «الانتقام» جاء بعد يوم واحد من اتفاق وقف إطلاق النار بين جبهة تحرير الجزائر والسلطات الفرنسية، وانتصار الثورة وإعلان الاستقلال «لقد تمت العملية في الوقت غير المناسب» فلو أنه تمت قبل يوم واحد لاعتبر هارون بطلا من أبطال المقاومة، أما اليوم فهو قاتل ومرتكب لجريمة يحاكم عليها، وهنا عبثية أخرى تقابل عبثية كامو. وفي المحاكمة أمام ضابط من جبهة التحرير يسأل: «لماذا لم يحمل السلاح ويلتحق بجبهة التحرير لطرد المستعمر الفرنسي» ولكن في نهاية الأمر يتم الإفراج عنه، وتدخل مريم في حياته صدفة عندما جاءت كباحثة عن معلومات توصلها لحقيقة رواية «الغريب لكامو» فتتعرف على هارون وتقع في حبه وتعلمه اللغة الفرنسية ويستطيع أن يقرأ الرواية بفضلها. ثم تدخل الجزائر في حرب أهلية بين أبنائها ويصبح هارون غريبا في بلاده.
عبر فصول هذه الرواية يستغل الكاتب الأسلوب الصحافي - التحقيقي (وهو صحافي يعمل في صحيفة جزائرية ناطقة باللغة الفرنسية) لطرح أسئلة تفتح جراح العلاقات الفرنسية الجزائرية، وأسئلة متعددة تخص هوية الجزائر (هل هي عربية، أمازيغية، إباضية.. وبحسب الكاتب فإن فرنسا في عام 1832 جاءت لتحرر الجزائر من الاستعمار العربي). ويذكر هنا أن نابليون عندما غزا مصر كان يقول إنه جاء لتحرير المصريين من المماليك، وعندما غزا الجيش الفرنسي سوريا بقيادة الجنرال غورو قال إنهم جاءوا لتحرير بلاد الشام من العثمانيين، ولم يتوان أن يضع قدمه على قبر صلاح الدين الأيوبي في المسجد الأموي ويقول «ها قد عدنا يا صلاح الدين» تذكيرا بالحروب الصليبية بعد نحو ثمانية قرون. وبعيدا عن الجدل القائم حول طروحات الكاتب التي استفزت الكثير من المثقفين الجزائريين والعرب، فإن الرواية بجرأة كاتبها تلقي حجرا كبيرا في المياه العربية الراكدة، وتدفع الكثير إلى معالجة مشكلة من المشكلات التي يعاني منها العالم العربي ككل وهي مشكلة الهوية، والمواطنة، والعلاقة مع المستعمر السابق وإعادة تقييم فترة كانت من أحلك الفترات في تاريخ الجزائر. أما اليوم فيبدو أن الحالة القاتمة التي دخلت فيها أكثر من دولة عربية دفعت الكثير من الشباب إلى إعادة تقييمهم لتلك الفترات التاريخية (ألم ينادِ الجزائريون الرئيس الفرنسي جاك شيراك عند زيارته للجزائر بتسهيل الحصول على تأشيرات دخول إلى فرنسا «المستعمر السابق»، ألم يتوافد اليوم الآلاف من المهاجرين السوريين والعراقيين وسواهم على دول أوروبية كانت بالأمس تعد من الدول المستعمرة ويريدون الاندماج بمجتمعاتها بعد أن هربوا من أوطانهم تحت وطأة جرائم الأنظمة التي نصبت نفسها كثورية تقدمية تحررية؟ سؤال ملح يطرح بحدة ويحتاج لأجوبة صريحة وجريئة.كمال داود



سلطة المركز وأثرها على الفنون التشكيلية العالمية

من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة
من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة
TT

سلطة المركز وأثرها على الفنون التشكيلية العالمية

من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة
من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة

بعد الحرب العالمية الثانية انتقل المركز العالمي للفن من باريس إلى نيويورك. لكن ذلك الانتقال وإن كان سببه حالة الانهيار الشامل التي انتهت إليه أوروبا فإن أجهزة المخابرات الأميركية قد بذلت جهداً كبيراً في أن تؤكده على المستوى العالمي بطريقة احترافية لا يمكن التشكيك بقوة دوافعها ومرجعياتها الثقافية. من ذلك أنها قامت وبطريقة متقنة بالترويج لأعمال فناني نيويورك الذين نسبوا إلى التجريدية التعبيرية؛ وليام ديكونغ، وجاسبر جونس، وأرشيل غوركي، وجاكسون بولوك، ومارك روثكو وآخرون. على الرغم من أن دي كونغ كان هولندياً، وغوركي كان أرمنياً، وروثكو كان لتوانياً غير أنهم كانوا بحكم الجنسية أميركيين.

كان مهماً في تلك اللحظة بالنسبة للولايات المتحدة أن تؤكد إطباقها على العالم من خلال الموجة الجديدة من الحداثة الفنية باعتبارها القوة الجديدة التي يحق لها أن تتمدد وتستعمل أسلحتها الناعمة في الحرب الباردة التي كهربت الكرة الأرضية بأسلاكها غير المرئية. لم تكن جعبتها خاويةً. كان لديها فنانون حقيقيون في إمكانها أن تبارز أوروبا بهم. ذلك ما يجب الاعتراف به من غير نسيان الدوافع السياسية التي كانت السبب في إنفاق ملايين الدولارات على المشروعات الثقافية، ومنها المعارض الأميركية التي صارت تغزو أرجاء العالم مصحوبة بالكتب والمجلات والندوات والمؤتمرات الفنية. نجحت نيويورك في أن تكون عاصمة الفن العالمي في النصف الثاني من القرن العشرين، غير أن المفاجئ أنها لا تزال تحتفظ بتلك المكانة على الرغم من أن الحرب الباردة قد انتهت منذ أكثر من ثلاثين سنة، كما أن أجهزة المخابرات لم تعد مضطرةً إلى إنفاق دولار واحد من أجل نشر الفن الأميركي في العالم بعد أن صار جزءٌ مهمٌ من ذلك العالم أميركيّاً.

المؤسسة الفنية وسياساتها

على الرغم من تعدد مراكز الفن في عالمنا المعاصر فإن ما يُخشى منه أن إدارته لا تزال محكومةً بسلطة القطب الواحد. ذلك لأن استعادة الهيمنة الأميركية على الفن قد لا تتم بطريقة مباشرة. هناك وسطاء هم المنسقون قد تربوا على ثقافة تعتبر كل منتج أميركي هو الأساس. من هذا أن فناناً أميركياً معاصراً هو مايك كيلي صار عنواناً لمعارض تستقبلها متاحف لندن واستكهولم ونيويورك طبعاً على الرغم من أن فنه ليس استثنائياً. في هذه الحالة لا يشكل حكمي النقدي أي قيمة تذكر. ذلك لأنني أتوقع أن ذلك الفنان الذي مات شاباً ستكون أعماله حاضرةً في لقاءات فنية عالمية عديدة في المستقبل، من ضمنها تلك اللقاءات التي تُقام في العالم العربي.

ما من شيء بريء في عالم الفن. ليس لدي دليلٌ على براءة الفن سوى إيماني به. غير أن الفن هنا هو مؤسسته. وهي مؤسسة لها سياساتها الخاصة التي لا تحتكم دائماً إلى القيم الفنية وحدها. وإذا كان الفن الحقيقي لا يكذب ولا يخون ولا يحتال فإن السياسات التي توجه عروضه هي التي تقوم بذلك. لطالما عمل المنسقون على إقامة معارض استعادية، كان الغرض الوحيد منها تجارياً. على سبيل المثال أذكر هنا ما فعلته مؤسسة عريقة مثل «مركز باربيكان للفنون» بلندن حين أقامت سلسلة من المعارض عقدت من خلالها صلات بين فن السويسري جياكومتي الذي صار ركناً أساسياً في تاريخ النحت الحديث في العالم وأعمال عدد من الفنانات المعاصرات، ومنهم فنانة عربية. من وجهة نظري كان هناك الكثير من اللعب المكشوف غير السار يقف وراء تلك المحاولات التي لا تستند إلى رصيد نقدي جاد.

حين يكون الفن معلباً

في الصين، في كوريا الجنوبية، في هونغ كونغ، في الهند، في اليابان، في الشارقة، في القاهرة، في الرياض، وأيضاً في البرازيل والمكسيك تُقام سنوياً أو كل سنتين لقاءات فنية عالمية تنافس بسعتها وشموليتها ودقة تنظيمها اللقاءات التي تُقام في الغرب، منها بينالي فينيسيا في إيطاليا وديكيومنتا في سويسرا و«آرت بازل» في ألمانيا. غير أن تلك اللقاءات لا تزال محكومة بالمركزية الغربية (الأميركية بشكل خاص).

السر في ذلك يكمن في أن الفنون المعاصرة التي لا تزال وصفةً غربيةً خالصةً هي القاسم المشترك بين كل تلك اللقاءات، وهي تمثل المحاولة الأكثر نجاحاً للانفتاح على العالم. تلك هي العولمة في إطارها الفني. لدي مثلان على ذلك؛ الأول هو الصيني أي ويوي، والثاني هو الهندي أنيش كابور. لو لم تتبن المؤسسة الفنية الغربية أعمال الفنانين المذكورين لما وصلا إلى ما هما عليه اليوم من مكانة في العروض العالمية.

مصر هي الأمل

يوماً ما كان الفنان العربي الذي يقيم معرضاً لأعماله في بيروت يكتسب نوعاً من الأبهة. على الأقل أنه قد يحظى بمقال من نزيه الخاطر أو فيصل سلطان أو لور غريب. في تلك المرحلة كان الفنانون العرب يتسابقون على عرض أعمالهم في بغداد والقاهرة ودمشق، وهي المدن التي تخرج من كلياتها ومعاهدها الفنية معظم الفنانين العرب (الكلام كله يقتصر على فناني المشرق العربي). كان مركز الثقافة العربية في القاهرة يخفق جناحاه بأريحية في المدن التاريخية، بغداد ودمشق وبيروت. وكان هناك تنافس إيجابي خلاق بين فناني المدن الأربع. غير أن الواقع السياسي كان قد ألقى بظلاله الكئيبة على تلك المعادلات، وهو ما مهد لظهور مراكز فنية جديدة. فهل يعني ذلك أننا قد انتقلنا إلى مركزية جديدة للفن في العالم العربي؟ تأصيل الظاهرة الفنية سيكون في حاجة إلى زمن لم يعد متاحاً في ظل الاستعانة بالخبرة الأجنبية. لن يهبنا الخبراء الأوروبيون الإرادة التي تمكننا من النظر بطريقة إيجابية إلى فنوننا.

عام 2024 حضرت فعاليات «آرت إيجيبت» في القاهرة. يومها أدركت أنه لا يزال في إمكان المصريين أن يهيمنوا بمزاجهم الجمالي المتحضر لا لأنهم يملكون قدرة هائلة على التنظيم الذاتي حسب بل وأيضاً يملكون خبرة في صياغة معادلات جديدة، من خلالها استوعبوا الفنون المعاصرة من غير أن يتخلوا عن فنون الحداثة الفنية. لقد وهبني المصريون من خلال تلك التجربة أملاً في أن يكون هناك مركز عربي ثقيل للفن في مواجهة المركزية الغربية.

* ناقد تشكيلي عراقي


سردية المكان وما ترويه المخطوطة

سردية المكان وما ترويه المخطوطة
TT

سردية المكان وما ترويه المخطوطة

سردية المكان وما ترويه المخطوطة

في لعبة السرد يمكن للأشياء أن تتحول، وأن تكشف عن طاقتها في الحكي عبر بلاغة المتخيل، إذ يعمد هذا المتخيل الماكر، إلى مخاتلة الواقع عبر الحكي، وإلى مغالبة التاريخ عبر احتيال الحكواتي، وعلى نحوٍ يجعل الروائي أكثر إغواءً باستعارة أدوات هذا الحكواتي، ليمنح اللغة بهاءها، ولينزع عن التاريخ سلطته، وباتجاهٍ يتحول فيه «الحكي» ذاته إلى خطاب تمثيلي، وإلى موقف من العالم ومن السلطة.

في رواية «ماء العروس» للروائي السوري خليل صويلح، الصادرة عن منشورات شركة المطبوعات للتوزيع والنشر (بيروت، 2025) ينسحب الحدث من التاريخ إلى الواقع، وإلى المكان الموازي، المكان الذي يقترحه المؤلف، حيث التوازي بين المكان البعيد/ الصحراء والمكان الدوستوبي، الذي يستغرقه العنف والقمع والقتل، حيث يشاهد الابن/ البطل الأضحوي إسماعيل هزيمة الأب وقمعه أمامه.

في عالم البدو لا شيء سوى العزلة، لكن الروائي جعل من هذا العالم مجالاً سردياً ضاجَّاً بحيوات تتبدى صراعاتها من خلال حكاياتها، فعمد إلى كسر الرتابة، عبر تمثيل سردي يربط الصراع بثيمة حدثٍ إطاري صادم، حيث يقوم «الدركي» في شرطة الحدود بسحل الأب بطريقة مُهينة، بواسطة حبل طويل يجرّه حصان بتهمة «حيازة سلاح غير مُرخّص» في بيئة لا يمكن العيش فيها من دون أسلحة، وكأن الروائي أراد توظيف هذه الثيمة لإدانة الواقع السياسي عبر إدانة السلطة، فالصحراء قد تكون مكاناً رمزياً للمكان السياسي، والدركي قد يكون هو أنموذج السلطة، والسلاح قد يكون كناية عن الخطاب والموقف المعارض.

التصعيد الدرامي الذي أحاط بمشهد «السحل» بدا الأقرب إلى بناء مشهد ملحمي، يقوم على تمثيل رمزي للصراع الداخلي عبر الطفل إسماعيل، وللصراع الخارجي، حيث تمثلات العنف السلطوي، و«الاستغاثات» العائلية ونحيب الطفل، وإحالاتها الرمزية للضحايا، وللشخصيات التي اختارها الروائي من المكان المعزول والهامشي، والتي توحي بالعجز، وبالهامشية والدونية.

تتحول حركة «الدركي» إلى حركة متصاعدة، تسحب معها أحداث الرواية، وما يختزنه الابن إسماعيل من مشاعر الغضب والكراهية والسخط، وهو ما يتبدى من خلال لعبته في تمثيل سردية الاستعادة، حيث علاقاته الغريبة، وحيث تدوين «مسوداته» التي يربطها بمصائر شخصياته، وعلى نحوٍ يُمكِّنَه من التصرف بمسار الحكاية، لتناسب مآلاتها، وتحويل شخصية الأب المهاب والمسحول إلى شخصية الغائب، ذات الحمولة المثيولوجية، لكي يكتسب غيابه بعداً نفسياً، يسوِّغ غوص الابن في عوالمه، تعبيراً عن كراهية السلطة، وعن مواجهة الجرح النرجسي، وعلى نحوٍ يسمح للعبة السرد أن تُشكل لها مسارات متوازية، تنمو فيها حركة الزمن، مثلما تتغير معها مصائر شخصياته، وصولاً إلى التحكم بنهاية حكايته، لكي يجعل منها «مسودة» سردية أو مجموعة من التخطيطات السردية/ الاسكتشات التي تتناسب وصراعه الداخلي، وحيث انفتاحها على التغير والإضافة والحذف.

ما لا يشبه الواقع

خروج الطفل إسماعيل من «المخيم» إلى العالم، لا يعني سوى أن الروائي اصطنع له واقعاً موازياً أو مضاداً، لكي يتمكن من تتبع تحولات المجرى السردي، عبر وظيفة تقانة الاستعادة، وعبر الكشف عن ترجعيات نفسية ارتبطت بذاكرة حدث مشهد الأب المسحول، والمشاعر المضطربة التي ظلت تستثيره دائماً، وترافقه كنوع من اللاوعي المكبوت والغاضب، مع سنواته، ومع تحولاته، ومع استغراقات سردية لم يشأ أن يجعلها بعيدة عن تنامي الأحداث، وعن مخطوطة «مستودعه السردي» الذي جعله أكثر تمثيلاً لصوته الداخلي الذي لم يتركه، فهو صوت ذاته المستلبة، الذي يندمج عبر التصعيد الروائي مع أصوات الشخصيات الأخرى، ليصنع «ملفاً سردياً» تستغرقه كثير من الحكايات الغامضة والسحرية، والمفتوحة على اللانهائي.

فصول الرواية الثلاثون تقوم على أساس شروط لعبة الحكي، حيث تنامي الحدث، وحركة الشخصيات، وتعالق الزمن الداخلي بكوابيس الذاكرة، والصعود بفعل الكتابة/ المخطوطة السردية لتكون مدونته النرجسية، حيث الإشباع الرمزي، ومواجهة مأزقه الوجودي، إذ لا يمكنه التحرر منها إلا عبر الاعتراف، باعتباره تطهيراً موازياً، فتقوده الشفرة السحرية لـ«نهر الخابور» إلى ما يشبه فكرة الارتواء «الجنسي» والتعويضي من «ماء العروس»، وعلى نحوٍ تتحول فيه الكتابة إلى طقس إشباعي لمواجهة الزمن، حيث يعمد الروائي إلى تفكيك المتواري والمخفي، وإلى تحويل الرواية التي تخلو من العناوين إلى بنية إطارية مفتوحة، تتوالى حكايتها، عبر سردية التناظر بين الذاكرة والواقع، وبين المكان الواقعي والمكان الميثولوجي.

ما يُثيره خليل صويلح في لعبته السردية ليس بعيداً عن «المكبوت السياسي» ولا عن أزمة الإنسان الباحث عن ذاته، وسط عالم مُشبَع بذاكرة فاجعة، وبسيرة يستغرقها الفقد والقلق، حد أن زمن الرواية الموزع بين الحكايات، يدفع الروائي إلى تمثيل زمنه السردي، بوصفه زمناً ضدياً، يقوم على فعل المواجهة، عبر الذهاب إلى الميثولوجيا، أو عبر استعادة ما يشبه «الحكي الشهرزادي» حيث التطهير والخلاص، وحيث الإشباع والارتواء، وحيث تدوين العالم عبر مخطوطة تتضاد مع التاريخ، لتبدو وكأنها رواية سيرة الولد الذي يكره ذلك العالم عبر السلطة، ويبحث عن خلاصه عبر الكتابة.

التحول في تمثيل شخصية «الابن إسماعيل» يعكس علاقة هذا التمثيل عبر الكتابة، بوصفها صناعة أخرى للشخصية التي تصنعها اللغة، حيث تتحول الكتابة إلى وعي عميق بمواجهة الخوف، وذاكرة المكان الديستيوبي، من خلال الإشهار الرمزي لرواية «فساد الأمكنة» للكاتب المصري موسى صبري التي يحملها، فيجعلها شفرة دالة على رفض ذاكرة المكان/ خيمة سحل الأب، مقابل الإيحاء بالرفض الداخلي لقانون الطوارئ وبيئة الفساد السياسي والإنساني.

تحول خوف الابن إسماعيل إلى كنايةٍ عن خوف جيل جعلته من السلطة محكوماً باللاوعي المُجهَض، مقابل حضور صديقه «جاسم عطية» الذي بدا وكأنه الضد النوعي الرافض للخوف، والذي حمل معه أسئلة ضدية، حررته من ذلك الخوف، ودفعته إلى التعرّف على أسرار القوة الغاشمة التي تملكها السلطة، والقائمة على أساس صناعة الخوف، أو القبول بالوظيفة «القربانية» التي تتحول إلى موقف سلبي، وإلى ممارسة نكوصية تجعل من النزع الأضحوي وكأنه دافع نفسي تطهيري للخلاص من الشر، أو الذهاب إلى السخرية، بوصفها سردية مضادة، ينزع فيها الروائي إلى الاستخدام الساخر لمفردات من التاريخ والحكاية والمثل الشعبي، وإلى ما تحمله من إحالات نفسية ورمزية، لتضعنا إزاء ما يمكن تسميته بـ«الواقعية الفجة» واقعية الفضح والإخفاء والزيف والإحساس بالإثم، حيث يقول بسخرية تُخفي مرارته العميقة بأنه يشبه «شاياً بنكهة الزنجبيل والقرفة والتاريخ، كما قد يصفه روائي متحذلق».

التاريخ وسرديات الانقطاع

تقانة البناء الروائي عند صويلح لا تميل إلى الحكي التقليدي، ولا إلى صناعة الشخصية التقليدية، فبقدر ما يبدو الواقع حاضراً فيها بوصفه مجالاً سردياً، فإن الانقطاع التاريخي يتبدى وكأنه مفارقة مع هذا الواقع، حيث السخرية منه، أو التمرد عليه، وعلى أن يجعل من «الشخصية الخائفة» و«الشخصية الضد» أكثر تعبيراً عن دراما الصراع الذي يتنامى، وعن الزمن الذي تبدو قطائعه وكأنها تبحث عن اكتمالها، عبر توظيف سردية البناء الموازية، الذي يجعل منها الروائي تمثيلاً سيميائياً لتقابل الصراع الوجودي والصراع السياسي، مع الصراع النفسي الذي تعيشه شخصياته المأزومة.

هذا التقابل ينفتح على سلسلة من التشكّلات التي تستدعي الحكاية والأسطورة الشامية عبر الشخصية الهامشية، وعبر ما تسوغه من تمثيل لفكرة الصراع الإطاري، وللشخصية التي تستدعي الزمن السردي، لمواجهة الزمن الواقعي، ولضبط إيقاع تنامي وظائفها في سياق تنامي وحدات السرد، وفي الكشف عن أزمة البطل الوجودي، أو الشخصية التي تعيش تشوهاتها البنيوية مع التاريخ والمكان، ومع نفسها، وعبر الإحساس بتشظيها الداخلي، فروايته المفترضة «مستودع الأنقاض» تتحول إلى رواية شخصية، أو «ميتاسرد» يكشف عن قصدية المؤلف في تمثيل أزمته، وفي ما تحمله من هواجس، وفي تمثيل قسوة «المكان السوري» وقلق الشخصية التي عاشت محنة الفقد، ومحنة العجز الثوري، والخوف السيميائي، فلا تجد تفريغاً له، سوى التطهير عبر استدعاء الأسطورة الشعبية، وعبر الغوص في الكتابة بوصفها تفريغاً للمكبوت، وإشهاراً للصوت الداخلي الذي يشاطره الإنصات إلى المخفي خلف «ثقب» السرد بالتوصيف الباربوسي، توهماً بالامتلاء، وإحساساً بأن ما يستعيده، هو ما يكتبه، وما يجعله أكثر شغفاً بسردية الخلاص، وتطهير الجسد عبر تفريغ عذاباته النرجسية، وكابوس الموت الذي ظل يساكنه.


جوائز «غرامي»: أوليفيا دين أفضل فنانة جديدة... و«أغنية العام» لبيلي إيليش

أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)
أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)
TT

جوائز «غرامي»: أوليفيا دين أفضل فنانة جديدة... و«أغنية العام» لبيلي إيليش

أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)
أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)

فازت بيلي إيليش بجائزة أغنية العام عن أغنيتها وايلد فلاور في حفل جوائز «غرامي»، بينما فاز الدالاي لاما، بأول جائزة له عن فئة الكتاب الصوتي والسرد وتسجيل القصص، متفوقا على قاضية المحكمة العليا كيتانجي براون جاكسون.

وفازت أوليفيا ​دين بجائزة أفضل فنانة جديدة، ‌في ‌تتويج ‌لمسيرتها ⁠الفنية السريعة ​التطور ‌من عازفة في شوارع لندن إلى نجمة عالمية لامعة، وتفوقت ⁠المغنية وكاتبة ‌الأغاني ‍البريطانية ‍على منافسين ‍من بينهم لولا يونج صاحبة الشهرة الواسعة على ​الإنترنت، لتصبح أحدث المنضمات إلى ⁠سلسلة المواهب الصاعدة من أديل إلى دوا ليبا التي بشرت بداياتها الموفقة بتأثير طويل الأمد.

أوليفيا دين وجائزة غرامي لأفضل فنانة جديدة (رويترز)

وتقام الدورة الثامنة والستون لحفل توزيع جوائز غرامي السنوية، أرفع الجوائز في مجال الموسيقى، مساء الأحد.

الموسيقي الأميركي الكندي روفوس وينرايت مستلماً جائزته (ا.ف.ب)

وقال الموسيقي الأميركي الكندي روفوس وينرايت مازحا في خطاب قبول الجائزة: «أنا لست الدالاي لاما. لقد كان من قبيل الامتياز المشاركة في هذا المشروع».

وفازت أغنية «غولدن» من «كي- بوب ديمون هانترز» بجائزة أفضل أغنية مكتوبة لوسائل الإعلام المرئية في حفل الافتتاح، وهي المرة الأولى التي تفوز فيها موسيقى «الكي- بوب» بجائزة غرامي.

الملحن السويدي لودفيج غورانسون يحمل جائزتي غرامي لأفضل موسيقى تصويرية (إ.ب.أ)

وألقى كتاب الأغاني خطاب قبولهم باللغتين الإنجليزية والكورية، مما يسلط الضوء على الجاذبية الثنائية اللغة للأغنية.

وذهبت جائزة أفضل فيلم موسيقي إلى «ميوزيك فور جون ويليامز»، مما يعني أن المخرج ستيفن سبيلبرج قد فاز رسمياً بأول جائزة غرامي له. وهذا يجعله فائزا بلقب «إيجوت» وهو الفنان الذي فاز بجوائز إيمي، وغرامي، وتوني، وأوسكار.