السعودية: هندي تسكنه المأساة بعد 10 أعوام على «تفجيرات الرياض»

ذكرى «تفجيرات 2003»: قصص مأساوية لا تفارق ناجين ينتظرون الحكم على «خلية الدندني»

السعودية: هندي تسكنه المأساة بعد 10 أعوام على «تفجيرات الرياض»
TT

السعودية: هندي تسكنه المأساة بعد 10 أعوام على «تفجيرات الرياض»

السعودية: هندي تسكنه المأساة بعد 10 أعوام على «تفجيرات الرياض»

كان بشير العامل الهندي في مجمع الحمراء شرق مدينة الرياض يحاول جاهدا تسديد كرة صحيحة إلى خصمه في ملعب الكريكيت، عندما هز انفجار ضخم المجمع وحول ليل الاثنين 12 مايو (أيار) 2003 إلى جحيم.
لم يدرك بشير ورفاقه الذين كانوا يلعبون الكريكيت ما حدث في بداية الأمر، فالصدمة كبيرة والانفجارات الهائلة تتوالى وإطلاق الرصاص لا يهدأ، وأصوات استغاثة الناس تسمع في أرجاء مجمع الحمراء الذي استهدفه عناصر من تنظيم القاعدة في عملية إرهابية أطلقوا عليها «غزوة الرياض».
وتحدث بشير الذي نجا من تفجيرات مجمع الحمراء عن تفاصيل ذلك اليوم الذي لا ينساه رغم مرور 10 أعوام على حدوث التفجيرات، واصفا ما حدث بـ«ليلة الرعب» التي نشرت الهلع والدمار بين الأهالي.
وقال بشير لـ«الشرق الأوسط»: «19 فيللا دمرت تماما، والسيارات سحقت نتيجة شدة الانفجار، إلا أن ذلك لم يكن كافيا للمهاجمين فبدأوا إطلاق وابل من الرصاص على من يصادفون داخل المجمع، وأذكر أن السكان حينها بدأوا الركض في كل اتجاه بحثا عن ابن أو قريب تصادف وجوده قرب المواجهات رغم خطورة الوضع».
ولفت إلى أن العاملين في المجمع لم يذوقوا طعم النوم لثلاثة أيام متواصلة بعد هذه التفجيرات، لأنهم عملوا على تسلم البلاغات من السكان ومحاولة تسيير الأمور، خصوصا عقب انقطاع الماء والكهرباء لأكثر من أسبوع عن المجمع بأسره.
ولم يبقَ شيء في المجمع كما كان، كما قال العامل بشير: «كل شيء تغير بعد مرور 10 أعوام على هذه الحادثة الأليمة، وموقع الانفجار والدمار أصبح الآن حديقة بمثابة ذكرى لضحايا الهجمات، وننتظر بفارغ الصبر إصدار الحكم القضائي بحق المتهمين».
ولكن بشير ورفاقه لم يعلموا وقت حدوث التفجيرات في مجمع الحمراء أن ساكني مجمعين آخرين في الرياض يعيشون تفاصيل «ليلة الرعب» ذاتها، إذ هاجم 9 مسلحين وانتحاريين بأربع سيارات مفخخة ثلاثة مجمعات سكنية في وقت متزامن شرق مدينة الرياض، هي مجمع درة الجداول ومجمع شركة «فينيل» إضافة إلى مجمع الحمراء، وأسفر عن تفجير المجمعات الثلاثة 34 قتيلا، منهم سبعة سعوديين وأردنيان وثلاثة فلبينيين ولبناني وسويسري وآيرلندي وسبعة أميركيين وأسترالي واحد، إضافة إلى منفذي العمليات الانتحارية، أما الجرحى فبلغوا 194 شخصا من جنسيات مختلفة.
وفي غضون شهرين من التفجيرات تمكنت الأجهزة الأمنية من القبض على 124 شخصا من جنسيات مختلفة، لهم صلة مباشرة بالتفجيرات، منهم 34 شخصا في الرياض، و43 شخصا في المدينة المنورة، و27 رجلا و5 نساء في مكة المكرمة، إضافة إلى عدد ممن لهم صلات غير مباشرة.
وكان الانفجار الذي وقع في منزل في مدينة الرياض عام 2003م مقدمة لظهور نشاط تنظيم القاعدة في السعودية، إذ حاول فهد الصاعدي تصنيع قنبلة بطريقة بدائية في الخامس عشر من شهر مارس (آذار) 2003م، لكن القنبلة انفجرت فيه، ما أدى إلى مقتله في حي الجزيرة شرق مدينة الرياض.
وعقب ثلاثة أشهر، ضبط رجال الأمن كمية من المتفجرات والأسلحة والذخائر قرب عدد من المجمعات السكنية الخاصة في الحي ذاته، ما استدعى تشديد الاحترازات الأمنية عند المجمعات كافة تحسبا لوقوع أي عملية لتنظيم القاعدة.
ولم تمضِ سوى ستة أيام على كشف رجال الأمن هوية المتورطين في العمليتين السابقتين، وإعلان وزارة الداخلية السعودية عن أولى قوائمها للمطلوبين الأمنيين التي تضمنت 19 شخصا، حتى سمع دوي الانفجارات الثلاثة في العاصمة السعودية.
وفي الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2003 هزت انفجارات مجمع المحيا السكني غرب مدينة الرياض، إذ مر أفراد من تنظيم القاعدة مستقلين سيارة من طراز «مكسيما» أمام مجمع المحيا السكني، وألقوا قنابل يدوية على الحراسات الموجودة أمام بوابة المجمع وأطلقوا وابلا من النار عليهم، وأعقب ذلك إدخال المجموعة المهاجمة سيارة جيب مطلية بلون أحد القطاعات الأمنية ومحملة بمتفجرات تزن 300 كيلوغرام إلى المجمع وتفجيرها في عملية انتحارية نتج عنها وفاة 17 شخصا وإصابة 122 من جنسيات مختلفة، وجرى التعرف على اثنين من منفذي التفجيرات من خلال فحص الحمض النووي.
وبعد عمليات أمنية عدة من العام ذاته، تمكنت الأجهزة الأمنية من إحباط محاولات عدة لتفجير مواقع متفرقة، إضافة إلى مداهمة استراحات ومزارع وعمائر سكنية في مختلف المدن السعودية (مكة وجدة والقصيم وجازان والرياض)، أدت إلى القبض على خلايا عدة من التنظيم ومقتل عدد آخر.
وعقب التفجيرات التي طالت عددا من المجمعات السكنية عام 2003، أعلنت وزارة الداخلية عن أولى قوائمها الأمنية لـ26 مطلوبا، كان على رأس قائمتها عبد العزيز المقرن، راصدة مكافآت مالية بلغت مليون ريال سعودي لكل من يدلي بمعلومات تؤدي إلى القبض على أحد المطلوبين أمنيا، وخمسة ملايين ريال لكل من يدلي بمعلومات تؤدي إلى القبض على مجموعة من المطلوبين، وسبعة ملايين ريال لكل من يسهم في إحباط عمل إجرامي.
وقبل أن ينتهي عام 2003 بث التلفزيون السعودي عبر قناته الأولى حوارا أجراه الشيخ عائض القرني مع عدد ممن تراجعوا عن أفكارهم، مثل الشيخ علي بن خضير الخضير الذي أعلن تراجعه عن الفتاوى التكفيرية السابقة في أكتوبر (تشرين الأول) 2003م، إضافة إلى حوار آخر مع الشيخ ناصر الفهد والشيخ أحمد الخالدي، كما أن الشيخ عائض القرني نفسه تراجع عما حمله من فكر مشابه لسابقيه قبل هذا التوقيت بثلاثة أشهر.
إلا أنه في الأعوام الثلاثة التالية تحولت المواجهات الأمنية وأخذت منحى آخر من خلال الضربات الأمنية الاستباقية لعدد من أفراد وخلايا تنظيم القاعدة في المدن السعودية قبل تنفيذ العمليات، أسفرت إحداها عن مقتل 6 من رجال الأمن خلال محاولة إلقاء القبض على المطلوب خالد بن جوير الفراج.
وكان لما حققته الأجهزة الأمنية منذ 2004 من نجاح كبير في رصد وتعقب المطلوبين وإلقاء القبض على عدد منهم ومقتل عدد آخر، دور كبير في رفع حدة سخونة الأحداث في العام ذاته في المدن السعودية كافة، إذ شهد ذلك العام تفجيرا انتحاريا أمام مبنى المرور بالرياض أسفر عن مقتل 6 أشخاص وإصابة أكثر من 200 موظف مدني وعسكري، تلا ذلك عملية ينبع في مايو 2004 التي أسفرت عن مقتل خمسة غربيين وإصابة 18 آخرين بعد إطلاق النار من قبل 4 أفراد من تنظيم القاعدة على العاملين في المقر، وشهدت مدينة الخبر أيضا في 30 مايو 2004 إطلاق نار كثيفا من قبل 4 مطلوبين على مقر إحدى الشركات والهجوم على مجمع «واحة عبد العزيز»، واستمرت العملية الأمنية حتى صباح اليوم التالي، ثم استيقظ أهالي مدينة جدة صباح يوم الاثنين 6 ديسمبر (كانون الأول) 2004 على صوت انفجار قنابل ألقاها 5 أفراد من التنظيم على بوابات القنصلية الأميركية في جدة لحظة دخول إحدى السيارات التابعة للقنصلية، تمكنوا إثر ذلك من دخول محيط القنصلية ومحاولة إحراق أحد المباني، أسفرت عن مقتل ثلاثة منهم وإصابة اثنين، كما نتج عن ذلك مقتل 5 من الموجودين في موقع الهجوم وإصابة 8 أشخاص.
وأوضح رئيس حملة السكينة عبد المنعم المشوح أن المرحلة الثانية لتنظيم القاعدة التي أعقبت التأسيس والتكوين بدأت في عام 2003، بعد بدء تنفيذ مواجهات ميدانية مباشرة.
وأضاف أن الإحاطة بخارطة التنظيم الفكرية وإدراك المؤثرات عليها كان سهلا خلال عام 2003 وحتى 2006 جراء تناثر التنظيم حينها، إذ بدأت جماعات متناثرة وأفراد الدخول إلى تنظيم القاعدة حاملة أجنداتها الخاصة، ما جعل المواجهة الفكرية أكثر تعقيدا، وهو ما دفع إلى إنشاء «حملة السكينة» في عام 2006 المتخصصة بالتأصيل والتحصين عبر شبكة الإنترنت.
وأشار إلى أن معسكرات المجاهدين العرب في أفغانستان ومضافاتهم في باكستان كانت محاضن فكرية تقوم بالتجنيد الفكري أكثر من كونه تجنيدا عسكريا بعد أن وجدت الجماعات الكبرى في تلك المحاضن فرصة لفتح آفاق جغرافية وبشرية حتى شهدت تلك المحاضن صراعا قويا بين تيارين أساسيين: هما تيار الإخوان الذي كان محظورا في مناطق عربية كثيرة، وجد فرصة أمامه للتنفيس خارج إطار الحظر، أما التيار الثاني فكان التيار الجهادي.
إلا أنه على رغم تجاور المجموعات والتيارات في المضافات لم تكن لتجمعهم أدبيات واضحة ومحددة. وأضاف المشوح أن المسائل الجهادية ومسائل السياسة الشرعية كانت خاضعة حينها للاجتهادات الفردية التي لم يتسق بعضها مع تطلعات تيار الجهاد ولا حتى التيار الإخواني.



واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور «التفاوض تحت النار»؛ إذ نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بعدما اتهم طهران بالمماطلة و«اللعب على الوقت»، وأمر بموجة ضربات على أهداف في جنوب إيران، شملت، بحسب مسؤولين أميركيين، منظومات دفاع جوي ورادارات ووحدات قيادة وسيطرة للطائرات المسيّرة. كذلك، لم تعد واشنطن تعرض القوة باعتبارها رداً محدوداً على إسقاط مروحية «أباتشي» أميركية قرب مضيق هرمز فحسب، بل كأداة ضغط لإجبار إيران على القبول باتفاق بشروط أميركية. وبهذا المعنى، انتقلت إدارة ترمب من الردع الدفاعي إلى «الدبلوماسية القسرية» المكشوفة. وتصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، بأن واشنطن «ستفاوض بالقنابل إذا لزم الأمر»، أوضحت الهدف السياسي من الضربات. لكن المفارقة الخطرة أن استخدام القوة لتقصير طريق الاتفاق قد يدفع طهران إلى رد يوسّع الاشتباك، ويفتح الباب أمام حرب تقول واشنطن إنها لا تريدها.

بدأ التصعيد الأخير في «الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية» بردّ أميركي على إسقاط مروحية من نوع «أباتشي» في منطقة مضيق هرمز. وفي حينه بدت الضربات الأولى محسوبة: استهداف رادارات ومنظومات دفاعية ومواقع تحكّم، مع الحرص على تجنب سقوط قتلى إيرانيين يفرضون على طهران ردّاً أكبر. إلا أن موجة الأربعاء غيّرت المعنى السياسي والعسكري للعملية. ذلك أن الضربة الثانية لم تُقدَّم فقط بوصفها انتقاماً من حادث بعينه، بل كجزء من قرار أميركي بزيادة الكلفة على إيران كلما تأخرت في توقيع اتفاق.

أكبر من رسالة وأقل من حرب

هذا التدرّج يشرح حسابات ترمب، أي: ضربات كبيرة بما يكفي لإيصال رسالة، ومحدودة بما يكفي لتجنب حرب شاملة.

إنه يريد إثبات أن تهديداته ليست كلاماً انتخابياً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام صفقة. غير أن المعادلة باتت أكثر هشاشة، بعدما تحوّلت التهديدات إلى ضربات مباشرة داخل أراضٍ إيرانية حساسة بجنوب البلاد وقرب مضيق هرمز.

فرزين نديمي، الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى»، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الطرفين يحاولان في هذه المرحلة «فرض إرادتيهما ووضع القواعد». وهنا لا يستبعد نديمي كلياً أن يكون اصطدام المسيّرة الإيرانية بالمروحية الأميركية حادثاً غير مقصود، لكنه يقرأ السلوك الإيراني في سياقه الأوسع، أي أنه محاولة لإظهار مَن يملك اليد العليا في المضيق، والتدخل في العمليات الأميركية، واختبار حدود الردع الأميركي. ولذا، في رأيه، جاء رد ترمب السريع على أهداف عسكرية داخل إيران لإفهام طهران أن العبث بحرية الحركة الأميركية في الخليج لن يبقى بلا ثمن.

في المقابل، تدرك واشنطن أن مقتل جنود أميركيين أو إصابة منشآت خليجية كبرى قد يخرج الأزمة من دائرة «الضغط من أجل الاتفاق» إلى دائرة الحرب. ولهذا فإن عبارة «الضرب من أجل التفاوض» لا تلغي خطر الانزلاق، بل تكشف عنه. فالقوة هنا محاولة لإعادة ترتيب الطاولة قبل الجلوس إليها، لكن الطرف الآخر قد يردّ على الطاولة نفسها بالقوة أيضاً.

ربط الساحات

في خلفية التصعيد، تواصل إيران العمل بمنطق «ربط الساحات». وهي اليوم لا تتعامل مع مضيق هرمز، والملف النووي، ولبنان، وإسرائيل، والقواعد الأميركية كملفات منفصلة، بل تحاول تحويلها إلى أوراق داخل مساومة واحدة مع واشنطن: فإذا ضُغط عليها نووياً، لوّحت بالملاحة؛ وإذا استُنزف «حزب الله» في لبنان، أمكنها التصعيد ضد إسرائيل أو في الخليج؛ وإذا طُلبت منها تنازلات قاسية، حضرت ورقة القواعد الأميركية والسفن ومنشآت النفط.

نديمي، بالتالي، يضع المسألة في إطارها السياسي الأوضح. فهو يقول إن النظام الإيراني يريد إدخال لبنان، أو على الأقل بيروت وضواحيها، في أي «صفقة» مع الولايات المتحدة، لكنه يستبعد قبول إسرائيل بذلك. وبحسب هذه القراءة، لا يقتصر «ربط الساحات» على تحريك حلفاء أو إطلاق صواريخ، بل يشمل أيضاً استخدام خطر اشتعال الجبهة الإيرانية - الإسرائيلية، وتهديد المضيق والقواعد الأميركية، من أجل منع إسرائيل من استكمال تقويض «حزب الله» في لبنان، ومنع الدولة اللبنانية من احتكار القرارين الأمني والعسكري.

لكن هذه الاستراتيجية تعكس القدرة على التعطيل أكثر مما تعكس قدرة على فرض تسوية مستقرة؛ فإيران تستطيع إرباك الملاحة، لكنها لا تتحمل إغلاقاً طويلاً للمضيق من دون رد عسكري واقتصادي واسع. وهي تستطيع أيضاً استخدام «حزب الله» كورقة ردع، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة بناء موقعه السابق بعد الحرب والضربات الإسرائيلية والضغط الأميركي. ثم إن تفوّق الولايات المتحدة وإسرائيل الجوي والاستخباراتي يجعل كلفة المواجهة المفتوحة باهظة.

لا تتعامل واشنطن مع هرمز والنووي ولبنان وإسرائيل والقواعد الأميركية كملفات منفصلة

مضيق هرمز: ورقة الضغط الأخطر

يبقى مضيق هرمز قلب الأزمة. فإسقاط المروحية الأميركية، والحديث عن مضايقة السفن، والضربات على الرادارات والدفاعات الجوية في الجنوب الإيراني، عناصر تؤكد أن الصراع على المضيق صار أحد مفاتيح التفاوض.

واشنطن تريد تثبيت أن المرور في هذا الشريان العالمي لن يخضع لإذن إيراني، وأن أي محاولة لفرض «رسوم سياسية» أو أمنية على الملاحة ستواجه بالقوة. أما إيران فتريد إثبات أن أي اتفاق يتجاهل قدرتها على التأثير في المضيق سيكون اتفاقاً ناقصاً.

وتنسجم هذه القراءة مع ما يقوله نديمي عن أن طهران لا تختبر فقط قدرة واشنطن على الرد، بل تختبر أيضاً مدى استعدادها لفرض قواعد اشتباك جديدة في الممر البحري الأكثر حساسية في العالم. وهي مع محاولة إظهار اليد العليا في المضيق لا تهدف فقط إلى إحراج الجيش الأميركي، بل إلى تثبيت فكرة أن أي تفاهم حول النووي أو العقوبات أو خفض التصعيد لا يمكن أن يتجاهل موقع إيران الجغرافي وقدرتها على تهديد خطوط الطاقة.

هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر بعد كشف ترمب عن عمليات أميركية لمرافقة سفن تجارية عبر المضيق، وكلامه عن استمرار تدفق كميات كبيرة من النفط على الرغم من التهديدات الإيرانية. وحتى لو بالغ في تصوير العملية باعتبارها «سرية»، تظل الرسالة السياسية واضحة وهي واشنطن تريد كسر الانطباع بأن إيران تستطيع خنق السوق النفطية العالمية متى شاءت. فاضطراب التأمين والشحن يمنح طهران ورقة ضغط، بينما نجاح واشنطن في تأمين المرور يضعفها.

... لبنان داخل «الصفقة الكبرى»

وسط هذه المواجهة، لا يغيب لبنان عن الحسابات الإيرانية والأميركية والإسرائيلية. فإيران تنظر إلى «حزب الله» باعتباره آخر أوراق نفوذها الكبرى في المشرق، وأي تسوية لا تحمي موقعه أو تمنع استكمال إضعافه ستُقرأ في طهران كهزيمة استراتيجية. لذا تحاول إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إدخال لبنان في أي تفاهم مع واشنطن، أو على الأقل منع إسرائيل من استثمار اللحظة لإعادة رسم ميزان القوى جنوب لبنان.

في المقابل، لا تريد واشنطن أن تتحوّل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى رهينة إيرانية. ويشرح ديفيد شينكر، نائب وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، أن إدارة ترمب تدرك مخاوف الحكومة اللبنانية من مواجهة مباشرة مع «حزب الله»، لذلك تدفع بخطة تقلل احتمالات الصدام تتضمن نشر وحدات الجيش اللبناني في مناطق تكون إسرائيل قد أخلتها من عناصر الحزب ومخازنه، ثم تتولى منع عودة المقاتلين والسلاح إليها. ويضيف شينكر أن عودة السكان، وبالذات الشيعة، قد تمنح الحكومة رصيداً إذا نجحت في تأمين المناطق. لكنه يحذّر من أن «حزب الله» سيختبر الجيش ويحاول إعادة بناء حضوره، وأن الخطة ستفشل ما لم يتخذ الجيش خطوات فعلية لمنع ذلك.

هنا تدخل العقوبات الأميركية كأداة ضغط موازية للضغط العسكري في الخليج. وبحسب شينكر، فإن صدور عقوبات جديدة مسألة «شبه مضمونة»، وأن استهداف معاوني رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأمنيين «كان رسالة بأنه نفسه سيحاسَب إذا عرقل المسارين السياسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل». أما العقوبات على ضباط في الأمن العام واستخبارات الجيش، فهي في رأيه أهم؛ لأنها تستهدف نمطاً قديماً من التنسيق والتسريب والتعايش بين مؤسسات أمنية لبنانية و«حزب الله». وبالتالي، فالرسالة الأميركية ليست موجهة إلى الحزب وحده، بل أيضاً إلى بنية الدولة التي سمحت له بالبقاء داخل القرار الأمني.

عقدة «النووي» والصفقة الناقصة

في سياق متصل، في قلب التصعيد كله، تبقى المفاوضات النووية. فواشنطن لا تريد تهدئة عسكرية فقط، بل «اتفاقاً ذا معنى»، كما قال ترمب، يقيّد البرنامج النووي الإيراني لسنوات.

الملفات المطروحة معقدة: تعليق التخصيب، التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، تعطيل أو تفكيك منشآت رئيسية، وقبول تفتيش مفاجئ. وهذه ليست تنازلات تقنية بسيطة، بل تمسّ ما تعدّه إيران سيادة وطنية ورمزاً لقدرتها على تحدي الضغوط الغربية.

لذلك، تبدو طهران مترددة. فهي تريد تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة والاعتراف بدورها الإقليمي، لكنها لا تريد الظهور كأنها وقّعت تحت القصف.

ثم إنها تخشى من أن يؤدي اتفاق نووي صارم إلى تقليص أوراق قوتها من دون ضمانات لبقاء نفوذها الإقليمي. لكن مغادرة الوفد القطري المفاوض للعاصمة طهران، مساء الأربعاء، من دون تحقيق أي خرق دبلوماسي، أكدت أن الفجوة لا تزال عميقة. وفي المقابل، يعتقد ترمب أن الوقت الذي منحته واشنطن لإيران استُهلك بلا نتيجة، وأن الضربات قد تكسر المراوحة وتدفع طهران إلى قرار سريع.

الدبلوماسي الأميركي المخضرم دينيس روس رأى في مقالة رأي أن لجوء ترمب لسياسات الضغط القصوى دفع القادة الإيرانيين إلى الشعور بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، فاستخدموا أوراقاً قصوى كتعطيل الملاحة. لكن روس يشدد على أن الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار، وأن تدمير الرادارات والدفاعات الجوية وشبكات المياه - كما حدث في مقاطعة سيريك الإيرانية - يعمّق أزمات النظام الداخلية.

ويضيف روس أن «الخطر الأكبر ليس في انهيار المفاوضات فقط، بل في التوصل إلى صفقة ناقصة». فقد ينجح الطرفان في وقف الضربات وفتح المضيق وتجميد بعض عناصر البرنامج النووي، لكن من دون معالجة آليات التصعيد الأخرى، مثل: المضايقات البحرية، ونشاط «حزب الله» في لبنان، وحرية إسرائيل في تنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية أو حليفة لإيران. عندها لن تنتهي الحرب، بل سيعاد تنظيمها في اشتباكات محسوبة قابلة للانفجار في أي لحظة.

أيضاً فإن تخفيفاً اقتصادياً واسعاً وغير مشروط للعقوبات قد يمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترميم قدراته وشبكاته الإقليمية، بينما قد يدفعه الضغط بلا أفق سياسي إلى تصعيد أوسع. لذلك تبدو واشنطن أمام توازن بالغ الدقة: أن تقدم لإيران مخرجاً لا يبدو إنقاذاً مجانياً، وأن تفرض قيوداً لا تجعل التوقيع مستحيلاً، وأن تردع من دون أن تنزلق إلى حرب لا تريدها.


أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخطوط العريضة لاتفاق نووي محتمل مدته 15 سنة، يتجاوز مجرد تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز المغلق منذ ما يزيد على 100 يوم. وبحسب صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، الخلاصات الأساسية لهذه المفاوضات المعقدة، تتمحور حول أربعة ملفات شائكة:

- مدة تعليق التخصيب: تطالب واشنطن بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً، في حين تصر طهران على 10 سنوات، مع وجود مؤشرات على إمكانية التسوية عند 15 عاماً.

- مصير المخزون المخصب: تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـ«تخفيف» كامل المخزون الإيراني البالغ 11 طناً (بما في ذلك الوقود القريب من درجة إنتاج الأسلحة)، وسط خلاف حول ما إذا كان التدمير سيجري محلياً أم بنقله خارج البلاد.

- تفكيك المنشآت الحصينة: تصرّ واشنطن على التفكيك التام لمواقع نطنز وفوردو وأصفهان، التي تضررت سابقاً في ضربات «مطرقة منتصف الليل»، بينما ترفض إيران التخلي عما تسميه «حق التخصيب» وتطالب بالإبقاء على منشأة واحدة مفتوحة.

- التفتيش الفجائي والصارم: يطالب الجانب الأميركي بمنح المفتشين الدوليين صلاحية الدخول «في أي وقت وإلى أي مكان»، وهو ما يواجه ممانعة إيرانية شديدة؛ نظراً لوجود العديد من المواقع المشتبه بها داخل القواعد العسكرية المغلقة التابعة لـ«الحرس الثوري».

وتُظهر الخلاصات أن أي اتفاق نووي مستقبلي - رغم أفضليته الفنية مقارنة باتفاق عام 2015 - سيبقى رهينة لمدى التزام النظام الإيراني على أرض الواقع، وقدرته على كبح جماح التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري»، الذي يرى في هذه الشروط استسلاماً كاملاً. وهو ما يفسر لجوء طهران لرفع وتيرة التصعيد العسكري كأداة لتحسين شروط التفاوض هرباً من تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر بقاء النظام ونفوذه الإقليمي.


أوكرانيا: تسجيل أكبر عدد من القتلى المدنيين في شهر واحد منذ 3 أعوام

رجال إنقاذ أوكرانيون يعملون في موقع غارة روسية على مبنى خاص بخاركيف شمال شرقي أوكرانيا يوم 6 مايو 2026 (إ.ب.أ)
رجال إنقاذ أوكرانيون يعملون في موقع غارة روسية على مبنى خاص بخاركيف شمال شرقي أوكرانيا يوم 6 مايو 2026 (إ.ب.أ)
TT

أوكرانيا: تسجيل أكبر عدد من القتلى المدنيين في شهر واحد منذ 3 أعوام

رجال إنقاذ أوكرانيون يعملون في موقع غارة روسية على مبنى خاص بخاركيف شمال شرقي أوكرانيا يوم 6 مايو 2026 (إ.ب.أ)
رجال إنقاذ أوكرانيون يعملون في موقع غارة روسية على مبنى خاص بخاركيف شمال شرقي أوكرانيا يوم 6 مايو 2026 (إ.ب.أ)

أحصت الأمم المتحدة أكبر عدد من القتلى والجرحى من المدنيين في شهر واحد في أوكرانيا منذ أبريل (نيسان) 2022، حيث قتل ما لا يقل عن 274 شخصا وأصيب 1763 آخرون في مايو (أيار)، وفقا لتقرير صادر عن مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان.

وذكر التقرير الصادر يوم الجمعة إن ذلك يمثل زيادة بنسبة 93 في المائة مقارنة بشهر مايو (أيار) 2025، عندما تم تسجيل 191 حالة وفاة و865 إصابة.

وتسببت هجمات الصواريخ والطائرات المسيرة في سقوط 45 في المائة من الضحايا، معظمهم في مدن بعيدة عن خط المواجهة مثل كييف ودنيبرو.

وبالقرب من الجبهة، كانت الطائرات المسيرة قصيرة المدى هي السبب الرئيسي للخسائر في صفوف المدنيين: قتل عدد أكبر من الأشخاص 64 شخصا وأصيب 539

بسبب الطائرات المسيرة في شهر واحد في مايو مقارنة بأي وقت مضى منذ بدء الحرب.

ووفقا للأمم المتحدة، قتل أكثر من 16 ألف مدني وأصيب أكثر من 46 ألف آخرين منذ بدء الحرب في فبراير (شباط) 2022.

وبسبب عدم القدرة على الوصول إلى الأراضي التي تحتلها روسيا، لم يتم تسجيل جميع الضحايا في إحصاءات الأمم المتحدة.