عشرات الجرحى في أسوأ تخريب إسرائيلي في المسجد الأقصى منذ عام 1969

اتهامات لتل أبيب ببدء تطبيق مخطط التقسيم.. وتحذير من حرب دينية

امرأة فلسطينية ترفع نسخة من المصحف الكريم بوجه عناصر أمن إسرائيليين يسدون شارعا يؤدي إلى المسجد الأقصى أمس (أ.ف.ب)، فلسطيني يخرج سجادة محترقة من داخل المسجد الأقصى بعد الاعتداء الإسرائيلي أمس (أ.ف.ب)
امرأة فلسطينية ترفع نسخة من المصحف الكريم بوجه عناصر أمن إسرائيليين يسدون شارعا يؤدي إلى المسجد الأقصى أمس (أ.ف.ب)، فلسطيني يخرج سجادة محترقة من داخل المسجد الأقصى بعد الاعتداء الإسرائيلي أمس (أ.ف.ب)
TT

عشرات الجرحى في أسوأ تخريب إسرائيلي في المسجد الأقصى منذ عام 1969

امرأة فلسطينية ترفع نسخة من المصحف الكريم بوجه عناصر أمن إسرائيليين يسدون شارعا يؤدي إلى المسجد الأقصى أمس (أ.ف.ب)، فلسطيني يخرج سجادة محترقة من داخل المسجد الأقصى بعد الاعتداء الإسرائيلي أمس (أ.ف.ب)
امرأة فلسطينية ترفع نسخة من المصحف الكريم بوجه عناصر أمن إسرائيليين يسدون شارعا يؤدي إلى المسجد الأقصى أمس (أ.ف.ب)، فلسطيني يخرج سجادة محترقة من داخل المسجد الأقصى بعد الاعتداء الإسرائيلي أمس (أ.ف.ب)

نفذت القوات الإسرائيلية أمس اعتداء شرسًا على المصلين والمرابطين في المسجد الأقصى، أسفر عن إصابة نحو 50 شخصًا، بينهم نساء وأطفال. وجرى تخريب عدد من المعالم الأثرية وإحراق بعض السجاد، كما طردت قوات الاحتلال وللمرة الأولى الحراس الأردنيين في الموقع.
وجاء ذلك وفق خطة مرسومة سلفًا، بدأت بزيارة استفزازية للمستعمرين اليهود بقيادة وزير الزراعة، أوري أرئيل، وهو نفسه مستوطن مستعمر في الضفة الغربية. واعتبرت القيادات الفلسطينية هذا الاعتداء بمثابة تطبيق عملي لمخطط تقسيم الأقصى بين اليهود والمسلمين، كما هو حال الحرم الإبراهيمي في الخليل. وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس اتهم إسرائيل الجمعة بالسعي إلى تقسيم المسجد «زمانيًا ومكانيًا»، مؤكدًا أن هذا «لن يمر».
وبدأ الاعتداء بانتشار قوات كبيرة تقدر بألف عنصر من الشرطة وحرس الحدود، إضافة إلى العشرات من رجال الشاباك (المخابرات الإسرائيلية)، منذ ساعات الفجر في البلدة القديمة، وطوقت الحرم القدسي الشريف من جميع جهاته، وأغلقت البوابات، ومنعت دخول المصلين. ثم بدأت تدخل المستعمرين اليهود كمجموعات، عبر باب المغاربة، إلى باحة الأقصى، للصلاة بمناسبة عيد رأس السنة العبرية، الذي بدأ أمس. وكان في مقدمة هؤلاء المصلين، الوزير أرئيل، المعروف بدعوته لتقسيم الأقصى وإتاحة الصلاة لليهود في باحاته، علمًا بأن اليهود يصلون عادة أمام حائط البراق (المبكى).
وعندما اقترب المستعمرون من المسجد، خرجت مجموعة كبيرة من الشباب الفلسطيني، نجحوا في التسلل إلى الأقصى، على الرغم من حصار قوات الاحتلال. وراحوا يهتفون «الله أكبر» و«بالروح بالدم نفديك يا أقصى»، فاغتاظ رجال الشرطة، وأسرعوا في إخراج المصلين اليهود، وراحوا يطلقون الغاز المسيل للدموع والعيارات المطاطية، ويطردون الشباب والصبايا، وحتى الأطفال، ويعتدون عليهم بضرب انتقامي عنيف.
وقال الشيخ حسام أبو ليل، النائب الثاني لرئيس الحركة الإسلامية، الذي كان شاهدًا على ما جرى: «إن قوات كبيرة تابعة للاحتلال الإسرائيلي هاجمت المرابطين والمعتكفين في المسجد الأقصى، منذ الفجر، بشكل غير مسبوق. وبدا واضحًا أنه اعتداء مخطط سلفًا، فقد انهالت علينا مئات قنابل الدخان الخانقة وقنابل الصوت، وغيرها، وأخلوا المسجد من المرابطين بالقوة، وذلك من أجل اقتحام أماكن وجودهم داخل الحرم القدسي. وكان من نتائج اعتداءاتهم تدمير أبواب المسجد الأقصى وشبابيكه التاريخية والأثرية في الجهة القبلية، بواسطة قضبان حديدية، ومن ثم أطلقوا من خلال الفتحات قنابلهم باتجاه المرابطين».
ودارت اشتباكات تخللها كر وفر، وحضر في هذه الأثناء عدد من النواب العرب في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، منهم د. أحمد الطيبي ود. جمال زحالقة، وأسامة السعدي من «القائمة المشتركة»، وتعرضوا للاعتداء عليهم أيضًا. كما اعتدوا على الشيخ عمر الكسواني، مدير المسجد الأقصى المبارك، وكذلك على حراس المسجد الأقصى الأردنيين، ثم قاموا بإخراجهم من باحاته، في خطوة غير مسبوقة.
وذكر رضوان عمرو، رئيس قسم المخطوطات والتراث في المسجد الأقصى، أن 32 من نوافذ المسجد دمرت بالكامل أو لحقت بها أضرار وان أحد الأبواب دمر، بينما احترق السجاد في 12 موقعًا.
وأضاف في اتصال هاتفي مع وكالة «رويترز»: «ما حصل اليوم في المسجد الأقصى لم يحصل منذ عام 1969. أنا قمت بجولة مع رئيس قسم الإعمار في المسجد وقدرنا هذه الأضرار أنها بحاجة إلى ثلاث سنوات من العمل المتواصل». وتابع: «الأبواب الخشبية دمرت. أحد الأبواب قلع بالكامل ورمي على الأرض وهناك سبع أو ثماني نوافذ مدمرة بالكامل وهناك معظم النوافذ الخشبية والزجاج نحو 25 أو 30 مدمرة بالكامل. هناك حرائق في أكثر من 12 موقعًا في السجاد داخل المصلى القبلي، إضافة إلى حريق في غرف الحراس، وهناك تدمير كامل في الإنذار المبكر للحرائق في المصلى القبلي».
بدوره، قال قاضي قضاة فلسطين، د. محمود الهباش، إن الاعتداء بالطريقة التي تم فيها، يوضح بما لا يقبل الشك أن الاحتلال قرر التقسيم عمليًا. وأضاف: «هذا يعني أن إسرائيل تبادر إلى شن حرب دينية». وحذر الهباش العالم، والغرب بشكل خاص، من خطورة اندلاع حرب دينية، وقال: «إننا لا نريدها. لكن الصمت الدولي سيجعل هذه الحرب تتطور، إلى أن يبدأ لهيبها في إحراق الأخضر واليابس. والأحمق هو الذي لا يدرك أن حربًا كهذه ستصيب الغرب أيضًا، ولن تقتصر على الشرق الأوسط وفلسطين».
بدوره، قال النائب أحمد الطيبي، إن الاحتلال الإسرائيلي كان قد وعد العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، في عمان، قبل نحو السنة، بألا يتم تغيير الوضع القائم في الأقصى، وألا يدخل وزراء إسرائيليون إلى الحرم القدسي «وها هو ينكث العهد». وتوجه الطيبي إلى العالم قائلاً: «نحن نرابط في الأقصى ليل نهار. لكن الرباط، على أهميته القصوى، لم يعد كافيًا لحماية الأقصى. فهناك مخطط إسرائيلي واضح، أن يسرقوا قسمًا من الأقصى أيضًا، وإن لم يتم التصدي له فإنهم سيواصلون تنفيذه».
من جهة ثانية، أكد وزير الأمن الداخلي، جلعاد أردان، الشبهات حين قال: «حان الوقت لتنظيم صلوات اليهود في جبل البيت (باحات الأقصى)». وطالب بسن قانون لفرض الاعتقال الإداري على المرابطين والمرابطات في الأقصى الذين يتصدون للمستعمرين.
وأدانت الحكومة الأردنية اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي باحات المسجد الأقصى. وعبر وزير الدولة لشؤون الإعلام الناطق، الرسمي باسم الحكومة، محمد المومني، عن رفض الأردن المطلق لهذه الأعمال، محذرًا من محاولات استمرار تغيير الأمر الواقع من قبل إسرائيل. وطالب المومني في بيان أصدره، الحكومة الإسرائيلية بالتوقف عن استفزازاتها ومنع الاعتداءات على الأماكن المقدسة، مؤكدًا أن الأردن سيستمر بالتصدي لكل المحاولات والإجراءات الإسرائيلية ضد الأماكن الإسلامية والمسيحية، والقيام بواجبه تجاه المسجد الأقصى. وجدد التأكيد على ضرورة الالتزام بنتائج اللقاء الثلاثي، بين الملك عبد الله الثاني ووزير الخارجية الأميركي جون كيري، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014 بالحفاظ على الوضع القائم في الأماكن المقدسة في القدس الشرقية، وعدم المساس بها بأي شكل من الأشكال، واحترام الدور الأردني الهاشمي التاريخي في الحفاظ على الأماكن المقدسة في القدس ورعايتها. وتعترف إسرائيل التي وقعت معاهدة سلام مع الأردن في 1994 بإشراف المملكة الأردنية على المقدسات الإسلامية في مدينة القدس. وقال فراس الدبس من دائرة الأوقاف لوكالة الصحافة الفرنسية: «هذه المرة الأولى التي يقومون فيها بإجلاء كل الحراس»، موضحًا: «أصيب اثنان منهم بالرصاص المطاطي». وأضاف: «أصيب مدير المسجد الأقصى عمر الكسواني أيضًا وتم اعتقاله». وبحسب الدبس فإن «الشرطة التي كانت على السطح قامت بكسر نوافذ تاريخية من أجل إطلاق قنابل اليدوية داخل المسجد».
وفي وقت لاحق أمس، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعد المواجهات أنه يريد الحفاظ على الوضع الراهن في المسجد الأقصى. وقال نتنياهو في بيان، إن «إسرائيل ستتحرك بكل الوسائل للحفاظ على الوضع الراهن في جبل الهيكل»، الاسم الذي يطلقه اليهود على المسجد الأقصى. ونبه نتنياهو إلى أن «من واجبنا ونحن قادرون على التحرك ضد مثيري الشغب لإتاحة حرية الصلاة في هذا المكان المقدس. سنتحرك بحزم ضد رماة الحجارة وزجاجات المولوتوف».
والوضع الراهن الموروث من حرب 1967 يجيز للمسلمين الوصول إلى المسجد الأقصى في كل ساعة من ساعات النهار والليل، ولليهود بدخوله في بعض الساعات، لكن لا يجيز لهم الصلاة هناك. ويسمح لغير المسلمين بزيارة المسجد الأقصى من الساعة السابعة صباحًا حتى الحادية عشرة صباحًا يوميًا ما عدا الجمعة والسبت.
وجرت صدامات مماثلة في نوفمبر الماضي اتخذت السلطات الإسرائيلية على أثرها قرارًا نادرًا بإغلاق باحة المسجد الأقصى مما تسبب بأزمة دبلوماسية مع الأردن.



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».